الديمقراطية والإصلاح السياسي

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

إن المتتبع لخطاب الفكر العربي المعاصر، سيلحظ ولاشك كثرة تداول مصطلح الديمقراطية إلى درجة الإملال. وكثرة تواترها حاليا يضاهي فترة غيابها السابق عن ساحة الفكر العربي. فالغياب السابق والحضور الحالي الكثيف يعكسان مرضا عربيا في التعامل مع الأفكار وطريقة استخدامها. إن غيابها السابق كان سياسيا أكثر مما هو واقعيا وكذلك تواترها الحالي يخضع للاستخدام الآني من قبل الأنظمة والمعارضات والأحزاب والإعلام أكثر مما هو حقيقة راسخة في فكر هذه الأنظمة ومعتقداتها.
الديمقراطية التي دخلت الفكر العربي من أوسع أبوابه بعد التسعينيات – خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي – لم تدخل نتيجة نمو داخلي أو تمخضات أسفرت عنها البنية الداخلية للمجتمعات العربية أو نتيجة تغيير ما طرأ على بنية الأحزاب العربية السلطوية والمعارضة في آن، بل نتيجة الفراغ الذي خلّفه سقوط الاشتراكية بنسختها السوفياتية الرثة. وحسب نظرية الفراغ : ( لا يوجد فراغ، وإن هذا الفراغ إذا وجد فسوف ينشأ شيء ما ليملأه). ومن يستطيع ملء الفراغ غير الإيديولوجية المنتصرة ؟
هكذا إذن دخلت إيديولوجيا الديمقراطية ( وهنا نفرّق بين الديمقراطية كإيديولوجيا وبين الديمقراطية كفكر وممارسة حياتية ويومية ) أرضا تعاني هزيمة شبه مطلقة، وغيابا كاملا لأي مشروع، فوجدت أرضا خصبة للتبشير والعبادة، حيث تحولت الديمقراطية إلى مشروع خلاص إلهي أكثر مما هي مشروع خلاص يومي وكفاحي ونضالي، يستلزم الغوص في وحل الواقع المر والبحث عن إمكانات الفعل فيه، والعمل على تبئية الديمقراطية – كفكر وممارسة – بالعمل اليومي والتدريب الشاق والتعلّم والخطأ ومحاولات تصحيحه التي لا تنتهي. الأمر الذي يجعلنا نرصد في الواقع العربي تناقضات مرعبة في طريقة التعامل مع الديمقراطية : فالحاكم الذي يحكم شعبه بالنار والحديد، و المثقف الذي يعامل زوجته وفق ثقافة الحريم، والمعارضات العربية التي لا تختلف عن السلطات التي تنتقدها بالكثير، كلهم يطرحون مشاريع عن الديمقراطية !
ولكن نظرة متفحصّة ودقيقة لأنظمة الفكر العاملة في تلك الأحزاب والسلطات ستكشف جانبا مريعا ومخجلا، وتدقيقا أكثر في البنى الفكرية والتعليمية للمجتمعات العربية تعكس واقعا لا يسر، ويؤكد مدى صعوبة العمل على تبئية الديمقراطية.
إن الانتشار الواسع للأمية في العالم العربي مريع، الأمر الذي يطرح تساؤلا مثيرا ومقلقا ومرعبا في آن : كيف يمكن لمواطن لا يقرأ أن يقترع ويختار ناخبيه ؟ هذا إذا أخذنا من الديمقراطية نتيجتها : المتمثلة بصندوق الاقتراع الذي لا يمكن الوصول إليه دون المرور بأبجديات الديمقراطية : انتشار التعليم،، والمواطنة بحقوقها وواجباتها، والمجتمع المدني الذي يحد من تسلط الدولة وعنفها المقدس بقوة القانون، الإصلاح الديني..
هذه الأبجديات التي تمهد الطريق لقبول الديمقراطية الناتجة عن وعي جمعي بضرورتها و أهميتها.
هناك أيضا المعارضات العربية على اختلاف أشكالها التي ترفع الديمقراطية كشعار لإحراج السلطات الحاكمة، أكثر مما ترفعه كممارسة واعتقاد في طريقة إدارة شؤونها الداخلية، حيث الشمولية وغياب المحاسبة وعبادة الفرد والوصول إلى الأمانة العامة للحزب عن طريق التزكية هي العقائد المترسخة التي تحكم تفكير هذه الأحزاب. كما نلاحظ أن أغلب قادة هذه الأحزاب يرأسون أحزابهم منذ ربع قرن على الأقل دون أن يسألهم أحد ماذا تفعلون ؟
الأمر الذي يشير أن رفع شعار الديمقراطية من قبل هذه الأحزاب لم يكن نتيجة مراجعة لأدبياتها وممارساتها وطريقة إدارة شؤونها، بل مجرد شعار لإحراج السلطات الحاكمة. مما يجعلنا نطرح سؤالا حادا : هل يمكن لمن يستهزأ بالديمقراطية ويرفضها في بيته، أن يطالب بها خارج البيت ؟
يقدّم لنا لبنان دائما على أنه البلد العربي الوحيد الذي يتمتع بحيز ديمقراطي معين، ولكن هذا عار عن الصحة فلبنان في حقيقة الأمر قائم على دكتاتورية مجموعة من الشموليات التي تتحكم به، حيث تحتكر النخب / الطوائف الحاكمة الديمقراطية فيما بينها على المستوى السياسي فقط، حيث تتوافق هذه النخب على أسماء مرشحيها عبر لعبة ديمقراطية ضيقة تمسخ الديمقراطية أكثر مما ترسخها. فنرى هذه الأحزاب تحفل بكل الأمراض الشمولية، فالأسماء نفسها والشخصيات نفسها والعائلات نفسها هي من يتحكم بالحياة السياسية اللبنانية منذ ربع قرن !
الأمر الذي يدل على أن الديمقراطية لا يمكن أن تنجح دون تغلغل ثقافة الديمقراطية في المجتمع وفي بنية الأحزاب، حيث أنّ الديمقراطية تبدأ في ” صندوق الرأس قبل أن تبدأ في صندوق الانتخاب”، وفق مقولة المفكر جورج طرابيشي.
هل يعني ما سبق أن الديمقراطية غير ممكنة في عالمنا العربي ؟
أبداً، ليس هذا ما نريد قوله، بل نقول إن الحاجة العربية للديمقراطية كبيرة أكثر من أي وقت مضى، وضرورية لكسر حلقات التخلف والاستبداد والغياب عن العصر، ولكن الطريقة المتبعة عربيا نحوها غير صائبة، طريقة تستبسط الأمور وتتعاطى معها بسهولة فجة ومرضية كما تعاملت سابقا مع الاشتراكية، حيث تغدو مجرد “شعار” لتحقيق مكاسب هنا وهناك، بينما يجب أن تكون ثقافة دائمة ومستمرة، تغرس في عمق المجتمع والمدارس والجامعات والأحزاب، “بذرة برسم الزرع” وليس “ثمرة ناضجة” – وفق تعبير طرابيشي أيضا- نقطفها فقط.
على النخب الفكرية التي تعمل على موضوع الديمقراطية أن لا تكتفي بنقد السلطات فقط واعتبار أن موضوع الديمقراطية منوط برحيلها، بل عليها أن تعمل موضع نقدها في قلب مجتمعاتها وأحزابها وطريقة تفكيرها هي أيضا، أن يكون العمل على داخل البنى المجتمعية وليس خارجها فقط، لهدم أسس الاستبداد الديني والمعرفي والحزبي الذي يحكم وعي المجتمعات المحكومة شموليا.
إذن علينا تحرير الديمقراطية السائدة حاليا من ” ألوهيتها “، والكف عن جعلها ديانة العصر الجديد، عبر تفريغها من حمولاتها الزائدة التي تربطها بالخلاص، عبر جعلها ممارسة تطوّر نفسها، تنجح هنا وتخفق هناك، لتعود وتستثمر في محاولة أخرى للنجاح.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 10 يناير 2009.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

