محمد ديبو

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

دائما عندما تطرح مشكلة الفساد في العالم العربي، تطرح كقضية جزئية قابلة للحل بفعل إجراءات إدارية بحتة تتمثل بمحاسبة موظفين، ووضع قوانين وتفعيل قضاء و..، أي أن موضوع الفساد  مازال يحارب بطريقة إدارية، بعيدا عن النظر إليه كمسألة سياسية تدخل ضمن إطار ما يمكن تسميته بناء الدولة الوطنية القادرة أو السير باتجاه بنائها على الأقل.
وجهة النظر السائدة عربيا في مقاربة الفساد تقول بأن الفساد مشكلة كغيرها من المشاكل الإدارية التي تهدد كيان الدولة والسلطة التي تسعى بصدق لمحاربته، ولكنها لا تمتلك الآليات اللازمة لذلك، بسبب عدم تبلور مفهوم واضح للدولة وبسبب غياب الوعي، وتصل وجهة النظر هذه إلى نتيجة مفادها أن السلطة خاصة في الأنظمة الشمولية تريد محاربة الفساد، ولكنها لا تستطيع وتقف عاجزة أمام تغوله وتمدده في كل شرايين الدولة التي اختزلت بمجرد سلطة بعض الأجهزة.ولكن النظر إلى وجهة النظر السابقة من زاوية نقدية، ربما توضح لنا  أن وجهة النظر السابقة والإصرار على تعميمها شعبيا لتكون مقبولة ومغطاة معرفيا يجعل من وجهة النظر هذه – في أحد وجوهها –  نوع من أنواع الفساد المعرفي الذي تعممه السلطات وأركانها وأزلامها من أشباه المثقفين لإعطاء شرعية ما لأنظمة مستبدة تجعل من الفساد وتعميمه لعبتها المفضلة، في تدجين وتخريب وتركيع وتقطيع أوصال المجتمع الذي تحكمه ،ليغدو قطيعا بحق، فاقدا لكل مقومات النهوض والمقاومة تجاه من ينتهكوه ويسرقوا قوته هذا من جهة ، ومن جهة أخرى تعمل وجهة النظر السابقة عبر تعميمها وترويجها على أنها المقاربة الصحيحة للفساد على إخفاء وتغطية الفساد الحقيقي  مرتين، مرة عندما تغطيه معرفيا بعدم النظر إليه كما هو، أي تعميم الوعي الكاذب والواهم به على أنه هو الصحيح، ومرة عندما تحجب النظر عن الترابط القائم بين الفساد والأنظمة الشمولية، ترابطا يكاد يكون أبديا وفق عقد مقدس غير معلن، بحيث يمكن القول أن الاستبداد لا يستمر دون وجود أجهزة ترعى الفساد وتعممه، ترعاه وتستخدمه مرتين أيضا، مرة لتحقيق مصالح شخصية للأشخاص الممسكين بزمام الأمور( ثراء غير مشروع وجنس ومناصب) ومرة لتحقيق أمن النظام الشمولي، وهكذا يتداخل الفساد الشخصي مع الفساد العام في جدلية معقدة ومتراكبة على أكثر من مستوى، جدلية لا يمكن فهم آلياتها وتركيبتها بسهولة، جدلية لا تسمح لنظيف يد أن يستمر في سلطة أو منصب، لأنه يغدو معيقا لآلية عمل النظام نفسه.
ونظافة اليد هذه أكثر ما تربك النظام الشمولي وتحيره، فهو من جهة بحاجة إلى أشخاص نظيفي اليد ليكونوا واجهة تغطي استبداده وفساده ،  ومن جهة أخرى وهي الأهم أنه بحاجة لهم لإدارة اقتصاد أنهكه الفساد ووصل مرحلة الترنح، هكذا يجد نفسه مضطرا بحكم الحاجة إلى الاستعانة بهم، ولكن إلى حين فقط، لأن الإجراءات التي سيتخذها الخبراء النظيفي اليد، ستعمل في مرحلة أولى على كشف فساد بعض الرؤوس والإطاحة بها وليس للنظام الشمولي في هذا مشكلة أبدا، لأن مصلحته هي الأهم، ولكن بعدها ستمس هذه الإجراءات البنى والأسس التي يقوم عليها النظام ككل، وخاصة الأجهزة التي ترعى أمن النظام وتحميه(لأنها كما قلنا هي شريك أساسي في الفساد بشكل شخصي وبشكل عام)، وهنا يجد النظام نفسه محاصرا بين من يرعون أمنه و”فساده” ويخربون اقتصاده بذات الوقت، الأمر الذي يدفعه إلى إنهاء المرحلة واختزال محاربة الفساد بإطاحة بعض الرؤوس التي تكون كبش فداء المرحلة.
هكذا إذن يستخدم النظام الشمولي الفساد كأداة لإفساد المجتمع وتفتيته حتى يمكن السيطرة عليه وإخضاعه، والنظام يتمنى لو يستطيع أن يبقي بيدق الفساد بيده وحده، ولكن إحدى صفات الفساد أنه كالزئبق لا يمكن إمساكه، ينتشر في كل أنحاء المجتمع وينشر قيمه الخاصة به، لنجد بعد فترة أن الفئات الأكثر تضررا من الفساد هي من يدافع عنه ويشرعه، ويصبح الفساد قيمة مجتمعية كاملة، ويصبح الناس عبيدا له مرتهنين لقيمه باحثين عن الثراء السريع بأية وسيلة، لتغيب قيم العمل والجد وتحل محلها الوصولية واللصوصية المشروعة، وهذا يؤدي في النهاية إلى تدمير مؤسسات القطاع العام وخسارتها لأنها تصبح محكومة بإدارة فاشلة وناهبة يضاف لها عمال لا يعنيهم ربحت المؤسسة أم خسرت، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى خلق دولة مشوهة ومعطوبة تعاني من أزمات وانسدادات بنيوية عميقة في كل مستوياتها.   ويمكن القول أيضا أن الفساد  كالماء يتسرب بين الشقوق، بما فيها شقوق النظام نفسه، فيملأها وينخرها إلى أن تحين لحظة الهتك الكبرى فيسقط كل شيء، لنجد أن الفساد حربة بيد النظام ولكنها أيضا حربة ضده على المدى الطويل، إذ يعمل خصوم الأنظمة الشمولية على استخدام هذا الفساد لتوجيه حربته نحو نحرها.
ربما يساعدنا ما سبق في فهم بعض أسباب فشل كل حملات الإصلاح التي تعلن بين حين وآخر، وبشكل خاص نفهم سبب فشل وجهة النظر القائلة بإصلاح الأنظمة الشمولية من داخلها، لأن الإصلاح الذي يطرح بشكل إداري بعيدا عن نقد المنظومة السياسية القائمة، وطبيعة الدولة، سيكون فاشلا، لأن الإصلاح لا يمكن أن يكون جزئيا، لا بد له أن يكون كليا، ينطلق من مقاربة أسباب العطب بشكل جوهري وواضح ، أي لابد من المعاينة بشكل كلي لا جزئي لأعطاب الأنظمة وهو غير ممكن في النظام الشمولي.
يمكن الخلوص إلى نتيجة مفادها أن الفساد يعمل في خدمة الاستبداد ويسعى إلى تمكينه من السيطرة على مجتمعه وخنق قواه الحرة عبر تجريدها من كل وسائل مقاومتها المدنية، ليغدو الفساد شرطا واجبا لاستمرار الاستبداد دون أن يكون الاستبداد شرطا واجبا لاستمرار الفساد لأن الفساد مرض ينتشر حتى في الدول التي تملك ديمقراطيات عريقة، ويتمثل الفارق بين الأنظمة الشمولية والديمقراطية في مقاربة الفساد، بأن الأولى لا يمكن مقاربة الفساد فيها إلا من وجهة نظر سياسية وكلية، بينما في الثانية يكتفى بالنظر إليها كمشكلة إدارية وجزئية.
© منبر الحرية،05 تموز/يوليو  2010

