الديمقراطية والإصلاح السياسي

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

تعتبر المساواة فكرة مثالية تعتنقها العديد من الأيديولوجيات، لكنها نادرا ما يتم ربطها هذه الأيام مع الليبرتارية أو الليبرالية الكلاسيكية. وفي الحقيقة فإن كلا من الليبرتاريين ونقادهم يعتقدون نمطيا بأن المساواة كفكرة مثالية هي في حالة “تنافر” مع فكرة الحرية كما يفهمها الليبرتاريون.
لكن ما الذي تعنيه “المساواة”؟
يرسم بعض المفكرين فرقا بين المساواة التقليدية والمساواة الحقيقية، حيث تعني المساواة التقليدية شيئاً كالمساواة المجردة أمام القانون—أي بانطباق القوانين بشكل متساو على الجميع—بينما تتطلب المساواة الحقيقية إزالة، أو على الأقل التقليل لدرجة كبيرة، من الفروق في الثراء، والفرص، والنفوذ.
ومن الواضح أن هذا النوع الأخير من المساواة—والتي يمكن أن نطلق عليها المساواة الاجتماعية الاقتصادية—تعتبر غير متوافقة مع مفهوم الليبرتارية، وبالأخص إذا تم السعي لتحقيق تلك المساواة عن طريق بعض التشريعات القسرية.[1] وتعتبر التشريعات التي تهدف إلى تحقيق المساواة الاقتصادية الاجتماعية مرفوضة من قبل الليبرتاريين باعتبارها غير مقبولة وتشكل تدخلا اشتراكيا في حقوق الملكية للأفراد.
وبالمقارنة، يقبل الليبرتاريون المساواة أمام القانون بشكل عام. لكن لا يوجد شيء محدد بشأنها يمكن اعتباره ليبرتاريا. وقد أشار اناتولي فرانس مرة بدهاء أن القانون بجلالة قدره في المساواة يحرم على الفقير والغني على حد سواء النوم تحت الجسور، وهذه العبارة يستشهد بها دعاة المساواة الاجتماعية الاقتصادية المتهكمون على المساواة التقليدية المجردة. لكن يوجد لليبرتاريين أسباب مساوية للدعوة إلى أن هذا النوع من المساواة يعتبر غير مناسب. وكما أشار يوما الاقتصادي موري روثبارد: “إن عدالة المساواة في العلاج تعتمد أولا على عدالة العلاج نفسه.” لنفرض مثلا بأن [جونز] وحاشيته اقترحوا استعباد مجموعة من البشر. هل يمكننا القول بأن “العدالة” تقتضي استعباد كل واحد منهم بشكل مساو للآخر؟ ولنفرض بأن احدهم قد ساعده حظه الجيد على الفرار. هل يحق لنا إدانته بسبب محاولته تجنب المساواة بالعدالة المفروضة على رفقائه؟
وبما أن كلا من المساواة الحقيقية الاجتماعية الاقتصادية والمساواة التقليدية أمام القانون لم تنجحا في تحقيق ما يعتبره الليبرتاريون مهما في السياسة، فمن المغري الاستنتاج بأن المساواة لا تعتبر قيمة ليبرتارية مركزية البتة.
ومع ذلك فقد وضع مفكرو الليبرتارية أهمية أكبر على موضوع المساواة. فقد كتب ثوماس جيفرسون في إعلان الاستقلال المشهور: “كل البشر خلقوا متساويين.” وفي النسخة الأصلية استرسل قائلا: “ومن خَلْقهم متساويين استمدوا حقوقهم الموروثة التي لا يمكن سلبها منهم.” وبالتالي فقد قام بجعل المساواة أساسا وقاعدة لحقوقنا. ما نوع هذه المساواة التي يتكلم عنها جيفرسون؟
من المعروف عامة بأن كتاب جون لوك، الرسالة الثانية للحُكم، يعتبر من الكتب المشهورة الأولى “التي تعتبر كتبا أساسية في الحقوق العامة،” والتي اعتمد عليها جيفرسون في صياغة إعلان الاستقلال، ويعتبر مفهوم جيفرسون في المساواة مستمدا بشكل مباشر من لوك. ويعرِّف لوك “حالة… المساواة” كحالة “تُعتبَر فيها كل القوى والسلطات تبادلية؛ لا يملك أحد فيها أكثر من الآخر، ولا يوجد ما هو أكثر وضوحا من ذلك بين المخلوقات من نفس الجنس والرتبة، ويعتبر حقا مولودا للجميع، وللجميع نفس ميزات الطبيعة، وباستخدامهم لنفس القدرات، ويجب بالتالي أن يكونوا متساوين أيضا بين بعضهم البعض، بدون تمييز أو اخضاع…”
وباختصار، لا يقصد جيفرسون ولوك بالمساواة تلك المساواة بالأفضليات المادية بل إن جميع الرجال (وتعمم اليوم على الجميع بدون اعتبار للجنس) متساوون في السلطة. ويُعتبَر إخضاع شخص لشخص آخر وبالتالي معاملته كمرؤوس عملا غير شرعي، إذا كنّا نُعتبَر متساويين طبيعيا. وبالتالي يعتبر أي تدخل في حريات شخص آخر خرقا لمفهوم لوك للمساواة: “وكوننا جميعا متساوين ومستقلين، لا يحق لأي شخص إيذاء آخر سواء في حياته، أو صحته، أو حريته، أو ملكيته… وبما أننا جميعا مجهزون بنفس القدرات، ونتشارك جميعا في مجتمع ذي طبيعة واحدة، فلا يمكن اعتبار أي أمور تخولنا تدمير بعضنا البعض، وكوننا سُخِّرنا لاستخدام بعضنا البعض، كما سُخِّرت الأنواع الأدنى من المخلوقات لخدمتنا.”
فلا عجب أن يجد جيفرسون الأمر طبيعيا التمسك برأي، وبعد مرور قرن من الزمان، بأن المساواة الإنسانية هي أساس للحقوق بيننا.
أما لوك فقد قام بدوره وببساطة بتطوير الأفكار الأولى لمجموعة من الراديكاليين الإنجليز، وتحت الاسم “الليفيلرز” (ويعني دعاة المساواة). قام هؤلاء القادة ومن ضمنهم جون ليلبورن، وويليام ولوين، وريتشارد أوفرتون، والذين برزوا في أثناء الحرب الأهلية الانجليزية عام 1640 كأول حركة جماهيرية ليبرتارية. ولم يكن هذا الاسم “الليفيلرز” الاسم المفضل لديهم حيث قاموا بكتابة مقالات سياسية ذات عناوين مثل بيان الفرق بين دعاة المساواة العموميين (المطلق عليهم ذلك بدون وجه حق) ودعاة المساواة الحقيقيين (المزعومين). وينبع عدم ارتياحهم للمسمى الأول من خشيتهم من أن يتم فهمهم بأنهم يطالبون بالإنهاء الجبري لجميع أشكال اللامساواة في الثروة وهو هدف طالما أنكروه صراحة: “نعترف بأنه لم يخطر في بالنا أبدا مساواة البشر في ممتلكاتهم، ولم يكن من جملة أهدافنا تقليص الثراء العام لدرجة تؤثر على شعور الشخص بالأمن على قدرته على التصرف والتمتع بممتلكاته.”
ومع ذلك فقد كان اسم “الليفيلرز” يناسبهم تماما، ولفترة من الزمن، حيث لم يسعوا لتحقيق المساواة الاجتماعية الاقتصادية، فقد كانوا مشغوفين ومكرسين لتحقيق المساواة في السلطة. كان أوفرتون، على سبيل المثال، ينادي: “بأن جميع الرجال ولدوا متساويين ولديهم حب التملك، والاستقلالية، والحرية.” وبالتالي فإن “نافخي الكير، وعاملي النظافة، وعمال المناجم، ومنظفي المداخن” جميعهم “ولدوا أحرارا متساويين” مع “أعظم قرنائهم في البلاد.”
ولهذا فقد أشار أوفرتون إلى أنه “لا سلطة لأحد على الحقوق والحريات، ولا سلطة لي على أي رجل آخر.” وبأن كل رجل “هو ملك، وقسيس، ونبي في كينونته وبدائرته الطبيعية الخاصة وينبثق عنه بأنه لا يحق لأحد مشاطرته في ذلك إلا عن طريق التخويل أو التكليف وبموافقته الحرة التي هي حريته وحقه الطبيعي.”[2]
ويمتد هذا الشكل من المساواة إلى ابعد من كونه فقط مساواة مجردة أمام القانون. وإذا قام حكام بلد ما بفرض عبادة شيفا على الجميع ومن منطلق معاملتهم لجميع المواطنين بمساواة (وبافتراض أن الحكام أنفسهم يعبدون شيفا أيضا) فإنهم بالرغم من ذلك لا يحترمون مبدأ المساواة في السلطة، ذلك لأنهم يحللون لأنفسهم ويحرمون على الآخرين الحق في تحديد ما إذا كان شيفا يستحق العبادة أم لا. وبدلا من مجرد الطلب بالمساواة في تطبيق القوانين، فإن المساواة في المفهوم الليبرتاري تضع تحديدات على محتوى تلك القوانين أيضا، وتستبعد بالتالي أي إخضاع جبري من أي نوع كان. وتعتبر وجهة النظر هذه متوافقة بالكلية مع استخدام القوة للدفاع الشرعي عن النفس مع ما يتضمنه ذلك من معاملة الآخرين كما لو أنهم “مسخرون لبعضهم البعض” والذي يعتبر بالتالي محرما، كونه مخالفا للمساواة الإنسانية. ويُعتبَر أولئك الذين يرون في المساواة أنها على شكلين فقط—ألا وهي المساواة الحقيقية الاجتماعية الاقتصادية والمساواة التقليدية أمام القانون—أنهم قد أهملوا إمكانية المساواة الليبرتارية والتي تعتبر حقيقية لكنها غير اجتماعية أو اقتصادية.
المساواة الليبرتارية
ما هي المضامين السياسية لهذا النوع الثالث من المساواة؟ إن الجوهر الذي تستند إليه المساواة الليبرتارية هو المساواة في السلطة ويعني ذلك انه لا يمكن للحكومة أن تحوز على أية حقوق لا يملكها رعايا تلك الحكومة—إلا إذا قام أولئك الرعايا بالتنازل طوعا عن تلك الحقوق عن طريق “التخويل أو التفويض وبملء حريتهم.” وبما إنني لا امتلك أية حقوق على أي شخص آخر أو ملكيته فلا يمكنني تفويض الحكومة حقا على أي شخص آخر أو على ملكيته. وكما قال الاقتصادي الفرنسي فريدريك باستيا ببلاغة في القرن التاسع عشر:
“إذا كان لكل شخص الحق—ولو باستخدام القوة—في الدفاع عن نفسه، وحريته، وأملاكه، فإن ما يتبع ذلك هو انه يحق لمجموعة من الرجال تنظيم ودعم قوة عامة بهدف حماية تلك الحقوق. بالإضافة إلى ذلك فان مبدأ الحق الجماعي—والذي له حق شرعي في الوجود—مبني على الحقوق الفردية وبالتالي فإنه لا يحق للقوة العامة التي تقوم بحماية هذا الحق الجماعي أن يكون لها هدف أو غاية أخرى غير المهمة التي تستند في وجودها إليه، وبالتالي فكما انه لا يحق لأي شخص شرعيا استخدام القوة ضد الشخص وحريته وممتلكاته، فإن هذه القوة العامة—ولنفس الأسباب المذكورة—لا يمكن استخدامها شرعيا من اجل تدمير أي شخصيات، أو حريات، أو ممتلكات للأفراد أو الجماعات.”
وبينما يختلف الليبرتاريون فيما بينهم في القدر الملائم أو المناسب الذي يحتاج إليه الشخص التنازل عن حريته للحكومة، إلا أنهم جميعا يتفقون على السعي لتقليص عدم المساواة في السلطة بين الأفراد العاديين من جهة، وأولئك المميزين والعاملين في الدولة من جهة أخرى.
لا تستطيع المساواة الاجتماعية الاقتصادية ولا المساواة أمام القانون أن تصلا إلى مستوى المساواة الليبرتارية وذلك لأنهما لا يقدرا على مساءلة البنية القائمة للسلطة. ويطلب كلا النمطين من الحكام التأكد من أن المساواة (ذات الشكل المفضل) سائدة بين الحاكم والمحكوم (وحقيقة أن المحكومين مؤهلين لمنصب انتخابي لا يلغي هذه اللامساواة كون أولئك الذين يصلون إلى صفوف السلطة يشكلون أقلية صغيرة من بين الجماهير). وكما كتب الفيلسوف انتوني فلو، في ظل تنظيم حكومي: “إن ما تقرره الفئات النخبوية الحاكمة مناسباً… قد يتكشف عنه تحقيق المساواة أو عدمها بين أولئك المستقلين للغاية، لكن بالطبع لا توجد مساواة البتة بين أولئك الذين يصدرون الأوامر وأولئك الذين يتلقونها.”
وفي المقابل تتضمن المساواة الليبرتارية المساواة ليس فقط أمام أولئك الذين يديرون السلطة بل المساواة معهم.
يجب تكبيل الحكومة بروابط أخلاقية يمكن تطبيقها على المواطنين الخاصين. إذا كنت لا أستطيع نزع أملاكك منك بدون موافقتك، فان الحكومة لا تستطيع ذلك أيضا.
لهذا السبب تعتبر الليبرتارية—لا الاشتراكية الدولانية—ما يستحق لقب المساواة الراديكالية. الحرية هي الشكل الأكثر صدقا للمساواة.
ملاحظات:

[1] من المهم التذكر أن السعي للحصول على المساواة الاجتماعية الاقتصادية بالوسائل السلمية والطوعية هو أمر متوافق تماما مع الليبرتارية.
[2] هذه الفقرة هي من ما يُعتقَد انه امتع ما كتب من الرسائل السياسية: ريتشارد اوفرتون، سهم ضد جميع الطغاة والظلم، رصاصة من سجن نيوجيت الى امعاء المميزين في مجلس اللوردات الاستبدادي، وجميع المغتصبين الآخرين والظلمة مهما كانوا، في اي مكان، الاصليون، النهوض، المدى، ونهاية قوى الجلالة، الحقوق الطبيعية والوطنية، الحريات وممتلكات الانسانية المكتشفة وغير المنكرة، القمع الاخير وتعديات اللوردات على العامة (بالقانون الاساسي وقوانين هذه المملكة، وكذلك بواسطة السجلات التي لا تنسى لبرج لندن)، مدانة، آخر احكام المشيخة (المخترعة والمحاكة من قبل الالوهيين، وبتحركات السيد بيكون والسيد تيت ريد في مجلس العموم)، تفحصت، ودحضت، وفضحت، كجميع الطغاة، البربريين واللاانسانيين بواسطة ريتشارد اوفرتون، رامي الاسهم المميز على مجلس اللوردات المستبد، سجينهم في نيوجيت، لاسباب عادلة وقانونية، حقوق وحريات العموم في انجلترا (1646).
بالتنسيق مع مجلة فريمان (تشرين الأول، 2005).
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 26 كانون الأول 2006.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

رواية أوغستو بينوشيه الطويلة، ربما تكون بعيدة عن نهايتها—فسياسات أمريكا اللاتينية هي غرفة كبيرة مليئة بالأشباح من الماضي—بيد أن وفاة دكتاتور تشيلي تعطينا على الأقل فرصة لاستعادة أحد أهم الدروس المستقاة من تاريخ بلاده الحديث.
الدرس الأول، هو أن المثاليات الاجتماعية تنتهي دائماً بالدموع. لقد كان لدى تشيلي تراثاً ديمقراطياً عندما جاء الماركسيون اليساريون إلى الحكم في عام 1970 بيد أن هذا التراث لم يكن قوياً بدرجة كافية تمكنه من الوقوف أمام الطريق الثورية التي اختار الرئيس سلفادور أليندي أن ينتهجها. لقد سخر اليسار بالمؤسسات التي أتاحت له الوصول إلى السلطة ودفع بالنظام الجديد إلى ما بعد حدوده وبالتالي تسبب في رد فعل عسكري شديد القساوة. واليوم، فقد تعلم الاشتراكيون في تشيلي الدرس من تلك التجربة.
الدرس الثاني، هو أنه لا يوجد شيء اسمه “الدكتاتورية الطارئة”. إن أولئك الذين دعوا إلى تدخل عسكري، وكان من بينهم الديمقراطيون المسيحيون من يمين الوسط، كانوا قد ارتكبوا خطأً فادحاً في ظنهم بأن القوات المسلحة سوف تعود أدراجها إلى ثكناتهم بمجرد أن تنتهي “حالة الطوارئ”. وما أن وُضع حكم القانون جانباً وتم التخلي عنه، حتى لم يبق من شيء يقف أمام بينوشيه وتعزيز قبضته على السلطة—وبالأخص، وكما هو الحال في كثير من الحالات، في قارة تعشق القادة والحكام الأقوياء، وبالتالي استندت السلطة على تأييد شعبي كبير.
وقد دفع كثير من الديمقراطيين المسيحيين ثمناً باهظاً بتأييدهم لبينوشيه، وقد سعوا فيما بعد لتصحيح سوء التخطيط ذاك بتحالفهم مع الاشتراكيين منذ عودة الديمقراطية إلى البلاد في عام 1990.
الدرس الثالث، هو أن الأسواق الحرة والحكومات الدكتاتورية هما في نهاية المطاف لا يلتقيان، ذلك لأن نظاماً اقتصادياً حراً يتطلب توزيع السلطة، وهذا من شأنه في النهاية أن يحد من قدرة أولئك الذين يتولون زمام الحكم من مواصلة حكمهم. نعم، لقد كانت الإصلاحات الاقتصادية في عهد بينوشيه ناجحة جداً. بيد أنها خلقت جيلاً من الطبقة الوسطى كرهت أن يحكمها العساكر. ومن السخرية أن الذين خلفوا بينوشيه قد أثبتوا أنهم ضامنون أفضل للاقتصاد الحر من الجنرال بينوشيه نفسه. فمنذ عام 1973 كان معدل النمو الاقتصادي السنوي أربعة أضعاف، في المعدل، مما كان عليه بين 1810 وتاريخ وقوع الانقلاب العسكري. وفي الوقت ذاته فقد تراجع التأييد لبينوشيه بشكل منتظم على امتداد العقدين الماضيين. فقد نال 43 بالمئة من الأصوات في الاستفتاء الذي خسره في عام 1988، وكان مرفوضاً على نطاق واسع عند وفاته.
أما الدرس الرابع، فهو أن حقوق الإنسان ليست اختراعاً حققته جماعات حقوق الإنسان، مهما كان الكثير من تلك الجماعات منحازين (إنهم لم يوقعوا نصف الضغط على دكتاتورية فيديل كاسترو الذي وضعوه على بينوشيه). لا شيء يمكن أن يبرر قتل 3197 إنساناً، وتعذيب أكثر من 29000 وإرسال الآلاف إلى المنافي، كما جاء في تقرير اللجنة الوطنية للحقيقة والتصالح في عام 1991. ذلك السجل الوحشي لم يكن الثمن الذي دفع من أجل الاستقرار—والذي جاء بالفعل مع نهاية النظام العسكري—بل كان نتيجة حتمية لحكم رجال يرتدون الزي العسكري. لقد فشلت إدارة نيكسون في أن ترى هذه الحقيقة، وكان من شأن ذلك تأجيج المشاعر المعادية لأمريكا في الهمسفير الغربي. لقد تم تطوير حكم القانون لأن أي إنسان يملك قوة كبيرة قادر على ارتكاب أعمال مشينة.
إن جيشاً يتحكم في أمة تحكماً غير مقيد، سواء كان يقوده بينوشيه أو كاسترو، سوف يرتكب على الدوام القتل والخطف وتعذيب المواطنين الذين يراه مهددين لنظامه. إن نتائج السماح لذلك سوف يستمر في إلقاء ظلاله الداكنة على شعب بعد زمن طويل من نهاية حكم ذلك النظام. فالجروح المفتوحة ما زالت تُرى في المجتمع التشيلي وهي تشهد بهذه الحقيقة.
الدرس الخامس، أنه لا يوجد هنالك شيءٌ يمكن تسميته بالدكتاتورية الخالية من الفساد. فعلى امتداد سنوات كان ينظر إلى بينوشيه على أنه جندي “أخلاقي”. وكان مؤيدوه يزعمون بأنه خلافاً للكثيرين غيره من الحكام العسكريين، فإنه لم يسرق أي مالٍ أبداً. ولكن في عام 2004 كشفت لجنة تحقيق أمريكية منبثقة عن مجلس الشيوخ الأمريكي النقاب عن أن بينوشيه قد أودع عدة ملايين من الدولارات في بنك ريغز في واشنطن وفي غيره من المؤسسات، مستخدماً هويات مزورة. وتبع ذلك اكتشافات أخرى.
وآخر درس هو أن الانتقال إلى حكم القانون يجب أن يهدف إلى تحقيق عدالة جزئية على الأقل إذا لم يكن بالإمكان تحقيق العدالة الكاملة وانسجامها مع الحفاظ على الفترة الانتقالية. لقد تحركت محاكم تشيلي متأخرة كثيراً ضد بينوشيه بسبب خشيتها من إثارة المؤسسة العسكرية، ولم يكن إلا بعد أن سمحت السلطات البريطانية له بالعودة إلى سانتياغو بعد 503 أيام من التوقيف في لندن أن تحرك النظام القضائي في تشيلي. نعم، لقد تم رفع الحصانة عن بينوشيه ما مجموعه 14 مرة، وكان عليه أن يقضي معظم سنوات حياته الباقية مناوراً لتفادي السجن، ولكن لم يحكم عليه أبداً وكانت فترة الانتقال التشيلية في اتجاه حكم القانون مليئة بشعور بالذنب الأمر الذي سيجعل من الصعب مكافحة شبح بينوشيه في المستقبل المنظور.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 23 كانون الأول 2006.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