أنه لمن نافلة القول أن أقوى قوتين تؤثران على عالم اليوم هما: الإعلام والإستخبارات. وإذا كان هذان الذراعان متداخلات عبر العديد من الفضاءات والوظائف، فإن المؤكد هو أن واحداً من أهم موضوعاتهما هو الجمهور، أي إستهداف الرأي العام من أجل تشكليه وإدارته بالطرق التي تخدم مصالح القائمين عليهما. وهنا يكون الإنسان، فرداً وجماعات، هو الهدف النهائي. كما أن القوتين تشتركان كذلك في توظيف اللغة وسيلة وأداة لتحقيق أهدافهما. اللغة هي الإناء الذي يملأ بالمراد من الأفكار والحقائق والأكاذيب، من بين سواها من المطلوب بثه وإشاعته أو الترويج له. وإذا كان الجهاز الإستخباري يعمل أحياناً على صناعة وإنتاج وتسويق الإشاعات والإشاعات المضادة، فإن الإعلام يقوم بعمل مشابه عندما يصنع وينتج ومن ثم يسوّق أفراداً أو أفكاراً أو قضايا بحسب أهواء القائمين عليه. وبذلك تكون هذه جميعاً “مخلوقات إعلامية” mediacreatures، بمعنى أنها من إختلاق وتضخيم الإعلام، ليس إلاّ، شخوصاً كانت أم قضايا.
لقد لاحظ المخططون الإعلاميون البارزون منذ أمد طويل أهمية وسائل الإعلام في صناعة المعجزات وخلق الخرافات والأساطير وتمريرها. وقد تناغم هذا مع تطور وسائل البث الأثيري والعام الذي يصل إلى “كل الناس”. لذا تنبه هؤلاء إلى أهمية الإعلام، ليس فقط في إدارة الرأي العام على النحو المطلوب، ولكن كذلك في تصنيع وتسويق الأفكار والأساطير والشواخص، حسب الطلب. وكان الألمان، خاصة خلال الحرب العالمية الثانية، هم رواد هذا الحقل، إذ تفردوا، ربما للمرة الأولى في التاريخ، بخلق الشواخص الأسطورية. وهكذا تمت عملية أسطرة شخصية القائد المنزّه الذي لا يخطأ ولا يسهو، أدولف هتلر، على سبيل تعبئة الجماهير على طريق “عبادة الأبطال” hero-worship، كما إصطلح توماس كارلايل على تعظيم البطولة الفردية قبل ذلك بعقود. ناهيك عن اساطير وخرافات أخرى تم توظيفها في الحرب على سبيل خدمة المعسكر الألماني على حساب معسكر الحلفاء، ومنها “الأسطورة الآرية”، اي أسطورة تفوق الجنس الآري على سواه من الأجناس خاصة الجنس السامي.
مذاك تكررت عمليات صناعة الأبطال وتسويق البطولات على نحو مضطرد، خاصة مع ظهور العديد من الأنظمة الشمولية في الشرق والغرب على حد سواء. بيد أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ تم توظيف الإعلام بطرائق فنية عدة على سبيل إنتاج “مخلوقات إعلامية” لا تمت للواقع بصلة. لقد صنع الإعلام نجوماً كثيرة عبر تاريخه العالمي في العصر الحديث. وهو لم يزل يفعل ذلك مسوقاً إياها على حساب الحقيقة ومن خلال إستغفال الجمهور: فإضافة للقادة التاريخيين المؤلهين، ظهر لدينا المفكرون التاريخيون والفنانون الإستثنائيون ولاعبو كرة القدم المعجزة، من بين شواخص أخرى لم تكن لتعني الكثير لولا ما نفخه الإعلام في صورهم من هواء حتى اضحوا بالونات لا تحتاج لسوى وخزة إبرة لتنفجر كالفقاعة على سطح ماء بارد.
وإذا كان الغربيون، قد حصلوا على القدح المعلى في صناعة وتسويق مخلوقات إعلامية لا قيمة تُذكر لها خارج عالم الإعلام، فإننا في العالم العربي غالباً ما نتتبع خطاهم بدقة متناهية، للأسف. لقد خلقت بعض وسائل الإعلام العربية عبر العقود الأخيرة اساطير وخرافات عدة، كان بعضها شواخصاً فردية، بينما كان بعضها الآخر قضايا ومشاكل مفتعلة. وكانت النتيجة هي صناعة رأي عام يعاني الكثير من الإختلال والتشويه، لاحظ إستحالة بعض الشخصيات المستبدة إلى “قيادات تاريخية” تستحق التقديس!.
واحدة من أهم طرائق صناعة وتسويق النجوم قد تمثلت في “تنجيم” أفراد لا يستحقون ما حصلوا عليه من سمعة وضجة من خلال وسائل الإعلام: فبينما تم تنجيم العديد من الشخصيات البائسة التي لم تقدم شيئاً يستحق الذكر، بقيت شخصيات “ثقيلة” ومهمة أخرى قابعة في الظل، لا يذكرها أحد، وقد لا يعرفها الكثيرون. وهكذا مكثت العقول الذكية والمبدعة أسيرة صوامعها ومعتكفاتها المغلقة البعيدة، بينما صعدت إلى القمة “الإعلامية” شخصيات لا تذكر بالأصالة والإبداع بحساب المعايير التاريخية والثقافية الموضوعية. وللمرء أن يحاول إجراء مسح بسيط لهؤلاء الذين ترفعهم بعض وسائل الإعلام إلى النجومية، ليقارنهم بهؤلاء المنسيين الذين لا تكلف وسائل الإعلام نفسها تقديمهم أو البحث عنهم، وهو سيخرج بنتائج باهرة بالمفاجآت. هذه واحدة من سلبيات ما يسمى اليوم “بالإعلام الموجه” الذي تديره وتوجهه الدكتاتوريات، خاصة في الشرق العربي الإسلامي.
المعضلة تتلخص في أنه “لا ضريبة على الكلام”، كما يقال. فإذا ما أرادت وسيلة إعلامية تحويل شخص عادي إلى نجم يذكر في كل مكان، فإن العملية بسيطة وقد لا تحتاج سوى لتزيين هذا الشخص بالألقاب جزافاً. لنلاحظ على سبيل المثال أن يقدم شخص ما في مقابلة على إحدى الفضائيات مترافقاً إسمه بلقب “المفكر الكبير”؛ أو أن يقدم شخص آخر بعنوان شهادة عليا هو لا يملكها، أو أن يقدم شخص ثالث مع لقب “شيخ”، وهو اللقب الذي راح ينتشر هذه الأيام بسرعة: فهذا شيخ المؤرخين، وذاك شيخ الشيوخ، وذاك شيخ المدينة، زيادة على شيوخ من أنواع أخرى. وعودة إلى المعضلة، فإنها تتلخص في أنه لا توجد هيئة أو منظمة يمكن لها أن تحاسب وسيلة الإعلام إذا ما أطلقت لقباً مفتعلاً أو مزوراً على أحد. كما أنك لا يمكن أن ترفع دعوى ضد وسيلة الإعلام المعينة لأنها أخطأت في منح شهادة جامعية عليا لشخص لا يمتلك سوى شهادة الثانوية العامة ! وهكذا تتلبد سماؤنا بالعناوين غير الصحيحة والألقاب المزيفة لتمطر على رؤوسنا أكاذيباً بهدف إنتاج وتسويق مخلوقات إعلامية، لا أكثر.
من المخلوقات الإعلامية الأخرى يجد المرء عمليات صناعة وتسويق القضايا والمشاكل والمسائل التي قد لا تستحق الكثير من العناء الإعلامي. وهنا يتطابق عمل الإعلام مع عمل الأجهزة الإستخبارية في تشكيل وإنتاج الإشاعات والإشاعات المضادة، بل حتى في صناعة وتسويق “النكات” المضحكة ضد فئة معينة من الجمهور، على سبيل الإقلال من شأنها كما حدث في عدد من البلدان العربية مؤخراً. وهكذا يمكن لوسيلة الإعلام أن تنفخ في مسألة معينة حسب أهواءها، كما أنها يمكن أن تفرغ الهواء عن مسألة أخرى حسب الطلب. هكذا تتم عمليات صناعة الخوف وتسويقه، وهكذا تتم عمليات إنتاج الأعداء وتسويقهم.
إن الإعلام، بالرغم من فوائده ودوره التنويري الكبير، يمكن أن يوظف كعدو للجمهور وكمشكل مُضلل ومزيف للرأي العام، الأمر الذي يحيلنا إلى مناقشة الحرفية أو الحيادية المطلقة في عالم الإعلام: هل هي حقيقة أم خيال؟ لاحظ كيف يتم ليّ الإعلام والتصرف بأدواته وقنواته لخدمة بعض الأنظمة الرجوعية التي لا تريد الإستجابة لمتطلبات العصر الملحة، خاصة الحريات والديمقراطية.
أن الحياد المطلق للإعلام هو مجرد أسطورة، كما يبدو من إستقراء المنتج الإعلامي اليوم. بل أن تتبع “سلوكيات” المؤسسات الإعلامية العربية والعالمية بدقة يشير إلى أن غياب النزاهة الكاملة في نقل الأحداث وفي طرائق تقديمها وأساليب إخراجها (عبر العاملين في الأجهزة الإعلامية وبواسطة المتعاملين والمتعاونين معها) إنما هو ظاهرة  تعبّر عن المصالح والأهواء الكامنة وراء أهواء ومصالح مديري هذه الأجهزة، تعبيراً عما يتمنوه من نتائج للأحداث ولأنفسهم من معطيات نهائية لهذه النتائج.
وليست الأحداث الجارية على الساحة العربية بأول المحكات التي تعكس “المصلحية” الإعلامية؛ فقد بيّنت الأحداث التاريخية خاصة عبر سنوات الحرب العالمية الثانية ( إبان الصراع الإعلامي الرهيب بين الرايخ الثالث ودول الحلفاء) بأن التشبث بحيادية مطلقة للإعلام يندرج في حقل التشبث بالمستحيل أو بالخرافة. ولكن أحداث العالم العربي الملتهبة الجارية اليوم تقدم لنا البينة الواضحة على أنه لا يوجد شيء اسمه إعلام مطلق الحيادية حتى بالنسبة لوسائل الإعلام العائدة إلى القطاع الخاص أو إلى الأفراد الذين لا ينتمون إلى هيئات إدارية حكومية. وبعكسه، لماذا يختار الفرد أو الشركة الاستثمار في وسائل الإعلام، مفضلين هذا الاستثمار على حقول استثمارية أكثر إدراراً مادياً مباشراً. وهذه الظاهرة التي تعني بأن الإعلام يشبه إلى حد كبير عملية كتابة التاريخ أو التورخة. فالإعلام يشترك مع التاريخ في أنه لا يمكن إلاّ وأن ينطوي على شيء من التفضيلات والتمنيات والمخاوف الكامنة لدى مالك الوسيلة الإعلامية ومديرها، زيادة على تأثيرات هؤلاء الذين يحاولون الفوز برضاهما واستحسانهما. وعليه، فإن أي جهاز إعلامي ومهما حاول أن يقدم الأنباء بحيادية لابد أن يقع فريسة لأهواء الممول الذي ” له رأي ” بالأحداث، وهو الرأي الذي يتبلور في طرائق تقديم المادة الإعلامية وحجبها أو حجب أجزاء منها على سبيل تحقيق المرجو من آثار على مستهلكي هذه المادة. وإذا كانت بعض وسائل الإعلام تتباهى بأنها “مفضلة” على غيرها بسبب حياديتها، فأن هذا لا يعني وجود حيادية مطلقة قط، فالموضوع شديد النسبية.
وإذا كانت وسائل الإعلام مرآة لمواقف مديريها ومموليها، فإنها تقدم كذلك صوراً دقيقة للانتهازيين الذين يحاولون ركوب الموجة لتحقيق أهدافهم الأنانية الخاصة. ولدينا في العالم العربي عدداً لا بأس به من هؤلاء المتحذلقين الذين يحاولون استثمار وسائل الإعلام عبر استثمار مصالحها لتمرير أنفسهم كمنقذين أو كوطنيين، أعلى من سواهم وطنية بدرجات. ومن هؤلاء الذين تستحسن بعض الفضائيات إظهارهم وتقديمهم، بسبب التقاء بعض المصالح المشتركة، أشخاص لا همّ لهم سوى الفوز بالشهرة ومن ثم السلطة. وهكذا تبقى مصائرنا في العراق مرتهنة بأمثال هؤلاء المزايدين وبسواهم من الذين يريدون أن يحكموا العراق عبر عمليات قطع الطرق وانتهاز الفرص.
ولا يبالغ المرء إذا ما استمكن شعوراً قوياً بأن هناك وسائل إعلام شائعة في البلدان العربية من تلك التي وجدت في أحداث الشرق الأوسط الساخنة فرصة ذهبية لسكب الزيت على النار وتأجيج الحرائق بلا أدنى شعور بالمسؤولية. بل أن المرء ليشعر بأن هؤلاء ينتظرون الحروب الأهلية وإنتشار الفوضى “بفارغ الصبر” عبر الحديث الملحاح عن التقسيمات الطائفية والعرقية بديلاً عن الدعوة إلى نشر الديمقراطية والفكر الليبرالي الذي يرتهن به التقدم والإنتقال من غياهب التقليدية الظلامية إلى انوار الحرية والتقدم، الأمر الذي يحيل الإعلام إلى “كائن” طفيلي (يعتاش على أحداث ومعاناة الغير) بدلاً عن إحالته إلى مرآة للحقيقة.
إن الأحداث في العالم العربي والشرق الأوسط عامة كثيرة وساخنة ولا يبدو بأنها ستتوقف، ولكنها تقدم لنا البينة على مصلحية وانتهازية العديد من وسائل الإعلام التي تنظر إلى هذه الأحداث كفرص عمل، فتحورها ثم تديرها على هذا الأساس وليس على أساس من الحياد المطلق الذي صار خرافة هي مدعاة للتندر بالنسبة لمن يحيا في أتون الأحداث الحقيقية. ولكن، مع هذا كله، يحاول رجال الإعلام الجادين التشبث بالحيادية أنموذجاً يستحق التمسك به، لذا كان هؤلاء أقرب إلى الجمهور لأنهم أقرب، نسبياً، إلى الحقيقة.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 11 ديسمبر 2008.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

لا تخوض الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان حرباً واحدة وإنما هي، في حقيقة الأمر، تخوض حربين في آن واحد. فقوى التحالف تقود حربا للقضاء على تمرد طالبان والقاعدة ، وبنفس الوقت تخوض حربا أخرى ضد تجارة المخدرات ولا سيما الأفيون. هذه الجبهة الأخيرة لم تكن إلى وقت قريب تشكل أولوية على أجندة هذه القوات. إذ أن العسكريين لم يكونوا يستجيبوا لضغوط الإدارة السياسية في واشنطن باتجاه التركيز أكثر على مقاومة تجارة المخدرات ، وذلك لعلمهم بان هذه الحرب غير مجدية ولن تؤدي إلا لتشتيت جهود المهمة الأساسية في القضاء على حركة طالبان وتنظيم القاعدة.
لا بد لنا وعند الحديث عن عملية مكافحة تجارة الأفيون في أفغانستان، أن ندرك أبعاد هذه العملية. فبالنسبة للذين يكافحون ضد تجارة المخدرات، تشكل أفغانستان، دون أدنى شك، الجبهة الأولى في هذه المعركة. فأفغانستان تساهم بحوالي 90 % من عرض الهيروين والخشخاش في العالم. وعليه فتجارة المخدرات تشكل أهمية إستراتيجية لأفغانستان إذ تمثل على الأقل ثلث الناتج الإجمالي للبلاد.
أخر تقديرات الأمم المتحدة تقدر عدد العائلات الأفغانية العاملة في زراعة الخشخاش والأعمال الأخرى المتعلقة بتجارة المخدرات بـ 509000 عائلة. فإذا حصرنا مفهومنا للعائلة على المعنى الضيق، فان هذه العائلات تمثل ما يعادل 14 % من السكان. أما إذا آخذنا بعين الاعتبار طبيعة العائلة الأفغانية حيث تتعدى مفهوم الأسرة الضيق إلى مفهوم العائلة الكبيرة يمكننا التقدير بان ما يعادل 35% من الشعب الأفغاني يعمل بشكل مباشر أو غير مباشر بتجارة المخدرات.
في ضوء هذه الحقيقة، يصبح الطلب من حكومة كارازي خوض حرب ضد المخدرات والقضاء على تجارة الأفيون، أشبه إلى حد ما بالطلب من اليابان القضاء على صناعة السيارات والالكترونيات اليابانية. لا بد أن احتمال الاستجابة لهذا الطلب سواء من قبل الحكام السياسيين أو من قبل الشعب يبدو ضئيلا جدا.
يُحاججُ المدافعون عن موقف متشدد من تجارة المخدرات بالقول بان جزء من أموال هذه التجارة ينتهي به المطاف في جيوب طالبان والقاعدة. صحة هذا القول لا تلغي حقيقة أن الجزء الأعظم من هذه الأموال يذهب إلى جيوب أمراء الحرب المواليين لكرازاي و إلى المتنفذين في الأرياف الذين يعيشون على هذه التجارة، ولا يبدو أنهم ينظرون بعين الرضا إلى أي جهد يمكن أن يمس بمستوى حياتهم. كنتيجة منطقية لهذا الوضع، فان أي سياسة تسعى إلى مقاومة زراعة المخدرات أو الاتجار بها لن تخلو من المخاطر. في هذا السياق فان ضغوط واشنطن باتجاه القضاء على زراعة الخشخاش تظهر على أنها هجوم مباشر على العديد من العائلات الريفية الأفغانية.
إنها إستراتيجية محفوفة بالمخاطر، ويمكن رؤية نتائجها السيئة مسبقا. على ما يبدو فالسكان، على وجه الخصوص في أقاليم جنوب هلمند وقندهار، عادوا لدعم طالبان بسبب السياسات المناهضة للمخدرات. مع العلم بأن العديد من زعماء المناطق كانوا، حتى الغزو الأمريكي لأفغانستان خريف العام 2001، يدعمون حركة طالبان. وقتها وبعد دخول قوات التحالف أفغانستان بدل هؤلاء من ولاءاتهم متخليين عن دعم حركة طالبان، الأمر الذي أثار، على الدوام، الشكوك حول استقامتهم والتزامهم. ومعلوماتنا اليوم تفيد أن بعض هؤلاء الزعماء نقضوا تعهداتهم من جديد.
الحقيقة الصعبة تتمثل بأن التحالف الذي قادته الولايات المتحدة بحاجة إلى دعم أمراء الحرب من جهة والى تعاون الشعب الأفغاني للحصول على المعلومات من جهة أخرى. فأمراء الحرب يشكلون بحد ذاتهم تحالفا عسكريا ضد طالبان والقاعدة. في هذا المناخ، تبدو الحرب على المخدرات غير مجدية. فعلى قوات التحالف أن تحافظ على أولويتها بالقضاء على طالبان والقاعدة إذ انه لن يكون بإمكانها النجاح في منع عودة نظام قمعي كنظام طالبان، إذا أصرت على خوض حرب أخرى ضد المخدرات في نفس الوقت.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 5 ديسمبر 2008.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