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

لم يصدق العرب للوهلة الأولى قرار أوباما بالانسحاب من العراق بحلول منتصف 2010.
أعاد بعضهم السؤال أكثر من مرة : هل فعلا سينسحب ؟
دارت التكهنات والتحليلات والقراءات وكلها تشكك بالقرار رغم صدوره عن أعلى مرجعية أمريكية.
قلة صدقت قرار الانسحاب، وأكثرية توقعت أنها لعبة أمريكية مكشوفة لكسب الوقت!
لكن رغم ذلك لا يخفى أن القرار أثار عند العرب مشاعر فرح واستغراب في آن !
وإذ كانت أسباب الفرح معروفة  ولا تحتاج لدليل أو برهان ولا تحليل، فإن الاستغراب ومحاولة تقصي أسبابه تزيدنا للوهلة الأولى استغرابا !
لأن الإجابة عن  أسئلة من نوع : لماذا يستغرب العربي قرار الانسحاب ؟
ولماذا لم يصدقه ومازال يشكك به حتى اللحظة ؟
ستعطينا وعيا أكثر عمقا بخواء عالمنا العربي ومدى جفاف ينابيعه الفكرية.
إن نظرة مدققة للبنى الفكرية التي تحكم تفكير الإنسان العربي عموما، والمثقف خصوصا ستجعلنا أكثر إدراكا لطبيعة هذا الاستغراب.
إذن،يبدو قرار أوباما بالانسحاب من العراق لدى العربي مستغربا لأسباب كثيرة، ولكن هناك سببين رئيسيين:
–  أولهما :الوعي المتشكل عن أمريكا وسياساتها في الذهنية العربية فهي ” إمبراطورية الشر” و” رمز الرأسمالية والإمبريالية والعولمة ” و العدو الداعم لإسرائيل وما يتسم مع ذلك من صفات ترادفها الغدر والخيانة وسياسة كسب الوقت. هذه النظرة السلبية المتشكلة في الوعي العربي عن أمريكا بعضها ناتج عن سياسات أمريكية خاطئة خاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الصهيوني إضافة إلى  احتلالها العراق وتدمير شعبه وتمزيق وحدته الاجتماعية لتجعله يقف على شفير حرب أهلية دون أن نغفل دور النظام الصدامي في إيصال العراق إلى مرحلة الانسداد التاريخي ومرحلة الخيارات المغلقة. وبعضها الآخر ( وهو الأهم) ناتج عن الوعي الزائف بالغرب وقيمه الديمقراطية ( من حقوق إنسان ومجتمع مدني وحريات فردية..) الذي شكلته الثقافة السائدة في البلدان العربية منذ استقلالها حتى اللحظة الحالية، إذ أدى قيام الثورات الشعبوية والانقلابات “الثورية ” إلى بتر جنين الليبرالية العربية الناهضة آنذاك، بحجة أنها من مخلفات الاستعمار، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى السير في ركاب الإيديولوجية الشعبوية (يسارية وقومية وإسلامية ) التي أبلست الغرب ومنجزاته وحملته مسؤولية كل الهزائم التي تحصدها أنظمة مستبدة وما تزال. إذ ارتبط الغرب في وعي هذه النخب وأحزابها بكل ما هو سلبي وبرجوازي (بالمعني السلبي) وبراغماتي، وكلنا ندرك الشعارات التي ترفعها القوى الديماغوجية عند نزولها الشارع العربي، إضافة إلى الأغاني والأناشيد والثقافة التي طبعت تاريخ نصف قرن من العداء الإيديولوجي لأمريكا الذي لم يستطع أن يفرق بين النخب الأمريكية التي تتخذ سياسات خاطئة مثلها مثل أي نظم أخرى، وبين القيم الديمقراطية والتعليمية ومؤسسات المجتمع المدني وفي النهاية الشعب الأمريكي بما يختزنه من قوى حية قادرة على تجديد مجتمعها و تصحيح أخطاء سياسييه.
وثانيهما : يتعلق بعدم ثقة الشعوب العربية ونخبها المثقفة بحكامها وسلطاتها على اختلاف أنواعها، فقد تعلمت الشعوب أن لا تثق بأي سلطة أو حكومة أو زعيم عربي، لأن السياسة تعني الحكم المطلق وعدم الالتزام بأي وعد.
عدم الثقة هذا، يسقطه العربي على كل السلطات دون أن يستطيع وعيه التمييز، بين سلطة وصلت الحكم عن طريق صناديق الاقتراع وترحل عن طريق الصناديق التي أنجبتها، وسلطة وصلت عن طريق العنف ولا ترحل إلا بالعنف.
لهذا يبدو الاستغراب على العربي وهو يسمع رئيس أكبر دولة في العالم يفي بوعده الذي قطعه خلال الحملة الانتخابية، لأنه لا يستطيع تخيّل سلطة في أوج قوتها تتراجع عن أخطائها، و لا يدرك أن السلطات القادمة نتيجة نظام ديمقراطي ناتج عن تمخضات عميقة حصلت في رحم المجتمع، غير قادرة على تغيير القوانين الأساسية التي أنجبها مجتمع حر.
قد تتعرض الديمقراطية لخلل كبير – وهو ما حصل في عهد بوش- ولكن بالديمقراطية نفسها يتم تصحيح الخلل وليس بأي شيء آخر، الأمر الذي يعني أن (سيئات الديمقراطية أفضل من حسنات الاستبداد).
أثبتت أمريكا مرة أخرى، أن النظام الديمقراطي هو النظام الأمثل لتصحيح الاختلالات التي تحدث في أي نظام، من انتخاب الرئيس الأسود في بلد كان الأسود لا يستطيع أن يمشي آمنا في شوارعها قبل خمسين عاما، إلى إغلاق معتقل غوانتنامو إلى قرار الانسحاب من العراق.
كم رئيس عربي أغلق سجونه ؟ كم رئيس اتعظ مما حصل في العراق ؟  كم رئيس عربي على مدى تاريخنا كله اعتذر من ضحاياه ؟
الآن،قد ينجلي استغراب العربي من قرار أوباما الانسحاب من العراق،لأن المثل العربي يقول : إذا عرف السبب بطل العجب !
إنها الديمقراطية ياعزيزي!
© منبر الحرية، 05 أبريل 2009

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

كثرت التحاليل والتكهنات والقراءات في الصحف والإعلام حول أسباب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، ولكن قراءة متأنية متفحصة لجوهر هذه القراءات ستلحظ سيادة مفهوم الذريعة الذي يخفي بدوره ذرائع أخرى مستترة، ليغدو منطق الذريعة بذاته هو ذريعة أخرى لخلط المفاهيم وإخفاء الأسباب الحقيقية لهذا العدوان المجنون.
تعددت الذرائع في الخطاب العربي السائد : من انقلاب حماس على الشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير المختزلة بالسلطة الفلسطينية، إلى إلغاء التهدئة، إلى سجن مناصري فتح في سجون حماس، إلى  جعل غزة إمارة إسلامية أو موقع متقدم للخمينية الإيرانية في المنطقة العربية..
ومنطق الذريعة ليس جديدا، إنه يأتي دائما في الأوقات العصيبة لتبرير ما لا يبرر. نتذكر جيدا ذرائع العدوان الإسرائيلي على لبنان، حيث كانت الذريعة خطف الجنديين الإسرائيليين، لنكتشف بعد مضي زمن قصير وعلى لسان الإسرائيليين أنفسهم أن العدوان كان يعد له منذ زمن سابق. والطامة الكبرى أن الكتّاب والمحللين أنفسهم الذين روّجوا للذريعة آنذاك، هم أنفسهم من يروّج لمنطق الذريعة الحمساوية  الآن، دون أن يعتذر أحدا منهم أو يتراجع عن خطأ تحليله أو يصوّبه على ضوء نتائج الواقع، الأمر الذي يطرح تساؤلا أخلاقيا عن “ذريعة ” من يكتبون ؟ ولماذا يكتبون ؟
ومنطق الذريعة موجود منذ الحروب العربية الإسرائيلية الأولى، حين اتهم عبد الناصر بتقديم الذريعة لإسرائيل عام 67 بعد أن طلب مغادرة القوات الدولية، واتهمت المقاومة الفلسطينية بتقديم الذرائع لغزو جنوب لبنان، و هناك ذريعة الرئيس العراقي السابق صدام حسين باحتلاله الكويت وذريعة أسلحة الدمار الشامل، و..و…
يتحدث المحتجون على حماس بتقديمها الذريعة لإسرائيل، ويتناسى هؤلاء – إذ أخذنا بمنطقهم عن الذريعة- أن من ألغى حماس من المعادلة السياسية بعد فوزها بانتخابات نيابية نزيهة باعتراف الأوربيين والأمريكيين، ومن سكت على سجن النواب المنتخبين من حماس ( ومنهم رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب ديمقراطيا عزيز الدويك)، ومن كان يسجن ويلاحق حماس عندما كانت مشروع مقاومة فقط، هو من قدّم الذريعة لحماس لفعل ما فعلت.
ولنا أن نتابع ونقول لمن يتساءلون : هل أخذت حماس رأي أهل غزة  ؟ نسأل :هل أخذت السلطة الوطنية الفلسطينية السابقة رأي الفلسطينيين (جميعا ) عندما وقعت أوسلو؟ أي هل كان هناك شرعية ديمقراطية حقيقية لما كان سائدا قبل حماس،حتى نطالب حماس بالعودة إليه، ولماذا نتذكر الشرعية فقط فيما يتعلق بحماس فقط ؟ ولم منطق الذريعة يطبق عليها فقط ؟
كل الأسئلة السابقة تصبح مشروعة إذا أخذنا منطق الذريعة هذا، بحيث يصبح منطق الذريعة المستخدم هنا هو ذريعة لتغطية ذرائع أخرى أشد هولا وتنطبق بحذافيرها على سياسات الفريق الآخر الذي يدافع عنه منتجو (نظرية الذريعة) بطريقة تدعو للرثاء.
رغم ذلك نحن لا نأخذ بمنطق الذريعة، ونعلم أنّ لحماس أخطاءها الكثيرة وتهوراتها الخارجة عن لعبة السياسة والتوازنات، بدءا من برنامجها السياسي الذي يجعل أرض فلسطين وقف إسلامي، وهي كانت ومازالت ملتقى الديانات التوحيدية الثلاث(يهودية ومسيحية وإسلام)(لم تقل لنا حماس ماذا ستفعل بمسيحي فلسطين وأراضيهم؟ هل سيدفعون الجزية  بعد التحرير الشامل؟)
مرورا بدخولها اللعبة السياسية والديمقراطية تحت سقف الاحتلال، لأن ديمقراطية الاحتلال هي ديمقراطية زائفة لا تفضي إلا لإسباغ الشرعية على تصرفات الاحتلال وأعوانه، وليس انتهاءاً بتصرفاتها  الحمقاء بعد فوزها بالانتخابات (من فرضها الشريعة الإسلامية في غزة وتحويلها إمارة طالبانية وتصفيتها خصومها بمنطق القوة والبلطجة متناسية أن دخولها اللعبة السياسية يفرض عليها العمل وفق قوانينها، لأنها كانت تتصرف باسم السلطة، ومن يصل السلطة عليه أن يتصرف كأب للجميع وليس بمنطق الإقصاء والعزل وهي هنا تصرفت كما كانت السلطة الفلسطينية تتصرف(ومازالت) بمنطق الثأر وفرض الأمور بالقوة).
ولكن مهما كان خطأ حماس كبيرا،  هذا لا يبرر الاحتلال و قصف الأبرياء و اجتياح المدن، لأن الاحتلال لا ينتظر ذريعة. إن نظرية الذريعة تعطي الاحتلال شرعية يفتقدها وكأنه مكوّن أساسي من المكوّنات الأساسية التي ينبغي علينا ملاطفتها أو مداهنتها، أي تنسى النظرية هذه (أو تتناسى) أنه احتلال لا شرعية له، وأن مقاومته حق وواجب. وهو نفسه يدرك أنه احتلال لذا يبحث عن شرعيته بوسائل القوة والمجازر والقتل والدمار، أي أن نظرية الذريعة تعطي الاحتلال شيئا هو يرفضه !
وختاما نتساءل : هل احتاجت  إسرائيل لذريعة عندما تأسست ؟  وهل احتاجت مجازرها الدموية القديمة(دير ياسين – صبرا وشاتيلا) والحديثة(قانا 1وقانا2 وغزة حاليا) لذريعة ؟وهل انتصرت في 67 بذريعة ؟ وهل احتلت جنوب لبنان بذريعة ؟ وهل قصفت المفاعل العراقي بذريعة ؟ وهل ضربت الموقع السوري في دير الزور بذريعة ؟ وهل اغتالت الشهداء بذريعة المقاومة؟
هل ينتبه منتجو خطاب الذريعة أن إسرائيل تتمدد وتضرب وتقتل بوحشية، بينما ذرائعهم تبدو في أغلبها كمبرر لكل هذه الوحشية  متناسين أبسط حقوق الشعوب في المقاومة والدفاع عن حقوقها، والأهم حرية الشعوب في تقرير مصيرها على أرضها !
© منبر الحرية، 11 مارس 2009