توفي عن عمر يناهز الـ94 عاماً، ميلتون فريدمان، الذي يعتبر ربما أعظم علماء الاقتصاد في القرن العشرين. وعلى امتداد عمره الطويل كان له حظ رؤية العالم متجهاً نحو أفكاره.
وُلد فريدمان في نيويورك عام 1912، في نهاية فترة طويلة من السلام والرخاء. فقد شهد النصف الأول من حياته سلسلة من التراجعات الكارثية بالنسبة لتلك الأفكار: الحرب العالمية الأولى، الانقلاب البلشفي في روسيا، قيام الفاشية والاشتراكية الوطنية، اندلاع الحرب العالمية الثانية، والسيطرة الشيوعية على نصف العالم. ولكن لحسن الحظ كان والدا فريدمان قد هاجرا من أوروبا الشرقية، وبالتالي تجنبا الأحوال الكارثية التي حلت هناك.
بيد أن فريدمان ظل يواجه التحدي في وطنه الجديد أيضاً. فقد بدأ تطبيق ضريبة الدخل الفيدرالية في عام 1913. وقد أدخلت الحرب العالمية الأولى التخطيط الحكومي على نطاق لم يسبق له مثيل. ثم جاء منع المشروبات الروحية، و”الصفقة الجديدة”، واقتصاديات العالِم كينز، والاعتقاد الذي أصبح سائداً بأن الحكومة الفيدرالية تستطيع حل أية مشكلة.
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومع عقلية الحكومة الكبيرة سائدة بلا تحدٍ أو منازع في الولايات المتحدة، بدأ ميلتون فريدمان كتاباته. كتب أولاً حول القضايا الاقتصادية من النواحي التقنية، بحيث وضع الأسس لتحول لاحق في سياسة الولايات المتحدة النقدية. ومن ثم في عام 1962، وفي خضم الحماس لطرح جون إف. كينيدي حول “الحدود الجديدة”، نشر كتابه بعنوان الرأسمالية والحرية، والذي اقترح بموجبها إعطاء قسائم مدرسية من أجل جلب منافع المنافسة إلى التعليم، وفرض ضريبة محددة بحيث تصبح ضريبة الدخل أقل عبئاً، ثم تعويم نسب تبادل العملات من أجل تحسين الأوضاع المالية الدولية.
وعلى امتداد الـ40 سنة اللاحقة، بقي فريدمان أحد أهم دعاة الحرية الشخصية في أمريكا. كان يكتب عموداً في مجلة النيوزويك، كما كان يلقي محاضرات في مختلف أنحاء العالم وكان يظهر على التلفاز، وبشكل دائم يدعو إلى مزايا السوق الحرة والمجتمعات الحرة. وقد تم ضمه كمستشار للرؤساء والمرشحين من الحزب الجمهوري، بيد أنه كان يرفض تلقيبه بـ”المحافظ” مصراً على أنه ليبرالي مثل ليبرالية ثوماس جيفرسون وجون ستيوارت ميل، أو ليبرتاري في التعبير المعاصر.
وقد كانت آراء ونصائح فريدمان تُطلب من مختلف أرجاء العالم. وأكثر تلك النصائح كان في عقد 1970 من القرن الماضي، عندما قدم نصيحته إلى حكومة تشيلي العسكرية (والتي لقي بالمقابل لها سنوات من الإدانة) وحكومة الصين الشيوعية (ولا يبدو أن أحداً قد اعترض على ذلك). ولحسن الحظ فإن الحكومتين أخذتا بنصائحه، وكلتاهما حققتا ما سمي بـ”المعجزة الاقتصادية”. تشيلي الآن تتمتع بأنجح اقتصاد في أمريكا اللاتينية، كما أن مسيرة الصين على الطريق الرأسمالية قد جعلها أكثر رخاءً مما كان يتخيله أي إنسان في عام 1976، وهي السنة التي توفي فيها ماوتسي دونغ، والسنة التي نال فيها فريدمان جائزة نوبل.
وفي عام 1980 وسّع فريدمان من جمهور مستمعيه بنشره لكتاب بعنوان أنت حر الاختيار، كما صاحب ذلك سلسلة من الحلقات التلفزيونية أُلقيت من تلفزيون الـ بي. بي. إس. ملايين الناس شاهدوا ذلك البرنامج وأصبحوا يتفهمون كيف يعمل نظام السوق. وقد قال أحد مشاهدي البرنامج وكان ممثلاً صغير السن أصبح فيما بعد حاكماً لولاية كاليفورنيا اسمه آرنولد شوارزنغر في عام 1994: “في النمسا لاحظت بأن الناس يقلقون هناك حول متى سوف يحصلون على تقاعدهم. في أمريكا فإن الناس يقلقون إذا كانوا سوف يحققون قدراتهم. أما كتب فريدمان فقد أوضحت لي كيف أن نظاماً رأسمالياً ديناميكياً يتيح للناس تحقيق أحلامهم”.
ظهر ذلك البرنامج بعد أن أصبحت مارغريت ثاتشر رئيسة وزراء بريطانيا، وقُبيل انتخاب رونالد ريغان رئيساً للولايات المتحدة. ثاتشر وريغان مثّلا ثورة كان ميلتون فريدمان قد ساعد في خلقها: وقد تجسدت في الابتعاد عن التخطيط المركزي ودولة الرفاه باتجاه تقدير متجدد للمبادرة والأسواق الحرة والحكومة المحدودة.
ليس فقط في إنجلترا والولايات المتحدة، فقد أثر نجاح السوق الحر في تشيلي على بلدان أمريكا اللاتينية الأخرى وحفزها على الابتعاد عن تقاليدها القديمة في التدخل في الشؤون الاقتصادية. وبعد عقد من انتخاب ريغان انهارت الإمبراطورية السوفييتية، وتبين أن العديد من قادة شرق وأواسط أوروبا الجدد كانوا من قرّاء ميلتون فريدمان!
لقد أصبحت إستونيا بسرعة قصة نجاح في عهد ما بعد الاتحاد السوفييتي. وعندما زار رئيس وزرائها الشاب مارت لار واشنطن، سُئل من أين جاءت له فكرة الإصلاحات المبنية على نظام السوق، فكان جوابه “لقد قرأنا ميلتون فريدمان وإف. إيه. هايك”. وقد وصف مُصلِح اقتصادي ناجح آخر هو فاسلاف كلاوس، رئيس وزراء التشيك، بأنه “فريدماني مع مستشارين من أتباع هايك”.
لقد كافح فريدمان ضد الإكراه في جميع أشكاله. وقد كان الأب الفكري لإنشاء جيش جميعه من المتطوعين، حين أقنع عضو كونغرس صغير السن آنذاك، دونالد رامسفيلد، بأن يصبح قائداً في الجهود الرامية إلى إنهاء التجنيد الإجباري. وقد كان خصماً عنيداً وصريحاً في الحرب ضد المخدرات والتي قال إنها اعتداء على حقوق الفرد كما أنها تساعد على ارتكاب الجرائم والفساد.
وقد أعلن فريدمان في إحدى المناسبات قائلاً “إن العنصر الجوهري في دعوتي العامة كانت تنمية الحرية الإنسانية”.
اليوم لن نعود نستمع إلى صوته. ولكن في خضم برامج الخيارات المدرسية المتنامية في أوهايو وأريزونا وما بعدهما، وانتشار الليبرالية الاقتصادية على امتداد العالم، فإن من الصعب أن لا تُرى أعماله.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 4 كانون الأول 2006.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

عندما فاز الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس والبيت الأبيض في عام 2000، اعتقد كثير من المحافظين أن حكومةً أصغر كانت قاب قوسين أو أدنى، وهو وعدٌ جمهوري منذ وصول رونالد ريغان إلى المكتب البيضاوي. وبدلا من ذلك، قام الرئيس وقيادة الحزب الجمهوري في الكونغرس بتوسيع الحكومة بدرجة أسرع من أي وقت مضى منذ الستينات.
لم يعد ينظر الكثير من المحافظين إلى الديمقراطيين في الكونغرس على أنهم أكبر عائق أمام معالجة الحكومة الكبيرة، بل يرون قادة الحزب الجمهوري في واشنطن على أنهم المشكلة. وقد يترتب على هذا معانٍ ضمنية وخيمة للحزب الجمهوري في انتخابات عام 2006.
إن الأضرار المالية لسنوات حكم جورج دبليو بوش هي ميراث بغيض للجمهوريين للوقوف جانبا بينما هم متجهون إلى مجموعة حاسمة من انتخابات منتصف الفترة التشريعية والانتخابات الرئاسية الأولية. فبعد تعديل إجمالي النمو في الموازنة الاتحادية من خلال طول فترة الرئاسة والتضخم، فإن جورج دبليو بوش هو أكثر رئيس مسرف حكم مدة كاملة منذ ليندون جونسون. إن الإنفاق لا يقتصر على الحرب على الإرهاب أو العمليات في العراق. فلقد خُصص 15% فقط من الموازنة الإجمالية للبنتاغون خلال الأعوام الخمسة الماضية لتمويل هذه العمليات. وعندما سيطر الجمهوريون على الكونغرس في عام 1994، انفقت الحكومة ما نسبته 20.7% من الناتج المحلي الإجمالي. وعندما غادر كلينتون الرئاسة، لم يتجاوز الإنفاق الاتحادي 18.5% من الناتج المحلي الإجمالي. ولقد انعكس هذا الاتجاه فور انتهاء حفل تقليد جورج دبليو بوش السلطة. ولقد تمكن بوش مع الكونغرس الجمهوري من زيادة الإنفاق الحكومي ليصل إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2006. ويحتار الآن الناخبون بين اختيار الحكومة الكبيرة (الجمهوريون) أو الحكومة الأكبر (الديمقراطيون). مع هذه الخيارات، قد لا يكون المحافظون حريصين على إنجاح المرشحين الجمهوريين في عام 2006.
لقد أضر غياب الحماس لمرشحي الحزب الجمهوري كبيري الإنفاق الحزب من قبل، وتحديدا في فترة الانتخابات البرلمانية النصفية لعام 1998. في ذلك الوقت، فرض قادة الحزب الجمهوري على دافعي الضرائب موازنتين تنازلوا فيهما عن وعد الثورة الجمهورية بحكومة أصغر وأكملوا تلك الإهانة بمشروع قانون الطريق السريع الذي صرفت الحكومة عليه مبالغ هائلة للحصول على الأصوات (هل يبدو هذا مألوفا؟)، وبدلا من الحصول على مقاعد، فقد الجمهوريون ثلاثة مقاعد في مجلس النواب، خافضين بذلك أغلبيتهم إلى النصف تقريبا.
لماذا؟ لقد أظهرت استفتاءات الناخبين عند الخروج من أماكن الاقتراع أن حصيلة المحافظين انخفضت بنسبة 6% من عام 1994 لغاية عام 1998. في انتخابات منتصف فترة الرئاسة لهذه الانتخابات المتقاربة، حيث حصل مرشحو مجلس النواب المحافظون على عدد من الأصوات يزيد عن ما حصل عليه مرشحو الحزب الديمقراطي بنسبة 2% فقط، احتاج الجمهوريون إلى المساعدة من الناخبين المحافظين في توجههم الآيديولوجي المالي. لكنه من الواضح أن هؤلاء الناخبين كانوا منزعجين من أن الجمهوريين قد فقدوا عزيمتهم وقرروا البقاء في منازلهم يوم الانتخابات.
وإذا كرر التاريخ نفسه هذا الشهر من تشرين الثاني 2006، سيستحق الأمر التأمل فيما إذا كانت خسارة الحزب الجمهوري للكونغرس سيئة لمؤيدي الحكومة المحدودة. وعلى أية حال، تنمو الحكومة بشكل أبطأ عندما يكون أحد مجالس الكونغرس على الأقل تحت سيطرة حزب سياسي مختلف عن حزب الرئيس، وهي حالة معروفة لدى علماء السياسة “بالحكومة المنقسمة” وتعرف شعبيا بـ”الازدحام السياسي”.
منذ عام 1965، كان نمو حجم الحكومة في فترات الحكومة المنقسمة أبطأ من نموها في فترات الحكومة الموحدة. تقود الحكومة الموحدة إلى زيادة سنوية في الإنفاق الاتحادي تعادل 3.4%، في المتوسط، من حيث نصيب الفرد من معدلات النمو الحقيقي—أي ما يعادل نحو ضعف نمو حجم الحكومة تحت الحكومات المنقسمة (1.5%).
وعندما يُنظر إلى البيانات من حيث سرعة نمو حجم الحكومة بالنسبة إلى الاقتصاد، تكون النتيجة لصالح الحكومة المنقسمة. إذ يكون متوسط الزيادة السنوية في حجم الحكومة نسبةً إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي أسرع بحوالي 25 مرة عندما يكون أحد الأحزاب محتكرا لكل من السلطتين التشريعية والتنفيذية.
إن الشيء الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه في واشنطن هو الحزبية: عندما يكون الجمهوريون أقلية محاصرة، أو أغلبية برلمانية تواجه بيتا أبيضا كبير الإنفاق (أي رئيسا ديمقراطيا)، فهم جزء ضئيل. والحكومة الكبيرة هي العدو الواضح. لكن عندما يجدون أنفسهم في موضع السلطة والسيطرة على كل شيء، لا يقومون بكبح بعضهم الآخر. بل وبدلا من ذلك، يشجعون بعضهم.
ويمكننا أن ندرك ذلك بمقارنة كيف تعامل كونغرس الحزب الجمهوري مع الموازنات غير الدفاعية المقترحة لكل من بيل كلينتون وجورج دبليو بوش. خلال سنوات الحكومة المنقسمة تحت إدارة كلينتون، نشأ نتيجة لذلك نوع من الجمود (الازدحام السياسي)، إذ تدبّر الكونغرس الجمهوري ذلك من خلال خفض طلبات الإنفاق المحلي لإدارة كلينتون بمعدل 9 مليارات دولار كل سنة مالية بين أعوام 1996 و2001.
قارن ذلك مع مخرجات الموازنة في عهد الرئيس بوش—وخاصة السنوات التي استولى خلالها الجمهوريون على الكونغرس: بين السنتين الماليتين 2003 و2006، أقر الكونغرس موازنات غير دفاعية بلغت في المتوسط 16 مليار دولار زيادة على ما يقترحه الرئيس كل عام، ورفض بوش حق النقض.
تعني قواعد النظام الحزبي أنه من الأرجح قبول كونغرس جمهوري لمُخطّط الحكومة الكبيرة إذا اقتُرِح من قبل رئيس جمهوري وليس من قبل رئيس ديمقراطي. وهذا ما حدث بالضبط في حالة إقرار قانون الرعاية الصحية، والتي لم تكن لتقر لو تم اقتراحها فرضا من قبل الرئيس آل غور أو الرئيس هيلاري كلينتون!
الحكومة المنقسمة هي القاعدة وليس الاستثناء في السياسة الأمريكية الحديثة. فعلى سبيل المثال، وعلى مدى الإثنين وأربعين سنة الماضية، كان هناك ثلاث عشرة حكومة موحدة فقط تسيطر على السلطة التنفيذية والتشريعية على المستوى الاتحادي. وتشكل رئاسة كل من كارتر وجونسون تسعاً منها. وتُغطي السنوات الأربع الماضية لرئاسة جورج دبليو بوش ما تبقى.
إن ما شاهدناه في السنوات القليلة الماضية من أغلبية جمهورية موحدة قد يكون أمرا شاذا. ولكن بناء على التاريخ، فإن السؤال الموجه للمحافظين في سنة الانتخابات هذه هو ما إذا كان من الأفضل لقضيتهم قيام الجمهوريين في الكونغرس بقضاء بعض الوقت أخيراً خارج الحياة السياسية!
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 2 تشرين الثاني 2006.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