كثيراً ما يقال لنا إن الحملات الانتخابية الأمريكية يجب أن يكون محورها حول “القضايا”. بيد أن المقترعين لن يُشرّعوا القوانين في شهر تشرين الثاني (نوفمبر)! إنهم سوف ينتخبون رئيساً من المحتمل جداً أن يواجه مخاطر غير متوقعة أو فرصاً على مدى السنوات الأربع القادمة. ويحتاج المقترعون لمعرفة كيف يمكن للمرشحين أن يستجيبوا لكلا التحديين. يجب أن يعرفوا ما هي شخصية المرشح وبالتالي التنبؤ بكيفية قيام الرئيس المنتخب بواجباته.

كيف يمكن أن نحكم على شخصية المرشح الرئاسية؟ الأمانة والأخلاق الحميدة هما بداية جيدة بالتوافق مع توفر الإرادة لعمل ما هو صحيح بدلاً من عمل ما هو مقبول جماهيرياً. يضاف إلى ذلك بأن على المرشح أن لا يخلط بين المظاهر والحقيقة بالنسبة لشخصيته. يجب على المرشّح أن يكون بالفعل حائزاً على المزايا التي تحتاج إليها الرئاسة.

ربما يبدو أن ماكين يملك ميزة بالنسبة لموضوع الشخصية. إن تجربته في فيتنام لم ينتقص منها ما أورده ناقدوه ذوو المصداقية. لقد كان بالفعل بطل حرب، وإن شيئاً كثيراً من ذلك الماضي يشير إلى كيفية نظر معظم الناخبين إليه.

في الأسابيع الأخيرة، يبدو أن ماكين أظهر شجاعة في معركته الانتخابية. فقد أعلن “إنه ليس من واجب الحكومة أن تنقذ وأن تكافئ أولئك الذين يتصرفون بطريقة غير مسؤولة، سواءً كانوا بنوكاً كبيرة أو مقترضين صغار.”

لقد زار ماكين الفقراء ولم يعد بأن رئاسته سوف تجعلهم بقدرة قادر أغنياء. لقد واظب على تأييد حرب العراق، كما وعد بتخفيض الإنفاق. في عام 2008، فإن الموقفين كليهما يتعارضان مع رغبات غالبية الأمريكيين.

بيد أن ماكين أظهر أخيراً قصوراً بالنسبة لمسألة الشخصية. إنه الآن يقترح إنقاذ المستدينين ويدعو إلى توقيف جني ضريبة البنزين في الصيف.  ما هو الاحتقار الذي لا بد أن يشعر به رجل تحمّل كل لك التعذيب للمقترعين الذين لا يستطيعون أن يتحملوا قليلاً من الألم على مضخة البنزين. ومع ذلك، فإنه يشعر بألمهم خشية من الإخفاق في شهر تشرين الثاني (نوفمبر).

باراك أوباما هو قضية أكثر تعقيداً، جزئياً، بسبب أنه غير معروف. إنه لم يُمتحن في شؤون مهمة. صحيح أن أوباما يبدو على استعداد للاستماع إلى الناس الذين يخالفونه في الرأي. وقد رفض شيطنة منافسيه وبالتالي وضع جانباً مزيةً كان يمكن أن تساهم في حملته. أوباما أيضاً يبدو رجلاً صادقاً وأميناً؛ رجلٌ يمكنك احترامه حتى وإن لم تكن متفقاً مع كل شيء يقوله أو يفعله.

ورغم كل ذلك، فإن قدرات أوباما البلاغية العظيمة كانت دائماً تلقي بظلال على شخصيته. هل هو بالفعل ما يبدو أنه هو، أو ما يود كل إنسان أن يكون عليه؟ ربما أنه كان مجرد شخص أفضل في انتحال الإخلاص.

كيف يمكننا الحكم على شخصية مرشح رئاسي؟

إن المصاعب التي واجهها أوباما في الانتخابات التمهيدية لم ترفع من شأن شخصيته. فقد حاول إرضاء المقترعين في ولايات تعاني الركود، وليس أقل من ذلك في موقفه تجاه الحمائية. والذي يبدو أن مستشاره الاقتصادي قد أبلغ المسؤولين الكنديين بإهمال أقوال أوباما في ما يتعلق بمنطقة التجارة الحرة لشمال أمريكا.

رجل الدين رايت هو الأهم بالنسبة لمسألة الشخصية، وليس فقط على حساب أوباما. وعندما نعود إلى خطاب فيلادلفيا، فإن عدم رغبة أوباما في الافتراق عن قسيسه يمكن أن يلقي نوراً على شخصيته. فمن الأمور البديهية أن أسهل شيء بالنسبة لأوباما كان ببساطة شجب رايت وآرائه.

لقد حاول أوباما أن يشجب الأقوال بينما رفض التخلي عن قسيسه. ربما كان أوباما يرفض التضحية بصديق في لحظة هو في أشد الحاجة إليها، حتى وإن لم يكن ذلك الصديق ممن يمكن الدفاع عنه وكان كل شيء يتوقف على تلك اللحظة. يستطيع المرء أن يحترم هذا الموقف والآن لا يبدو رايت بالشخص الذي يمكن لأي صديق أن يدافع عنه.

وقد أثار رايت أيضاً مسألة مقلقة حول شخصية أوباما. لماذا بقي السيناتور أوباما وعائلته مع كنيسة رايت وأيّدوها لتلك المدة الطويلة؟ ولأنه بقي كذلك، كان من الصعب الاعتقاد بأن أوباما كان غير مؤيد لراديكالية رايت. ولكن من كان يعتقد بأن أوباما الذي أصبحنا نعرف لن يبدي عدم الرضى عن رايت؟

إن قسيسه قد خلق مشكلة تتعلق بشخصية أوباما بطرق لم يُجب عليها السيناتور. ويشعر المرء الآن بأن السؤال لا يمكن الإجابة عليه بشكل قاطع يتجاوز الشك.

الشخصية قد لا تكون القضية الوحيدة في شهر تشرين الثاني (نوفمبر). وقد يمكن إنقاذ أوباما إذا ما وقعت أزمة اقتصادية، أو إذا ما تم كشف النقاب عن معلومات تُسيء إلى سلوك ماكين بشكل موثوق. وربما يجد أوباما وسيلة يخرج منها من أزمة رايت، بحيث تعيد سمعته الجيدة مع المقترعين. ولكن في المرحلة الحالية تم توجيه سؤال يتعلق بالشخصية بعد وقت طويل مما كان يمكن الإجابة عليها سابقاً.

أكثر من عدد قليل من المقترعين—وليس جميعهم من الليبراليين—يودون الإيمان بشخصية أوباما إن لم يكن ببرنامجه. لقد أصاب أوباما أولئك الناس بخيبة الأمل. إن خيبة أملهم قد تؤدي إلى خيبة أمل الديمقراطيين عندما يجيء شهر تشرين الثاني (نوفمبر).

© معهد كيتو، منبر الحرية، 29 أيار 2008.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

من السهل أن ينغمس المرء في تعقيدات تكنولوجية فيما يتعلق ببرنامج الرئيس الأمريكي الخاص لمراقبة الإرهاب. في جوهره، فإن البرنامج يُدخل إشرافاً إلكترونياً لا مبرر له على المكالمات الهاتفية الدولية ورسائل البريد الإلكتروني—حتى تلك التي تبدأ في الولايات المتحدة وتنتهي في داخلها. لقد تم تطبيق ذلك البرنامج بشكل سري في عام 2001، بيد أن جريدة النيويورك تايمز كشفت النقاب عنه بعد أربع سنوات من تطبيقه، وقد تم توسيع ذلك البرنامج من قبل الكونغرس في آب من العام 2007 في “قانون حماية أمريكا”.

يجري التفاوض بين الكونغرس والبيت الأبيض بعد التمعن في هذه القضية الدستورية المهمة: من هو الذي يقرر ما إذا كان البرنامج يرسم توازناً صحيحاً بين الحقوق المدنية والسلامة الوطنية—أي هل يتعارض القانون مع التعديل الرابع الذي يمنع التفتيش “غير المعقول”؟

لقد كان موقف إدارة بوش ثابتاً ومتصلباً. وقد أعرب عن ذلك الموقف ألبرتو غونزاليس النائب العام السابق على الوجه التالي: المادة 2 من الدستور تقول “إن السلطة التنفيذية هي موكولة إلى الرئيس” وهو “القائد العام للقوات المسلحة”. تلك السلطة، وفق ما ذكر غونزاليس، تتغلب على أي عمل يقوم به الكونغرس في زمن الحرب.

المفترض أنه إذا دعت مصلحة الأمن في زمن الحرب اتخاذ إجراءٍ ما، فإن الرئيس يستطيع من جانب واحد أن يضع الأمريكيين تحت المراقبة في أي مكان، وتوقيف المواطنين الأمريكيين إلى أجل غير مسمى، وتفتيش سجلات المكتبات، ومخاطبات الأمن القومي، وسجون وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وتصريحات “المحاربين الأعداء”، والمحاكم العسكرية وتقنيات التحقيق التي قد تكون مخالفة لالتزاماتنا بموجب المعاهدات.

يقول القاضي روبرت جاكسون بأن الأمر ليس كذلك، مؤيداً بذلك ما جاء في قرار محكمة الاستئناف الأمريكية عام 1952 في قضية (يانغستون آند تيوب) والذي حجب عن الرئيس هاري ترومان سلطة وضع اليد على معامل الفولاذ. وكتب جاكسون يقول: عندما يتخذ الرئيس إجراءً بموجب تفويض من الكونغرس “تكون سلطته في حدها الأعلى”. ثانياً، في حالة أن الكونغرس لم يعط السلطة كما لم يحجبها، “تنشأ حالة من الغموض تكون فيه سلطة (الرئيس) والكونغرس متوازية، أو يكون فيه توزيع السلطة غير مؤكد”. ثالثاً، ولكن، عندما يتخذ الرئيس إجراءات تكون غير مطابقة لإرادة الكونغرس، سواء صراحة أو ضمناً، “فإن سلطته تكون في حدها الأدنى”.