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

دائما عندما تطرح مشكلة الفساد في العالم العربي، تطرح كقضية جزئية قابلة للحل بفعل إجراءات إدارية بحتة تتمثل بمحاسبة موظفين، ووضع قوانين وتفعيل قضاء و..، أي أن موضوع الفساد  مازال يحارب بطريقة إدارية، بعيدا عن النظر إليه كمسألة سياسية تدخل ضمن إطار ما يمكن تسميته بناء الدولة الوطنية القادرة أو السير باتجاه بنائها على الأقل.
وجهة النظر السائدة عربيا في مقاربة الفساد تقول بأن الفساد مشكلة كغيرها من المشاكل الإدارية التي تهدد كيان الدولة والسلطة التي تسعى بصدق لمحاربته، ولكنها لا تمتلك الآليات اللازمة لذلك، بسبب عدم تبلور مفهوم واضح للدولة وبسبب غياب الوعي، وتصل وجهة النظر هذه إلى نتيجة مفادها أن السلطة خاصة في الأنظمة الشمولية تريد محاربة الفساد، ولكنها لا تستطيع وتقف عاجزة أمام تغوله وتمدده في كل شرايين الدولة التي اختزلت بمجرد سلطة بعض الأجهزة.
ولكن النظر إلى وجهة النظر السابقة من زاوية نقدية، ربما توضح لنا  أن وجهة النظر السابقة والإصرار على تعميمها شعبيا لتكون مقبولة ومغطاة معرفيا يجعل من وجهة النظر هذه – في أحد وجوهها –  نوع من أنواع الفساد المعرفي الذي تعممه السلطات وأركانها وأزلامها من أشباه المثقفين لإعطاء شرعية ما لأنظمة مستبدة تجعل من الفساد وتعميمه لعبتها المفضلة، في تدجين وتخريب وتركيع وتقطيع أوصال المجتمع الذي تحكمه ،ليغدو قطيعا بحق، فاقدا لكل مقومات النهوض والمقاومة تجاه من ينتهكوه ويسرقوا قوته هذا من جهة ، ومن جهة أخرى تعمل وجهة النظر السابقة عبر تعميمها وترويجها على أنها المقاربة الصحيحة للفساد على إخفاء وتغطية الفساد الحقيقي  مرتين، مرة عندما تغطيه معرفيا بعدم النظر إليه كما هو، أي تعميم الوعي الكاذب والواهم به على أنه هو الصحيح، ومرة عندما تحجب النظر عن الترابط القائم بين الفساد والأنظمة الشمولية، ترابطا يكاد يكون أبديا وفق عقد مقدس غير معلن، بحيث يمكن القول أن الاستبداد لا يستمر دون وجود أجهزة ترعى الفساد وتعممه، ترعاه وتستخدمه مرتين أيضا، مرة لتحقيق مصالح شخصية للأشخاص الممسكين بزمام الأمور( ثراء غير مشروع وجنس ومناصب) ومرة لتحقيق أمن النظام الشمولي، وهكذا يتداخل الفساد الشخصي مع الفساد العام في جدلية معقدة ومتراكبة على أكثر من مستوى، جدلية لا يمكن فهم آلياتها وتركيبتها بسهولة، جدلية لا تسمح لنظيف يد أن يستمر في سلطة أو منصب، لأنه يغدو معيقا لآلية عمل النظام نفسه.
ونظافة اليد هذه أكثر ما تربك النظام الشمولي وتحيره، فهو من جهة بحاجة إلى أشخاص نظيفي اليد ليكونوا واجهة تغطي استبداده وفساده ،  ومن جهة أخرى وهي الأهم أنه بحاجة لهم لإدارة اقتصاد أنهكه الفساد ووصل مرحلة الترنح، هكذا يجد نفسه مضطرا بحكم الحاجة إلى الاستعانة بهم، ولكن إلى حين فقط، لأن الإجراءات التي سيتخذها الخبراء النظيفي اليد، ستعمل في مرحلة أولى على كشف فساد بعض الرؤوس والإطاحة بها وليس للنظام الشمولي في هذا مشكلة أبدا، لأن مصلحته هي الأهم، ولكن بعدها ستمس هذه الإجراءات البنى والأسس التي يقوم عليها النظام ككل، وخاصة الأجهزة التي ترعى أمن النظام وتحميه(لأنها كما قلنا هي شريك أساسي في الفساد بشكل شخصي وبشكل عام)، وهنا يجد النظام نفسه محاصرا بين من يرعون أمنه و”فساده” ويخربون اقتصاده بذات الوقت، الأمر الذي يدفعه إلى إنهاء المرحلة واختزال محاربة الفساد بإطاحة بعض الرؤوس التي تكون كبش فداء المرحلة.
هكذا إذن يستخدم النظام الشمولي الفساد كأداة لإفساد المجتمع وتفتيته حتى يمكن السيطرة عليه وإخضاعه، والنظام يتمنى لو يستطيع أن يبقي بيدق الفساد بيده وحده، ولكن إحدى صفات الفساد أنه كالزئبق لا يمكن إمساكه، ينتشر في كل أنحاء المجتمع وينشر قيمه الخاصة به، لنجد بعد فترة أن الفئات الأكثر تضررا من الفساد هي من يدافع عنه ويشرعه، ويصبح الفساد قيمة مجتمعية كاملة، ويصبح الناس عبيدا له مرتهنين لقيمه باحثين عن الثراء السريع بأية وسيلة، لتغيب قيم العمل والجد وتحل محلها الوصولية واللصوصية المشروعة، وهذا يؤدي في النهاية إلى تدمير مؤسسات القطاع العام وخسارتها لأنها تصبح محكومة بإدارة فاشلة وناهبة يضاف لها عمال لا يعنيهم ربحت المؤسسة أم خسرت، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى خلق دولة مشوهة ومعطوبة تعاني من أزمات وانسدادات بنيوية عميقة في كل مستوياتها.
ويمكن القول أيضا أن الفساد  كالماء يتسرب بين الشقوق، بما فيها شقوق النظام نفسه، فيملأها وينخرها إلى أن تحين لحظة الهتك الكبرى فيسقط كل شيء، لنجد أن الفساد حربة بيد النظام ولكنها أيضا حربة ضده على المدى الطويل، إذ يعمل خصوم الأنظمة الشمولية على استخدام هذا الفساد لتوجيه حربته نحو نحرها.
ربما يساعدنا ما سبق في فهم بعض أسباب فشل كل حملات الإصلاح التي تعلن بين حين وآخر، وبشكل خاص نفهم سبب فشل وجهة النظر القائلة بإصلاح الأنظمة الشمولية من داخلها، لأن الإصلاح الذي يطرح بشكل إداري بعيدا عن نقد المنظومة السياسية القائمة، وطبيعة الدولة، سيكون فاشلا، لأن الإصلاح لا يمكن أن يكون جزئيا، لا بد له أن يكون كليا، ينطلق من مقاربة أسباب العطب بشكل جوهري وواضح ، أي لابد من المعاينة بشكل كلي لا جزئي لأعطاب الأنظمة وهو غير ممكن في النظام الشمولي.
يمكن الخلوص إلى نتيجة مفادها أن الفساد يعمل في خدمة الاستبداد ويسعى إلى تمكينه من السيطرة على مجتمعه وخنق قواه الحرة عبر تجريدها من كل وسائل مقاومتها المدنية، ليغدو الفساد شرطا واجبا لاستمرار الاستبداد دون أن يكون الاستبداد شرطا واجبا لاستمرار الفساد لأن الفساد مرض ينتشر حتى في الدول التي تملك ديمقراطيات عريقة، ويتمثل الفارق بين الأنظمة الشمولية والديمقراطية في مقاربة الفساد، بأن الأولى لا يمكن مقاربة الفساد فيها إلا من وجهة نظر سياسية وكلية، بينما في الثانية يكتفى بالنظر إليها كمشكلة إدارية وجزئية.
© منبر الحرية ، 4تمّوز /يوليوز 2010