لأولئك أصحاب النزعة الحزبية، لديّ بعض الأخبار السيئة: تستطيع الحكومة الفيدرالية للولايات المتحدة الأمريكية أن تعمل بشكل أفضل (أو بالأحرى بدرجة أقل سوءاً) عندما يسيطر الحزب المعارض على أحد مجلسي الكونغرس على الأقل. فالحكومة المنقسمة تكون، وهو أمر مُستغرب، أقل تسببا في الخلاف. كما أنها أيضا أكثر اقتصادا. والسبب الرئيس لذلك بسيط وهو أنه عندما يقترح أحد الأحزاب تدابير جذرية أو حمقاء، فباستطاعة الحزب الآخر أن يعترض سبيله. تزدهر الولايات المتحدة بشكل أكثر عندما تُكبح التجاوزات؛ وإذا كانت الأرقام المأخوذة من الخمسين سنة الماضية تُعطي أية مؤشرات، فإن الحكومة المنقسمة هي التي تحدها.
لنطلع على بعض الإحصاءات. منذ فجر الحرب الباردة وحتى يومنا هذا، كان هناك فترتان فقط من ما يمكن تسميته قيوداً مالية: السنوات الست الأخيرة من إدارة آيزنهاور، والسنوات الست الأخيرة من إدارة كلينتون، والتي سيطرت خلالهما المعارضة على الكونغرس. فبلغ متوسط الزيادة السنوية في الإنفاق حوالي 1% تحت إدارة كلينتون، بينما كان متوسط الزيادة سالبا تحت إدارة آيزنهاور. وبالمقارنة، فُتنت الحكومات الموحدة بالإلتواءات المالية. فقام هاري ترومان، وبمساعدة الكونغرس الديمقراطي، بالإسراف في إنفاق المال، بزيادة في الإنفاق بلغت 10% بالسنة. وكان ليندون جونسون مسرفا مثله. واليوم، ولسوء الحظ، فإن جورج دبليو بوش وريثٌ لهما، في ظل الأغلبية للحزب الجمهوري. ولتوضيح هذا بالأرقام، فلقد ازداد الإنفاق الحكومي بمعدل 1.73% سنويا فقط خلال فترات الحكومة المنقسمة. ويزداد هذا الرقم لأكثر من ثلاثة أضعاف ليصل إلى 5.26% خلال فترات الحكومة الموحدة. وهذا ثمن ضخم مقابل قليلاً من الوحدة.
الأمر اللافت للنظر هو أن هذه الزيادة في الإنفاق قد وجدت عموما نفس المستفيد: البنتاغون. وهذا لا يعني أن الحكومات الموحدة تعشق شراء قاذفات القنابل، بل بالأحرى تميل إلى جرِّنا إلى الحروب. قد يبدو هذا أمرا غير محتمل للوهلة الأولى، ولكن، لنأخذ بعين الاعتبار الآتي: خلال 200 عام من تاريخ الولايات المتحدة، بدأت جميع النزاعات التي اشتملت على معارك ومواجهات أرضية تتجاوز مدتها الأسبوع من قبل حكومة موحدة. فلقد بدأت كل من المعارك الأربع الكبرى خلال القرن العشرين، مثل الحرب العالمية الأولى، والحرب العالمية الثانية، والحرب الكورية، وحرب فيتنام بواسطة رئيس ديمقراطي بدعم من كونغرس ديمقراطي. إن الحرب الحالية في العراق، والتي بدأت بمبادرة من رئيس جمهوري ودعم من الكونغرس الجمهوري متفقة مع هذا النمط. كما أنها تُمثل الاستخدام الوحيد للقوة العسكرية في معارك أرضية لمدة تتجاوز الأسبوع والتي بدأ بها رئيس جمهوري في مدة تزيد عن قرن. يبدو أن الحكومة المنقسمة لها دور هام في كبح مشاركة الأمريكيين في الحرب. وغني عن القول، فإن هذا يقلل النفقات في كل من الدماء والأموال.
هناك ميّزة أخرى للتوتر والشدّ بين أفرع الحكومة: فمن الأرجح أن يدوم الإصلاح الرئيسي. وحيث أن إقرار أي إجراء في الحكومة المنقسمة يتطلب دعم الحزبين، فمن غير المحتمل أن يؤدي التحول في أحزاب الأغلبية إلى حدوث تغييرات جذرية أو غش. على سبيل المثال، تم إقرار قانوني الضرائب لعامي 1981 و1986 في عهد رئاسة ريغان من قبل مجلس النواب الذي كان يُسيطر عليه الديمقراطيون، ولقد بقي هذان القانونان حيّين على نطاق واسع. ولقد تم إقرار إصلاح الرعاية الاجتماعية لعام 1996 من قبل كلينتون والكونغرس الجمهوري، ولقد ثبت هذا أيضا. بالمقابل، فلقد تعثرت كافة الجهود خلال السنوات القليلة الماضية لإصلاح قوانين الضرائب الاتحادية والرعاية الطبية والضمان الاجتماعي، كما أنه من المؤكد أن يتم التخلص من أي تغيير كان قد تم إقراره من قبل الحزب الجمهوري فور عودة الديموقراطيين إلى السلطة. ستعتمد الإصلاحات ذات القيمة الحقيقية بالتأكيد على منع التطرف الأيديولوجي وضمان دعم الحزبين، ولا يبدو من المرجح وجود قليل من هذا في ظل حكومة يحكمها الحزب الجمهوري فقط.
يبدو أن الناخبين في أمريكا، وبالرغم من حكمتهم الجماعية غير الواضحة، يدركون منافع الحكومة المنقسمة، وكذلك كان تصويتهم على مدى أكثر من خمسين عاما. من المؤكد أن الحكومة المنقسمة ليست من الأمور التي تُصنع منها الأساطير السياسية، وفي الواقع، يرغب معظمنا في اتخاذ التشريعات الجيدة بدلا من الأساطير الجيدة. وبصفتي جمهوري على مدى العمر، وأحيانا موظف فيدرالي، فيجب أن أعترف بالحقيقة الصعبة التالية: لا يهمني كثيرا كيفية تحقيق الحكومة المنقسمة المقبلة. ولكن في عام 2006، هناك طريق واحد لحدوث هذا.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 1 تشرين الثاني 2006.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

يركز هذا المقال على المعايير التي تساهم في رسم النطاق الأمثل للحكومة، وعلى المسائل المتعلقة بالعلاقة بين الفرد والدولة. سأبدأ ببعض التوضيحات ذات الصلة بمفهوم الدولة، حيث أن العديد من الأنظمة التي ينظر إليها تقليدياً على أنها “دول”، تنقصها حتى المتطلبات الأساسية التي يأتي ذكرها في المناقشات المعيارية حول ما يجب أن تقوم به “الدولة”. واختتم المقال بالمجادلة بالقول أن الرؤية الكلاسيكية للدولة المحدودة تعتبر أفضل في المعنى الذي توفر فيه الدفاع الأفضل عن الحريات الاقتصادية والشخصية.
النظام المؤسساتي والدولة

يظهر التاريخ أنه كان لكل مجموعة إقليمية كبيرة ودائمة من الأشخاص، مجموعة من القوانين الشخصية المتبادلة، وفي المجتمعات الأكثر حداثة، نظام مؤسسات يحكم التعاون، وحل الصراعات، والدفاع فيما بينها. وأطلق على عدد من هذه الأنظمة المؤسساتية اسم “دول”. ومن الواضح أن تحديد أي من هذه المجموعات لديها دولة، وأي منها لديها نظام مؤسسي بدون دولة، هو أمر يعتمد على تعريف معنى الدولة. وأكثر تلك التعريفات استخداماً على نطاق واسع هو تعريف ماكس ويبر. فالدولة تكون قائمة عندما يكون هناك جهاز متخصص يحتكر عملية استخدام القوة في منطقة ما (ويبر 1922: 29-30). ولا يُعترف بالأنظمة التي لا تستوفي هذا الشرط على أنها دول. على سبيل المثال، لا تعتبر الجمعية الخيرية دولة، في حين أن “دولة الرفاه الاجتماعي” تعتبر كذلك. وبحسب تعريف ويبر فإن الأنظمة التي ترتكب فيها المجموعة الحاكمة الجرائم ضد الأعضاء الآخرين الذين يعيشون على نفس الأرض، سيطلق عليها مع ذلك تعريف دولة، رغم أنها دولة مهلكة (على سبيل المثال جمهورية زائير سابقاً في ظل حكم موبوتو سيكو-سيكو).
وكنقطة بداية في النقاش حول النطاق الأمثل لنشاط الدولة، بإمكان المرء اللجوء إلى مفهوم روبرت نوزيك المتمثل في دولة الحد الأدنى—إي تلك التي تقتصر وظيفتها على “مهام حماية جميع مواطنيها من العنف، والسرقة، والاحتيال، وعلى تنفيذ العقود.” (نوزيك 1974: 26).
هل الدول الأمثل مختلفة بسبب المجتمعات المختلفة؟
هل تعتمد رؤية الدولة الأمثل على خصائص الدول القائمة، أم على الملامح التي تنطوي عليها مجتمعاتها؟ فعلى سبيل المثال، هل يجب على الدولة أن تقوم بما هو أكثر (أو أقل) في البلدان الأكثر فقراً بالمقارنة مع ما تقوم به الدولة في البلدان الأكثر غنىً؟ أم هل أن النطاق الأمثل لنشاط الدولة يعتمد على التركيبة العرقية للسكان، ومدى التوتر المجتمعي الناتج عن ذلك؟
وتتمثل القضية الأخرى فيما إذا كان النطاق الأمثل للحكومة يبرز من العملية الديمقراطية. فإذا كان الأمر كذلك، فبإمكان المرء أن يجادل بالقول أن النطاق الأمثل للدولة في بعض المجتمعات يشتمل على المزيد من إعادة التوزيع على حساب النمو الاقتصادي، بينما تفضل مجتمعات أخرى إعادة توزيع أقل ونمواً أكثر. على أية حال، فإنّ أخْذنا قانون الأغلبية كمعيار للحكم على أفعال الدولة هو أمر محفوف بالمخاطر، لأنه يتضمن ضرورة قبول أي قرار من قرارات الأغلبية، بما فيها تلك القرارات التي تضطهد الأقليات، وتصادر الملكية، وتفرض ضريبة الحرمان. وبناء عليه، يجب تقييد قانون الأغلبية، مما يسلط الضوء على الحاجة لمعايير أخرى لرسم نطاق الدولة.
أما الإجابة على التساؤل حول ما إذا كانت الدولة الأمثل مختلفة بسبب المجتمعات المختلفة، فتعتمد إلى حد كبير على ما إذا كان الأفراد في المجتمعات المختلفة مختلفين جوهرياً. وأنا أعتقد شخصياً أن هناك متغيرات دافعية وإدراكية قوية على نحو كافٍ تشكل الطبيعة البشرية، بحيث أن النطاق الأمثل للدولة يتشابه على نطاق عريض عبر المجتمعات. فالسياسات التي اعتمدت على وجهة النظر المعارضة—على سبيل المثال، الاقتراح بأن المجتمعات الأكثر فقراً تحتاج إلى دولة أكثر تدخلاً لأن المزارعين الفقراء لا يتجاوبون جيداً مع الحوافز الاقتصادية المعيارية—كان سبباً رئيسياً في استدامة الفقر في العالم الثالث (باوير 1976، شولتز 1980). والخطأ الأكثر فداحة بكثير ذلك الذي ارتكبته الماركسية، والتي افترضت أن القضاء على الملكية الخاصة سينتج فرداً جديداً وأفضل.
وتشير الرواية الأحدث من مغالطة المنادين بالدولانية إلى وجود نقص في معلومات السوق (أي الأفراد) في المجتمعات الأكثر فقراً بصفتها الأساس العقلاني لدولة أكثر تنظيماً. إن هذه التوصية محيرة، حيث أن نطاق التنظيمات الفعلية في العالم النامي تتجاوز على نطاق واسع ما يمكن تبريره من جانب أية اعتبارات فعّالة (دجانكوف وآخرون 2002). وعلى المرء أن يأخذ في الاعتبار أيضاً احتمال أن يتم نقل بعض المهام التي تخص المجموعة الأمثل من أنشطة الدولة إلى هيئات خارجية، مثل المنظمات الدولية. ولكننا سنواجه عندئذ مسألة التوزيع الأمثل لهذه المجموعة من أنشطة الدولة، والقضايا ذات الصلة للدور المتغير للدولة الوطنية. وتكمن مثل تلك القضية في قلب الجدل الدستوري في الاتحاد الأوروبي (كريفيلد 1999: 402-21؛ ماثيوز 1997: 50-65).
معايير رسم الدولة الأمثل
يعتبر المنهج الاقتصادي المعياري لرسم المجموعة الأمثل من مهام الدولة غير مرضٍ.[1] وبالتحديد عندما يشير الاقتصاديون مثل جوزيف ستيجليتز (1988: 24) إلى أن “الدور الرئيسي للحكومة” هو توفير الإطار القانوني “الذي تحدث ضمنه جميع العمليات الاقتصادية”، دون ذكر الكثير حول المحتوى المرغوب للقوانين، وكيف يمكن أن يؤثر على رغبة أو كفاءة تطبيقها. إضافة إلى ذلك، لا يوجد بالعادة ذكر لآليات التطبيق غير المتعلقة بالدولة وعلاقتها بآليات الدولة. وتم خلق الانطباع بأن جميع قرارات الصراع في الحياة الاقتصادية هي في المجال المحتوم للدولة. ويناقض هذا التعبير الدليل التجريبي (أنظر مثلاً، غريف 1997، غو وسوينين 2001، وولدمير 2001).
ويرتبط هذا التشويش بالعادة الناتجة عن المفهوم بأن السلع العامة غير تنافسية من ناحية استهلاكية، وغير حصرية (سامويلسون 1954: 387-89). فإذا توجب توفير هذه السلع من الأساس، فإن الضرائب والأساليب القسرية ذات الصلة بالدولة تعتبر ضرورية. على أية حال، أي من السلع تعتبر عامة بصدق؟ فهل أن نظام العدالة هو ملك الدولة لأن الخدمات ذات الصلة تعتبر سلعاً عامة؟ من الواضح أنه لا يمكننا أن نقول ذلك عن جميع مثل تلك الخدمات. عندئذ، أي من “خدمات العدالة” تشكل سلعة عامة؟ هل أن المنارة، المثال النصي المفضل حول السلعة العامة، هو سلعة عامة فعلاً؟ لقد أثبت رونالد كوز (1974) أن المنارات في بريطانيا القرن التاسع عشر كانت تدار وتمول من جانب القطاع الخاص. بيد أن هذا الاكتشاف على أية حال لم يمنع استمرار استخدام المنارة على أنها المثل الرئيسي حول السلعة العامة في العديد من النصوص (مثلاً ستيجليتز 1988: 75).
وعلى الأرجح أن هناك عدد أقل من السلع العامة في واقع الحياة مما يفترض عادة. ونتيجة لذلك، فإن النطاق الضروري (أو المرغوب) لنشاط الدولة يمكن أن يكون أضيق نطاقاً أيضاً. إن بعض السلع التي تم الإعلان عنها أنها “عامة” قد تكون في الحقيقة سلعاً خاصة تم دفعها إلى ملك الدولة عن طريق التدخل العام الذي ألغى أو خفّض احتمالية التمويل الخاص التطوعي لهذه السلع. وبعبارة أخرى، فإن بعض استخدامات المفهوم النظري للسلع العامة يمكن أن تشكل على نحو غير مقصود تبريرات سابقة متأخرة لنتائج التوسع السابق لنشاط الدولة.
إن مفهوم “التأثيرات الخارجية” يعاني من نقاط ضعف مماثلة. فمن السهل جداً الإشارة إلى أن المنافع الاجتماعية تكون أكبر من المنافع الخاصة (تأثيرات خارجية إيجابية)، أو أن التكاليف الاجتماعية تتجاوز التكاليف الخاصة (تأثيرات خارجية سلبية)، والمطالبة بالتدخل العام. لقد تم الإثبات أن هناك بعض التأثيرات الخارجية التي يمكن على الأقل أن تنتج من النواقص المؤسساتية، وهي حقوق الملكية المعينة بشكل غير مناسب (ميزس 1949: 654-63). وفي مثل تلك الحالة، لن يكون الحل بتدخل إضافي للدولة، إنما بإلغاء الحواجز التي تعيق تطور حقوق الملكية الخاصة. وعلى الأرجح أن يقتضي ذلك إلغاء بعض التدخلات السابقة للدولة. وتشير نظرية كوز (1960: 45-56) إلى الاحتمال بأنه يمكن معالجة بعض التأثيرات الخارجية بالمفاوضات المباشرة بين الأطراف المعنية.
فليس من المدهش إذا أن تشارلز وولف جونيور، وهو اقتصادي في مؤسسة راند، ينهي تحليله الشامل حول معالجة إخفاقات الأسواق في كتاب اقتصادي قائلاً “لا توجد معادلة لتأسيس الحد الأدنى الأساسي لبداية أنشطة ونتائج الحكومة” (وولف 1988: 153). وهذا الاستنتاج الجدلي بمثابة تلخيص عادل لموقف ما كُتب حول النطاق الأمثل لنشاط الدولة.
العودة إلى الأساسيات

يحدد أمارتيا سين (1999: 27) السبب الرئيسي الذي كان الاقتصاد لأجله غامضاً جداً من ناحية النطاق المرغوب للدولة: “لقد كان علم الاقتصاد يميل إلى التحرك بعيداً عن التركيز على قيمة الحريات إلى التركيز على قيمة المنافع، والدخول، والثروة. ويؤدي هذا التركيز الضيق الأفق إلى التقليل من شأن الدور الكامل لآلية السوق”.[2] ويعتقد سين كما يعتقد إف. إي. هايك (1960)، أن الاقتصاد تحرك كثيراً جداً في اتجاه الحكم على أفعال الدولة، في ضوء نتائجها المتوقعة، على حساب إضعاف الحالة الفكرية للحريات الأساسية للفرد كمعيار لرسم النطاق المقبول والمرغوب لنشاط الدولة. ويتم تعريف الحرية الاقتصادية على أنها “غياب الإكراه أو القيد الحكومي على إنتاج أو توزيع أو استهلاك السلع والخدمات أكثر من الحد اللازم للمواطنين من أجل حماية وصيانة الحرية ذاتها.” (بيتش وأودريسكول 2003). إن العناصر الرئيسية للحرية الاقتصادية هي حقوق آمنة للحقوق المملوكة بشكل قانوني، وحرية المشاركة في العمليات التطوعية داخل وخارج حدود الدولة، والتحرر من السيطرة الحكومية على الشروط التي يتعامل على أساسها الفرد، والتحرر من المصادرة الحكومية لحقوق الملكية (رابوشكا 1991، هانكي وولترز 1997). وهناك نوعان أساسيان للقيود على الحرية الاقتصادية: التنظيمات المقيدة والضرائب التي تتعدى المستوى الضروري لتمويل نطاق عملية الدولة المطلوبة لحماية الحريات الكلاسيكية للاقتصاد (والحريات الأخرى).[3]
لقد أضعفت التطورات التي حدثت خلال القرن العشرين بشكل خطير المركز الفكري والدستوري لحرية الاقتصاد في الغرب. أركز هنا على مثالين يشيران لنزعة أوسع نطاقاً. أولاً، في كتابه الذي يستشهد به على نطاق عريض، والمثير للإعجاب، يجادل جون راولز (1971) بعنف بشأن “مبدأ الحرية” على أنه المعيار الأكثر أهمية لتشكيل الحياة الاجتماعية ودور الدولة. وعلى أية حال، فإنه يستثني بعض العناصر الأساسية من حرية الاقتصاد (مثلاً حرية الدخول في مشاريع استثمارية) من قائمة الحريات التي يجب أن يكون لها الأولوية. وليس من المدهش أن يستخلص راولز أن اشتراكية السوق يمكن أن تكون النظام المؤسساتي المثالي. غير أن اشتراكية السوق يمكن صيانتها فقط إذا تم حرمان الأشخاص من حقوق ملكيتهم الخاصة، وبناء عليه، الحرية لخلق شركات خاصة. في حين لا تقتضي الرأسمالية المنع القانوني للمشاريع غير الخاصة (مثلاً المنظمات غير الربحية والتعاونيات). وبدلاً من ذلك، عندما يملك الأشخاص الخيار بين استثمار أموالهم ووقتهم وطاقتهم في شركة خاصة أو في تعاونية، فإنهم يختارون بشكل ساحق الأولى. لذا، فإن جوهر الرأسمالية هي حرية الاختيار، بينما تقتضي اشتراكية السوق منع المشاريع الخاصة (بالسيروفيتش 1995ب: 104-110). فكيف إذاً يمكننا اعتبار هذين النظامين منسجمين بشكل متكافئ مع “أولوية الحرية”؟
والمثال الآخر حول المركز المتراجع لحرية الاقتصاد في الغرب يتعلق بالتطورات الدستورية في الولايات المتحدة، البلد الذي يملك أقوى التقاليد الخاصة بالحكومة المحدودة. فمنذ أعوام الثلاثينيات، أخضعت المحكمة العليا الحريات الاقتصادية لحريات أخرى، على النقيض من التفسير الأصلي للدستور الأمريكي (دورن 1988: 77-83). وبإضعاف إجراءات الوقاية الدستورية التي تحمي الحرية الاقتصادية، فإنها مهدت الطريق أمام التنظيم المتزايد. وبعد سنوات، تم تحليل عواقب هذا التنظيم بشكل دقيق في كتب الاقتصاد، غير أن قلة من العلماء ربطت التنظيم المتزايد مع الإضعاف السابق للدفاع الدستوري للحرية الاقتصادية.[4]وحتى جورج ستيجلر (1971) في مقاله الذي شكل بذرة تطور مستقبلية حول الاقتصاد التنظيمي، لم يذكر مثل تلك الرابطة. وكما تشير هذه الأمثلة، فإن المفهوم الفلسفي لعبارة “الأولوية للحرية” دفاع فكري ضعيف جداً ضد دولة توسعية، إذا تم إقصاء الحرية الاقتصادية من قائمة الحريات، أو تنزيل درجة الحرية الاقتصادية إلى المرتبة الثانية. ستكون عندئذ الطريق للمضي قدما باتجاه تنظيم متزايد للاقتصاد مفتوحة تماماً. وسيكون هناك المزيد من الضرر إذا تم إعادة تشكيل مفهوم الحقوق الفردية بشكل جذري ليشمل الحقوق “الاجتماعية”، أو حقوق “الرفاه”. أما المفهوم الكلاسيكي للحرية بصفتها منطقة محمية من تدخلات أفعال الآخرين، فسيتم دمجها عندئذ مع مفهوم الأحقية بأموال الآخرين وتطبقه الدولة من خلال الضرائب المتزايدة.[5] وتكون النتيجة صراع بين هذين النوعين المختلفين جداً من الحقوق، وخطر حدوث مزيد من الإضعاف للحرية الاقتصادية بسبب الضرائب المتنامية الناتجة عن توسيع التحويلات الاجتماعية. وأفضل وسيلة لاحتواء الدولة عندما يتم إرساء الحريات الأساسية هي ضمن دستور فعال.[6] وهذه هي الحجة الرئيسية للاقتصاد المؤسساتي (بيوكانن 1988). بيد أنه سينظر إلى التخلي عن، أو إضعاف هذا الإطار، بشكل سلبي من جانب جميع أولئك الذين يعتقدون أن الحرية، بما فيها الحرية الاقتصادية، تملك قيمة جوهرية. ولهذا السبب يجب وضع حدود على نطاق نشاط الدولة، بغض النظر عن العواقب. على أية حال، قد يبدو لبعض الأشخاص وكأن العواقب هي التي تستخدم كمعيار رئيسي أو نهائي للحكم على النظام الؤسساتي الجديد، بما في ذلك أنظمة الدولة البديلة.[7] وهناك بعض الأشخاص أيضاً ممن لا يكونون حساسين سواء إزاء القيمة الجوهرية أو الحاسمة لحرية المرء الاقتصادية. ويأخذون في الاعتبار سلطة الدولة (الأمة) للقيمة الجوهرية (أو القيمة السلبية للسوق الحرة)، بغض النظر عن العواقب.[8]
الدول المحدودة والممتدة وعواقبهما