البرنامج السري لمراقبة الإرهاب، يقع في الفئة الثالثة: فقد اتخذ الرئيس إجراءاته في وجه منع قانوني محدد ضمن قانون مراقبة المخابرات الخارجية. معظم الرؤساء، عندما يظنون بأن قانوناً ما أصبح قديماً أو عديم الجدوى، أو غير حكيم، فإنهم يطلبون من الكونغرس تعديل أو إلغاء القانون. الرئيس بوش اتخذ الطريق الأقصر: فقد حاول على مدى سنوات إلغاء قانون مراقبة الاستخبارات الخارجية بنفسه عن طريق تجاهل بنوده.

إن ادعاءات الرئيس الزائفة بسلطاتٍ تنفيذية غير محدودة هي الآن تدور في مكانها. فمؤخراً في جملة من القرارات—قضية حمدي ضد رامسفيلد (2004)، قضية رسول ضد بوش (2004)، وقضية حمدان ضد رامسفيلد (2006)—رفضت محكمة الاستئناف مرة أخرى فكرة أن السلطة التنفيذية تستطيع أن تفعل ما تشاء في زمن الحرب، بغض النظر عن استشارة الكونغرس. ونتيجة لذلك، فقد جُرت إدارة بوش مذعنة مستغيثة بتفويض الكونغرس، لقانون معاملة الموقوفين (2005)، وقانون اللجان العسكرية (2006)، وكانون حماية أمريكا (2007)، والآن مشروعي قانونين لإعادة تفويض برنامج مراقبة الإرهاب.

ربما أن الكونغرس سوف يتخذ الخيارات السياسية الخاطئة عندما يُعيد النظر في البرنامج. إذا كان الأمر كذلك، فإن من المحتمل جداً أن يُقدّم تحدٍّ دستوري من قبل إحدى مجموعات الحقوق المدنية أو أكثر من مجموعة. بيد أن صدور أحكام خاطئة من قبل الكونغرس، سوف يكون من الصعب تحديها على أسس دستورية تحت قاعدة ما نص عليها قرار المحكمة في قضية (يانغستون). ذلك، أن سلطة الرئيس تكون “في أوجها” عندما يتصرف بتفويض صريح من الكونغرس.

إن ما يعنيه ذلك، بطبيعة الحال، هو أن الالتزام بالدستور لا يحمينا دائماً من القوانين الرديئة. ومع ذلك، وحتى إذا كان الدستور غير كافٍ كمرشد، فإنه بكل تأكيد مُرشد ضروري.

لسنوات عديدة، كنا نغامر بفقدان حقوق مدنية مهمة من خلال عدم التصدي للتجاوزات التي ترتكبها السلطة التنفيذية. ربما أننا ما زلنا نواجه ذلك الخطر. ولكن وبفضل وسائل الإعلام، والمحاكم، و—مؤخراً—معارضة أصبحت أكثر نشاطاً في الكونغرس، فقد استسلمت الإدارة أخيراً إلى القبول بطيف من الرقابة من قبل الكونغرس، حتى وإن كان التدقيق القضائي ما زال غير كافٍ.

إن ادعاءات الرئيس الزائفة فيما يتعلق بسلطات غير محدودة، هي الآن، موقوفة. إن ذلك يشكل السابقة الدستورية الصحيحة، حتى إذا ما نتج عنها في نهاية الأمر نتائج سياسية خاطئة. وعلى المدى الطويل، فإن السابقة هي أكثر أهمية من أحكام السياسة المؤقتة. وقد أعربت القاضية ساندرا أوكونر عن قرارها في قضية حمدي، واضعة يدها على المبدأ الأساسي الذي تنطوي عليه: “مهما كانت السلطة التي يتصورها الدستور الأمريكي بالنسبة للسلطة التنفيذية… في زمن الحرب، فإنها بكل تأكيد تطرح تساؤلات حول أدوار فروع الحكومة الثلاثة؛ عندما تكون في الميزان قضايا الحريات المدنية للأفراد”.

© معهد كيتو، منبر الحرية، 21 أيار 2008.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

نظام تمويل حملات الانتخابات الرئاسية، وهو النظام العاجز والمكروه، قد احتل فجأة مركز الصدارة في انتخابات هذا العام—حيث يجد كل من السيناتور جون ماكين والسيناتور باراك أوباما نفسيهما بين المبادئ التي دعوا إليها منذ زمن بعيد ومصلحتهما الذاتية.

لقد كان ماكين وأوباما يفاخران منذ أمد طويل بتأييدهما لوضع رقابة قوية على استخدام المال في السياسة. ولكن الآن فإن كلاً منهما يود لو يستطيع أن يتحاشى أخذ أموال عامة. وهنا نجد السخرية فيما يتعلق بإجراء “إصلاح” على تمويل الحملات الانتخابية.

يعود نظام تمويل الحملات الانتخابية للرئاسة إلى عام 1974، بعد استقالة الرئيس ريتشارد نيكسون. في ذلك الحين كان الديمقراطيون يملكون أغلبية كبيرة في الكونغرس، بيد أن مرشحيهم للرئاسة كانوا يواجهون صعوبات خطيرة في تمويل حملاتهم.

ورغم جميع ما يقال عن “الإصلاح” والفساد، والأنظمة التي تقيّد تمويل الحملات الانتخابية، فإن جميع هذه الأقوال هي في الواقع تتصل بتسخير الانتخابات لدعم المصالح الذاتية.

منذ العام 1960، كان المرشحون الجمهوريون للرئاسة يحوزون على تقدم كبير في جمع الأموال للحملات الانتخابية على منافسيهم الديمقراطيين. ولو كُتب لذلك النمط أن يستمر لكان المرشحون الجمهوريون للرئاسة يجمعون مراتٍ عدة ضعف المبالغ التي يجمعها الديمقراطيون في عام 1976 وما بعدها. بيد أن التمويل العام وضع حداً لذلك التهديد.

القانون يقدم مبالغ متساوية لمرشحي الحزبين الكبيرين كليهما لحملة الخريف الرئاسية—ما دام أنهم لا يجمعون أموالاً من المساهمين الأفراد. وقد فرض هذا مساواةً في جمع الأموال وأوقف التفوق الذي كان يتمتع به الحزب الجمهوري في هذا الميدان.

وبعبارة أخرى، فإن جميع ما يقال حول “الإصلاح” والفساد والأنظمة التي تحكم تمويل الحملات هي في حقيقة الأمر مُسخّرة لتسيير الانتخابات وتوجيهها بحيث تدعم المصالح الخاصة. (في انتخابات العام 1974، كان الديمقراطيون هم المستفيدون في حلبة الانتخابات الرئاسية. قوانين “إصلاحية” أخرى أفادت إلى حد كبير المسؤولين من المرشحين على حساب المرشحين الجدد الذين يتحدونهم. وقوانين أخرى مثل، قوانين مدينة نيويورك، التي تدعم القوة السياسية لنقابات العمال على حساب رجال الأعمال).

عودة إلى الحملة الانتخابية الحالية 2008، فقد بدأ السيناتور ماكين حملته للبيت الأبيض بتمويل خاص، ولكنه صرف كل ما لديه من مال في شهر حزيران الماضي. وحتى يتمكن من الاستمرار فقد سعى إلى أن يصبح مؤهلاً لتلقي تمويل رسمي للمرحلة التمهيدية من الحملة—واستخدم إمكانية حصوله على ذلك التمويل كسند للحصول على قرض.

تلك الحركة مكّنته من الاستمرار. لقد أصبح ماكين الآن المرشح الوحيد للبيت الأبيض بالنيابة عن الحزب الجمهوري. بيد أن ذلك يضعه في موقف صعب عندما يتطلع إلى الانتخابات العامة. فإذا وجد نفسه مقيّداً بنظام التمويل العام، فإنه لا يستطيع أن ينفق سوى أربعة ملايين دولار ما بين الآن وانعقاد مؤتمر الحزب الجمهوري. هذا مبلغ قليل جداً لمواصلة عرض رسالته على الجمهور. وهذا يشكل كارثة بالنسبة له. ذلك أن باراك أوباما وهيلاري كلينتون قد أثبتا قدرات فائقة على جمع الأموال—وقد ابتعدا جانباً عن التمويل العام للمرحلة التمهيدية من الحملة. فإذا تمكن أي منهما من نيل الترشيح في وقت مبكر، فإنه—هو أو هي—يستطيع مواصلة جمع الأموال وإنفاق الأموال الخاصة على امتداد الربيع والصيف الطويلين.

في غضون ذلك، فإن أوباما يود الهرب من التمويل العام للحملة الانتخابية العامة، وهي المرحلة التي تبدأ بعد مؤتمرات الحزبين. وقد وعد في العام الماضي بقبول التمويل العام إذا فعل مرشح الحزب الجمهوري ذلك—ولكنه تعلّم الآن بأنه يستطيع أن يجمع مالاً يفوق إلى حد كبير ما يستطيع ماكين جمعه من القطاع الخاص.

إن الرأي العام الأمريكي، يشارك بشكل واضح في هذه النظرة المتهكمة لنظام التمويل العام الذي يسمى تمويلا “نظيفاً”. ففي السنوات الأخيرة، فإن 6% فقط من دافعي الضريبة الفيدرالية لم يمانعوا تخصيص 3 دولارات من استحقاقاتهم لتمويل صندوق الحملة الرئاسية. هذا يمثل 94 بالمائة من المصوتين الذين أعربوا عن عدم ثقتهم بنظام التمويل العام مقابل 6 بالمائة فقط.

إن نظام التمويل العام—وفرض قيود مشددة على التمويل الخاص—للمرشحين السياسيين له من يدافعون عنه دفاعاً صادقاً، أناس يعتقدون بأن الديمقراطية تتطلبه، بيد أن الحقائق تتحدث عن نفسها. لقد تم تشريع ذلك النظام من أجل الكسب الحزبي، ولم يكن لأهداف عامة سامية. والآن يحاول اثنان من أقوى مؤيديها التلاعب على النظام—أي التهرّب من التمويل العام والاعتماد على التمويل الخاص—لأن ذلك يصب بوضوح في مصلحتهما الذاتية.

لقد حان الوقت لوضع حد لذلك الادعاء الكاذب بأن نظام التمويل العام يخدم الديمقراطية.

© معهد كيتو، منبر الحرية، 11 آذار 2008.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