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

إن المتابع لردود الفعل العربية على المسائل المتعلقة بالمحاكم الدولية التي فرضت نفسها في السنوات الأخيرة كواقع لا يمكن الهرب منه, من المحكمة الخاصة باغتيال الرئيس  الحريري إلى قرار استدعاء الرئيس السوداني عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دارفور إلى قضية تقرير  غولدستون و ماطرحه من احتمال الوصول إلى المحكمة الجنائية الدولية..نقول إن المتابع لردود العرب سيصاب بالدهشة والذهول للآراء الصادرة عن النخب والأحزاب والسياسيين والمثقفين, خاصة إذا كان المتابع يمتلك أدنى درجة من الذاكرة التي  اختزنت أراء هؤلاء ومدى تناقضها بين محكمة وأخرى!
لنعد إلى الوراء قليلا ونتذكر  السجالات التي جرت حول محكمة الحريري, إذ رأينا أن من كان يعتبر المحكمة مسيسة وخاضعة لألاعيب الدول الكبرى سلفا هو نفسه من هلل لخروج الضباط الأربعة وطالب بحصد النتائج السياسية لذلك, ولنا أن نسأل هنا إن كان الأمر كذلك :لم لا يكون خروج الضباط أنفسهم مسيّسا, وخاضعا لتسيس ما؟ وهل سيقبلون بتسليم أحد رموزهم حال قررت المحكمة ذلك؟ أم وقتها ستعود المحكمة مسيّسة!
من جهة أخرى, بدا وقتها الذين دافعوا عن المحكمة واعتبروها غير مسيّسة, وخاضعة للقانون الدولي, مخذولين وغير مقتنعين بما قرره القاضي بإطلاق سراح الضباط الأربعة, لماذا؟ لأنها لم تلب رغباتهم وطموحاتهم التي كانوا يتمنون, وبدا تبريرهم و حديثهم  أنذاك مفككا وغير مترابط وهم الذين بنوا استنتاجاتهم وحساباتهم على أمور لم تطابق حسابات بيادرهم؟
و في السودان عندما تم تشكيل لجنة للتحقيق في قضايا دارفور وتم استدعاء الرئيس البشير للمثول أمام المحكمة, هاج الفريق نفسه واستنكر معتبرا المحكمة مسيّسة وألعوبة بيد الدول الكبرى! مقابل أطراف أخرى طالبت بمثوله أمام المحكمة وذلك لأسباب سياسية بحتة لا علاقة لمقتضيات العدالة بها.
وأثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة وقتلها المدنيين والأبرياء, ارتفعت الدعوات العربية إلى محاكمة قادة إسرائيل أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب, وبالعودة إلى المنادين بضرورة المحكمة, سنجد أن أغلبهم من كان يقول(ومايزال) وبالفم الملآن بأن الحكومة الخاصة بمحاكمة قتلة الحريري مسيّسة!
وهم أنفسهم من سنراهم يشجبون قرار المحكمة الجنائية بمحاكمة البشير بتهمة جرائم الحرب في دارفور؟
وهم أنفسهم من نراهم اليوم يدينون السلطة الفلسطينية (المدانة بكل الأحوال) على تأجيل تقرير غولستون ويطالبون بتحويل القرار إلى مجلس الأمن ومنه إلى المحكمة الدولية!
ليبرز لنا السؤال التالي: لماذا هذا التناقض؟
لماذا نكون مع فكرة المحاكم عندما يكون الحق معنا, ونكون ضدها عندما يكون القاتل منا, أيا كان هذا القاتل؟
ولِم َينقلب الناس عندنا بين ليلة وضحاها؟
وفي الوقت الذي نتهم الغرب (وفي ذلك بعض الصواب) بتسييس المحكمة وحقوق الانسان وحقوق المرأة والديمقراطية, ننسى أننا الأكثر تسييسا للقضايا في العالم, أليس تناقضنا تجاه المحاكم الثلاث المتمثل بتأييد محكمة ورفض أخرى هو التسيس بعينه؟
في الإجابة عن الأسئلة السابقة تبرز مستويات عدة للنظر, منها ما هو داخلي, يتعلق ببينة تفكيرنا وطريقة تحقيق العدالة في بلداننا, ومنها ما هو يتماس مع الخارج الذي علمنا أن القانون يطبق على الضعفاء فقط..
في الشق الداخلي: إن نظرة متفحصة لطبيعة تطبيق القانون في العالم العربي , سترينا أن القانون في العالم العربي مغيّب, وغير موجود, والقضاء يخضع للسلطة السياسية التي تتحكم به من خلال قوانين طوارئ أصبحت تطبق خارج الطوارئ وتستثنى في الطوارئ. وبالنسبة للأحزاب السياسية فنجد أنه رغم ولادتها منذ قرن في العالم العربي, فإنها لم تستطع حتى اللحظة هذه أن ترسخ تقاليد عمل حزبية تجعل من السياسة مجالا للاختلاف ضمن حدود ما هو مسموح به وطنيا وإنسانيا دون إقحامها في مجالات القانون والعدالة , حيث تغدو تلك الأخيرة أسيرة التجاذبات السياسية والاستخدام السياسي من قبل السلطات والنخب على حد سواء, لأن حكم الاستثناء الطويل رسخ تقاليد منافية للعدالة بأن أي شخص _باسم الطوارئ والاستثناء- يمكن له النفاد من براثن العدالة , وأدى هذا إلى قلب الأمور في طريقة تفكير العقل العربي الذي بات يرى الاستثناء حالة دائمة, والطبيعي استثناء,لذا تغدو الازدواجية في التفكير “شيئا طبيعيا” عند العقل العربي, الذي يقبل  العدالة عندما تكون لمصلحته, ويرفضها عندما تكون عليه, تحت اسم “السيادة والحرية وعدم تدخل الآخرين”,  هذه المفاهيم الثلاثة التي ينتهكها عادة أول الرافعين شعاراتها في العالم العربي!
وقراءة سريعة لتاريخ الفكر العربي خلال القرن الماضي, سنجد أن مفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة والقانون, لم يتم الاشتغال عليها فكريا حتى في مرحلة النهضة الأولى التي تم بترها لصالح الأفكار والمفاهيم “الثورية”, التي تم الاشتغال عليها أيضا من نظرة الاستخدام السياسي حزبيا أكثر مما تم الاشتغال عليها فكريا لتتأصل في تربة الوعي العربي القاحلة, الأمر الذي أدى إلى ضحالة مستوى الوعي بهذه القضايا, ومعروف أن من لا يمتلك وعيا بقضية ما, لن يستطيع تطبيقها, ولن يحزن عند انتهاكها من قبل سلطة أو حزب أو شخص لأنه بالأساس لا يدرك أهميتها ولم يذق ثمارها و”فاقد الشيء لا يعطيه”, لذا علينا أن ندرك أن القانون والعدالة هما ثقافة يجب ترسيخهما في وعي الناس قبل أي شيء آخر.
ولكن من جهة أخرى, هناك عامل مساعد لا يمكن إغفاله لترسيخ تلك النظرة العربية تجاه المحاكم الدولية, وهو موضوع استخدام السياسيين الغربيين لموضوع المحاكم كأداة ضغط سياسي, أكثر منه أداة قانونية لتحقيق العدالة المنشودة, وكلنا ندرك المحاكمات الخاصة بقضية لوكربي وكيف رافق تحقيق العدالة (إن كانت حققت) ضغط سياسي, و نعرف كيف انتهت الأمور عندما غيّر الرئيس الليبي من سلوكه ودفع تعويضات لأهالي الضحايا, وندرك كيف خرج المقرحي من سجنه ؟  وكلنا نتساءل لماذا تم تشكيل محكمة للحريري ولم يتم تشكيل محكمة لمعرفة إن كان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قتل أم لا؟ وكلنا نتساءل لماذا تمت محاكمة صدام في العراق وتحت الاحتلال ولم يحاكم أمام محاكم دولية في الوقت الذي رفضت الدوائر الغربية تشكيل محكمة لبنانية أو عربية لمحاكمة الحريري وسارعت “فورا” لتشكيل محكمة دولية حتى دون التوافق عليها لبنانيا وهو الأمر الذي كاد أن يوصل لبنان إلى حرب أهلية, ونعرف أن الفيتو الأمريكي هو الذي يحمي إسرائيل في مجلس الأمن عند كل مجزرة ترتكبها بحق الفلسطينيين دون أن تحتاج لمحاكمة لإدانتها أصلا لأن الجريمة واضحة والفاعل واضح !!
ولنا هنا أن نسجل أن إسرائيل في الذهنية العربية ارتبطت بالدولة الخارجة عن القانون, والدولة التي لا تخضع لقوانين مجلس الأمن والمحكمة الجنائية الدولية و وكالة الطاقة الذرية وترفض الانضمام إلى معاهدة الحد من الانتشار النووي, و لذا لا يمكن للعرب أن يقتنعوا “بجدية”  المحاكم الدولية دون محاكمة إسرائيل, التي احتلت وقتلت وشردت(ومازالت), وهذه القضايا يستخدمها السياسيون العرب لتخدير الداخل والشعوب العربية تحت اسم “السيادة وعدم تدخل الآخرين مروّجين أن العدالة تلك مرفقة بالاستخدام السياسي للغرب ليصل إلى مصالحه, وفق مبدأ ” حق يراد به باطل”. وهنا تلتقي المراوغة الغربية مع مراوغة النظم العربية في دك أسس العدالة وتسييسها, ومن هنا يغدو الازدواج في تفكير العقل العربي مبررا وظيفيا (دون أن يبرر إنسانيا وأخلاقيا), ليغدو العقل العربي محاصرا بين مطرقة السلطات الرافعة شعار “السيادة” ومطرقة الدوائر الغربية ومصالحها الرافعة شعار ” العدالة”, في الوقت الذي تنتهكان كلتاهما السيادة والعدالة معا.
© منبر الحرية، 28 نوفمبر/تشرين الثاني2009