هل هناك فترات تناوب بين الحرية الاقتصادية ومتغيرات أخرى مثل النمو الاقتصادي، العامل ذو الصلة باجتثاث الفقر، ونطاق بعض الظواهر مثل نسبة الأعمال التي تم إعلانها بأنها تعتبر جريمة أو فساداً؟ هل نحن بحاجة إلى قيود تفرضها الدولة على الحرية الاقتصادية من أجل الحصول على أكبر قدر من الأشياء الجيدة، وأقل ما يمكن من تلك السيئة؟
دعوني أضع كإشارة مرجعية دولة محدودة تركز على حماية الحريات الأساسية، بما فيها تلك الاقتصادية. فإذا كانت هذه الدولة ديمقراطية، عندها تكون عملية سيادة الأغلبية محددة بتلك الحريات، التي تفترض مسبقاً أنها—أي الحريات—مشمولة في دستور فعال. إن المتطلب المحدد الذي ركزت عليه الدولة المتمثل في حماية الحريات الأساسية يتضمن أنها لا تستطيع التوسع في الأشكال والتوجيهات التي تحد من هذه الحريات، لذا يجب أن تكون تلك الأشكال والتوجيهات محددة.[9] على أية حال، فإن الدولة المحدودة فاعلة في مهامها الدستورية المتمثلة في حماية الحريات الأساسية للأفراد ضد تدخلات الغير.
ويوجد العديد من الدول التي يمكن أن تمثل على نحو أكثر أو أقل الابتعاد الجذري عن هذا الأنموذج. وأركز هنا على ثلاث فئات عريضة: (1) الدولة الممتدة شبه الليبرالية، (2) الدولة الممتدة غير الليبرالية؛ (3) الدولة الممتدة المناهضة لليبرالية (الشيوعية).
ففي الحالة الأولى، تشتمل التوسعات على مجموعات مختلفة من التنظيم وإعادة التوزيع، والتي تنطوي على فقدان جزء من الحرية الاقتصادية دون التقليل من شأنها، على أية حال. لهذا السبب أطلق على هذا الأنموذج عبارة شبه الليبرالي. إن الحرية الاقتصادية المقيدة محمية بشكل جيد منطقياً بواسطة النظام القضائي.
وفي نظام الدولة الممتدة غير الليبرالية، تكون الحرية الاقتصادية مقيدة بواسطة تنظيمات أكثر من الحالة السابقة، غير أن الاستثمار الخاص غير محظور. ولكن التحويلات الاجتماعية في المقابل أقل. ومستوى حماية الدولة للحرية الاقتصادية المتبقية أدنى بكثير من تلك التي تمنحها الدول شبه الليبرالية.
وأخيراً، تكون المشاريع الاستثمارية الخاصة في الدولة الشيوعية محظورة، ويكون هذا الحظر فاعلاً بدرجة كبيرة بسبب صرامة تطبيقات الدولة. إن الحظر الفاعل لمشاريع الأعمال الخاصة يخلق فراغاً يجب تعبئته بواسطة الاقتصاد الذي تتولاه الدولة. ويجب على الدولة الشيوعية المناهضة لليبرالية بناء على ذلك أن تمتد بشكل هائل. وهذه حاجة وظيفية (بالسيروفيتش، 1995ب: 51-54). وفي المقابل، لا تحتاج إلى تضمين نظام خاص من التحويلات الاجتماعية الكبيرة، وبالفعل كانت في النموذج الماوي محدودة جداً.
لنستخدم الآن هذا الأنموذج لإبداء بعض الملاحظات حول تأثير القيود المختلفة للحرية الاقتصادية على النمو الاقتصادي طويل الأجل، وعملية اجتثاث الفقر ذات الصلة. توجد في أوقاتنا المعاصرة أمثلة قليلة حول الدولة المحدودة (كانت هونغ كونغ التقريب التجريبي الأقرب). وتشير الدلائل التاريخية بقوة إلى أن أنظمة السوق الليبرالية، والتي كانت فيها الدولة محدودة بواسطة القانون، أظهرت نمواً قياسياً جيداً جداً (رابوشكا 1985).
تقع جميع الاقتصادات المتقدمة في هذا التصنيف المتمثل في الدول الممتدة شبه الليبرالية، ولكنها تمثل مجموعات مختلفة من التنظيمات وإعادة التوزيع. كما تختلف أيضاً في كثافة الظواهر السلبية المختلفة. لنأخذ على سبيل المثال، البطالة طويلة الأجل، وعليك بطرح السؤال الأساسي: هل يمكن ربط مثل تلك البطالة بعملية السوق؟ أو بالأحرى، هل هما مرتبطان بالتدخلات العامة النموذجية بالدول الممتدة شبه الليبرالية؟ تحاول وجهة نظر إخفاق السوق أن توضح البطالة بالميل المزعوم من جانب أصحاب العمل لتحديد الأجور بمستوى أعلى من أجور السوق، مسببين بذلك البطالة (إيكرلوف 1982). على أية حال، لا تستطيع هذه النظرية توضيح سبب اختلاف مستويات البطالة طويلة الأجل عبر بلدان منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي. أما وجهة النظر الثانية، والتي تنتج فيها البطالة عن تدخلات الدولة (إي من إخفاق الحكومة)، فهي أكثر إقناعاً بكثير. وبالفعل، هناك كتب تجريبية واسعة النطاق تربط البطالة طويلة الأجل (ومستويات العمالة أيضاً) مع تلك الملامح البارزة للدولة الممتدة في الوقت الذي تعمل فيه كل من التأمينات ضد البطالة، والضرائب العالية (الناتجة عن التحويلات الاجتماعية الكبيرة)، وصرامة الأجور التي أنتجتها أنظمة المساومة الجماعية التي تم خلقها ببعض الدعم من جانب الدولة، والقيود القانونية، جميعها على إعاقة دخول الشركات وعمليات أسواق العمل، والإسكان، والمنتجات.
ينتمي الأشخاص العاطلون عن العمل لفترة طويلة إلى فئة الأشخاص المحرومين الذين يجب أن تكون لمصالحهم الأولوية وفقاً لراولز (1971). ومع ذلك، فإن ما يدعو إلى المفارقة هو أن التدخلات النموذجية لدولة الرفاه الممتدة شبه الليبرالية توسع حجم البطالة أيضاً. وأنا شخصياً لا أقول هنا أن أي عامل متغير للدولة ينتج بالضرورة بطالة طويلة الأجل. ولا يجب أن يكون ذلك صحيحاً بلا شك، كما أثبت ذلك الأداء الأخير لكل من بريطانيا العظمى، والولايات المتحدة، والدنمارك، وإيرلندا. وما يمكن أن يقال بهذا الصدد هو أن تخطّي حدود الدولة المحدودة (مثلاً إضعاف أو إلغاء الآليات التي تقيد توسع الدولة) يخلق مخاطر التدخلات إلى جانب تأثيرات مختلفة غير مرغوب فيها،[10] ودون تحقيق الأهداف المعلنة في الوقت ذاته.[11]
يوجد في معظم البلدان النامية نظام غير ليبرالي أو شبه ليبرالي، وتختلف على نطاق واسع في مدى الحرية الاقتصادية، وفي مستوى حماية الدولة لتلك الحرية. ولم ينته بعد الجدل حول أسباب الاختلافات في أداء النمو، بيد أنني اعتقد أنه لا يوجد شك بأن النطاق الأوسع للحرية الاقتصادية المحمية جيداً أمر جيد للنمو، في حين أن القيود التي تفرضها الدولة على تلك الحرية تنتج عواقب كارثية (أنظر سكولي 1992، هانكي وولترز 1997، كيفير وناك 1997، دولار وكراي 2000). وفي العالم النامي لا يوجد تعاقب بين الحرية الاقتصادية والازدهار—إن التضحية بالحرية يعني التضحية بالازدهار. ونفس النتيجة يمكن سحبها من خبرة الاقتصادات الانتقالية (بالسيروفيتش 2002).
وقد حققت مجموعة من الاقتصادات النامية في شرق آسيا نمواً اقتصادياً سريعاً استثنائياً، وتوفر تلك أرضية اختبار إزاء الفرضيات المتنوعة حول الدور ذي العلاقة بالدولة والسوق. فهل يمكن توضيح هذه الاقتصادات المعجزة بوجود تدخلات خاصة نوعاً ما من جانب الدولة غير الليبرالية (مثلاً الائتمان الموجه، والتحول الصناعي الذي تقوده الدولة)؟ إن وجهة النظر هذه يمكن دحضها بسهولة. حيث اختلفت الأنظمة “المعجزة” من حيث نطاق تلك التدخلات. ولكنها تملك أمراً واحداً مشتركاً—تراكم استثنائي للأساسيات الاقتصادية المتمثلة بالدولة المحدودة: اقتصاد مفتوح نسبياً، مستوى ضرائب متدنٍ، ومشاريع ريادية خاصة (بالسيروفيتش 1995أ: 26-27؛ للحصول على النتائج التجريبية أنظر كويبريا 2002).
أما وجهة النظر الماركسية بأن الملكية الخاصة والأسواق الحرة هي بمثابة عوائق أمام التطور الاقتصادي، فقد عملت الخبرة على دحضها بقساوة. فلا توجد حالة واحدة تمثل اقتصاداً بعيداً عن السوق تهيمن عليه الدولة تبين أنه قد حقق نجاحاً. فالتضحية الأكبر بالحرية أدت إلى تضحية كبيرة بالازدهار. وبإمكان المرء أن يتساءل كيف يستطيع هذا العدد الكبير من الاقتصاديين دعم مزاعم قابلية الاقتصاد على النمو، أو حتى تفوُّق الاشتراكية، وبغض النظر عن التحذيرات الآتية من جانب ميزس وهايك.[12]
وقمت بالتركيز على الروابط بين القيود على الحرية الاقتصادية وبعض نواحي الأداء الاقتصادي. وعلى أية حال، هناك بعض المتغيرات الأخرى المهمة، مثل حجم الجريمة والفساد والتهرب الضريبي، فضلاً عن حجم اقتصاد الظل. فكيف تتعلق هذه المتغيرات بنوع الدولة؟
دعونا نلتفت إلى فكرة الجرائم الأساسية، بصفتها تصنيف للأفعال المعلن أنها جرائم في كل مجتمع حديث (القتل، والاعتداء، والسرقة، والاغتصاب). إن توسيع الدولة يميل إلى خلق قائمة من الجرائم الثانوية (فريدمان [ميلتون] وفريدمان [روز] 1984: 136). إن القيود التي تحظر توريد سلعة معينة عليها طلب كبير لا تعمل على إحداث جرائم ثانوية فحسب، إنما يعمل بعضها أيضاً على تحفيز جرائم أساسية (مثلاً أفراد العصابات الذين يقتلون بعضهم البعض وأفراد الشرطة). وتُعتبر قوانين المنع في الولايات المتحدة خلال أعوام العشرينيات حالة مذهلة بهذا الصدد. إذ عملت التحويلات الاجتماعية المتزايدة، والتي كانت السبب الرئيسي لانفجار الإنفاق العام في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، على زيادة الضرائب، وزادت من نطاق الجرائم المرتبطة بالضرائب، وخلقت اقتصاد الظل.
ومثلت الشيوعية حالة متطرفة من تجريم النشاط الإنساني: إذ أُعلن أن أي نشاط تجاري خاص يعتبر جريمة كبرى، وتم تجريم النشاط السياسي المستقل أيضاً.[13]
تبين الحالة الشيوعية بطريقة جذرية أن تطبيق القانون ليس قيمة بحد ذاته. إن السؤال المطروح هنا—هل هو تطبيق (حماية) الحريات الأساسية أم تطبيق القيود على تلك الحريات؟ وإضافة إلى السؤال الأخلاقي حول محتوى القانون وقيمة تطبيقه، هناك مشكلة تتمثل في أن النظام القضائي المثقل، وتطبيق قيود لا حصر لها على الحرية الاقتصادية لن يكون كلاهما قادراً على منع زيادة تدهور الحريات الاقتصادية.
فالدولة المحدودة لا تعطي الأفراد النطاق الأوسع المحتمل للحرية الاقتصادية فحسب، إنما أيضاً تكون قادرة على حماية تلك الحرية بشكل أفضل من دولة عالية التنظيم.
لنتجه الآن للحديث عن الفساد. لقد ربطت الأبحاث التجريبية الشاملة نطاق الفساد لمجموعة متنوعة من العوامل تميز على الأقل بعض أنواع الدول الممتدة: التنظيمات المقيدة وسلطة السياسيين والبيروقراطيين العامين الاستنسابية ذات الصلة، والعبء الكبير للضرائب الاسمية، والنطاق الكبير للمشتريات العامة (أنظر روز-إيكرمان 1999، تانزي 1998، ودجانكوف وآخرون 2002). والعامل الوحيد الأكثر أهمية هو على الأرجح نطاق التنظيمات المقيدة والقرارات الإدارية، والتي يمكن أن تكون نتاج السياسيين الشعبيين (أو الفاسدين)، ومرتبطة بالاستنسابية العالية التي تتمتع بها الإدارة العامة. إن ما يحد الحرية الاقتصادية بشكل خاص وبالتالي يضر بالنمو هو ما يعتبر في الوقت ذاته مفضياً إلى الفساد.[14]
إن العلاقة بين الضرائب والفساد أكثر تعقيداً. إذ أن أعباء الضريبة الاسمية والفعالة يمكن أن تتعايش مع مستوى متدنٍ نسبياً من الفساد إذا كان العبء التنظيمي خفيفاً والاستنسابية البيروقراطية محدودة. وتوضح البلدان الاسكندنافية على نحو أفضل هذه العلاقة. وعلى أية حال، فإن رفع الضرائب من المستويات العالية فعلياً يمكن أن يخلق على المدى الطويل خطر التآمر المفسد بين بعض مسؤولي الضرائب، وعدد من دافعي تلك الضرائب. إضافة إلى ذلك، تميل الضرائب الاسمية العالية إلى إحداث تهرب ضريبي معتبر، وينبع ذلك جزئياً من النشاط غير المسجل المنتمي إلى اقتصاد الظل (شنايدر وإينستي 2000: 77-114). وأخيراً، فإن التحويلات الاجتماعية الشاملة الكامنة خلف العبء الضريبي الكبير، تميل إلى إحداث، إما منفردة، أو بشكل مشترك مع هذا العبء، تطورات متنوعة غير مفضلة مثل كمية العمل المنخفضة، وادخارات خاصة أدنى، وسوء استعمال الأموال العامة من قبل المستفيدين، وثقافة الاعتماد (نيسكانين 1996، هانسن 1997، أرسيا 2000).
وفي حين أن الضرائب الاسمية العالية والفعالة يمكن أن تكون مرتبطة مع المستوى المتدني نسبياً للفساد، فإن العبء الضريبي الفعال الذي يكون أدنى من ذلك الاسمي يرتبط بشدة بالفساد الشامل. وسبب ذلك الأمر بسيطاً جداً: إن الضرائب الفعالة أدنى لأن دفعات الرشوة إلى مسؤولي الضرائب (وربما لمن يناصرونهم) تحل جزئياً محل دفعات الضرائب. إضافة إلى ذلك، فإن المسؤولين المكلفين بالتنظيمات يطالبون بمزيد من الرشاوى. وبناء عليه، فإن الدولة التنظيمية والاستنسابية بدرجة عالية تميل إلى إنتاج عبء ضريبي متدني الفعالية، ودفعات رشاوى كبيرة.[15] ومن أجل ذلك السبب لا ينبغي أن تكون الضرائب الفعالة المتدنية مرتبطة بقوة بالنمو الاقتصادي السريع. إن ما يهم بالنسبة للنمو، ليس العبء الضريبي الفعال فقط، إنما أيضاً مبلغ الضرائب والرشاوى المدفوعة على نحو فاعل. إن تركيبة هذا المبلغ تختلف بحدة عبر أنظمة الدول المختلفة، ويمكن أن تخدم كمؤشر لطبيعتها. دعوني ألخص هذا القسم بالنقاط التالية:
 من الصعب تبرير القيود على الحرية الاقتصادية الفردية بواسطة الأداء الاقتصادي المحسن. ويبدو أن العكس هو الصحيح: كلما كان التوسع جذرياً أكثر، كان الضرر الاقتصادي الذي ينتجه أكبر. والتضحيات الكبيرة بالحرية الاقتصادية تجلب خسائر كبيرة في الازدهار. وهذا الأمر صحيحاً بدرجة تتعدى حدود الشك في الدول الشيوعية وأيضاً في الأنظمة غير الليبرالية للعديد من البلدان النامية. إن واحداً من الملامح الرئيسية لهذه الأنظمة هو الإفراط بالتنظيم بطبيعة سلبية (دجانكوف وآخرون 2002). إن السؤال المناسب الذي يجب طرحه هو كيفية إعادة هيكلة هذه الدول بحيث تتوقف عن توليد الفقر، وعدم المساواة، والفساد. وحتى في حالة الأنظمة شبه الليبرالية النموذجية بالغرب، فإن البطالة طويلة الأجل، وهي مرض اجتماعي خطير، ترتبط بتدخلات الدولة المتنوعة.
 يمكن أيضاً ربط الأشكال المتنوعة لتوسع الدولة بنسبة الأفعال التي يمارسها الفرد والتي أُعلن أنها أفعال إجرامية، وبالفساد، وبالتهرب الضريبي، وباقتصاد الظل.
 يمكن أن تسبب التنظيمات المقيدة ضرراً أكبر من إعادة التوزيع. إذ أن التنظيمات الشاملة تنتج بالضرورة شللاً اقتصادياً وفساداً واسع الانتشار. كما يمكنها أيضاً أن تضعف إجراءات حماية الدولة لتلك الحريات الاقتصادية التي ما تزال باقية. وبعيداً عن المسائل الأخلاقية، بإمكان المرء أن يقول أن الحد العقلاني لإعادة التوزيع تحدده صحة المتطلبات المالية، وبالمعرفة أن دفعات التحويل الحكومية يمكن أن تقلل كمية العمالة. وتشير الأخيرة إلى أنه، على سبيل المثال، من الأفضل إنفاق مبلغ معين على التعليم الأساسي، بدلاً من التأمين ضد البطالة.
 إن الانحرافات العديدة عن الدولة المحدودة تعمل على زيادة عدد الأشخاص المحرومين لأن الحكومة المفرطة تنتج الفقر، والبطالة طويلة الأمد. إن المؤمنين بمبدأ راولز، والذي يفيد بأن مصالح مثل أولئك الأشخاص يجب أن تكون لها الأولوية، يجب أن يكونوا مرهقين من الدول الممتدة.
هل يملأ توسع الدولة الفجوة أم يعمل على حشد الأنشطة غير المتعلقة بالدولة؟
يمكن مقابلة هذه النقاط المهمة المتعلقة بتوسع أنشطة الدولة باعتراضين مرتبطين:
1- كان التوسع لتلبية حاجة؛ لذا فهو مبرر إلى حد ما. فعلى سبيل المثال، يدعي ريتشارد ماسغريف (2000: 231) أن “تراجع الروابط العائلية، وتقلب دورة الأعمال، والسوق المتغيرة” خلقت “حاجة متنامية لمؤسسات جديدة تقدم الدعم”، وبناء عليه كانت “نهضة القطاع العام استجابة لهذه العوامل وليس بسبب عامل المبادرة”.
2- بدون تدخل الدولة، كان سيوجد فراغ؛ ولن تتم تلبية حاجات معينة، وسيكون الناس أسوأ حالاً.
تتعلق النقطة الأولى بأسباب توسع الدولة، والثانية بتأثيرات هذا التوسع. وتتمثل المشكلة في النقطة الأولى في أنه حتى بوجود مثل هذا المفهوم المرن وهو “الحاجة”، إلا أنه سيكون منافياً للعقل تفسير أشكال أكثر جذرية من الدولة المتوسعة، مثل الشيوعية، أو دكتاتورية موبوتو. وعلى أية حال، فإن نظرية الحاجة لتوسع الدولة هي أيضاً مسببة للمشاكل فيما يتعلق بالانتقال من الأنظمة المحدودة إلى شبه الليبرالية. حاجات مَن هي التي مِن المفروض القوة الدافعة، وكيف يمكننا قياسها؟ وكيف يستطيع المرء أن يربط النمو غير المتساوي للأنظمة والتحويلات بالحاجات؟ من المذهل أن التحويلات الاجتماعية في البلدان المتقدمة لم تنمُ تدريجياً إنما انفجرت خلال فترات قصيرة معينة (تانزي وسكوكنيكت 1997). كما تتميز أنواع معينة من التنظيمات بصدمات ديناميكية مماثلة، على الأخص تلك التنظيمات المتعلقة بالنظام المالي (ألن وغيل 2000). وما يثير الشك هو أن أي مفهوم منطقي للحاجات يمكنه أن يفسر ذلك النمط من نمو التحويلات والأنظمة. إن نظرية الحاجة لتوسع الدولة هو محاولة غير مقنعة لتفسير هذه الحقيقة بالعودة إلى المفاهيم النفسية الزائفة أو الأسواق الزائفة. وفي أسوأ الأحوال، فهي لا تتعدى حدود الاعتذار لوجود دولة ممتدة.
والنقطة الثانية بأنه بدون تدخل الدولة ستكون هناك “فجوة” تجعل الناس أسوأ حالاً، تمثل اتجاهاً سائداً لمنهج اقتصاديات الرفاه نحو مسألة النطاق الأمثل لنشاط الدولة. لقد ناقشت سابقاً مشاكل التطبيقات العملية للمفاهيم النظرية للسلع العامة والتأثيرات الخارجية. وأضيف نقطتين هنا. الأولى هي أن النشاط غير المتعلق بالدولة لا يمكن تخفيضه إلى عمليات السوق الموجهة للربح. كما أنه يشتمل على تدابير مساعدة ذاتية أو متبادلة. وكل من عمليات السوق الموجهة للربح وتدابير المساعدة المتبادلة تنطوي على تعاون اختياري. وبناء عليه، حتى لو استطاع المرء أن يثبت أن السوق لا يستطيع أداء وظيفة مفيدة معينة، فلا يعني ذلك بالضرورة أنه ينبغي على الدولة أن تؤدي هذه الوظيفة.
ثانياً، يقيد توسع الدولة نطاق التجربة المؤسسية (هايك 1960). ويتفق علماء الاقتصاد على أن توسع الدولة ينتج تأثيرات حدية محتشدة في الحالات الأقل تطرفاً، ناهيك عن الذكر الأنظمة المناهضة لليبرالية أو غير الليبرالية. لنأخذ ضوابط الأسعار على سبيل المثال، والتي تؤدي إلى نقص وترشيد في السلع. إن هذا يمثل تدخلاً عاماً أولياً. فإذا كان معدل العائد الناتج أقل من الحد الذي يتوقعه المستثمرون من القطاع الخاص، فإن الاستثمارات العامة ستملأ الفجوة. ويمثل هذا تدخلاً ثانياً. لا يسبق وجود الفجوة تدخل القطاع العام، إنه يخلقها. والمثال النموذجي بهذا الصدد هو الإسكان، حيث تولِّد الضوابط على الإيجار الإسكان “الاجتماعي”.
وبشكل عام، بإمكان المرء تخطيط نموذج بسيط من نشاط الدولة الممتد ذاتياً والذي يبدأ بتدخل أولي ناتج عن التفاعلات المختلفة للضغوطات السياسية المتعلقة بأيديولوجيات المنادين بالدولة ومجموعات المصالح. وحالما يتم إدخاله، فغالباً ما يؤدي هذا التدخل إلى تدخلات أخرى ثانوية بسبب الحاجات الوظيفية—أي الضغوطات العاملة بغض النظر عن النوايا المسبقة لصناع القرار. على سبيل المثال، إذا ألغى التدخل الأولي ربحية استثمارات القطاع الخاص في الإسكان، ولكن ما زالت هناك حاجة للمساكن، فإن الاستثمار العام في الإسكان سيكون ضرورياً.
وهذا المخطَّط البسيط يمكن أن يساعد في توضيح احتشاد نشاط القطاع الخاص في هذه المجالات التي تأخذ فيها الاقتصاديات التقليدية عادة مسألة حضور الدولة أمراً مسلماً به بسبب “عيوب السوق”. لنأخذ التعليم على سبيل المثال. قبل إدخال التعليم “المجاني” والإلزامي في المدارس العامة، كان لكل من انجلترا، وويلز، والولايات المتحدة شبكة كثيفة من المدارس الابتدائية التي تعتمد على دفع الرسوم، بتمويل من أولياء الأمور العاملين والكنيسة. وكانت نسبة صافي الدخل القومي الذي ينفق على يوم مدرسي للأطفال من كافة الأعمار في إنجلترا في عام 1833 قرابة واحد في المائة. بحلول عام 1920، عندما أصبح التعليم “مجانياً” وإلزامياً، انخفضت النسبة إلى 0.7 في المائة (ويست 1991). فالمدارس العامة “المجانية” (بتمويل من الضريبة)، التقطت الحاجة إلى التعليم، ونتيجة لذلك، انهارت إمدادات الخدمات التعليمية المدفوعة الرسوم غير المتعلقة بالدولة. وهذا الالتقاط للطلب حجب أيضاً التطورات التعليمية المبتكرة غير المتعلقة بالدولة.
ويؤكد إدوين ويست (1991) أنه “باستثناء ماركس وإنجلز، كان الاقتصاديون السياسيون حتى منتصف القرن التاسع عشر يفضلون توفير التعليم في سوق حرة خاصة،” لأنهم نظروا إلى دفع الرسوم على أنه “الأداة الوحيدة التي بواسطتها يستطيع أولياء الأمور المحافظة على المنافسة المرغوبة بين المعلمين والمدارس النشطة”. وأوصى جون ستيوارت ميل بإجراء الامتحانات الإلزامية ولكن ليس التعليم الإلزامي.
أو لنأخذ في الاعتبار المخاطر الفردية مثل البطالة. إن مثل تلك الأحداث غالباً ما يتم تقديمها على أنها السبب المنطقي للتأمين “الاجتماعي” الممول من الدولة. وعادة ما يعزز هذا الإدعاء الإشارة إلى العيوب التي تشوب أسواق رأس المال. وعلى أية حال، فإن الخطوة الأولية هي تقليل جميع تلك المخاطر المختلفة الشاملة التي لا تنتجها الطبيعة. إن المخاطر المختلفة الشاملة تولدها سياسات الدولة الممتدة التي تجلب الأزمات المالية، والتضخم عالي المستوى، ونسبة البطالة العالية. إن منع مثل تلك السياسات، بوساطة الانتقال من الدولة الممتدة إلى الدولة المحدودة، يمثل التأمين الاجتماعي الأمثل والذي لا غنى عنه.[16]
علاوة على ذلك، فإن مثل ذلك الإصلاح سيعمل على تسريع نمو الدخول الفردية والادخارات، ويعزز بناء عليه قدرة الأشخاص على التأقلم مع المخاطر المتنوعة. إضافة إلى ذلك، تظهر الدراسات التجريبية وجود مجموعة “استراتيجيات تأقلم” غير رسمية في البلدان الفقيرة (مثلاً التبادل العكسي للهدايا والقروض والحوالات من أفراد الأسرة المهاجرين)، واحتمال كبير على نحو مدهش لمزيد من التدابير المعاصرة غير المتعلقة بالدولة التي تشجع الادخار وتقدم الضمان والقروض الصغيرة (موردوخ 1999). وكانت هيئات التأمين الطوعية تنتشر في البلدان الغربية إلى حين إدخال التأمين الاجتماعي الإلزامي. على سبيل المثال، كانت العضوية المسجلة للجمعيات الودية 2.8 مليون في عام 1877، و4.8 مليون في عام 1897، و6.6 مليون في عام 1910 (غريف 1985). وقد تم التأكيد أن “البرامج التي تديرها الحكومة مباشرة تميل إلى أن تنطوي على صعوبات ملازمة في توليد الامتثال من جانب المشاركين”، وأن “هذا برهن أنه كارثياً على الاستدامة طويلة الأجل لبرامج الائتمان العامة” (موردوخ 1999: 210).
إن توسيع التأمين الاجتماعي الممول من الدولة يمكن أن يحشد تدابير تقليدية، ويمنع تطور اتفاقات أكثر حداثة. وتم الإقرار بصراحة بهذا الخطر في تقرير حديث للبنك الدولي (2002: 24): “إن المنافسة من جانب الحكومة في توفير التحويلات الاجتماعية يمكن أن تدفع بالاتفاقات المؤسسية للقطاع الخاص بعيداً… والتي يمكن توجيهها على نحو أكثر فاعلية نحو الفقراء بدلاً من المساعدة الاجتماعية سهلة المنال (العامة)” وهذا ما حدث فعلياً في الغرب بسبب نهضة دولة الرفاه.
إن التحويلات الاجتماعية المفروضة من الدولة يمكن أن يلتقطها جزئياً أولئك الأفضل حالاً، ويمكن أن تحشد التدابير الطوعية التي تفيد الفقراء. ونتيجة لذلك، فمن الممكن تخيل أن برامج التحويلات التي تديرها الدولة في البلدان الفقيرة يمكن أن تجعل مشكلة الفقراء أسوأ. وفي مثل تلك الحالة، فإن دولة الرفاه تدفع مجتمع الرفاه بعيداً. وينبغي أن يتذكر المرء أن الإنفاق الاجتماعي المتزايد الممول من الضرائب قد يعيق النمو الاقتصادي وخلق الوظائف ذات العلاقة.[17]
وفي النهاية، فإن نمو التنظيمات المالية تفسر بوضوح كيف تؤدي التدخلات الأولية إلى تدخلات ثانية، وتخلق بذلك جرعة كبيرة من تنظيمات الدولة، والتي أفضليتها مفتوحة للنقاش. إن دور التدخلات الأولية يمكن أن ينسب إلى تأمين الإيداع الوفير الذي ألغى إلى حد كبير نظام السوق (أي حافز المودعين لمراقبة البنوك فيما يتعلق بمستوى رأس مالهم، وطلب الإفصاح الكامل). إن الفجوة التي تم خلقها ولدّت موجة من التنظيمات الثانوية، مثل نسب ملائمة رأس المال الحساسة للمخاطر، وتقييد المحفظة المالية للبنوك واستخدام الديون الثانوية كأداة مراقبة (باتاشاريا وآخرون 1998، دود 1996، بينستون وكوفمان 1996). وهذه الأنظمة الحذرة هي من حيث المبدأ رد فعل عقلاني لحالة خلقها التدخل الأولي العام.
خـــــاتمة
لا يعطي الاقتصاد إجابة واضحة على السؤال ما الذي يجب على الدولة أن تفعل. والسبب التقريبي هو الصعوبة في تطبيق المفاهيم النظرية الأساسية، كتلك المتعلقة بالسلع العامة والتأثيرات الخارجية على العالم الحقيقي. والسبب الأعمق هو إغفال الحريات الاقتصادية الأساسية، بصفتها الإطار لتحديد حدود نشاط الدولة. وحتى في البلدان الغربية، فإن الموقع الفكري والمؤسساتي للحرية الاقتصادية تمت إزالته بشكل خطير خلال القرن العشرين، مما مهد الطريق أمام الدولة الممتدة.
إن توسع نشاط الدولة—أي نمو القيود المفروضة من الدولة على الحرية الاقتصادية—من الصعب تبريره من قبل الأداء الاقتصادي المحسن. ويبدو أن العكس هو الصحيح: كلما كان التوسع أكثر جذرية، كان الضرر الاقتصادي أكبر. ويمكن ربط الأشكال المتنوعة لتوسع الدولة بالفساد، والتهرب الضريبي، واقتصاد الظل، وضعف حماية الدولة للحرية الاقتصادية المتبقية. وتميل الانحرافات العديدة عن الدولة الممتدة إلى زيادة حصة الأشخاص الأكثر حرماناً، مثل البطالة طويلة الأجل.
ويجب أن لا يؤخذ كأمر مسلم به بأنه إذا بقيت الدولة محدودة (أي تركز على حماية الحريات الأساسية) فإنه لن يتم توفير خدمات معينة، وسيكون الناس أسوأ حالاً. إن احتمال التعاون الاختياري، والذي يتضمن كل من عمليات السوق الموجهة إلى الربح وتدابير المساعدة المتبادلة، يجب أن لا يتم التقليل من شأنه. كما توجد استراتيجيات تأقلم فردية متنوعة. وفي الواقع، فإن توسع الدولة يمكن أن يدفع الأنشطة غير المتعلقة بالدولة بعيداً، ويمنع تطور تدابير جديدة، وربما مفيدة للقطاع الخاص. ويوجد بناء على ذلك، دافع قوي للاعتراف بأن الدولة المحدودة هي الدولة الأمثل.
لقد شهدت العشرون عاماً الماضية ميلاً للتحرك بعيداً عن الدول الممتدة باتجاه دول أكثر تحديداً. ويبين ذلك أن مهمة تحديد نطاق نشاط الدولة، وبالتالي تحرير التعاون الاختياري المحتمل والمبادرات الفردية ليس مستحيلاً، رغم أن الانتقال ما زال بعيداً عن الاكتمال ومحفوفاً بالصعوبات. وسيكون هناك دوماً بعض الأشخاص ممن يرون منافع (تتعلق بالنفوذ والريع الاقتصادي) في تحديد حرية الأشخاص الآخرين. وسيكون هناك بعض الأيديولوجيين ممن يربطون القيمة العاطفية مع سلطة الدولة، أو عدم الثقة بالتعاون الاختياري.
ويجب على المرء أن يستغل كل لحظة ممكنة لتثبيت وجود رؤية لدولة مقيدة بواسطة إطار الحريات المختلفة الأساسية ضمن دستور فعال. وهناك محددات أخرى على استنسابية الدولة تعمل على تفويض الدفاع عن الحرية الفردية. ويمكن أن تساعد القيود المالية المؤسسية في الحد من النمو في الإنفاق العام، وبناء عليه من الضرائب. وتمنع استقلالية البنك المركزي العودة إلى التمويل التضخمي لعجز الميزانية، وتحمي بذلك الأفراد من فرض ضرائب التضخم. وتحد العضوية في منظمة التجارة العالمية استغلال البلدان للإجراءات الحمائية، وتساعد على حماية المستهلكين ودافعي الضرائب المحليين. يجب إدخال، أو تعزيز هذه الدفاعات، وكذلك دفاعات الخط الثاني.
ملاحظات:
[1] أنا شخصياً أركز على كتاب ستيجليتز (1988) حيث أنه يمثل النوعية الأفضل ضمن هذا المنهج. أما الكتابات الأخرى فسوف تثير معارضة أكثر.
[2] يستخدم سين مصطلح “الحرية” في معناها الكلاسيكي، أي الحريات الأساسية. وفي أقسام أخرى من كتابه، يعيد سين تشكيل معنى هذا المصطلح بطريقة تشمل السلع الأخرى. وهذا الاستخدام الموسع يحجب معنى الحرية.
[3] تعتبر هذه تعريفات للقيود على الحرية الاقتصادية، وليس البيانات الأساسية حول أي القيود (إذا وجدت) تعتبر مبررة. للحصول على المزيد حول ما يشكل القيود أو التدخلات.
[4] غليسر وشلايفر (2003) يجادلان بالقول أن التنظيم المتزايد لقطاع الأعمال في الولايات المتحدة في بداية القرن العشرين ربما كانت “رداً فاعلاً” على تدمير العدالة في المحاكم بواسطة الشركات الكبيرة التي برزت حديثاً. إن مسألة ما إذا كانت المحاكم أكثر سهولة في التدمير من المُشرِّعين والمُنظِّمين هي مسألة تجريبية مخادعة. وحتى لو بدا انه خلال فترة ما كانت المحاكم “مأسورة” من قبل الشركات الكبيرة، فليس من المؤكد أن الاستراتيجية الأفضل هي سن تشريع تنظيمي معين، وخلق هيئات تنظيمية خاصة بدلاً من تعزيز المحاكم التي تعمل ضمن إطار تشريعي أكثر عمومية. وأنا شخصياً افترض أنه في ضوء التوسع التنظيمي، وحل التنظيم اللاحق، فعلى الأرجح أن يوافق حتى المؤيدين للرد التنظيمي على أن وجود إجراءات وقاية دستورية أقوى تحمي الحرية الاقتصادية سيكون مناسباً. وفي ملاحظة اكثر عمومية، أرغب في أن اؤكد على أن مسألة المحاكم مقابل المنظمين هي مسألة ثانوية في الإجابة على التساؤل حول ما يجب أن تكون عليه الحدود على الحرية الاقتصادية، أو ما هي العوامل التي يجب أن تتجاوز حقوق الملكية.
[5] يشير هولمز وسنستين (1999) إلى أن كلا النوعين من الحقوق ينطويان على تكلفة مالية، وبناء عليه، فإن التمييز بين حقوق الحرية وحقوق الرفاه الاجتماعي ليس أساسياً. على أية حال، لا أحد ينكر أن حماية الحريات الفردية تقتضي بعض الإنفاق على الشرطة والمحاكم، لذا فإنه بالكاد يعتبر اكتشافاً. والفرق الأساسي بين حقوق الحرية وحقوق الرفاه الاجتماعي يكمن في مكان آخر. ففي الحالة الأولى تستعمل