في أعقاب الحرب العالمية الأولى، شرع الرئيس الأمريكي “وودرو ويلسون” في العمل لكي يجعل العالم ديمقراطيا. ومنذ ذلك الوقت، دأب الرؤساء الأمريكيون بالسير على قرع طبول تلك المثالية “الويلسونية”. وبالفعل، يتم تنفيذ معظم السياسة الخارجية الأمريكية تحت ذريعة نشر الديمقراطية إلى بقية دول العالم، وقد تكون مثل هذه الذريعة في بعض الحالات اعتقادا حقيقيا. وبناء عليه، فان استخدام الرئيس الأمريكي (الحالي) “جورج دبليو. بوش” لتلك الحجة بخصوص ارتباطات أمريكا الخارجية لا يعتبر استخداما جديدا أو غير عادي. وقد يكون منطقيا أن تكون رسالة وكالات المخابرات الأمريكية بما في ذلك وكالة الاستخبارات المركزية الـ(سي. آي. إيه.) والتي تم ذكرها مؤخرا هي أن يتم “دعم الديمقراطية وأن يتم الحفاظ على وإدامة الدول الديمقراطية المسالمة”.
إن معظم الشعوب، بما في ذلك الشعب الأمريكي، سوف تصيبهم الدهشة إذا علموا بان كلمة الـ“ديمقراطية” لا وجود لها في وثيقة “إعلان الاستقلال” الأمريكية (1776) أو في “دستور الولايات المتحدة الأمريكية” (1789) أو في تعديلاته العشرة الأولى التي تعرف باسم “لائحة الحقوق” (1791). كما انه ستصيبهم الصدمة إذا عرفوا سبب عدم وجود كلمة الـ”ديمقراطية” في الوثائق التأسيسية للولايات المتحدة الأمريكية. وعلى النقيض لما تقوم الدعاية السياسية الأمريكية بتوجيه جمهور الناس كي يتم تصديقها، فقد أبدت الشخصيات التي أسست أمريكا—أي الآباء المؤسسون—شكوكهم وقلقهم تجاه الديمقراطية. فقد كانوا على وعي وإلمام بالشرور التي تصاحب الطغيان والذي هو في هذه الحالة طغيان الأغلبية. وقد ذهب أولئك الذين قاموا بصياغة الدستور الأمريكي إلى مسافات أبعد من ذلك كي يضمنوا بان لا تكون الحكومة الفيدرالية الأمريكية معتمدة على إرادة الأغلبية، وبالتالي أن لا تكون ديمقراطية.
وقد عمل الدستور الأمريكي الأصلي على توطيد حكم القانون وعلى تثبيت الحدود التي تقيّد الحكومة. كما عمل ما يقارب نسبته 20 في المائة من هذا الدستور على وضع بنود لأشياء لا يجوز للحكومة الفيدرالية ولحكومات الولايات أن تقوم بعملها. وهناك نسبة أخرى تبلغ 10 في المائة من هذا الدستور لها علاقة بالمنح التي يتم التصرف بها للسلطات. وكذلك تتناول معظم مواد الدستور، والتي تقارب نسبة 70 في المائة منه، مفهوم أولئك الأشخاص الذين صاغوا الدستور والذي يتعلق بالواجب الرئيسي الموكول له وهو: أن يتم إخضاع الولايات المتحدة وحكومتها لحكم القانون.
والدستور الأمريكي هو، بشكل أساسي، عبارة عن وثيقة بنائية وإجرائية تضع بنودا خاصة بأولئك الأشخاص الذين يجب عليهم أن يمارسوا السلطة وكيف يتوجب عليهم أن يمارسوها. وقام الدستور بتقسيم الحكومة الفيدرالية إلى فرع تشريعي وفرع تنفيذي وفرع قضائي وتم تصميم كل فرع بهدف ضبط وتدقيق بقية السلطات نظرا لان المؤسسين لا يريدون أن يعتمدوا على أصحاب الأصوات الانتخابية فقط كي يتم ضبط وتدقيق سلطة الحكومة.
ونتيجة لذلك، فقد تم منح المواطنين القليل من السلطة من ناحية اختيار المسؤولين الفيدراليين. فالرئيس وأعضاء الهيئة القضائية ومجلس الشيوخ لم يجرِ انتخابهم بالتصويت المباشر من قبل الشعب، بل يتم فقط انتخاب أعضاء مجلس النواب عن طريق التصويت المباشر من الشعب. ولا يعتبر الدستور الأمريكي بمثابة تركيبة أو صيغة ديكارتية (نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي ديكارت) تهدف إلى هندسة اجتماعية بل هو عبارة عن شيء يهدف إلى حماية المواطنين الأفراد من الحكومة. وباختصار، فقد تم تصميم الدستور لكي يحكم الحكومة وليس ليحكم الشعب.
كما قامت لائحة الحقوق أيضا بتثبيت حقوق الشعب ضد أية انتهاكات تقوم بها الدولة. والمطالبة الوحيدة لدى المواطنين على الدولة، بموجب لائحة الحقوق، هي بخصوص إجراء المحاكمات من قبل هيئة محلفين. أما بقية حقوق المواطنين فهي عبارة عن وقايات من الدولة.
وإذا كان أولئك الذين صاغوا الدستور لم يقوموا بتبني الديمقراطية، فما الشيء الذي قاموا هم بالتمسك به؟ من ناحية المواطن العادي، اتفقوا على أن الغاية من أية حكومة هو أن يتم تأمين ثلاثية “جون لوك” الخاصة بالحقوق للمواطنين وهي حق الحياة وحق الحرية وحق الملكية. وقد كتبوا عن الحرية كتابات مكثفة وبليغة. كما كتب، على سبيل المثال، جون آدمز عن ذلك أيضا قائلا بأنه “في اللحظة التي يتم بها إدخال الفكرة التالية إلى المجتمع وهي أن حق الملكية ليس مقدسا كقدسية القوانين الإلهية وانه لا توجد هناك قوة قانون ولا عدالة عامة تقوم بحمايتها، عندئذ سوف تبدأ الفوضى والطغيان”.
وفي غالب الأحيان تتحدث أفعال المؤسسين بصوت أعلى من أقوالهم. فقد تولى المحامي المتميز أليكسندر هاملتون كثيرا من القضايا الشهيرة بدافع من المبدأ الذي يحمله. فعلى سبيل المثال، وبعد الحرب الثورية التي قامت ضد القوة الاستعمارية وهي بريطانيا العظمى، قامت ولاية نيويورك بسن إجراءات صارمة ضد “الموالين” (لبريطانيا) وضد الرعايا البريطانيين. وقد اشتملت تلك الإجراءات على “قانون المصادرة” (1779) و”قانون الاستدعاء” (1782) و”قانون التعدي على الغير” (1783). وقامت جميع هذه القوانين بإدخال الاستيلاء على الملكية فيها.
وبحسب وجهة نظر هاملتون، فان هذه القوانين أوضحت الفارق المتأصل بين الديمقراطية والقانون. وحتى وإن كانت تلك القوانين تلقى شعبية على نطاق واسع، فأنها قامت بالاستهزاء من المبادئ الأساسية لقانون الملكية. وقام هاملتون بتحويل آرائه إلى أفعال من خلال التطبيق التام لقوة القانون. كما أنه قام، لكي يواجه أعمالا عدائية عامة هائلة، بالدفاع وبشكل ناجح عن أولئك الذين تم الاستيلاء على ممتلكاتهم في ولاية نيويورك بموجب التشريعات الثلاثة.
لقد تم تصميم الدستور الأمريكي بغرض تأييد وتعزيز قضية الحرية وليس قضية الديمقراطية. ولكي يتم تطبيق ذلك، قام الدستور بحماية حقوق المواطنين الأفراد من الحكومة ومن زملائهم المواطنين. وللوصول إلى هذه الغاية، وضع الدستور قواعد واضحة لا لبس فيها وقابلة للتطبيق بهدف حماية حقوق الأفراد. وبالنتيجة، فان نطاق وقياس سلطة الحكومة قد تم تحديدهما بشكل صارم.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 27 آذار 2007.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

يدعي عالم نوبل للاقتصاد، دوغلاس سي. نورث، وزميلاه (جون واليس وباري وينجاست)، بأن هناك ثلاثة أنواع من المجتمعات. الأنظمة البدائية، وهي عصابات صغيرة من الصيادين، وهي غير ذي أهمية هنا. الأنظمة المقيدة (المحدودة)، وهي مجتمعات تقدم حقوقا سياسية واقتصادية ذات معنى لنخبة ضيقة فقط. الأنظمة المفتوحة، وهي ديمقراطيات رأسمالية تعطي الحقوق السياسية والاقتصادية لمعظم المواطنين. ويحاول نورث أن يبرهن أن الأنظمة المقيدة هي “الحالة الطبيعية”: فهي مستقرة، تقاوم التقدم الاقتصادي، ونادرا ما تنتقل وتتحول إلى الأنظمة المفتوحة.
بالنسبة إلى نورث، فإن هذه الأنواع الثلاثة من الأنظمة تشبه الحالات الكيميائية الثلاث، الصلبة والسائلة والغازية. أي أنها تتميز وتختلف بوضوح عن بعضها الآخر، والانتقال أو التحول بين أشكال النظام المختلفة يحدث تحت ظروف خاصة فقط.
يحقق النظام المحدود الاستقرار من خلال تزويد كل مجموعة عنيفة محتملة بحق امتياز قيّم. فعلى سبيل المثال، ومن أجل إحباط المحاولات الانقلابية، يقوم اللواء الحاكم في المجلس العسكري بإعطاء العقداء القادرين فرصا عديدة للانتفاع شخصيا من الفساد. ويجب أن يتم سجن أو نفي أو قتل الشخصيات القوية التي لا يمكن شراؤها.
وبالرغم من إمكانية حدوث انقلابات عسكرية بشكل منتظم، إلا أن النظام المحدود لا يزال ترتيبا مستمرا نسبيا. عندما يحدث انقلاب ما، لا تتم عملية إعادة توزيع السلطة على نطاق واسع وإنما يحدث تعديل وخلط في القمة فقط. (ولقد تم الإشارة إلى هذا النوع من الاستمرارية لأول مرة منذ أربعين عاما في ورقة العالم السياسي من جامعة واشنطن ميرل كلينج التي تحمل عنوان “العنف والسياسة في أمريكا اللاتينية،” والتي نشرت في عام 1967 في دراسة لمجلة سوسيولوجيكال ريفيو، العدد 11).
إن أحد المفاهيم الرئيسية لنورث تنص على أنه يتوجب على حكام النظام المقيد أن يعملوا على الحد من حقوق الجماهير. فإذا نال الجميع حقوقهم الاقتصادية والسياسية، فلن يكون لدى الحكام أي عرض خاص يقدمونه لتهدئة المغتصبين المحتملين. فمن غير الممكن شراء المنافسين السياسيين المحتملين واستمالتهم إلا في حالة حصولهم على حقوق استثنائية حصرية. ولكن إعطاء حقوق حصرية لمجموعة واحدة يستلزم بالضرورة تقييد حقوق المجموعات الأخرى. أن نقول لحكام النظام المحدود “إننا نصرّ على التخلص من الفساد” هو بمثابة أن نطلب منهم ارتكاب الانتحار السياسي.
التحول النادر
يقوم النظام المحدود بتوزيع السلطة بطريقة تحافظ على رضى المجموعات المنظمة التي من المحتمل أن تكون عنيفة. ولن يكون لأولئك خارج الائتلاف الحاكم أي سبيل للوصول إلى السلطة السياسية أو الفرص الاقتصادية، ومن مصلحة النخبة إبقاؤه على هذا النحو.
وكما وضعه نورث بقوله:
“إن النظام المحدود لهو توازن اجتماعي. وتتقاسم التوازنات خصائص مشتركة: (1) السيطرة على العنف من خلال امتيازات النخبة؛ (2) تقييد حق الدخول في التجارة؛ (3) وجود حماية قوية نسبيا لحقوق الملكية للنخبة، وضعيفة نسبيا لغير النخبة (إن سيادة القانون التي قد تتميز بها الدولة الطبيعية هي من أجل النخبة)؛ (4) القيود المفروضة على الدخول والخروج من المؤسسات الاقتصادية والسياسية والدينية والتعليمية والعسكرية.”
وعليه، فإن الانتقال من النظام المحدود إلى المفتوح في غاية الصعوبة والإشكالية. ويجادل نورث على أن هذه التحولات نادرة. فمنذ الحرب العالمية الثانية لم تتمكن إلا ثماني دول من إجراء هذا التحول. ومما يثير الاهتمام أن هذه التحولات غالبا ما تتطلب فترة قصيرة نسبيا من الزمن التاريخي—خمسين سنة أو أقل. وتشمل الأمثلة الحديثة على تايوان وكوريا الجنوبية وإيرلندا وإسبانيا.
كتب نورث:
“إن السمة الأساسية للانتقال هي نشوء تبادل غير شخصي بين النخبة. وينطوي التبادل الشخصي على علاقة شخصية مستمرة بين أطراف التبادل بحيث تكون المعاملات المتكررة جانبا أساسيا من تعزيز التبادل. إذا خدع أحد الأطراف الطرف الآخر، فإن ذلك يهدد بخطر فقدان العلاقة بينهما والمزايا التي تنطوي عليها. وتقيّد ضرورة التفاعل المتكرر من نطاق تبادلات أي فرد من الأفراد. وفي المقابل، يتضمن التبادل المجرد، غير الشخصي، أطرافا لها القدرة على إجراء تبادل مستقل بدون علاقات شخصية طويلة الأجل. ويتطلب التبادل غير الشخصي أن يكون طرفا التبادل على درجة كافية من الثقة بأن حقوقهم وواجباتهم ستكون آمنة ومضمونة بالرغم من عدم تكرار التعاملات. وبذلك، يتطلب التبادل غير الشخصي شكلا من أشكال تعزيز الطرف الثالث.”
يقول نورث إن هناك ثلاثة شروط ضرورية قبل التمكن من تصور الانتقال من نظام محدود إلى نظام مفتوح. شروط “العتبة” الثلاثة هي:
1. سيادة القانون للنخبة.
2. استمرارية حياة المؤسسات.
3. السيطرة السياسية على القوات المسلحة.
لا يتم الوفاء بأول شرط في الدول التي يعتمد حتى النخبة فيها على العلاقات الشخصية من أجل الأمن والضمان الشخصي والاقتصادي. وبالنظر إلى روسيا اليوم، من الممكن تجريد حتى أعضاء حكومة القلة الثرية من حقوقهم بسرعة من قبل رئيس الدولة. ومن ناحية أخرى، توقعت النخبة في بريطانيا العظمى فى فترة ما قبل الحلول الكامل للديمقراطية أنه سيتم تطبيق الإجراءات القانونية عليهم.
إن استمرار حياة المؤسسات يعني وجود شركات أو مؤسسات أخرى يمكنها أن تعمر بعد زوال أعضائها الرئيسيين. وإذا لم يكن هناك مثل هذه المؤسسات، فهذا يعني أن كل مؤسسة تقوم على الولاء الشخصي. حين يرى الناس منظمة ما تعيش وتستمر إلى ما بعد الزعماء الحاليين، سيبدأون بدعم العلاقات التعاقدية مع تلك المؤسسة. وعندما تبدأ الحكومة بتوفير إطار قانوني لحماية العلاقات التعاقدية، سيكون عنصر أساسي من عناصر النظام المفتوح قد أصبح جاهزا. ويقول نورث بأنه من أجل أن يكون لأي مؤسسة ضمن دولة ما دوام الحياة والاستمرارية فلا بد من أن يكون للدولة نفسها حياة دائمة. فإذا كانت جميع قرارات الحاكم القانونية قابلة للإبطال عند موت الحاكم، عندئذ، لن يتم استيفاء هذا الشرط.
تتطلب السيطرة السياسية للقوات العسكرية أن لا يكون هناك أي مؤسسات مستقلة ذات قدرة على إثارة أعمال عنف واسعة النطاق. وبشكل واضح، لا يتمتع لبنان، حيث يعتبر حزب الله قوة عسكرية مستقلة، بالسيطرة السياسية للجيش. ومن ناحية أخرى، إذا سيطر فصيل واحد على الجيش، فهذا لا يتماشى مع تعريف نورث للسيطرة السياسية للجيش. بدلا من ذلك، فإن هذا النظام هو ديكتاتورية عسكرية.
وهكذا، فإن معيار نورث للسيطرة السياسية للجيش صعب المنال. فهو يتطلب قوة عسكرية موحدة ومنفصلة عن كل فصيل، مع نزع سلاح كل الفصائل. لتحقيق هذه النتيجة، يجب أن يتفق تحالف متوازن من النخبة ذات النفوذ على مجموعة من القواعد والإجراءات التي تحكم استخدام القوات العسكرية، كما يجب أن يكون لهذا التحالف آليات لضمان اتباع هذه القواعد والإجراءات.
المعاني الضمنية لحالة العراق