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

إن المتتبع لخطاب الفكر العربي المعاصر، سيلحظ ولاشك كثرة تداول مصطلح الديمقراطية إلى درجة الإملال. وكثرة تواترها حاليا يضاهي فترة غيابها السابق عن ساحة الفكر العربي. فالغياب السابق والحضور الحالي الكثيف يعكسان مرضا عربيا في التعامل مع الأفكار وطريقة استخدامها. إن غيابها السابق كان سياسيا أكثر مما هو واقعيا وكذلك تواترها الحالي يخضع للاستخدام الآني من قبل الأنظمة والمعارضات والأحزاب والإعلام أكثر مما هو حقيقة راسخة في فكر هذه الأنظمة ومعتقداتها.
الديمقراطية التي دخلت الفكر العربي من أوسع أبوابه بعد التسعينيات – خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي – لم تدخل نتيجة نمو داخلي أو تمخضات أسفرت عنها البنية الداخلية للمجتمعات العربية أو نتيجة تغيير ما طرأ على بنية الأحزاب العربية السلطوية والمعارضة في آن، بل نتيجة الفراغ الذي خلّفه سقوط الاشتراكية بنسختها السوفياتية الرثة. وحسب نظرية الفراغ : ( لا يوجد فراغ، وإن هذا الفراغ إذا وجد فسوف ينشأ شيء ما ليملأه). ومن يستطيع ملء الفراغ غير الإيديولوجية المنتصرة ؟
هكذا إذن دخلت إيديولوجيا الديمقراطية ( وهنا نفرّق بين الديمقراطية كإيديولوجيا وبين الديمقراطية كفكر وممارسة حياتية ويومية ) أرضا تعاني هزيمة شبه مطلقة، وغيابا كاملا لأي مشروع، فوجدت أرضا خصبة للتبشير والعبادة، حيث تحولت الديمقراطية إلى مشروع خلاص إلهي أكثر مما هي مشروع خلاص يومي وكفاحي ونضالي، يستلزم الغوص في وحل الواقع المر والبحث عن إمكانات الفعل فيه، والعمل على تبئية الديمقراطية – كفكر وممارسة – بالعمل اليومي والتدريب الشاق والتعلّم والخطأ ومحاولات تصحيحه التي لا تنتهي. الأمر الذي يجعلنا نرصد في الواقع العربي تناقضات مرعبة في طريقة التعامل مع الديمقراطية : فالحاكم الذي يحكم شعبه بالنار والحديد، و المثقف الذي يعامل زوجته وفق ثقافة الحريم، والمعارضات العربية التي لا تختلف عن السلطات التي تنتقدها بالكثير، كلهم يطرحون مشاريع عن الديمقراطية !
ولكن نظرة متفحصّة ودقيقة لأنظمة الفكر العاملة في تلك الأحزاب والسلطات ستكشف جانبا مريعا ومخجلا، وتدقيقا أكثر في البنى الفكرية والتعليمية للمجتمعات العربية تعكس واقعا لا يسر، ويؤكد مدى صعوبة العمل على تبئية الديمقراطية.
إن الانتشار الواسع للأمية في العالم العربي مريع، الأمر الذي يطرح تساؤلا مثيرا ومقلقا ومرعبا في آن : كيف يمكن لمواطن لا يقرأ أن يقترع ويختار ناخبيه ؟ هذا إذا أخذنا من الديمقراطية نتيجتها : المتمثلة بصندوق الاقتراع الذي لا يمكن الوصول إليه دون المرور بأبجديات الديمقراطية : انتشار التعليم،، والمواطنة بحقوقها وواجباتها، والمجتمع المدني الذي يحد من تسلط الدولة وعنفها المقدس بقوة القانون، الإصلاح الديني..
هذه الأبجديات التي تمهد الطريق لقبول الديمقراطية الناتجة عن وعي جمعي بضرورتها و أهميتها.
هناك أيضا المعارضات العربية على اختلاف أشكالها التي ترفع الديمقراطية كشعار لإحراج السلطات الحاكمة، أكثر مما ترفعه كممارسة واعتقاد في طريقة إدارة شؤونها الداخلية، حيث الشمولية وغياب المحاسبة وعبادة الفرد والوصول إلى الأمانة العامة للحزب عن طريق التزكية هي العقائد المترسخة التي تحكم تفكير هذه الأحزاب. كما نلاحظ أن أغلب قادة هذه الأحزاب يرأسون أحزابهم منذ ربع قرن على الأقل دون أن يسألهم أحد ماذا تفعلون ؟
الأمر الذي يشير أن رفع شعار الديمقراطية من قبل هذه الأحزاب لم يكن نتيجة مراجعة لأدبياتها وممارساتها وطريقة إدارة شؤونها، بل مجرد شعار لإحراج السلطات الحاكمة. مما يجعلنا نطرح سؤالا حادا : هل يمكن لمن يستهزأ بالديمقراطية ويرفضها في بيته، أن يطالب بها خارج البيت ؟
يقدّم لنا لبنان دائما على أنه البلد العربي الوحيد الذي يتمتع بحيز ديمقراطي معين، ولكن هذا عار عن الصحة فلبنان في حقيقة الأمر قائم على دكتاتورية مجموعة من الشموليات التي تتحكم به، حيث تحتكر النخب / الطوائف الحاكمة الديمقراطية فيما بينها على المستوى السياسي فقط، حيث تتوافق هذه النخب على أسماء مرشحيها عبر لعبة ديمقراطية ضيقة تمسخ الديمقراطية أكثر مما ترسخها. فنرى هذه الأحزاب تحفل بكل الأمراض الشمولية، فالأسماء نفسها والشخصيات نفسها والعائلات نفسها هي من يتحكم بالحياة السياسية اللبنانية منذ ربع قرن !
الأمر الذي يدل على أن الديمقراطية لا يمكن أن تنجح دون تغلغل ثقافة الديمقراطية في المجتمع وفي بنية الأحزاب، حيث أنّ الديمقراطية تبدأ في ” صندوق الرأس قبل أن تبدأ في صندوق الانتخاب”، وفق مقولة المفكر جورج طرابيشي.
هل يعني ما سبق أن الديمقراطية غير ممكنة في عالمنا العربي ؟
أبداً، ليس هذا ما نريد قوله، بل نقول إن الحاجة العربية للديمقراطية كبيرة أكثر من أي وقت مضى، وضرورية لكسر حلقات التخلف والاستبداد والغياب عن العصر، ولكن الطريقة المتبعة عربيا نحوها غير صائبة، طريقة تستبسط الأمور وتتعاطى معها بسهولة فجة ومرضية كما تعاملت سابقا مع الاشتراكية، حيث تغدو مجرد “شعار” لتحقيق مكاسب هنا وهناك، بينما يجب أن تكون ثقافة دائمة ومستمرة، تغرس في عمق المجتمع والمدارس والجامعات والأحزاب، “بذرة برسم الزرع” وليس “ثمرة ناضجة” – وفق تعبير طرابيشي أيضا- نقطفها فقط.
على النخب الفكرية التي تعمل على موضوع الديمقراطية أن لا تكتفي بنقد السلطات فقط واعتبار أن موضوع الديمقراطية منوط برحيلها، بل عليها أن تعمل موضع نقدها في قلب مجتمعاتها وأحزابها وطريقة تفكيرها هي أيضا، أن يكون العمل على داخل البنى المجتمعية وليس خارجها فقط، لهدم أسس الاستبداد الديني والمعرفي والحزبي الذي يحكم وعي المجتمعات المحكومة شموليا.
إذن علينا تحرير الديمقراطية السائدة حاليا من ” ألوهيتها “، والكف عن جعلها ديانة العصر الجديد، عبر تفريغها من حمولاتها الزائدة التي تربطها بالخلاص، عبر جعلها ممارسة تطوّر نفسها، تنجح هنا وتخفق هناك، لتعود وتستثمر في محاولة أخرى للنجاح.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 10 يناير 2009.