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

اعترف الجنرال جون أبي زيد، قائد القيادة المركزية أمام الكونغرس بأن “العراق يمكن أن يتوجه نحو حرب أهلية”. وأضاف أن تأمين بغداد هو الأولوية الرئيسية للولايات المتحدة، وأن العنف فيها هو من السوء أكثر من أي وقت مضى. وقد صرح السناتور كريستوفر دود وتشال هيجل، الأول ديمقراطي عن كنيتيكت، والثاني جمهوري عن نبراسكا، بأنهما يعتقدان بأن الحرب الأهلية قد بدأت بالفعل. وفي غمرة الإصابات المدنية المتصاعدة، قال قادة أمريكيون آخرون بأنه يتوجب بقاء القوات الأمريكية في العراق حتى عام 2016 على أقل تقدير. لماذا يريد أي أحدٍ أن يبقي القوات الأمريكية في مثل هذه الأجواء لعقد إضافي آخر، ليكون حَكَماً على ثأر دموي متصاعد بين السنة والشيعة؟
لنكن واضحين حول ماذا يعني البقاء في العراق حتى عام 2016. لقد توفي أكثر من 2550 جندياً أمريكياً في صراع العراق [حتى بداية آب المنصرم]—وهو معدل يزيد قليلاً عن 800 قتيل في السنة. فإذا لم يخفّ هذا المعدل—وليس هنالك أي دليل على أنه سوف ينقص—فسوف تكون النتيجة موت 8000 أمريكي آخر بحلول عام 2016. في تلك الآونة، تكون الوفيات الأمريكية في العراق قد فاقت عدد موتى الاتحاد السوفييتي في مغامرته الفاشلة في احتلال أفغانستان في عقد 1980.
الكلفة المالية سوف تكون صاعقة كذلك. فوفق دائرة خدمة الأبحاث التابعة للكونغرس، بلغت كلفة حملة العراق حتى منتصف حزيران المنصرم أكثر من 319 بليون دولار، والعدّاد الآن يجري بوتيرة 80 بليون دولار سنوياً. عقد آخر في العراق يعني 800 بليون إضافي من أموال دافعي الضرائب تذهب هدراً، وبالتالي ترفع مجموع كلفة واشنطن لتدخلها الخليجي إلى أكثر من تريليون.
حتى أولئك الذين يحاججون بأن تضحية هائلة يجب تحملها، لجعل العراق أمثولة للديمقراطية، وتحويل الشرق الأوسط إلى منطقة سلام واستقرار، عليهم أن يعيدوا النظر في آرائهم، في ضوء الحقائق البازغة. تقرير صدر مؤخراً عن الأمم المتحدة، يعطي الأنباء الكئيبة، بأن أكثر من 14000 ألف مدني عراقي قد ماتوا نتيجة العنف، في الأشهر الستة الأولى لعام 2006، معظمهم نتيجة هجمات التمرد أو الاقتتال الطائفي. والتوجه البادي هو أكثر مدعاة للقلق. كان عدد القتلى في كانون الثاني 1778؛ وفي حزيران 3149. وبعبارة أخرى، فإن المذابح تجري الآن بمعدل 100 ضحية كل يوم.
يجب أن نتذكر، بأن هذا يحدث في بلد عدد سكانه لا يتجاوز 27 مليون نسمة. معدل مواز بالنسبة للولايات المتحدة هو رقم مفزع يبلغ 1200 قتيل يومياً (438000 سنوياً). لو كان العنف السياسي يحصد ذلك العدد الكبير من الأرواح الأمريكية، فلن يكون هنالك أدنى نقاش حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تعاني من حرب أهلية.
لقد حان الوقت—بل فات الوقت كثيرا—لوضع استراتيجية خروج لجميع القوات الأمريكية من العراق. لا يوجد شخص عاقل يفكر بالاحتفاظ بوجود عسكري في العراق لعقد آخر.
إن معارضي الانسحاب يقولون بأن الانسحاب سوف يترك العراق في الفوضى. قد يحدث ذلك، بيد أن دعاة البقاء لا يفسرون لنا كيف يمكن للولايات المتحدة أن تمنع الأطراف المتصارعة في العراق من خوض حرب أهلية قد بدأوها على ما يبدو. وعلى الأقل، لم يشرح أحد، كيف يمكن للولايات المتحدة المحافظة على السلام هناك بكلفة معقولة نسبياً بالدم والمال. ففي الأيام الأولى للحرب، كان دعاتها يفترضون بأن الولايات المتحدة لن تخسر أكثر من بضع مئات القتلى، كما أكّد بول وولفويتز نائب وزير الدفاع أمام الكونغرس، بأن عائدات البترول العراقي سوف تتحمل معظم نفقات الحملة.
ومع ذلك، فإن دعاة البقاء والصمود يقولون بأنه مهما كانت العقبات العملية، فإننا نتحمل مسؤولية أدبية أمام الشعب العراقي بعدم الانسحاب، إلى أن يتم بناء ديمقراطية مستقرة في العراق. وإذا طرحنا جانباً الاحتمال الحقيقي جداً بأن الديمقراطية لن تتحقق أبداً، فإن ذلك القول يثير نقطة جوهرية هي: وماذا عن الالتزام الأدنى للحكومة الأمريكية تجاه جنودها أنفسهم، وتجاه الشعب الأمريكي؟ هنالك التزام واضح بعدم إضاعة المزيد من حياة الأمريكيين، أو ضرائبهم. إننا نفعل الإثنين معاً في العراق اليوم. البقاء على الخطة الحالية ليس استراتيجية أخلاقية؛ إنها تجسيد لاستراتيجية لا أخلاقية.
إبقاء جنودنا في مهاوي الخطر لعقد آخر، بينما ينزلق العراق أكثر فأكثر في حرب أهلية طائفية، هو سياسة لا يمكن أن تكون ذات جاذبية سوى للماسوشيين. نحن في حاجة إلى استراتيجية خروج تحسب بالأشهر لا بالسنوات.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 7 تشرين الأول 2006.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