كان العراق في ظل نظام صدام حسين نظاما محدودا، أو “الدولة الطبيعية”. ويؤكد نورث أن هذه الدول تقاوم التغير إلى الأنظمة المفتوحة ومحاولات تحفيز التنمية الاقتصادية لأن التنمية الاقتصادية الحقيقية تتطلب التنافس العادل مما يهدد المزايا التي تعتبر عنصر استقرار في الأنظمة المحدودة. وبالرغم من أن نورث لم يناقش “بناء الأمة”، إلا أنه يبدو من المعقول الاستنتاج أنه سيكون له نظرة متشائمة أيضا لهذه الفكرة.
لم يكن العراق أبدا على “عتبة” أن يصبح نظاما مفتوحا. فالفصائل الرئيسية ليست على استعداد للتخلي عن أسلحتها والتنازل عن السلطة العسكرية لتحالف مركزي. لا توجد مؤسسات دائمة الحياة يمكنها أن تقدم التزامات تعاقدية. بل، ليست هناك رغبة بين الفصائل لمنح بعضها الآخر حقوق في ظل سيادة القانون.
وعليه، أستطيع القول أنه ليس واردا أن تنجح الولايات المتحدة في تحقيق هدفها المتمثل في إقامة نظام مفتوح في العراق. وأفضل ما يمكن عمله هو إعادة العراق إلى حالته الطبيعية، أي إلى نظام محدود حيث تكون الحقوق والسلطة مقصورتين على بعض النخبة، الذين لا يخضعون للمنافسة الاقتصادية أو السياسية كما نعرفها.
يجب أن يكون لقادة كل الفصائل الرئيسية في العراق مصلحة من السلام من أجل نشوء وظهور نظام محدود. وبالنسبة لكل قائد، يعني هذا الحصول على حقوق اقتصادية وسياسية استثنائية لكي يشعر أن مخاسره تتعدى مكاسبه في حالة اللجوء إلى العنف.
وإذا كنا نريد إقامة نظام محدود علينا أن نحدد الفصائل (الأحزاب) التي نريد لتكون في الائتلاف الحاكم، ويجب أن نعطي لكل منها شيء ذا قيمة مقابل الحفاظ على السلام. وبعبارة أخرى “فجة” (إذا جاز التعبير)، يمكن تصور إعطاء كل حزب من الأحزاب الرئيسية في حكومة الائتلاف السيطرة على مجموعة معينة من آبار النفط. أما بالنسبة للأحزاب غير المرغوب فيها في الائتلاف (مثل تنظيم القاعدة في العراق)، فيجب مطاردتهم وقتلهم. وإذا استمرت الأحزاب التي تتلقى مخصصات من آبار النفط في ممارسة العنف، عندها يتم تصنيفهم خارجين عن القانون وحرمانهم من الأمن الشخصي، مع مصادرة مواردهم النفطية وتوزيعها على الأحزاب الأخرى. وبالرغم من صعوبة ذلك، إلا أن التحدي يزداد ربما باعتقاد إيران أنه من مصلحتها زعزعة الاستقرار في العراق. يجب إقناع كل الفصائل والأحزاب بأن حجم الاستفادة التي سيحصلون عليها من المشاركة فى التحالف أكبر من قيمة الدعم الذي قد تتلقاه من إيران.
بعض الأسئلة
لقد استنبط نورث مفاهيمه بدقة، ومع ذلك، لدي بعض الأسئلة حول الفروقات بين الأنظمة المحدودة والمفتوحة.
إستنادا إلى نورث، تعمل الأنظمة المحدودة بطريقة مختلفة جدا عن الأنظمة المفتوحة. ويترتب على ذلك أنه ينبغي أن يكون من السهل تصنيف البلدان في معظم الفترات الزمنية على أنها إما ذات أنظمة محدودة أو مفتوحة.
من حيث المبدأ، ينبغي أن يكون ممكنا إنشاء مؤشر المنافسة السياسية داخل البلدان إضافة إلى مؤشر المنافسة الاقتصادية. علاوة على ذلك، ينبغي أن يتم ملاحظة الأنماط التالية في تلك المؤشرات:
1. يجب أن يكون من النادر ملاحظة قيم مرتفعة للمنافسة السياسية المتزامنة مع قيم منخفضة للمنافسة الاقتصادية، والعكس صحيح. هل سيكون مؤشر المنافسة الاقتصادية للصين مرتفعا رغم أن مؤشر المنافسة السياسية يجب أن يكون منخفضا؟ هل يوجد هناك دول يمكننا أن نلاحظ عكس ذلك لديها—ربما المكسيك؟
2. هناك دول كثيرة لديها قيم منخفضة لكل من المؤشرين، وكذلك عدد لا بأس به لديه قيم مرتفعة للمؤشرين. يجب أن تقع دول قليلة نسبيا في الوسط لكل من المؤشرين. هل تعتبر الهند دولة “وسطية”؟ تشيلي؟ هل تعتبر جميع الدول “الوسطية” من المرشحين للانتقال من أنظمة مقيدة إلى مفتوحة، والعكس صحيح؟
السؤال الآخر الذي يخطر لي هو كيف يمكن تصنيف الولايات المتحدة عام 1800. لم تكن الحقوق السياسية في ذلك الحين تشمل النساء والعبيد أو الناس الذين لا يملكون شيئا. لقد تركز قدر كبير من النفوذ الاقتصادي والسياسي في عدد قليل من الارستقراطيين من فرجينيا والتجار من نيو إنجلاند. ومع ذلك، كان هناك أحزاب سياسية متنافسة ونظام اقتصادي حر، إلى حد بعيد، من الاحتكارات والامتيازات الممنوحة من الدولة.
إذا كان من غير الممكن الإجابة على هذه الأسئلة بطريقة مرضية، فقد يتوجب في النهاية نبذ مفاهيم الأنظمة المحدودة والمفتوحة، وإن كانت جذابة. ومع ذلك، أعتقد أنها ستثبت انها مفيدة ومهمة للعلوم الاقتصادية والسياسية.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 6 آذار 2007.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

واجهت القيادة البريطانية في الشهر الماضي تساؤلات جدية حول دورها في تقدُّم التنمية الدولية. كان قرارٌ واحدٌ كافياً لنقض كل شيء إيجابي تقريباً قامت به بريطانيا حتى الآن. ما هو معرّض للخطر الآن هو قدرة القيادة البريطانية على إقناع الآخرين بإلغاء ديون “العالم الثالث” البغيضة، وقدرتها على العمل على زيادة مساعدات التنمية الخارجية من أغنى شعوب العالم، وفي حملتها لإيجاد المساءلة والحكم الرشيد في مجالات العمل وحقوق الإنسان الأوسع والأمن البيئي.
هذا العمل المفرد كان، بالطبع، هو قرار المدعي العام البريطاني بوقف التحقيق الذي يقوم به مكتب مكافحة الاحتيال حول الفساد المزعوم في مفاوضات وتنفيذ عقود بين شركة بي. إيه. إي. وحكومة المملكة العربية السعودية. أريد أن أكون واضحاً فالذنب هو اختصاص أساسي لمكتب مكافحة الاحتيال. إلا أن التدخل الحكومي في عمل هذا المكتب يلقي بظلال من الشك على مدى استقلاليته ومدى التزام الحكومة بالشفافية والمساءلة.
الحقائق معروفة جيداً، لذا فإنني سوف لن أكررها بأي قدر من العمق هنا. من جهة كان هناك عقد تجاري ضخم لتوريد معدات عسكرية كانت له، حتى الوقت الذي تدخل فيه مكتب مكافحة الاحتيال، كل الاحتمالات بأنه سيحقق فائدة اقتصادية لبريطانيا، وفائدة تجارية لـ بي. إيه. إي. وفائدة أمنية للمملكة العربية السعودية ومواطنين آخرين في المنطقة. وقد قيل لنا أن خسارة العقد قد جعلت 100.000 مواطن بريطاني يفقدون وظائفهم، وهذا فشل ينبغي ألا يستهان به في ضوء الاضطراب الاجتماعي والتعاسة الشخصية والعائلية التي قد تنجم عن وضع كهذا. إضافة لذلك فإن إلغاء العقد كان من شأنه إلحاق أضرار خطيرة بالمصالح التجارية لـ بي. إيه. إي. وعدد من الشركات المرتبطة بها. وقد بدا ذلك واضحاً من حقيقة أن مؤشر الفايننشال تايمز للأسهم في البورصة البريطانية قد تفاعل إيجابياً مع قرار المدعي العام بإلغاء التحقيق حيث حقق المؤشر أرقاماً عالية جديدة.
تتضح المعاني الأعمق لقرار الحكومة البريطانية إذا نظرنا إليه من وجهة نظر أولئك الذين ضحوا بحياتهم في بلدان أخرى في سبيل مكافحة الفساد. إن سقوطي شخصياً من منصب نائب رئيس الوزراء في الحكومة الماليزية إلى حالة من الحبس الانفرادي بسبب قراري تحدي الفساد المنتشر في حكومة الدكتور مهاتير التي كانت في الحكم آنذاك، كان يعني أنني اخترت الانضمام إلى صفوف الآخرين الذين اتخذوا موقفاً بتكلفة شخصية باهظة، لأنهم كانوا يعرفون أن الفساد لن يسيء فقط إلى سمعة الحكومة بل وسيتسرب أخيراً إلى النسيج الأخلاقي للمجتمع الماليزي ويقوض قدرته على الأداء كمجتمع متحضر.
لقد قررت الحكومة البريطانية إلغاء تحقيق جنائي بسبب “مصالح وطنية” يمكن—كما قيل لنا—التذرع بها دستورياً لتجاوز سيادة القانون. سواء كان قد تم التوصل إلى هذا القرار من باب التشكيك الساخر أو بسبب إحساس معنوي وواجب وطني فإنه قد ألحق ضرراً كبيراً بعمل كثير من الناس في جميع أنحاء العالم ممن يلتزمون بمكافحة الفساد وتشجيع الحكومات والمؤسسات التي تخضع للمساءلة. أيّ مرجع ومثال أفضل بالنسبة للسياسيين ورجال الأعمال الفاسدين في سائر أنحاء العالم، حيث يصبح بوسعهم الاستشهاد بـ”المصالح الوطنية البريطانية” في تبرير المحاباة والمحسوبية أو الرشوة الفاجرة المباشرة!
يتخذ هذا القرار الخاطئ مكانه إلى جانب الأخطاء البارزة الأخرى في الذاكرة القريبة والتي تقوض مصداقية الغرب كعامل للإصلاح في العالم النامي: مشروعكم في إفريقيا غدا ميتاً كأنه لم يولد أبداً؛ والجهود لإقناع الشركات والحكومات للمصادقة على مبتكراتِ مساءلةٍ هامة مثل مبادرات الشفافية في الصناعات الاستخراجية (وربما كيوتو أيضاً؟) قد أصبحت أكثر صعوبة بكثير إن لم تكن مستحيلة؛ وصوتكم الأخلاقي الدولي، سواءً كان يتعلق بروسيا أو الصين أو معاملة الولايات المتحدة للإرهابيين المشتبه بهم، فَقَدَ صداه.
وليس هذا كل شيء، فبريطانيا جزء من نادي النخبة في “المجتمع الدولي” الذي يؤثر على الأجندات المحلية والإقليمية ونتائجها. هذا المجتمع الدولي، رغم كل عيوبه، كان عنصراً هاماً للغاية في كل حملة مساءلة كبرى تم شنها في بلدان العالم. لقد تضرر هذا المجتمع أصلاً بشدة بسبب غزو العراق وبسبب رمز التعددية الذي جرى إضعافه، وهو الأمم المتحدة. لقد ألحق سلوك بريطانيا ضرراً عميقاً بالمجتمع الدولي بكامله وأضعف قدرته على التحدث بمصداقية وقدرة الآخرين على الإصغاء على حد سواء.
تخيل سيناريو آخر يفيق فيه العالم على أنباء مفادها أن الحكومة البريطانية قد اختارت الاستمرارية في التحقيق، وأنها تقدم أسفها لـ بي. إيه. إي. وعملائها في الشرق الأوسط، ولكنها تعيد، نيابة عن الشعب البريطاني، تأكيد رغبتها في إدامة القيام بدور قيادي عالمي في الوقوف ضد الفساد وكل ما يتفرع عنه سواءً في الداخل أو في الخارج. لو حصل ذلك فسينهض دون شك العديد من القادة في قطاعات السياسة والأعمال والمجتمع المدني للتصفيق لهذا القرار ولتأكيد أنهم لم يعودوا يتحملون مقولة “الأعمال تجري كالمعتاد”.
وماذا عن شركة بي. إيه. إي. والسعوديين؟ نحن لا نعرف بالطبع ما إذا كان سيكون هناك أساس للادعاءات أو ما إذا كان السعوديون سينسحبون من الموضوع برمته. بيد أنه ليس هناك مصالح سياسية أو تجارية تستحق التكاليف الأوسع لهذا القرار. الواقع أن الموافقة المدوية التي كانت ستأتي من أطراف عديدة أخرى قد تفتح صفحة جديدة في الدور الدولي لبريطانيا في العالم وربما في الوقت المناسب. إني أشارك الآخرين قلقهم حول مصير الأشخاص الذين قد يفقدون وظائفهم، إذا دخل الفرنسيون، كما يشاع، على الخط لاقتناص الفرصة. ليس ثمة اعتذار هنا يساوي قيمة الورق الذي تمت كتابته عليه، وأود فقط أن أحث الحكومة البريطانية على استخدام الموارد المتاحة لإحدى أغنى البلدان في العالم لتعويض ومساعدة العائلات والمجتمعات المتضررة.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 30 كانون الثاني 2007.