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

من يراقب تصريحات القادة والزعماء السياسيين على مستوى العالم كله منذ أحداث 11 سبتمبر، سيلحظ شيوع مفردات معينة في بنية الخطابات السياسية على مستوى العالم كله. بدأت هذه المفردات تدخل لتختفي مفردات أخرى كانت هي المسيطرة والمحركة لعقود خلت. حيث بدأت مفردات مثل” محور الشر” و”الدول المارقة” ” ودعم الإرهاب” ” الإسلام المنغلق”  تشكل جوهر الخطاب السياسي الغربي تجاه خصومه أو أعدائه أو معرقلي مصالحه في العالم، وكان هؤلاء الخصوم بدورهم يردون بالطريقة ذاتها : ” الشيطان الأكبر” و ” الغرب المتكبر المتغطرس” و ” إبليس الأكبر” ” إمبراطورية الشر”..
يعكس  الظاهر من الخطاب السياسي هذا، مدى الشرخ الذي أصبح قائما بين الشرق والغرب، ومدى الابتعاد عن الحوار والسياسة سبيلا لحل الخلافات العالمية، حيث تمهّد تلك الشيطنة والأدلجة التي يتم ترويجهما عبر الإعلام والفكر الأرضية اللازمة لشن الحروب وتبرير السياسات العنيفة بعد أن يكون قد تم غسل الوعي وإغراقه في حمى التجاذبات الضرورية لتمريق سياسات الحروب والجنون هذه.
يبدو الأمر كأنه إعادة تديين للصراع، أو استخدام المفاهيم الدينية لترويج صراع سياسي. إن مفاهيم الخير والشر والأبلسة هي مفاهيم دينية مطلقة لا تحتمل الجدل، لذا يبدو الأمر وكأنه ردة باتجاه استخدام مفاهيم دينية لتبرير صراعات سياسية مقيتة بعد أن تم تجاوز هذا الأمر منذ عقود.
وللوصول إلى الأهداف تلك، لابد من المرور بمرحلتين، تتمثل أولهما في عملية أدلجة الذات ووضعها في مرتبة الخير المطلق وإسباغ العصمة المعرفية التي تبرر لها أن تقوم بكل شيء، و تتجلى الثانية في عملية شيطنة الآخر أو العدو تمهيدا لضربه أو شن الحرب عليه.
حيث تقدّم  عملية الأدلجة المبرر والحافز لجمهور لا يمكن إرضاؤه في الحالات الطبيعية بهكذا حروب، فيتم الضخ الإعلامي والتجييش السياسي والتخويف المبالغ به من عدو يتم اختراعه، حتى يصبح الجمهور أو القسم الأكبر منه متقبّلا لم لا يمكن تقبّله في ظروف أخرى. وبعد أن يتم حشد الجمهور وتعبئته يتم الانتقال إلى إسباغ الشر على الخصم، تمهيدا لقبول الجمهور لأي عدوان أو اعتداء يتم تنفيذه لاحقا تحت اسم “محاربة الإرهاب” كما تفعل أمريكا أو تحت شعار ” محاربة الشيطان ” كما تفعل إيران، أو تحت اسم “محاربة الكفار ” كما تفعل القاعدة.
إذا كانت الايدولوجيا تعني  مجموعة الآراء والمعارف والأفكار التي تمثل مصلحة حزب ما أو جماعة ما أو فئة ما، شرط أن يتم بعيدا عن تشويه الخصم وشيطنته، و أن يترافق ذلك مع السماح بوجود إيديولوجيات أخرى تتنافس فيما بينها ديمقراطيا وسياسيا بعيدا عن مناخات الفرض والاستبداد. فتتعايش بذلك إيديولوجيات أو مفاهيم أو أفكار الاشتراكية والليبرالية والقومية جنبا إلى جنب وتتصارع وتتنافس دون أن يلغي بعضها البعض، بل يبدو ذلك الصراع ضروريا لكل منها للاستمرار والتطور وإعادة البناء.  فإن الأدلجة تأتي هنا لتلغي مفهوم الايدولوجيا (وهو مفهوم صائب معرفيا) بأن تستغله وتفرغه من محتواه بعد أن يتم حصر الإيديولوجيات المتعددة (أو دمجها وإغفال التمايزات فيما بينها قسرا)  بإيديولوجيا واحدة تتسيّد المشهد وتخفي التناقضات القائمة وتعمل على حشد الدعم والتأييد بكل السبل دفاعا عن برامجها وخياراتها، بعد أن تدّعي تمثيلها للخير المطلق والعميم في وجه الشر المستطير. وغالبا ما تتم عملية الأدلجة هذه في المنعطفات الحادة أو الأحداث الكبيرة  التي يتعرض لها مجتمع ما أو أمة ما، فيتم استغلال الحدث في عملية أدلجة شاملة سعيا لتحقيق مكاسب لا يمكن تحقيقها في الأوقات العادية.
مثلا إن شعار “مكافحة الإرهاب” كان في بداية طرحه إيديولوجيا تمثل مصالح مجموعة من الدول التي تعرضت لخطر الإرهاب، ولكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرض هذا المفهوم للأدلجة، واتخذ منه مطية لشن حروب وتحقيق مطامع سياسية واستعمارية، حيث عملت الدول المعنية على تجييش شعوبها وشعوب العالم وتخويفها من الإرهاب في عملية غسل وعي كامل لتبرير سياسات تقوم على الحروب والاستعمار، بعد أن عمدت إلى شيطنة خصومها وأبلستهم.
وكذلك تفعل منظمات القاعدة والإسلام التكفيري الجهادي عندما تستخدم  الحرب القائمة عليها  لأدلجة صراعها مع الغرب، حيث تحشد  فتاويها و قواها الإعلامية، مسخّرة الدين (الرأسمال الرمزي للشعوب) لتجييش جمهورها وحشده في معركتها مع الغرب “الكافر والملحد”.
الجدير ذكره أيضا أن عملية الأبلسة لا تشمل العدو فقط، بل إيديولوجيته أيضا، حيث يعمل كل خصم على أبلسة وشيطنة إيديولوجيا الآخر، وهذا ما نراه في الكتابات الكثيرة التي تساوي بين الإسلام والإرهاب، ويقابلها من الجانب الأخر المساواة بين الديمقراطية والكفر أو العلمانية والشر.
ونذكر سابقا عندما كان الاتحاد السوفيتي قائما، أن الاشتراكية والرأسمالية كمفهومين أو إيديولوجيتين قد تعرضا بدورهما لعملية أدلجة وأبلسة غير منقطعة النظير.
ولنا أن نسجل هنا أيضا أن هذا الأمر يتم مع الأسف في الكثير من الأحيان بأقلام مثقفين ينجرون إلى ذلك الصراع لتحقيق مكاسب آنية ضيقة، الأمر الذي يطرح مسألة أدلجة الثقافة وانخراطها كتابع لنظام أو جهة ما، بدل أن تكون ذات استقلالية تامة تكشف الزيف والخداع الذي يتم باسمها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة : لماذا تم ذلك بسرعة مذهلة ؟
لم تم التخلي بين ليلة وضحاها عن كل مكتسبات الحداثة والعودة إلى تاريخ الصدام والحروب والاستعمار ؟
إن الإجابة عن السؤال السابق  معقدة وصعبة جدا، حيث يتطلب الأمر إعادة قراءة لتاريخ الصراعات العالمية، ولتاريخ العلاقة الإشكالية بين الشرق والغرب في العمق، لأن ما يطفو على السطح ما هو إلا نتاج ذلك الكائن  في الأعماق الذي لم يفكّر به بعد.
© منبر الحرية، 22 أبريل 2009