قبل فترة زمنية قصيرة، أجرى مجلس بلدة البورغ، وهي بلدة صغيرة في إقليم ملقة الإسباني، استفتاء بين سكان البلدة البالغ عددهم ألف نسمة. طُلب من المواطنين الاختيار بين بديلين اثنين: الإنسانية أو الليبرالية الجديدة. جاءت نتيجة الاستفتاء 515 صوتاً للإنسانية و4 أصوات لليبرالية الجديدة. منذ ذلك الحين، لم أستطع إبعاد تلك الأصوات الأربعة عن تفكيري. ففي وجه تلك المعضلة الدرامية، لم يتردد أولئك الفرسان الأربعة في التصدي للإنسانية باسم تلك الفزّاعة المرعبة، المتمثلة بالليبرالية الجديدة. هل كانوا أربعة مهرجين أو أربعة حكماء؟ هل كان ذلك من قبل النكتة “البورجية”، أو أنها كانت الإشارة العاقلة الوحيدة في ذلك الاستفتاء الهزلي؟
وبعد ذلك بفترة ليست بطويلة، عقد مؤتمر دولي في شياباز ضد الليبرالية الجديدة، بدعوة من القائد ماركُس، بطل آخر زمان في السياسة الغربية التافهة، التي تديرها وتُسيرها وسائل الإعلام. كان من بين الحضور عدد كبير من شخصيات هوليوود اللامعة، وصديقي ريجس دبريه الذي اعتنق الديجولية متأخراً، ودانيال ميتران، أرملة الرئيس فرانسوا ميتران الدائمة، والذي أضفى عليها بماركة اشتراكية. تلكم كانت أحداث طريفة، ولكن من الخطأ الجسيم إهمالها كرفرفات لا قيمة لها في سجل البلاهة الإنسانية. وفي الحقيقة، فإنها تمثل الأبعاد المتفجرة لحركة سياسية وأيديولوجية شاسعة، متجذرة بصلابة، في قطاعات على اليسار والوسط واليمين، وموحدة في شكوك عميقة تجاه الحرية كأداة لحل قضايا الإنسانية. لقد بنوا مخاوفهم في شكل شبح جديد أطلقوا عليه اسم “الليبرالية الجديدة”. وفي مجمل التعابير الشائعة التي يستخدمها علماء الاجتماع والسياسة، فإنها تعرف كذلك بأنها “الفكر الوحيد”، كبش الفداء الذي تعلق على شماعته الكوارث الحالية والماضية من التاريخ العالمي.
أساتذة ذوو عقول كبيرة، في جامعات باريس وهارفارد والمكسيك، ينتفون شعورهم وهم يحاولون أن يثبتوا بأن الأسواق الحرة لا تخدم أبعد من جعل الغني أكثر غنى والفقير أكثر فقراً. إنهم يقولون لنا بأن التدويل والعولمة لا يخدمان سوى الشركات الضخمة عابرة القارات، وتسمح لهما “بعصر” البلدان الناشئة إلى درجة خنقها، وأنها تُدمرُ الطبيعة الكونية تدميراً تاماً. لذا، فلا عجب أن نرى مواطني بلدة البورغ الجهلة، أو مواطني شيابان، يعتقدون بأن العدو الحقيقي للإنسانية—المُدان بكافة الشرور، من معاناة وفقر واستغلال وتمييز وإساءة وجرائم ضد حقوق الإنسان، التي ترتكب في القارات الخمس، ضد ملايين البشر، هي تلك الكائنة المدمرة التي تعرف بالليبرالية الجديدة. إنها ليست أول مرة في التاريخ أن ما أسماه كارل ماركس بالصنم—وهو بناء اصطناعي ولكنه في خدمة مصالح ملموسة جداً—قد اكتسب استمرارية، واصبح يثير مثل هذا التمزيق في الحياة، مثل الجنِّي الذي أطلق بشكل عابث غير حكيم إلى الوجود، عندما فرك علاء الدين المصباح السحري.
إنني أعتبر نفسي ليبرالياً، وأعرف أناساً كثيرين ممن هم ليبراليون، وغيرهم كثر ممن هم غير ذلك، ولكن، وعلى امتداد تاريخ طويل من العمل يبدو طويلاً، فإنني لم أر ليبرالياً جديداً واحداً. ماذا يمثل الليبرالي الجديد؟ هو ضد ماذا؟ وعلى النقيض من الماركسية، أو الأنماط المختلفة للفاشية، فإن الليبرالية الحقيقية لا تمثل عقيدة، أيديولوجية متكاملة تكفي نفسها بنفسها، مع أجوبة جاهزة على جميع القضايا الاجتماعية. وبدلاً من ذلك، فإن الليبرالية هي عقيدة لا تتعدى الجمع بين مبادئ أساسية بسيطة نسبياً، تتجمع حول الدفاع عن الحرية السياسية والاقتصادية (أي الديمقراطية والسوق الحرة). كما أنها تضم تشكيلة واسعة من التوجهات والصيحات الاحتجاجية. الذي لم تشمله حتى الآن، والذي لن تشمله في المستقبل، هو ذلك الكاريكاتور الذي يقدمه أعداؤها تحت تسمية الليبرالية الجديدة. في الإنجليزية “Neo” أي الجديد، هو شخص يزعم بأنه ذو شأن، شخص هو في الوقت ذاته داخل وخارج شيء ما؛ إنه تركيبة مهجنة مراوغة، رجل من القش، أقيم دون أن يجسد قيمة محددة، أو فكرة، أو نظاماً أو عقيدة.
قول الليبرالية الجديدة مطابق لقول شبه ليبرالية، أو ليبرالية زائفة. إنها هراء في هراء. إما أن يكون المرء مناصراً للحرية أو ضدها، ولكن لا يستطيع أن يكون نصف مناصر، أو مناصراً زائفاً للحرية مثلما أنه لا يمكن للإنسان أن يكون نصف حامل، أو نصف حيّ، أو نصف ميت. لم تخترع التسمية للتعبير عن حقيقة فكرية، بل كسلاح ماض يستخدم للسخرية. لقد اخترع التعبير بهدف التقليل من قيمة الحرية وحيث أننا ندخل الألفية الجديدة، فإن الليبرالية، أكثر من أية أيديولوجية أخرى، تُجسد التقدم الهائل الذي أحرزته الحرية على امتداد تاريخ الحضارة الإنسانية الطويل.
يجب أن نحتفل بما أنجزته الليبرالية بالفرح والسكينة، ولكن دون جلبة الانتصار. يجب أن يكون واضحاً في مفهومنا أنه، وعلى الرغم من أن إنجازات الليبرالية كانت باهرة، فإن ما لم يتم إنجازه حتى الآن هو أكثر أهمية. يضاف إلى ذلك، وحيث أنه لا شيء في التاريخ الإنساني مُقدّرٌ أو دائم، فإن التقدم الذي تم إحرازه في العقود الأخيرة، في موضوع الحرية، ليس أمراً لا يمكن الرجوع عنه. وما لم نتعلم كيف ندافع عنه، فإن ثقافة الحرية يمكن أن تصبح آسنةً، وسوف يفقد العالم الحر الأرضية لصالح قوى الاستبداد الشمولية والقبلية، مرتدين قناعاً من القومية أو التطرف الديني. لقد خلفت هذه القوى الشيوعية كأشد أعداء الديموقراطية مراساً وتجربة.
بالنسبة لليبرالي، فإن أهم ما حدث في هذا القرن، هو هزيمة الهجوم الشمولي الكبير ضد ثقافة الحرية. الفاشية والشيوعية، كل واحدة منها في زمنها، وصلت إلى مرحلة تهديد بقاء الديمقراطية. إنهم الآن ينتمون إلى الماضي، إلى التاريخ الأسود للعنف والجرائم التي تتجاوز الوصف، ضد الحقوق المدنية والعقلانية، وليس هنالك أي دليل بأنها سوف تبعث من رمادها في المستقبل المنظور. بطبيعة الحال، ما زال هنالك ما يُذكر بالفاشية في العالم. وفي بعض الأوقات، أحزاب متشددة ومتعصبة إلى أقصى الحدود، أمثال جبهة جان ماري لوبن الوطنية في فرنسا، أو الحزب الليبرالي في النمسا بزعامة جورغ هيدر، تستهوي درجة عالية خطرة من التأييد الانتخابي. كذلك، ما زالت هنالك بقايا باهتة للصرح الماركسي الهائل تجسده كوبا وكوريا الشمالية. ومع ذلك فإن تلك الفسائل الفاشية والشيوعية، لا تشكل بديلاً خطيراً أو كبيراً للخيار الديمقراطي.
مازالت تعيش دكتاتوريات، ولكن، وخلافاً للامبراطوريات الشمولية الكبيرة، فإنها تفتقر إلى أجواء عقائدية، أو ادعاءات جامعة تتجاوز حدودها. كثير منها، مثل الصين، تحاول الآن الجمع بين سياسات الحزب الواحد للدولة، وبين اقتصاديات السوق والاقتصاد الحر. وفي أقاليم شاسعة من أفريقيا وآسيا، وبشكل خاص في المجتمعات الإسلامية، نشأت دكتاتوريات أصولية، التي أعادت تلك البلدان إلى حالة من البدائية البربرية في شؤون تتعلق بالمرأة، والتعليم، والمعلومات، والحقوق المدنية والأخلاقية الأساسية. ومع ذلك، ومهما كانت الصور المرعبة التي تمثلها بلدان مثل ليبيا، وأفغانستان، والسودان أو إيران، فإنها لا تشكل تهديداً يتوجب على ثقافة الحرية أخذه بجدية: تأخر العقيدة التي يؤمنون بها تحكم على تلك الأنظمة بالتقهقر المتواصل إلى الخلف، في السباق نحو الحداثة، سباق سريع سبق وأن أحرزت فيه البلدان الحرة سبقاً حاسماً.
وعلى الرغم من الجغرافيا الكئيبة التي تكشف النقاب عن استمرارية الدكتاتوريات، فإن أمام الليبراليين الشيء الكثير الذي يستحق أن يحتفل به في العقود الأخيرة. ثقافة الحرية حققت تقدمات حاسمة في مناطق شاسعة من أواسط وغرب أوروبا، وجنوب شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية. في أمريكا اللاتينية، ولأول مرة في التاريخ، تسلمت مقاليد الحكم حكومات مدنية—ولدت عن طريق انتخابات حرة—في كل بلد من تلك البلدان تقريباً. (الاستثناء هو كوبا، وهي دكتاتورية أكيدة، والبيرو، وهي دكتاتورية مقنّعة). وأكثر من ذلك لفتاً للأنظار أن تلك الديمقراطيات تطبق الآن وإن كان على مضض وغير حماس وقلة دراية، سياسات السوق، أو على الأقل سياسات أقرب إلى الاقتصاد الحر منها إلى سياسات التدخل والتأميم الهادف إلى كسب ود الجماهير، والذي اتسمت به تقليدياً حكومات القارة.
ولعل أكثر الأمور مغزى وأهمية حول تلك التغييرات في أمريكا اللاتينية، هي ليست الكم بل الكيف والنوعية. ومع أنه ما زال شائعاً سماع رجال الفكر الذين أُخرجوا من أعمالهم بعد انهيار الأيديولوجية الشمولية يصرخون على الليبرالية الجديدة، فإن صراخهم يشبه صراخ الذئب الموجه إلى القمر، فمن أدنى أمريكا اللاتينية إلى أقصاها، على الأقل في وقتنا هذا، يوجد توافق متين وراء النظام الديمقراطي، وضد الأنظمة الدكتاتورية و”المثاليات” الشمولية. ومع أن هذا التوافق أكثر تقييداً بالنسبة للسياسة الاقتصادية، فإن حكومات أمريكا اللاتينية أصبحت تنحني لنظرية الاقتصاد الليبرالي. تشعر بعض الحكومات بالحرج بالاعتراف بذلك، والبعض الآخر يغطون أنفسهم بالهجوم على الليبرالية الجديدة. ومع ذلك، فليس أمامهم من سبيل سوى تخصيص النشاطات الاقتصادية، وتحرير الأسعار، واقتصاد السوق الحر، ومحاولة لجم التضخم، والسعي لدمج اقتصادهم في الأسواق الدولية. لقد أدركوا نتيجة التجارب المرَّة، أنه ضمن المناخ الاقتصادي السائد اليوم، فإن البلدان التي لا تتبع هذه المؤشرات تحكم على نفسها بالانتحار. أو، بعبارات أقل رعباً، ذلك البلد يحكم على نفسه بالفقر والتخلف وحتى بالتفكك. كثير من القطاعات اليسارية في أمريكا اللاتينية قد طورت مواقفها من كونها عدواً لدوداً للحرية الاقتصادية، إلى اعتناق الاعتراف الحكيم الذي أدلى به فاسلاف هافل: “مع أن قلبي قد يكون إلى اليسار من الوسط، فقد كنت أدرك دائماً بأن النظام الاقتصادي الوحيد الناجع هو اقتصاد السوق. إنه الاقتصاد الطبيعي الوحيد، الوحيد الذي يبدو عملياً، الوحيد الموصل إلى الرخاء، لأنه الوحيد الذي يعكس طبيعة الحياة نفسها”.
علامات التقدم تلك مهمة وتعطي تثبيتاً تاريخياً للنظرية الليبرالية. ولكن هذا لا يعني بحال من الأحوال التقاعس، لأن واحدة من أكثر حقائق الليبرالية تثبيتاً وصفاءً هي التي تبين بأن الحتمية التاريخية غير موجودة. لم يكتب التاريخ بعد بما يعارض أية مقولة أخرى. التاريخ من صنع الرجال، وكما أن الرجال يستطيعون انتهاج الطريق السوي، بإجراءات تدفع التاريخ إلى آفاق التقدم والحضارة، فإنهم يستطيعون أن يرتكبوا الأخطاء كذلك، سواء نتيجة القناعة، أوالتلبد، أو الجبن، وبالتالي يسمحون للتاريخ بأن ينزلق إلى مهاوي الفوضى، والإفقار والظلامية والبربرية. تستطيع ثقافة الديمقراطية أن تكسب أرضاً جديدة، وأن تعزز التقدم الذي سبق وأن أحرَزَتْه. أو أنها تستطيع مشاهدة عرينها وهو ينكمش إلى لا شيء. المستقبل يعتمد علينا—على أفكارنا، على أصواتنا، وعلى القرارات التي يتخذها أولئك الذين نضعهم في السلطة.
بالنسبة لليبراليين، فإن الحرب من أجل تقدم الحرية في التاريخ هي، فوق كل شيء، صراع فكري، معركة أفكار. لقد كسب الحلفاء الحرب ضد دول المحور، ولكن ذلك الانتصار العسكري لم يفعل أكثر من تأكيد تفوق فكرة الإنسان والمجتمع، كفكرة عريضة، أفقية، تعددية، متسامحة وديمقراطية على تصور ضيق الأفق، مقطع الأوصال، عنصري، منحاز وعمودي. انهيار الامبراطورية السوفييتية أمام الغرب الديمقراطي أكد صحة نظريات آدم سميث، وألكس دو تكفيل، وكارل بوبر، وإزيا برلين حول المجتمع المنفتح والسوق الحر، وأثبت خطر العجرفة المميتة للأيديولوجيين، مثل كارل ماركس، ولينين، وماو تسيدونغ، الذين كانوا يعتقدون بأنهم قد كشفوا النقاب عن قوانين التاريخ الجامدة، وفسروها بطريقة صحيحة تمثلت بدكتاتورية البروليتاريا والتخطيط المركزي. ويجب أن نتذكر أيضاً بأن الغرب حقق انتصاره على الشيوعية في وقت كانت فيه مجتمعاته مليئة بالشعور بالنقص: الديمقراطية العادية قدمت أقل القليل من “الجذب الجنسية” مقابل المجتمعات التي يفترض أنها خالية من الطبقية للعالم الشيوعي.
المعركة الحالية هي ربما أقل مشقة لليبراليين من تلك التي قاتل فيها أساتذتنا. ففي تلك المعركة، كان هنالك مخططون مركزيون، ودول بوليسية، وأنظمة الحزب الواحد، واقتصاديات تهيمن عليها الدولة، تدعمهم امبراطورية مسلحة تسليحاً شاملاً، بالإضافة إلى حملة علاقات عامة قوية، تدار في قلب الديمقراطيات، على يد طابور خامس من رجال الفكر أغرتهم وطوعتهم الآراء الاشتراكية. اليوم، المعركة التي يجب أن نخوضها ليست ضد مفكرين شموليين عظام أمثال ماركس، أو مفكرين اجتماعيين ديمقراطيين أذكياء مثل جون مينارد كينز؛ ولكن ضد أنماط كاريكاتورية جامدة، تحاول زرع الشكوك والفوضى في المعسكر الديمقراطي؛ ومن هنا يجيء الهجوم المتعدد، المنطلق من خنادق مختلفة ضد الشبح المرعب الذي يحمل اسم الليبرالية الجديدة. المعركة أيضاً ضد أصحاب الرؤية المتشائمة، وهي فئة جديدة من المفكرين المتشائمين. فبدلاً من محاربة ثقافة الديمقراطية، كما فعل غورغ لوكاس، وأنطونيو جرامسكي، وجان بول سارتر، فإن أصحاب الرؤى المتشائمة قانعون بنفي وجودها، محاولين التأكيد لنا بأن الديمقراطية غير موجودة، وأننا نتعامل مع خيال، يكمن وراءه ظل الاستبداد الخطير.
أود أن أبرز من بين تلك الفئة رمزاً أفرده في بحث ما أشير إليه: إنه الدكتور روبرت كابلان. في مقالة مثيرة، يقول كابلان أنه، وعلى النقيض من التوقعات المتفائلة حول مستقبل الديمقراطية والذي تجلت طلائعه في موت الماركسية في شرق أوروبا، فإن الإنسانية تتجه في الواقع نحو عالم يسيطر عليه الاستبداد. هذا الاستبداد جليٌ في بعض الحالات؛ وفي حالات أخرى، فإنه مُقنَّع بمؤسسات ذات مظهر مدني وليبرالي. بالنسبة لكابلان، فإن هذه المؤسسات هي مجرد زينة. القوة الحقيقية هي—أو سوف تصبح قريباً—في أيدي الشركات الدولية الضخمة، ملاك التكنولوجيا ورأس المال، والذين يتمتعون، بفضل تواجدهم المستدام عبر الحدود، بحصانة تامة في أعمالهم. وقد كتب يقول: “أقرر بأن الديمقراطية التي نشجعها في كثير من مناطق العالم الفقيرة هي جزء عضوي من التحول نحو شكل جديد من أشكال الاستبداد؛ وأن الديمقراطية في الولايات المتحدة هي في خطر أعظم من أي وقت مضى، ومن مصادر غامضة؛ وأن كثيراً من نظم الحكم المستقبلية، وبالأخص نظامنا، قد تشبه الأوليغاركية (فئة المصالح الحاكمة) التي كانت سائدة في أثينا واليونان في العصور الخوالي، أكثر مما تشبه الحكومة الحالية القائمة في واشنطن”.
تحليله يتسم بسلبية أشد فيما يتعلق بإمكانية تجذر الديمقراطية في العالم النامي. ووفق ما يقوله كابلان، فإن جميع الجهود الغربية لفرض الديمقراطية في بلدان تفتقر إلى تقاليد ديمقراطية قد انتهت إلى فشل ذريع. بعض تلك الإفشالات كانت باهظة الثمن، كما هو الحال في كامبوديا، حيث فشل استثمار ملياري دولار من قبل المجموعة الدولية في ترسيخ حكم القانون أو الحرية، ولو ميلمتراً واحداً في مملكة أنجور العتيقة. نتائج تلك الجهود، في مناطق مثل السودان أو الجزائر أو أفغانستان أو البوسنة أو سيراليون أو الكونجو أو مالي أو روسيا أو ألبانيا أو هاييتي، قد أدت إلى نشوب الفوضى، والحروب الأهلية والإرهاب، وإحياء الدكتاتوريات الوحشية الضارية التي تمارس التطهير العرقي، أو ترتكب حروب إبادة ضد الأقليات الدينية.