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

لا يتضمن أي دستور سياسي قائم أو مقترح قيوداً أو حدوداً كافية تتعلق بسلطة الوكالات الحكومية على أنشطة الأفراد والجماعات، وأبرزها، على تلك الاقتصادية. كما لا يوجد دستور ليبرالي قائم أو من المحتمل أن يتوفر في المنظور القريب. وبهذا المعنى، فإن كافة الدساتير القائمة هي فاشلة، وعلى الأغلب أن كافة المقترحات الجدية للإصلاح لا تعطي أية وعود بالنجاح التام. لقد قدّمتُ هذه الانتقادات الشاملة للأنظمة الدستورية القائمة والمقترحة دون إطلاع على تفاصيل معينة، ولكن بإدراك واعٍ وتام بالحقيقة التاريخية أنه، ولأكثر من قرن من الزمن، كانت كافة الحوارات السياسية قد تشكلت بواسطة “الغرور القاتل” (هايك 1989)، بأن بمقدور التوجيه السياسي تسهيل، وليس إعاقة، التقدم الاقتصادي، وبناء عليه تأثرت النتائج المؤسسية.
إن كافة الدساتير التي وضعت منذ القرن الثامن عشر، وجميع ما تم “إصلاحه” إما بشكل صريح أو بواسطة الاستعمال والتفسير منذ ذلك الوقت، يجب أن تعكس جميعها إلى حد ما الصورة الرومانسية للدولة الخيرة المعطاءة، سواء كان ذلك واقعياً أم محتملاً، فهذه هي الصورة التي قدمها المثاليون السياسيون من جهة، والاشتراكيون الحالمون من الجهة الأخرى.
إن الدستور الذي يتضمن “السياسة الخالية من الرومانسية” (بيوكانن 1979) غير موجود في وقتنا هذا، ولا تدخل أية مقترحات للإصلاح تعكس مثل هذا النموذج الواقعي للسياسات بشكل مباشر في أي حوار جارٍ. ومن الممكن إيجاد بقايا مثل تلك الرؤية في بعض عناصر الماديسونية فقط، حيث استمرت في وثائق وسجلات الولايات المتحدة الأمريكية، وفي مجادلات العدد الصغير نسبياً من الليبراليين الكلاسيكيين الموجود حالياً. ورغم هذا التقييم السلبي، والذي يمكن أن يبدو شاملاً إلى حد ما في اندفاعه للمصلحة العامة، إلا أنه قد توجد أسس لبعض التفاؤل السائد في الوقت الذي نتطلع فيه إلى المضي قدماً على نحو كافٍ إلى عصر ما بعد الثورة، وعلى الأخص إلى القرن المقبل.
مما لا شك فيه أن للأفكار عواقب، ولقد عشنا مع عواقب أفكار زائفة لقرابة قرنين من الزمن، وهي فترة طويلة جداً، لدرجة لا يمكننا أن نتوقع معها أن تحدث أية تغييرات بحلول أوائل التسعينيات. بيد أن العواقب، أو الأحداث نوعاً ما، تتغذى بشكل راجع على الأفكار، وبعد الثورات غير المتوقعة لأعوام 1989-1991، فلا بد وأنها برهنت أنه من الصعب المحافظة بشكل متزايد على الصورة الرومانسية لدولة معطاءة وقادرة. إن نظريات الفشل السياسي، التي قدمها بشكل هزيل الليبراليون الكلاسيكيون خلال فترة السيطرة الاشتراكية، والتي قوبلت بالازدراء والسخرية فقط، أثبت التاريخ بشأنها، فيما اعتبر على الأرجح أنها أعظم التجارب في العلوم الاجتماعية. وما لم يتملكنا اليأس تماماً من قدرة بني البشر على القيام بفعل عقلاني، علينا أن نتوقع أنه في فترة ما من قرن ما بعد الاشتراكية، سيبدي الرجال والنساء قدرات دستورية بناءة من الصعب تخيلها في الوقت الحاضر.
وبهذا المعنى، يُعتبر فرانسيس فوكوياما (1992) على حق بالتأكيد. أطلِق عليها ما يمكن أن يسميها المرء سمة تاريخية إلى حد ما، انتهت بشكل فاعل مع ثورات الأعوام 1989-1991. كما أصاب فوكوياما الحقيقة في إشارته إلى أن علم الاقتصاد الذي يوضح كيف يعمل اقتصاد السوق بشكل مستقل عن التوجيه والسيطرة المصبوغين بصبغة سياسية لينتج أكبر حزمة من السلع والخدمات المتوفرة ضمن قيود الموارد المتاحة تمت تبرئته أخيراً. ولكن، هل كان فوكوياما على حق أيضاً عندما تنبأ أن هذه النتيجة العلمية سيتم دمجها في الإصلاح المؤسسي-الدستوري؟ ولكي نتفق معه هنا، ربما علينا أن نفكر إلى ما هو أبعد من أفق عدد قليل من العقود المقبلة.
وكبداية، ربما من المفيد أن نوسع إدراكنا المتأخر ليشمل عهد ما قبل الرومانسية وما قبل الاشتراكية، إلى القرن الثامن عشر، ونحاول أن نلتقط من جديد الفهم الدستوري الذي أثار إلى حد كبير الفلاسفة، فضلاً عن السياسيين. وإلى أن، وما لم، يتم تحقيق مثل هذا التغيير في الذهنية المعاصرة بطريقة ما، فإن جميع جهود الحوار الدستوري الرامية إلى الإصلاح الأساسي ستضيع هباءً بلا شك. فالحكومات، بغض النظر عن درجة تنظيمها، ستبقى طليقة أساسياً، وسيستمر السياسيون البيروقراطيون في تسهيل الاستغلال المتبادل لكل منهم من قبل الجميع، في “حالة من الاضطراب والهيجان” الخاصة بأنثوني دي جاساي (1985). فالاقتصادات سوف تتعثر، ومن المحتمل بشكل متزايد أن تختفي المنتجات التي تحمل قيمة إلى “ثقب أسود” لما كان يمكن أن تكون عليه الحال (مكجي، بروك، ويانغ 1989).
النظام الدستوري لليبرالية الكلاسيكية