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

كثر ما يثير الانتباه فيما يحصل نتيجة مجزرة غزة وتداعياتها هو حجم وسعة الغضب الشعبي واتساع رقعة التضامن العربية والعالمية التي قلّما نراها محتشدة أو مجتمعة للاعتصام أو الاحتجاج على أوضاع أخرى في العالم العربي لا تقل هولا عما يحصل في غزة.
ولكن من جهة أخرى، إن الأمر نفسه يدعو للرثاء والتعجب إذا ما سألنا عن جدوى هذه التظاهرات والهتافات ونتيجتها، فليس هناك تحرّك شعبي على طول العالم العربي له هدف معين سوى الاحتجاج وإيصال الصوت، حيث يبدو الأمر وكأنه بيان شجب وتنديد ولكن بطريقة شعبية! إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الجماهير وقادة الرأي في العالم العربي دائما يعيّرون السلطات والقمم العربية بأنها تكتفي بالشجب والتنديد.
منذ نكبة فلسطين والجماهير العربية تنزل الشوارع وتتظاهر، وتتوالى المشاهد والمظاهرات مع كل مجزرة و حرب و اعتداء، دون هدف معيّن أو نتيجة تذكر، ودون أن تستطيع تلك الجماهير في أي بلد عربي أن تجعل سلطة ما تتراجع عن قرارها أو تغيّر رأيها، أو تقيل ولو وزيرا !
في مقابل ذلك الكرم الجماهيري الغامر في الوقوف إلى جانب القضية الفلسطينية – وهي قضية حق وتستلزم التضامن وحشد الدعم والتأييد – نلاحظ غيابا فاجعا للجماهير عن قضايا أخرى ذات صلة بحياة المواطن المعيشية أو بواقع البلد الداخلي من حقوق إنسان وحريات عامة ومجتمع مدني تضيق رقعته يوما بعد آخر في العالم العربي، وكأن تلك الحرية الفائضة في التعامل مع القضية الفلسطينية تقابلها حرية شبه معدومة أو شحيحة في التعامل مع قضايا الداخل، الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات عن هذا الازدواج والتناقض الفاضح، مما يجعلنا نحاول أن ندقق أكثر في طبيعة تلك التظاهرات العامرة، لندرسها في العمق ونحلل أسباب عدم قدرتها على الفعل وإحداث التغيير المنشود.
مما يمكن ملاحظته حول هذا الأمر، أن السلطات العربية بسماحها لنزول شعوبها إلى الشارع تحقق بشكل جزئي شيئا من أهدافها المتمثلة في تخفيف الاحتقان الشعبي وتوجيهه في اتجاه آخر فهي – باستثناء مصر والسعودية حاليا- تقف في صف جماهيرها ظاهريا ليبدو الأمر وكأن مواقف السلطات متناغمة مع مواقف شعوبها، شرط أن يبقى ذلك ضمن الحد المسموح به سلطويا. إضافة إلى أن هذا الأمر يفرّغ مكبوتات الجماهير ويريحها لأنه ينفّس احتقانها المتراكم، أي أن السلطات تستخدم المأساة الفلسطينية كمنفّس لاحتقان الشعوب خوفا من وصول ذلك الاحتقان إلى نقطة لا يمكن ضبط الأمور بعدها.
إن محاولة فهم لماذا تبدو آليات فعل الجماهير ضعيفة ولا تؤدي أي نتيجة عملية على أرض الواقع، تبدو معقدة ويتداخل فيها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، حيث الشائع هنا أن السلطات التي تحكم قبضتها على مجتمعاتها هي السبب الرئيس في ذلك، ولكن هذا جزء من المشكلة، حيث هناك الكثير مما لا يرى حول هذا الأمر، منها : ضعف ثقافة المجتمع المدنية وانتشار الثقافة الطائفية، وضعف بنى وثقافة الأحزاب المعارضة والمؤيدة للسلطات معا، حيث لم تستطع هذه الأحزاب حتى اللحظة بلورة بيان عمل أو آليات فعل توصل إلى نتيجة ما فيما يتعلق على الأقل بفلسطين كقضية جامعة.
تبدو لدينا آليات تفعيل تحركات الجماهير ضعيفة جدا، بسبب عدم وجود ثقافة مدنية ومواطنية تؤمن بأهمية الفرد كسيد لنفسه، فكل البنية الثقافية الموجودة في أغلب الأحزاب العربية تحل الجماعة والطليعة والنخبة والطبقة محل الفرد، ليغدو القرار النهائي بيد هذه “الجماعات” على اختلاف مسمياتها حتى لو تعلّق الأمر بقرار يتعلق بأبسط الأشياء، وهنا نجد هذه الأحزاب غير قادرة على إدارة شؤونها إلا بطريقة رثة، فكيف ستكون قادرة على تفعيل تظاهرات جماهيرها ؟
نستنتج من ذلك أن أحد أسباب عدم قدرة الجماهير على فعل شيء، هو نتاج أزمة الأحزاب السياسية وآليات عملها في العالم العربي، دون أن ننسى النقابات بمختلف أشكالها الملحقة إما بالسلطة أو بالأحزاب المكوّنة لها، وهي في كلتا الحالتين تفقد مسوّغات وجودها، لأن العمل النقابي يستلزم الحرية في القرار والتحرك، وهنا نرى أن السلطات العربية نتاج هذا الوعي المأزوم الذي يقلب المفاهيم رأسا على عقب.
حيث أن الشعب العاجز عن المطالبة بحقوقه الذاتية والمدنية، والعاجز عن التظاهر ضد حكومته لتحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية، سيكون عاجزا بالتأكيد عن تحقيق أي شيء يذكر لنصرة فلسطين وأهلها، لأن المواطنين الخائفين هم رعاع ومسجونين لا يمكنهم إعطاء الحرية للآخرين، ببساطة لأنهم لا يعرفونها, وفاقد الشيء لا يعطيه !
ويبدو هذا الأمر نتاج الوعي المأزوم الذي ساد منذ نصف قرن في الوعي العربي من خلال شعار (لا صوت يعلو على صوت المعركة)، حيث كانت تغيّب كل القضايا الداخلية وتقمع باسم القضية الفلسطينية وشعارات التحرير، لنكتشف بعد نصف قرن أن فلسطين ضاعت والداخل العربي ازداد تخلّفا وبعدا عن العصر.
إذا أردنا فعلا التقدم لا بد من قلب المفهوم السائد ليصبح كالتالي : ربح المعركة يبدأ من بناء الداخل العربي، وإعطاء الجماهير العربية حريتها الكاملة وحقها في محاسبة السلطات وسؤالها، كما لا بد من تفعيل مؤسسات المجتمع المدني، وإطلاق قوانين عصرية للأحزاب، لتغدو الجماهير قادرة على رفع أفعالها إلى ما يليق بمستوى الحدث، بدل تلك الأصوات التي تصم الآذان وترهقها دون أثر يذكر!
© معهد كيتو، منبر الحرية، 17 يناير 2009.

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

تتبارى الأنظمة الدكتاتورية وخاصة  التي وصلت الحكم عن طريق الانقلابات العسكرية، في بداية عهدها في الترويج والتطبيل، أن أولى مهامها مكافحة الفساد والتوزيع العادل للثروة، وعادة ما تقوم تلك الأنظمة بحملات محدودة النطاق فتطيح ببعض الرؤوس التي لا تتناسب مع الوضعية الجديدة وغالبا وما تكون تلك الرؤوس المطاح بها، من الرموز القديمة “الحرس القديم” التي زكمت رائحة فسادها الأنوف فيعطي خبر محاكمتها ارتياح ما في أوساط العامة التي تستبشر خيرا متوهمة أن عهدا جديدا قد بدأ.
ولكن نظرة متفحصة لطبيعة تلك الأنظمة تبين أن الأمر أعقد من ذلك بكثير لأن العقد المضمر القائم بين السلطات المستبدة والفساد يكاد يكون عقدا أبديا بحيث أن زوال أحدهما يعني زوال الآخر بالضرورة، لأن الفساد يعطي النظام المعني ورقته القوية في اللعب بضمائر الناس وإفسادها، وفي تقديم المزايا الخاصة للرؤوس التي تشكل مواقعها خطرا قد يهدد النظام،حيث يعطي النظام تلك الرؤوس مزايا استثنائية الأمر الذي يجعلها تستميت وتستشرس في الدفاع عن الوضع القائم لأنها بذلك تدافع عن امتيازاتها ومصالحها . وبالمقابل يعمل النظام على ديمومة واستمرارية الفساد بحيث يترك الأبواب  أمامه مفتوحة ومشرعة باتجاه الإفساد المتعمد، بحيث “يجعل الجميع مدانين تحت الطلب “، وفق تعبير المفكر طيب تيزيني وفق توصيفه للدولة الأمنية، حيث تستخدم السلطة الفساد بكافة أشكاله (فساد مالي وسياسي وأمني وجنسي ..) من أجل ترسيخ سيطرتها و قمع معارضيها وتفتيت كل تجمع مدني حر وإفقار الحياة السياسية عن طريق شراء ضمائر المثقفين والسياسيين  وخاصة الضباط ذوو المواقع الحساسة حيث يتم التغاضي عن كل فسادهم وجبيهم اللا مشروع للأموال والسيارات والشقق، مقابل ولاءهم الكامل .وبذلك يصبحون جزءا من بنية النظام نفسها، وكذلك الأمر بالنسبة للمواطنين الذين يصبح جل همهم الوصول لمنصب مهما كان صغيرا يستطيعون من خلاله تحسين أوضاعهم، الأمر الذي يعني أن هذه السلطات لا تستطيع محاربة الفساد ولا تريد ذلك أصلا لأن هذا يعني حفر قبرها وإقصاءها من موقع الحكم، لأن تقليص حجم الفساد يعني توزيع عادل بشكل ما للثروة، ولجم يد السلطة عن شفط أموال الناس واستخدامها بما يديم سيطرتها.
إن شعار محاربة الفساد في النظم الشمولية ونظم الاستبداد هو مجرد شعار طالما أن بنية هذا النظام ستبقى محاصرة بمنظومة قوانين الطوارئ وحالات الاستثناء وغياب الحرية وعدم وجود قانون عصري للأحزاب، ذلك لأن الاستثناء والفساد مترادفان أيضا لا يستمر أحدهما دون الأخر، عندما تستثنى الغالبية من ميزات معينة تمنح لأقلية معينة نتيجة قرابتها السياسية أو العائلية من السلطة، الأمر الذي يعني أن محاربة الفساد لا يمكن أن تكون جدية دون إلغاء قوانين الطوارئ وحالات الاستثناء التي تمنح النظام شرعيته المفقودة شعبيا.
غالبا ما يطرح أفراد السلطة – خاصة في العالم الثالث- الواصلين حديثا إليها شعار مكافحة الفساد، – وبعضهم يكون صادقا – فيبدأ بحملات  إصلاحية محدودة هنا وهناك لمحاولة تصويب الوضع القائم قليلا و ليعطي النظام الجديد نفسه شيئا من الشرعية ولكن حتى هذا الإصلاح الجزئي قد يقوم بتعميق الفساد أكثر مما يحده لأنه ينطلق في محاربة الفساد من زاوية ضيقة لا ترى الجذر الحقيقي للفساد وهو طبيعة النظام وآلية عمله المفرخة للفساد بكافة أشكاله، فتعمل هذه الإصلاحات على خلخلة البنية الراكدة لنظام لا يحتمل الخلخلة أساسا، الأمر الذي يوضح لنا تراجع أغلب هذه النظم عن شعاراتها في مكافحة الفساد لأنها تستشعر مدى خطر هذا الأمر على بنية النظام المتعيشة على الفساد، فيغدو إصلاحها بعد ذلك هو مجرد استبدال أشخاص أتخموا من النهب و – وغالبا ما يتم نقلهم لأماكن دنيا – بأشخاص جدد جيوبهم مجهزة لتعبّأ.
إن شعار محاربة الفساد لا يمكن أن يطرح بعيدا عن منظومة كاملة من الإجراءات أهمها الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، لأن محاربة الفساد تـأتي  ضمن هذه المنظومة ولا يمكن لها أن تنجح خارجها حيث أن حالات الاستثناء واليد المطلقة للسلطة و تغييب القضاء ( وهي الركائز الأساسية لتغلغل الفساد وترسخه) لا يمكن أن تبتر إلا من خلال الديمقراطية التي تعطي الجميع حقوقا متساوية وتحد من تدخل السلطة وتُخضع الجميع لمبدأ القضاء، وهذا الأمر يستحيل تحققه في نظم استبدادية تسعى للسيطرة أكثر مما تسعى إلى  تحقيق مطالب مجتمعاتها وترسيخ قيم الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 22 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008.