كابلان ينظر بازدراءٍ مماثل لعملية “الدمقرطة” في أمريكا اللاتينية. تشيلي والبيرو هما الاستثناءان. حقيقة أن الأولى جرَّبت دكتاتورية أغوستو بينوشيه، والثانية تعاني من دكتاتورية ألبرتو فوجيموري والقوات المسلحة، في رأيه، تضمن الاستقرار في تلك البلدان، وبالمقارنة مع ذلك، فإن ما يطلق عليه اسم حكم القانون عاجز عن حماية ذلك الاستقرار في كولومبيا وفنزويلا والأرجنتين والبرازيل، حيث ضعف المؤسسات المدنية في رأيه، والفساد المستشري، والفروق الفلكية في مداخيل الناس، “تدفع لرد فعل من قبل الملايين من سيئي التعليم، الذين أصبحوا يسكنون المناطق الحضرية في أحياء قذرة مزدحمة، والذين لا يجدون أية فوائد محسوسة من الأنظمة البرلمانية الغربية”.
كابلان لا يضيع أي وقت في الدوران حول الموضوع إذ يقول ما يفكر فيه بوضوح، وما يفكر فيه هو أن الديمقراطية والعالم النامي نقيضان لا يلتقيان، “الاستقرار الاجتماعي يتم نتيجة قيام طبقة متوسطة. النظم الاستبدادية، بما فيها الملكيات، هي التي تخلق الطبقات الوسطى، وليس الديمقراطية”. وهو يذكر مثلاً حوض الباسيفيك الآسيوي (والذي يمثله، أكثر ما يمثله، رئيس وزراء سنغافورة لي كوان يو، وكذلك تشيلي في عهد بينوشيه). ومع أنه لم يذكر ذلك، فقد كان بإمكانه أن يذكر أيضاً الجنرال فرنسيسكو فرانكو، رئيس إسبانيا. الأنظمة الاستبدادية التي يراها تخلق الطبقات الوسطى والتي تجعل الديمقراطية أمراً ممكناً، هي الصين و”سوقها الاشتراكي”، والبيرو في ظل حكم فوجيموري (دكتاتورية عسكرية مع دمية مدنية). تلكم هي أنماط التنمية التي يراها، والقادرة على خلق “الرخاء من الفقر المدقع”. الخيار المتاح في العالم النامي في رأي كابلان ليس “بين الدكتاتوريين والديمقراطيين، وإنما هو بين الدكتاتوريات السيئة، وتلك التي هي أفضل منها بقليل”. وفي رأيه أن “روسيا، إنما هي فاشلة، جزئياً بسبب أنها ديمقراطية، والصين، على ما يبدو، ناجحة، بسبب أنها ليست كذلك”.
لقد خصصت مساحة لمراجعة هذه الآراء، بسبب أن كابلان يملك ميزة القول بصوت عالٍ، ما لم يملكه الكثيرون ممن يشاطرونه الرأي، ولكنهم لا يجرؤون على الإفصاح عن آرائهم أو أنهم يكتفون بالهمس فيها. تشاؤم كابلان، بالنسبة للعالم النامي كبير؛ ولكنه ليس أقل مما أوحى به العالم المتقدم في نفسه. فبمجرد أن تنتهي الدكتاتوريات الكفؤة من تطوير بلدانها الفقيرة، وتسعى الطبقات الوسطى إلى التمتع بالديمقراطية على الطراز الغربي، فإنهم يكتشفون بأنهم إنما يطاردون السراب. ذلك أن الديمقراطيات الغربية تكون قد استبدلت بنظام (مشابه لذلك الذي كان قائماً في أثينا وسبارته) والذي تكون فيه الأوليغاركية—المتمثلة بالشركات متعددة الجنسيات، والتي تعمل في القارات الخمس—قد استلبت من الحكومات السلطة في اتخاذ القرارات ذات الأهمية للمجتمع وللفرد. سوف تمارس الأوليغاركية (حكم ذوي المصالح) سلطاتها مع انعدام مساءلتها، ذلك أن السلطة تأتي إلى الشركات الضخمة، ليس عن طريق الانتخاب، ولكن من خلال قوتها التكنولوجية والاقتصادية. وفي حالة أن لا يكون القارئ على علم بالإحصائيات، فإن كابلان يذكرنا بأنه من بين أعلى 100 اقتصاد في العالم، فإن 51 منها ليست بلداناً وإنما مؤسسات اقتصادية، وأن أقوى 500 شركة كبرى وحدها، تمثل 70% من التجارة العالمية.
وجهات النظر هذه هي نقطة انطلاق مناسبة للمقارنة مع التصور الليبرالي لأحوال العالم هنا، على أحد قرني الألفية الجديدة. بالنسبة للتصور الليبرالي، فإن خلق الإنسان للحرية، حتى وإن أخذنا في الاعتبار الفوضى العارمة التي أحدثتها، هي المنبع لأعظم الإنجازات التي تحققت، في ميادين العلوم، وحقوق الإنسان، والتقدم التكنولوجي، ومكافحة الاستبداد والاستغلال.
ومن أكثر الأمور غرابة في وجهات نظر كابلان هو القول بأن الدكتاتوريات وحدها هي التي تخلق الطبقات الوسطى، وهي التي تحقق الاستقرار للبلدان. فإذا كان الأمر كذلك، فإن جنة الطبقات الوسطى لن تكون الولايات المتحدة، وغرب أوروبا، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وإنما هي المكسيك أو بوليفيا أو الباراغواي. تاريخ أمريكا اللاتينية هو حديقة حيوانات للطغاة الصغار، والحكام الأقوياء والقادة المبجلين. الرئيس بيرون، على سبيل المثال، دمر تقريباً الطبقى الوسطى في الأرجنتين، وكانت طبقة وسطى شاسعة وتتمتع بالرخاء، وتمكنت من تطوير بلدها بوتيرة أسرع مما فعلته معظم البلدان الأوروبية. أربعون عاماً من الدكتاتورية، لم تجلب إلى كوبا أقل القليل من الرخاء، بل أنزلتها إلى مرتبة المتسول الدولي؛ ولتجنب الموت جوعاً، فرض على الكوبيين أن يأكلوا الحشيش والزهور، بينما تمارس نساؤهم الدعارة مع السائحين القادمين من البلدان الرأسمالية.
بطبيعة الحال، يستطيع كابلان أن يقول بأنه لا يتحدث عن جميع الدكتاتوريات، وإنما عن الدكتاتوريات الكفؤة مثل تلك الموجودة في آسيا الباسيفيك، أو دكتاتوريات بينوشيه وفوجيموري. لقد قرأت بحثه، بصدفة تامة، عندما كانت أوتوقراطية إندونيسيا الموصوفة بالكفؤة، تنهار وكان الجنرال سوهارتو يتخلى عن مركزه تحت الضغط، وكان الاقتصاد الإندونيسي يتداعى. وقبل ذلك بقليل، كانت أوتوقراطيات كوريا وتايلندا السابقة قد انهارت، وأخذ نمور آسيا المشهورين بالاختفاء كالدخان، وكأنهم شيء من تمثيليات هوليوود بالغة الإثارة. يبدو أن دكتاتوريات السوق تلك لم تكن ناجحة مثلما تصورها كابلان. إنهم الآن يركعون على ركبهم أمام صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والولايات المتحدة، واليابان وغرب أوروبا، طالبين إنقاذهم من دمار شامل.
من وجهة النظر الاقتصادية، كانت دكتاتورية الجنرال بينوشيه ناجحة، ولنقطة محددة (أي كفاءتها التي تقاس فقط بنسبة التضخم، والعجز في الموازنة، والاحتياطيات الرسمية، ونسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي). هكذا كانت دكتاتورية فوجيموري أيضاً، ومع ذلك، فإننا نتحدث عن كفاءة نسبية جداً. عندما نترك الأمن المريح والمجتمع المفتوح (الولايات المتحدة في حالة كابلان) ونتفحص تلك الأنظمة من منظور أولئك الذين عانوا جرائم وشطط الأنظمة الدكتاتورية، فإن تلك الكفاءة النسبية تختفي. وعلى النقيض من كابلان، فنحن الليبراليون لا نؤمن بأن إنهاء الاقتصاد الشعبي، أو الإمساك برقبة التضخم، يشكلان أقل درجات التقدم للمجتمع، أو إذا كان في الوقت ذاته تحريراً للأسعار، وخفض الإنفاق العام، وخصخصة القطاع العام، فإن كل ذلك لا قيمة له إذا كانت النتيجة إخضاع المواطنين للعيش في ظل الخوف المرعب. التقدم لا يعني الدوس على حقوق المواطنين. التقدم لا يحرم المواطنين من صحافة حرة، أو حرمانهم من اللجوء إلى قضاء نزيه محايد، عندما يعتدي على حقوقهم أو يساء إليهم أو التزوير ضدهم.
التقدم لا يسمح بأن يتعرض المواطنون للتعذيب، أو مصادرة الأموال، أو الاختفاء أو القتل، وفق نزوات العصابة الحاكمة. فبموجب النظرية الليبرالية، فإن التقدم يسير في آن معاً في ميادين الاقتصاد والسياسة والثقافة. وإلا، وبكل بساطة، فإنه ليس بتقدم. هذا القول يستند إلى أسباب عملية وأخلاقية. في المجتمعات المفتوحة حيث تنتقل المعلومات دون قيود أو إعاقة، والتي يسود فيها حكم القانون، هي أكثر تحصيناً في مواجهة الأزمات من المجتمعات المقيدة. وقد ثبت ذلك من خلال نظام حزب الثورة المؤسساتي في المكسيك قبل بضع سنوات، وفي فترة لاحقة بعد ذلك، من خلال الجنرال سوهارتو في إندونيسيا. إن غياب دور حكم القانون الحقيقي في بلدان حوض الباسيفيك الاستبدادية، لم يؤكد عليه بدرجة كافية في الأزمة الراهنة.
كم كان عدد الدكتاتوريات الكفؤة؟ وكم كان عدد غير الكفؤة؟ كم من الدكتاتوريات أغرقت بلدانها في وحشيات لا عقلانية، كما يحدث اليوم في الجزائر وأفغانستان؟ الأغلبية الساحقة من الدكتاتوريات هي تلك غير الكفؤة، أما الكفؤة فهي الاستثناء. أليست مغامرة غير محسوبة اختيار الدكتاتورية من أجل تحقيق التنمية—أن يؤمل بأن يكون ذلك النظام محترماً وانتقالياً وليس العكس؟ ألا توجد طرق أقل مخاطرة، واقل عنفاً لتحقيق التقدم الاقتصادي؟ الحقيقة أنه توجد مثل هذه الطرق، ولكن أناساً مثل كابلان لا يريدون رؤيتها.
في البلدان التي تزدهر فيها الديمقراطية، فإن ثقافة الحرية ليست بالضرورة ذات تقاليد قديمة، لم تكن تقليداً في أي من الديمقراطيات المعاصرة إلى أن اختارت تلك المجتمعات هذه الثقافة وتقدموا بها، بعد تجارب ونكسات عديدة، وأتقنوها عبر مسيرتهم، إلى أن جعلوا ثقافة الديمقراطية ثقافتهم الذاتية. الضغط الدولي والمساعدات يمكن أن يكونا عنصراً فعالاً من الدرجة الأولى، في تطبيق أي مجتمع لثقافة الديمقراطية، كما تدل على ذلك تجربة ألمانيا واليابان، وهما بلدان يفتقران إلى التقاليد الديمقراطية، كأي بلد من بلدان أمريكا اللاتينية، ومع ذلك تبنّيا ثقافة الديمقراطية وأصبحت جزءا من حياتهما. فمنذ وقت قصير من انتهاء الحرب العالمية الثانية، فقد انضمتا إلى الديمقراطيات المتقدمة في العالم. لماذا إذن تكون دول نامية (أو روسيا) غير قادرة على تحرير نفسها من التقليد الاستبدادي؟ فلماذا لا يستطيعون أن يفعلوا ما فعله الألمان أو اليابانيون، وأن يبنوا ثقافة الحرية؟
وعلى النقيض من النتائج المتشائمة التي توصل إليها كابلان، فإن العولمة تفتح فرصة من الدرجة الأولى، لبلدان العالم الديمقراطية، وبالأخص لديمقراطيات العالم المتقدم في أمريكا وأوروبا، للمساهمة في دفع التسامح والتعددية وحكم القانون والحرية إلى الأمام. كثير من البلدان ما زالت عبداً للتقاليد الأوتوقراطية، ولكن علينا أن نتذكر بأن الأوتوقراطية قد كانت في يوم من الأيام تهيمن على الإنسانية كلها. إن توسع ثقافة الحرية ممكن إذا ما تم تحقيق ما يلي:
أ‌- أن نؤمن إيماناً واضحاً بتفوق هذه الثقافة على تلك التي تسمح بالتعصب، وعدم التسامح، والعنصرية، والتي تسمح قانوناً بالتمييز الديني والإثني والسياسي وعلى أساس الجندر.
ب‌- أن نطبق سياسات اقتصادية وخارجية متناسقة، وتوجيهها بطريقة من شأنها، في آن معاً، تشجيع التوجهات الديمقراطية في العالم النامي، من جهة، ومعاقبة والتحيز ضد الأنظمة التي، مثل نظام الصين أو النظام المدني–العسكري التوأم القائم في البيرو، والذي يشجع السياسات الليبرالية في حقل الاقتصاد، بينما يبقي على الدكتاتورية في سياساته.
لسوء الحظ، وخلافاً لموقف كابلان، فإن ذلك النمط من التحيز لصالح الديمقراطية، والذي جلب كل تلك المنافع الكبيرة لبلدان مثل ألمانيا وإيطاليا واليابان قبل نصف قرن، لم تطبقه البلدان الديمقراطية في يومنا هذا في تعاملها مع بقية العالم. وفي الحالات التي تم تطبيقها، فقد طبقت جزئياً وبطريقة مراوغة، كما هي الحال مع كوبا.
ومع بزوغ بدايات الألفية الجديدة، فإن لدى الديمقراطيات في البلدان المتقدمة حوافز أقوى للعمل بقناعات مبدئية وحازمة في دعم الديمقراطية. هذا الدافع يتأتى عن وجود خطر جديد، خطر يشير إليه كابلان في بحثه. ففي نظرته التشاؤمية المطلقة، يتنبأ كابلان بقيام حكومة عالمية غير ديمقراطية في المستقبل، تتألف من الشركات القوية المتعددة الجنسيات، والتي تعمل دون قيد في جميع أرجاء العالم. هذا التصور الكارثي يوضح الخطر الحقيقي الذي نشعر به. اختفاء الحدود الاقتصادية، وانتشار الأسواق العالمية يدعمان الاندماج والتحالف بين الفعاليات الاقتصادية عندما تسعى إلى المنافسة بشكل أكثر فعالية في جميع ميادين الإنتاج.
إنشاء شركات كبرى لا يشكل بحد ذاته خطراً على الديمقراطية، ما دام أن الديمقراطية حقيقية، أي ما دامت هنالك قوانين عادلة وحكومات قوية. (بالنسبة لليبرالي “القوية” تعني المحدودة والفعالة، وليس “الكبيرة”). في اقتصاد السوق الذي يكون مفتوحاً للمنافسة، فإن الشركة الكبيرة تفيد المستهلك بسبب أن حجم إنتاجها يمكّنها من تخفيض الأسعار ومضاعفة الخدمات. لا يكمن الخطر في حجم الفعالية الاقتصادية؛ وإنما يتأتى الخطر عن الاحتكار، الذي يكون دائماً سبباً في عدم الفعالية ومسبباً للفساد. وما دام أن هنالك حكومات ديمقراطية تحترم القانون—حكومات تحاكم حتى بيل جيتس إذا ما تجاوز القانون—لن يكون هنالك أي خطر يخشى منه. ما دام أن الحكومات الديمقراطية تحافظ على أسواق مفتوحة أمام المنافسة، وخالية من الاحتكار، عندها فلا خوف أبداً من الشركات الضخمة، والتي كثيراً ما تخدم المجتمع عن طريق مبادراتها السباقة في التقدم العلمي والتكنولوجي.
الشركة الرأسمالية لها طبائع الحرباء. ففي بلد ديمقراطي، فإنها تشكل مؤسسة ناجعة في التطور والتقدم. ولكن، في البلدان التي لا يسودها حكم القانون، ولا يوجد فيها سوق حرة، والذي يتقرر كل شيء فيه على يد إرادة حاكم مطلق، أو فئة حاكمة مستنفعة، فإن المؤسسة الرأسمالية يمكن أن تكون مصدراً للكوارث. الشركات ليست أخلاقية أو لا أخلاقية، وهي تتأقلم بسهولة مع قوانين اللعبة التي تعمل في إطارها. فإذا كان سلوك الشركات متعددة الجنسيات مدعاة للإدانة في كثير من البلدان النامية، فما ذلك إلا مسؤولية أولئك الذين يقع على عاتقهم وضع قوانين اللعبة، في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. نحن لا نستطيع لوم الشركات في اتباعهم لتلك القوانين، من خلال سعيهم لتحقيق الربح.
من تلك الحقيقة، يستخلص كابلان هذه النتيجة المتشائمة: مستقبل الديمقراطية معتم، لأن الشركات الضخمة سوف تسلك في الألفية الجديدة في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية السلوك ذاته الذي تنتهجه حالياً في—على سبيل المثال—نيجيريا في عهد الكولونيل أباتشا.
في الحقيقة، لا يوجد أي سبب عقلي أو افتراضي لمثل هذا الاستخلاص. وبدلاً من ذلك، يجب أن نقرر النتيجة التالية: يتوجب على جميع البلدان في عالم اليوم والتي تحكمها الدكتاتورية أن تتطور سريعاً نحو الديمقراطية، وأن تطور ذلك الصرح من النظام القانوني، الذي يطالب الشركات الكبيرة بانتهاج السلوك السوي والأخلاقي، مثلما يطلب منها أن تفعل في البلدان المتقدمة. فبدون عولمة حكم القانون والحرية، فإن العولمة الاقتصادية تشكل خطراً جسيماً على الحضارة، وفوق كل شيء، على صحة الكرة الأرضية. يتوجب على الدول الكبرى تحمل مسؤولية أخلاقية نحو تشجيع وتنمية الأساليب الديمقراطية في العالم النامي. كما أن عليها واجباً عملياً. فبتبخر الحدود، فإن أعظم الضمانات بأن تعم الفوائد الاقتصادية جميع الناس هو التأكد بأن تدفق الاقتصاد على امتداد العالم سوف يتم في حدود الحرية والتنافس، وأن يكون موجهاً بالحوافز والحقوق والقيود التي يفرضها المجتمع الديمقراطي.
لن يكون أي من ذلك سهلاً، ولن يتم تحقيق أي شيء منه في فترة زمنية قصيرة. ولكن بالنسبة لليبراليين، فإن إدراكنا بأننا نسير نحو هدف يمكن تحقيقه يشكل لنا حافزاً عظيماً. فكرة أن يكون العالم موحداً حول ثقافة الحرية ليست يوتوبيا خيالية، بل هي فكرة جميلة يمكن تحقيقها، الأمر الذي يبرر الجهود التي نبذلها. وكما قال كارل بوبر، أحد أعظم أساتذتنا:
“التفاؤل واجب. المستقبل مفتوح. إنه ليس مقرراً سلفاً، ولا يستطيع أحد التنبؤ به، إلا من قبل الحظ. نحن جميعنا نساهم في تقريره، من خلال ما نفعل. ونحن جميعنا مسؤولون بالتساوي لنجاحه”.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 26 آب 2006.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