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

أكثر ما يحفل به حاضرنا العربي المعاصر ودون شك، هو حالتا التخوين والتكفير اللتان ترهقان الفضاء الفكري وتحدان من سلطة العقل وحقه في التفكير الحر الذي يفكك بنية الوعي المولّد للتكفير و التخوين إلا ما استند على دليل ظاهر.
ولكن المتفحص لحالات التخوين التي تتم في العالم العربي، والمدقق في مفردة خيانة واستخدامها الحالي ، لاشك سيلحظ اقتصار نمط التخوين على حالتين اثنتين : أولهما التعامل مع العدو بالنسبة لمن تعامل وعمل جاسوسا لصالح العدو بحق.
وثانيهما: اتهام السلطات للمعارضين لها بالتعامل مع الخارج وتلقي معونات خارجية. ويقابلها من الطرف اّلآخر اتهام المعارضين للمثقفين المستقلين ولمن يخالفوهم في الرأي بالعمالة لصالح السلطات.
لن نناقش في هذا المقال الدوافع التي تجبر السلطات والمعارضات العربية على اتهام المخالفين لهما بالخيانة، لأنها في جذرها تعود إلى غياب الأرضية الديمقراطية اللازمة.
ولكن سنناقش امتناع السلطات العربية وأبواقها الإعلامية قاطبة، والمعارضات على اختلاف أشكالها والمثقفين والشعوب نفسها على إطلاق عبارة الخيانة على حالات الفساد التي يتم كشفها، علما أن حجم الضرر التي يتسبب به هؤلاء الفاسدين يكون في أحيان كثيرة أفجع وأفدح وأكثر ضررا مما قد يسببه “الخونة” بالمعنى الأول.
أليس تخريب اقتصاد الوطن خيانة ؟
أليس سرقة أموال الوطن خيانة ؟
ألا يخون المؤتمن على أموال البلاد والعباد ثقة من أمنوه؟
خطر الفساد عندما يكون في مراكز حساسة لا يقل عن خطره عن حالات الخيانة والتجسس لصالح العدو، وخاصة عندما يصل الأمر إلى مرحلة الإفساد المتعمد، تحقيقا لمصالح شخصية ضيقة، وأحيانا ربما يكون الهدف الخفي هو تخريب واضح وممنهج للاقتصاد الوطني ، الأمر الذي يجعل من الحالة “خيانة وطنية بامتياز”!
ولكن رغم ذلك لا نجد من يطلق على الفاسدين، صفة الخيانة، لا من قبل السلطة التي تحاكم هؤلاء الفاسدين، ولا من قبل الإعلام الذي يسرد وبالتفصيل الممل فسادهم، ولا من قبل المعارضات التي تشنف أذاننا ببياناتها الصاخبة ضد الفساد والمفسدين، ولا من قبل المثقفين الذين يعتبرون “ضمير الأمة ورسلها”، ولا من قبل الشعب نفسه الذي يحصد نتيجة ما يزرع هؤلاء المفسدون.
السؤال المربك : هو لماذا لا يتهم هؤلاء بالخيانة؟ ما لسبب؟
للوهلة الأولى يبدو الأمر طبيعيا، وغير ذي أهمية، إذ يكفي القول أنهم مفسدون وهذا يفي بالغرض، ولكن تدقيقا ما في الحالة سيكشف ما هو أدهى وأعظم، لأن خلف الأكمة ما خلفها!
نبدأ من السلطات التي تحاكم هؤلاء الفاسدين، فهي لا تطلق عليهم صفة الخيانة، لأنها بإطلاقها الصفة المذكورة، يعني أنها تطلقها على نفسها، لأن الشخصيات التي تحاكم بتهم الفساد “دائما” هي شخصيات تربت في بيت السلطة وضربت بسيفها، و هي التي سمحت لها بالفساد والإفساد المتعمد من أجل تسهيل مهمتها في الحكم، ليصبح “الجميع مدانون تحت الطلب”، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العديد من الشخصيات الموجودة في السلطات العربية وما تزال تمارس عملها، هي شخصيات معروفة بفسادها وإفسادها، وامتلاكها لأموال غير مشروعة، الأمر الذي يعني أن إرداف صفة الخيانة بمن يحاكم بتهمة فساد، هو توجيه التهمة نفسها وبطريقة غير مباشرة لمن مازال يمسك بزمام الأمور، الأمر الذي ينتزع من أيدي السلطات العربية، أهم سلاح تشهره في وجه معارضيها. هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن السلطات المذكورة لا تقدم على محاكمة أي شخصية من شخصياتها بتهم فساد لأنها تنوي مكافحة الفساد، إنما تحقيقا لهدف معين يخدم مصلحتها، وهو ما بيناه في مقال سابق منشور على هذا الموقع تحت عنوان : الفساد والسلطة والديمقراطية.
هنا نجد أن امتناع السلطات عن إرداف صفة “الخيانة” بمن تمت محاكمته بتهم الفساد، ليس عبثيا أو نتيجة غباء ما ، إنما هو أمر مدروس وممنهج، كي لا تطالها الخيانة، وتصبح كمن يشرب من سُمّا طبخه بنفسه!
ولكن المحيّر هو عدم انتباه المعارضات العربية في العالم العربي كله لهذا الأمر، إذ رغم اتهام السلطات لها دوما” بالعمالة والخيانة”، لم تسع يوما لأن تفكك ذلك المصطلح، وتعيد تركيبه بشكل فكري ممنهج لرد التهمة إلى أصحابها الحقيقيين، الأمر الذي يعكس أوجه قصور هذه المعارضات وعدم نضجها، وعدم قدرتها على الخروج من حالة “الأدلجة” التي حصرت نفسها بها، إذ تعكس أغلب بياناتها مراهقة فكرية تؤكد عجز هذه المعارضات عن تشكيل نموذج يمكن أن يشكل حالة تشي بأمل ما.. حيث مازال تفكيرها محصورا بنطاق السلطة والوصول إلى الحكم، دون أن تكلف نفسها العمل على قضايا المجتمع والفساد، أي مازالت تطفو على السطح، ولم تسع لتأسيس حالة شعبية عن طريق اهتمامها بالثقافة والفكر وقضايا الناس، إضافة إلى أن المعارضات نفسها تعيش فسادا معنويا من نوع آخر، وهو الفساد السياسي الذي يجعلها تناور”سياسيا” فقط دون أن تسعى لتشكيل جذر حقيقي معارض في المجتمع، أي تسعى مثلها مثل السلطات الحاكمة لأن تلعب على تناقضات المجتمع من أجل الوصول حتى لو أدى ذلك إلى خلخلة روابط المجتمع المفككة أصلا.
وهنا حال التصاق مفردة الفساد بالخيانة، سيجعل التهمة موجهة إلى المعارضة نفسها التي تتحاشى أن توسم بها، الأمر الذي يجعل من السلطة والمعارضة وجهان لعملة واحدة.
أما على الصعيد الشعبي، فيبدو الأمر معقدا جدا، حيث أضحى الشعب في أحيان كثيرة من خلال منظومته الفكرية التقليدية (التي تسعى السلطة وأعوانها إلى تكريسها) عاملا مساعدا على الفساد ، رغم أنه المتضرر الأكبر، حيث وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الفساد بنيويا، وأصبح الشعب نفسه يدافع عنه ويكرسه، حيث استطاعت السلطات أن تجعل من الجميع مشاركا ومساهما بشكل أو بآخر، الأمر الذي يعني وسم الفساد باسم الخيانة أمر غير مستحب لدى الشعوب السائدة بسبب الوعي المشوه الذي تم زرعه عبر عملية غسل دماغ مستمرة منذ عقود، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، نلحظ أن ثقافتنا العربية عموما مبنية وقائمة على التخوين الذي فرضته الإيديولوجيات الشعبوية، والتكفير الذي فرضته الأصوليات الإسلامية، ومابين إيديولوجية التكفير وإيديولوجية التخوين يبدو الوعي العربي محاصرا بفخ يصعب الفكاك منه، حيث تعلم المواطن العربي أن التخوين يمكن إطلاقه على المخالف في الرأي وعلى المعارض وعلى كل من يسعى لخلخة البنى السائدة المكرسة للوعي المأزوم هذا.
الأمر الذي يعني أن الخيانة في الوعي المأزوم هذا تبدو ثقيلة جدا، لذا يتحاشى الوعي الشعبي إطلاقها على الفساد لأن الكل مشارك بهذا الفساد، الأمر الذي يعني أن هذا ينطبق عليه.
وهنا نلحظ ذلك الازدواج المرعب في الثقافة العربية، هذه الثقافة التي تتحاشى إطلاق صفة الخيانة عندما تمسها، وتطلقها بسهولة على من يختلف معها في الرأي، وهذا أصعب ما في الظاهرة وأعقدها، إذ يغدو الأمر مركبا، فالمتضرر من الفساد هو الذي يدافع عنه، ولا يكتفي بذلك بل يخترع”ايديولوجيا” تشرعه وتقدم له المسوغات اللازمة لنموه واستمراره.
من هنا لا يمكن فصل محاربة الفساد، عن توجيه النقد العنيف لكل البنية الثقافية المولدة لتلك الأنظمة (سلطة ومعارضة وإعلام ووعي شعبي زائف) التي استطاعت أن تلعب وتناور وتبني قلاعا داخل مدن خصومها، ليصبح المتضرر هو المدافع عما يسبب تضرره دون أن يدرك ذلك.
© منبر الحرية 16 يونيو/حزيران 2009

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018