بتاريخ 20 نيسان 2006، أصبح مارت لار، رئيس وزراء إستونيا السابق ثالث من ينال جائزة “ميلتون فريدمان لتقدم الحرية”، والتي تعطى كل سنتين للشخص الذي يكون قد ساهم مساهمة مهمة في تقدم الحرية الإنسانية. إنها تأتي مصحوبة بمبلغ 500 ألف دولار كجائزة مالية، ويقدم معهد كيتو—وهو مؤسسة غير ربحية تعنى بأبحاث السياسة العامة—ومقره الرئيسي في واشنطن العاصمة جائزة فريدمان.
يجري اختيار من يربح جائزة فريدمان من قبل لجنة تحكيم دولية، والتي تضمنت هذا العام آن أبلبوم من صحيفة الواشنطن بوست؛ وفريد زكريا من النيوزويك إنترناشونال؛ وفرانسيسكو فلوريس، رئيس السلفادور السابق؛ وفريد سميث، رئيس شركة الفيديرال إكسبرس؛ وروز فريدمان. وقد ربح الجائزة في السابق كل من بيتر بوير، عالم الاقتصاد البريطاني، لمساهمته الرائدة في التنمية الاقتصادية، وهيرناندو دي سوتو، عالم الاقتصاد البيروفي لمساهمته حول أهمية حقوق الملكية في مساعدة الفقراء على الحصول على رأس المال. إن هذين العالمين الاقتصاديين ساعدا في بلورة أُسس نظرية لتطبيق مبادئ السوق في محاربة الفقر. وقد أظهرا بأن السوق الحرة، التي تتسم بالتجارة الحرة، وتدخّل الدولة المحدود في الاقتصاد، والتركيز القوي على الملكية الفردية، وسيادة القانون، هي أفضل الآليات للحد من الفقر على امتداد العالم. وقد وضع مارت لار تلك المبادئ النظرية موضع التنفيذ في مصلحة أبناء وطنه.
ووفق التقرير السنوي “الحرية الاقتصادية في العالم لسنة 2005″، والذي يصدر عن معهد فريزر في كندا، فقد صُنِّفت إستونيا في المرتبة التاسعة من حيث الحرية الاقتصادية. كثير من الناس اليوم يجدون صعوبة في تذكر أيام الاتحاد السوفييتي، عندما كان اقتصاد إستونيا محكوماً كلياً من قبل الدولة، ويعاني من خطوط الانتظار الطويلة ونقص السلع والمواد. لقد استبدل مارت لار “يد الحكومة الميتة” بيد آدم سميث غير المرئية. فقد ألغت حكومته تعرفة الاستيراد (وهو قرار انعكس جزئياً نتيجة انضمام إستونيا للاتحاد الأوروبي)، وشرَّع ضريبة دخل ثابتة. وقد هبطت ضريبة الدخل على الأرباح التي يعاد استثمارها إلى الصفر، كما تم إتباع سياسة نقدية مستقرة أدت إلى مكافحة التضخم. كما حققت الحكومة أشواط بعيدة في خصخصة شركات الدولة.
ومع أن اقتصاد إستونيا عانى من أزمة اقتصادية حادة، ولكن قصيرة الأمد، وهو ما عانته جميع الاقتصاديات الانتقالية، إلا أنه وبحلول عام 1995 عاد اقتصاداً مدوياً في نشاطه. ووفق إحصاءات البنك المركزي، فقد نما معدل الناتج المحلي الإجمالي السنوي بمقدار 6.6%. وخلال ذلك العقد، نما دخل الفرد من المجموع الكلي، معدلاً بالقوة الشرائية 6847 دولاراً إلى 12773 دولاراً مرتبطاً بأسعار عام 2000، وهي زيادة تبلغ 86.5%. لقد كان النمو الذي حققته إستونيا نمواً مستداماً، ومن أعلى مستويات التقدم في المنطقة، بحيث وضع البلد على طريق الانضمام إلى بقية الدول المتقدمة.
كما أن رئاسة مارت لار شهدت عودة إستونيا إلى الحكم الديمقراطي، والذي تمتعت به خلال فترة قصيرة من استقلالها بين الحربين العالميتين. لم يكن ذلك أمراً حتمياً. ففي روسيا البيضاء شهد تسلم ألكسندر لوكاشنكو للحكم في عام 1994 عودة البلاد إلى الدكتاتورية الشيوعية. وكان على أوكرانيا أن تنتظر 13 عاماً بعد إعلان استقلالها في عام 1991، قبل أن تصبح ديموقراطية، وعادت روسيا إلى الأوتوقراطية تحت زعامة فلاديمير بوتين.
كان تأثير مارت لار أبعد من النفوذ الذي له على مواطني بلاده. فقد تعلمت بلاد أخرى كانت تحت الحكم الشيوعي من إصلاحات إستونيا وقلّدتها. فقد أدّى نجاح استونيا في تطبيق الضريبة الثابتة إلى انتقالها إلى روسيا وسلوفاكيا وأوكرانيا وغيرها. وشكل تحرير استونيا للتجارة من جانب واحد إلهاماً مستمراً للبلدان الأخرى، بما في ذلك جورجيا. كما أن هنالك من يشعرون بأن وجود إستونيا الليبرالية اقتصادياً في الاتحاد الأوروبي سوف يقود الاتحاد الأوروبي بعيداً عن سياسته الاشتراكية. ومع أنني غير مقتنع بأن إستونيا الليبرالية اقتصادياً في الاتحاد الأوروبي لن تكون بمأمن فيها، ناهيك عن أن إستونيا لن تكون قادرة على تغيير مناقشات السياسة العامة في بروكسل، فإنني آمل بكل تأكيد بأن يكون تفاؤل مارت لار حول مستقبل الاتحاد الأوروبي في محله.
كان مارت لار اختياراً رائعاً لجائزة فريدمان لعام 2006. وإنني في منتهى السعادة بأن المؤسسة التي أعمل بها—معهد كيتو—قد استطاعت أن تكرمه على النحو الذي كرمته فيه، كما آمل بأن شعلة الحرية التي أضاءها مارت لار وزملاؤه في إستونيا سوف تستمر في الانتشار إلى سائر أرجاء العالم.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 22 آب 2006.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

إفشاء حقيقة جمع وكالة الأمن القومي سراً بيانات المكالمات الهاتفية لملايين الأمريكيين جاء على خلفية اقتراح المدعي العام غونزاليس ان للرئيس «صلاحية تنفيذية متأصلة» للتنصت على المكالمات المحلية في الولايات المتحدة من دون ضمان. كان ذلك الادعاء ضمن سلسلة من المزاعم الدستورية غير الطبيعية التي لجأت اليها ادارة بوش خلال الحرب على الارهاب. وبين هذه الادعاءات: سلطة إبقاء الأمريكيين على الاراضي الأمريكية واحتجازهم من دون تهم أو محاكمات طوال فترة تلك الحرب، وسلطة تجاوز القوانين التي تتعارض مع أي من التدابير التي يريد الرئيس اتباعها في الحرب على الارهاب.
وهناك مبدأ عام يقف خلف كل هذه الادعاءات هو أن سلطة الرئيس لا بد أن تُترك من دون قيود، لا يراقبها سوى حسن نية السلطة التنفيذية والاحتمالات البعيدة لمحاكمة الرئيس.
الأكثر إثارة للدهشة أنه حتى عندما كان الرئيس يستنزف الدعم المحافظ في بعض الشؤون، كالهجرة والإنفاق، استمر المحافظون في دعم مزاعمه الدستورية المريبة. ولطالما احتفى اليمين بـ”قوة السلطة التنفيذية” الهاميلتونية، لكن نظرية الرئيس الواسعة للسلطة التنفيذية تفوق ذلك بكثير. فهي تتقرب من كابوس جيمس ماديسون الذي تجتمع فيه السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية في الأيدي ذاتها، في حال سماها ماديسون “التعريف الأكيد للطغيان”.
وعلى رغم ذلك، فإن القياديين المحافظين استجابوا بهزء لأي محاولات لتحجيم قوة بوش. في آذار كتب محررو صحيفة “وول ستريت جورنال”، بعدما لاحظوا محاولات الكونغرس العرجاء لاستعادة الاشراف على الرقابة التي تتولاها السلطة التنفيذية: “فلنتمنَ أن عندما يندب أحد ملوك العاصمة (الرئاسة الامبراطورية) في المرة المقبلة، ينفجر الجميع بالضحك. ما كنا نشاهده هذا الأسبوع هو مجموعة من الاقزام الليليبوتيين في كابيتول هيل وهم يربطون إدارة بوش التي كثيراً ما تشبه غوليفر”.
وبعد شهر أوشك المدعي العام لغوليفر، اثناء شهادته أمام الكونغرس، أن يتطرق الى نظرية الادارة حول صلاحية السلطة التنفيذية في تطبيق الرقابة بلا ضمانات على المكالمات المحلية للأميركيين، رافضاً في الوقت ذاته أن يؤكد وجود برنامج كهذا أو ينكره. في ذلك اليوم، أصدرت وزارة العدل ما يمكن أن يطلق عليه “التوضيح غير التوضيحي” لشهادة غونزاليس: “يجب ألا تفسر شهادة المدعي العام اليوم على أنها تقترح وجود برنامج محلي أو عدم وجوده.”
يثق المحافظون بأن جورج دبليو بوش لن يسيء استخدام السلطات التي لديه. ولكن، قبل سنوات قليلة فقط أدركوا أن ليس كل رئيس أهلاً للثقة غير المشروطة. عرفوا أن الرئاسة يمكن أن يمسكها رجال مرتشون فاسدون جداً، لا يثنيهم شيء عن الاحتفاظ بالسلطة. ورأوا الرئيس بيل كلينتون على هذا النحو سواء بانصاف أو بظلم، ونددوا به بعبارات شديدة. ودان المحافظون، بمن فيهم محررو الصحيفة، سوء استخدام مئات من ملفات (اف. بي. آي) والانتهاكات المزعومة لسلطاته خلال فضيحة (ترافلغيت). وبدأ مرشح آخر باسم كلينتون، يقود استطلاعات الرأي في تسمية الديمقراطيين، فاعتنقوا بلا تردد نظريات السلطة التنفيذية التي ستسمح لكل رئيس بالتجسس على الأمريكيين من دون رقابة واحتجازهم من دون محاكمة.
في الاجتماع السنوي للجنة العمل السياسي المحافظ في شباط الماضي، حاز العضو السابق في الكونغرس بوب بار، وهو محافظ عتيد ومدير سابق لمحاكمة الرئيس في محاولة إزاحة الرئيس كلينتون من منصبه، على استقبال فاتر جداً، عندما حذر من اخطار الرئاسة الامبراطورية. كان خصمه في المناظرة، فيت دن، مهندس قانون المواطنة، أكثر ارضاء للجمهور. قال دن للجمهور: “لدى الحركة المحافظة شكوك موضوعية بالسلطة الحكومية، ولكن لسوء الحظ احياناً تحتاج هذه الشكوك الى الرضوخ.” وتحتاج كلمة أحياناً الى اعادة نظر لتصبح (من الآن فصاعداً).
بدأ البنتاغون يسمي الحرب على الارهاب “الحرب الطويلة” التي على عكس الحروب الأخرى لن تنتهي بمعاهدة سلام عبر طاولة ديبلوماسية، بل ستأخذ عقوداً من الزمن، وعندما يتحقق النصر، قد لا نعرف في شكل أكيد أننا ربحنا. إن السلطات فوق الدستورية التي نتحملها اليوم ستتوافر لجميع الرؤساء في المستقبل، سواء كانوا أخلاقيين أم لا، ونظامنا الدستوري برمته يتنكر للفكرة القائلة أن انتخاب الرجال الجيدين هو رقابة جيدة على سوء استخدام السلطة. وللحفاظ على هذا النظام، تحتاج هذه البلاد بشدة، الى انبعاث “الشكوك الموضوعية” للمحافظين.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 4 تموز 2006.

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018