كان الليبراليون الكلاسيكيون في القرن الثامن عشر، سواء ممثلين بأعضاء التنوير الاسكتلندي، أو بالآباء المؤسسين الأمريكيين، شديدي التشكك في قدرة ورغبة السياسة والسياسيين في تعزيز مصالح المواطن العادي. وكانت الحكومات تعتبر شراً ضرورياً، ومؤسسات ينبغي الحماية منها، لكنها جعلت ضرورية نتيجة الحقيقة المبدئية بأن ليس كل الأشخاص ملائكة (ماديسون 1966 [1787]: 160). ولم يكن يتوجب الثقة بالحكومات، وبالأشخاص المكلفين كوكلاء لسلطتها، وكانت الدساتير ضرورية، وبشكل أساسي كوسيلة لتقييد السلطة الجماعية بجميع امتداداتها المحتملة. وكانت سلطة الدولة شيئاً يخشى منه الليبراليون الكلاسيكيون، وكان يُعتقَد أن مشكلة التصميم الدستوري تكمن في أن مثل هذه السلطة يمكن أن تكون محدودة جداً.
إن الوسائل لإنجاز هذا الهدف وسائل مألوفة. فالسيادة تم توزيعها بين عدة مستويات من السلطة الجماعية، وكانت الفيدرالية ترمي إلى السماح بعدم تركيز أو عدم مركزية سلطة الدولة القاهرة. وعلى كل صعيد للسلطة، تم وضع فروع وظيفية منفصلة للحكومة، وبشكل مدروس، في تواتر مستمر، الواحد مع الآخر. وفي بعض الكيانات، تم تقييد الفرع التشريعي المهيمن بواسطة المؤسسة الدستورية المكونة من كيانين، كل منهما منظَّم كمبدأ مستقل للتمثيل.
من المهم أن ندرك أن هذه العناصر البنيوية-الإجرائية الأساسية للدساتير السياسية قد تم تصميمها ومناقشتها، ووضعها موضع التنفيذ، من قبل ليبراليين كلاسيكيين في سياق هدف أو غرض مشترك، وهو ضبط أو تقييد السلطة القاهرة للدولة إزاء الأفراد. ولم تكن القوة المحركة لجعل الحكومة تعمل بشكل أفضل في تحقيق “السلع العامة” المختارة اعتباطاً، ولا في ضمان أن تحظى كل المصالح “بتمثيل أكثر اكتمالاً”.
وكانت العناصر البنيوية-الإجرائية للدستور الليبرالي الكلاسيكي، وتلك المذكورة أعلاه وغيرها، تعتبر أقل أهمية من تلك النصوص التي وضعت مدى ونطاق النشاطات التي تقوم بها السلطة الجماعية على نحو مناسب. ويعني هذا القول أن التعليمات الدستورية بالنسبة لما قد تقوم به الحكومات، أو لا تقوم به، كانت دائماً تعتبر أهم بكثير من كيفية قيام الحكومة بأي عمل، مثلما تفعل في الواقع. وقد غاب هذا الفارق المهم الذي كان مركزياً للمفهوم الليبرالي الكلاسيكي للنظام الاجتماعي عن الوعي العام خلال صعود الديمقراطية الانتخابية، خصوصاً في القرنين التاسع عشر والعشرين. وكان هنالك قبول عام للمغالطة التي كانت مكافئة لظهور الديمقراطية الانتخابية مع حاجة متضائلة لقيود دستورية جلية على مدى ونطاق النشاط الحكومي.
وفي النظام الدستوري الليبرالي الكلاسيكي، فإن أنشطة الحكومة، بغض النظر عن كيفية اختيار اللاعبين، تقتصر وظيفياً على مدارات التفاعل الاجتماعي، فقد كانت الحكومات، مثالياً، ستُمنع دستورياً من القيام بعمل مباشر يرمي إلى “تنفيذ” أية وظيفة من الوظائف الاقتصادية الأساسية العديدة: (1) وضع نطاق القيمة؛ (2) تنظيم الإنتاج؛ (3) توزيع المنتجات. وكان يتوجب القيام بهذه الوظائف خارج الهدف الواعي لأي شخص أو وكالة، وكانت تتم من خلال إدارة الأعمال اللامركزية لكثير من المشاركين في السلطة الاقتصادية المترابطة، كما تنسقها الأسواق، ومن خلال إطار “القوانين والمؤسسات” التي تم الإبقاء عليها وتطبيقها بشكل مناسب من قبل الحكومة.
ودور المحافظة على الإطار هذا، المعيَّن على نحو ملائم للحكومة في النظام الليبرالي الكلاسيكي، اشتمل على حماية الملكية، وتطبيق العقود الطوعية، والضمانة الفاعلة للدخول إلى والخروج من الصناعات، والتجارة، والمهن، والانفتاح المؤكد للأسواق الداخلية والخارجية، ومنع الاحتيال في المقابل. وكان يؤخذ بعين الاعتبار أن دور الإطار هذا للحكومة يشمل تأسيس معيار نقدي، وبطريقة تضمن قابلية توقُّع قيمة الوحدة النقدية المعينة (وعند تولي هذه المسؤولية النقدية بالتحديد، فشلت جميع الدساتير تقريباً، حتى تلك التي زُعم أن المبادئ الليبرالية الكلاسيكية حفزتها في الأصل، إذ تحركت الحكومات عبر التاريخ دائما على الأغلب إلى أبعد من حدود سلطتها النقدية المسموحة دستورياً).
وهناك مبدأ رئيسي متأصل في الدستور الليبرالي الكلاسيكي يملي بأنه، بغض النظر عما تفعله الحكومة، وسواء كانت الأنشطة الجماعية محتواة ضمن الحدود المشار إليها أم لا، يجب معاملة جميع الأشخاص والمجموعات بالتساوي. وكان يجب تمديد عمومية المبدأ المطبق على القانون، ليشمل السياسة أيضاً. ولم يكن هنالك دور للفعل الحكومي الذي يفرق بصراحة بين كافة الفرقاء المنفصلين، أو فئات الأشخاص. وفي المفهوم الليبرالي الكلاسيكي، لا تستطيع تحالفات الأغلبية الناجحة أن تفرض ضرائب مميزة على أفراد الأقلية السياسية، حتى لو كان ذلك لأهداف “المصلحة العامة” (بيوكانن 1992).
النظام الدستوري للاشتراكية
لم تحصل الرؤية الليبرالية الكلاسيكية للنظام الدستوري على انتشار جماهيري وقبول فلسفي واسع، لأكثر من عدة عقود من الزمن امتدت في الفترة بين القرنين الثامن والتاسع عشر. وإلى حد ما، كان سبب رد الفعل ضد هذه الرؤية هو تعصب أولئك المؤيدين الذين وسعوا مبدأ “دعه يعمل” الرئيسي بحماس مفرط، حتى في رفضهم لدور جماعي-حكومي في وضع معايير للتفاعل الاقتصادي. ولكن، من ناحية مبدئية، نبع رد الفعل ضد الليبرالية الكلاسيكية من عدم الرغبة العامة للمشاركين في الجسم السياسي بقبول النتائج التلقائية المخصصة والموزعة التي نشأت في خضم عملية اقتصاد السوق. لم يتم النظر إلى هذه النتائج على أنها “طبيعية”، ولم يتم فهمها على أنها كانت من صنع كافة الخيارات المنفصلة المعقدة التي اتخذها أشخاص لديهم قدرات عديدة. وتم النظر إلى نتائج عملية السوق على أنها “اصطناعية”—أي تم إنتاجها بدلاً من أن تبرز آلياً، وهي بناء على ذلك عرضة للتلاعب المباشر، والتغيير، وإعادة التوجيه من قبل عمل جماعي تم إضفاء الصفة السياسية عليه.
لقد تم تحفيز وإذكاء رد الفعل المضاد لليبرالية الكلاسيكية من قبل عاملين منفصلين تحديداً. أولاً، تكمن عبقرية كارل ماركس في قدرته على عزل، وتحديد، وإعلان تلك العناصر في رأسمالية عملية السوق التي بدت عرضة على الأغلب للانتقاد، على الأخص في السياق الفكري للنظرية الاقتصادية الكلاسيكية غير المكتملة، إلى جانب الفوضى المنتشرة فيما يتعلق بالتمييز بين العمليات الدستورية ودستورية الحكومات. وركز ماركس على هشاشة الرأسمالية أمام الأزمات المالية، وعلى ميلها للتمركزية (الاحتكار) في الصناعة، وعلى الاستغلال المدمر المزعوم للبروليتاريا (طبقة العمال). ثانياً، لقد استخدم المثاليون السياسيون ولقرون عدة ضمنياً نماذج من الدولة تنطوي على النزعة الافتراضية إلى الخير، وبإدراك تام. ويمكن تصويب أية إخفاقات للأسواق بموجب هذا الافتراض للمجموعة المثالية بالكامل عن طريق عمل سياسي موجه. لقد عمل النقد الماركسي المعمم إلى جانب افتراض الإدارة السياسية المثالية على تدمير الأساس الفكري العلمي الذي تم بناؤه لتبرير النظام الدستوري الليبرالي الكلاسيكي.
ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، برزت رؤية من نوع ما لنظام اشتراكي ولفتت، بدرجات متفاوتة من الحماس، أذهان الأشخاص في جميع المجتمعات المتقدمة، وحتى في تلك المجتمعات التي كانت فيها الماركسية قادرة على الحصول على دعم مباشر بسيط نسبياً. وفي جوهرها، رفضت الرؤية الاشتراكية بشكل مطلق المفهوم الليبرالي الكلاسيكي للاقتصاد الذاتي التنظيم الذي يعمل ضمن مجموعة من الحدود الدستورية التي تنفذها الحكومة والتي بدورها مقيدة بنفسها إلى حد كبير، إن لم يكن بشكل كامل، بالدور التطبيقي والتنفيذي. وإذا تم رفض الاقتصاد ذاتي التنظيم، أو الذي لا يحمل صبغة سياسية، بصفته المبدأ النظامي الأساسي، فإن الاقتصاد المضبوط أو المنظَّم يصبح عنصراً أساسياً من أي نموذج بديل للمنظومة الاجتماعية. وهذا التحول من نموذج الاقتصاد ذاتي التنظيم إلى اقتصاد مضبوط أو منظَّم يمكن أن يكون، ولكن ليس ضرورياً، متصلاً بشكل مباشر بقضايا تتعلق بالتغييرات البنيوية-الإجرائية التي تنطوي على طرق ووسائل تم بواسطتها اختيار وكلاء ووكالات الإدارة، إلى جانب الأوامر الدستورية المتعلقة بكيفية أداء وظائف السيطرة والتنظيم.
والنظام الدستوري الاشتراكي، سواء يتم تحديده لدى تطبيقه على حزب واحد، أو نظام استبدادي معين ذاتياً، أو أغلبية برلمانية ديمقراطية اشتراكية، يوسع بالضرورة مدى ونطاق الصبغة السياسية إلى أبعد من الحدود التي تم تحديدها على نطاق ضيق للسلطة الجماعية في ظل النظام الليبرالي الكلاسيكي. فإذا كان الاقتصاد برمته مفتوحاً للسيطرة والتنظيم “في سبيل المصلحة العامة”، فيمكن أن يكون هناك، في ظل هذا التحديد، قيداً دستورياً بسيطاً، أو غير سابق، على تحديد ما هي تلك المصلحة من جانب أولئك الوكلاء والوكالات المكلفون بمسؤولية تخصيص وتوزيع النتائج. في حين أن الحكومات في النظام الدستوري الليبرالي الكلاسيكي لديها مسؤولية محدودة إزاء النتائج التي تبرز من التفاعل بين الأشخاص ذوي القدرات العديدة، فإن الحكومات في النظام الدستوري الاشتراكي تتولى المسؤولية الكاملة أو الإجمالية إزاء جميع النتائج، بما فيها حجم، ومكونات، وتوزيع “حزمة القيم” التي تولدت من النظام برمته. وهذه المسؤولية المطلقة تبقى مناطة بالحكومة حتى لو أتيح للسوق، كوسيلة للتنظيم، بالعمل دون توجيه دقيق إزاء مجالات واسعة من التفاعل. وفي النظام الاشتراكي للحكومات، فلا يوجد، ولا يمكن أن يوجد، ضمانات دستورية مقدمة إلى الممثلين الاقتصاديين، سواء كانوا أشخاصاً أو شركات، مقابل التدخلات المتولدة سياسياً في حرية التجارة، سواء كان ذلك هامشياً أو إجمالياً. وفي المعنى الأصلي، وبعد الرجوع إلى هيكل الاقتصاد، فإن التعبير بحد ذاته “الدستور الاشتراكي” متناقض. وفي أفضل الأحوال، يتضمن النظام الدستوري للاشتراكية قيوداً حول الإجراءات السياسية وسلوك الوكلاء السياسيين في تنفيذ هذه الإجراءات، ولا يمكنها أن تمتد لتشمل القيود على الصبغة السياسية للاقتصاد بالمثل.
وكما نعلم الآن، وكما علمنا من الثورات العظيمة في وسط وشرق أوروبا خلال الأعوام 1989-1991، بالإضافة إلى التجربة الجماعية التاريخية من مناطق أخرى من العالم، وكما أضافت إلى ذلك النقاشات التحليلية، فإن المبدأ الرئيسي للنظام الاشتراكي تشوبه العيوب بشكل مهلك وقد كان كذلك منذ بداية انتشاره. والافتراض أن التنظيم-السيطرة بالصبغة السياسية لعلاقات الاقتصاد بإمكانها—بل وسوف تولد حزمة كبيرة مرضية من السلع والخدمات بتقييم من المشاركين أنفسهم—ثبت أنه متجذر بالمغالطات. وفي المجمل، لم تنجح التجارب الاشتراكية العظيمة لهذا القرن، كما أن الأشكال المحسنة لهذه التجارب لن تنجح أيضاً بالنظر إلى القيود الدافعية، والمعرفية، والتصورية لبني البشر. ويسود الآن قبول عام للاقتراح بأن منظومة اقتصاد السوق فقط، والتي تستغل القدرات البشرية، يمكنها أن تنتج تراكماً ملائماً مقبولاً للقيمة الاقتصادية.
التناقض الدستوري لفترة ما بعد الاشتراكية

إن مجموعة المواقف العامة، والمهنية، والسياسية، والفلسفية التي تبدو أكثر وصفاً للسنوات التي تلت مباشرة فترة ما بعد الاشتراكية خلال أعوام التسعينيات متناقضة داخلياً. فالرؤية الاشتراكية للسيطرة-التنظيم بصبغة سياسية للتفاعل الاقتصادي لم تغادر بأي حال من الأحوال الذهنية الحديثة، رغم الدليل الذي أبرزه المنطق أو التاريخ. فالاعتقاد أن الأشخاص، عندما يعملون معاً من خلال عضويتهم في الجماعة، باستطاعتهم بكفاءة “تحسين” نتائج عمليات السوق المتولدة تلقائياً، بقيت مخزنة في النفسية الحديثة. ورغم القوة الساحقة للدليل، ورغم الحجة الداعمة، لا يستطيع الأفراد الإذعان فوراً للحالة التي أشار إليها واقع ما بعد الاشتراكية. إذ أن رومانسية الاشتراكية، والتي تعتمد على كلٍ من السياسة المثالية، ومجموعة من الافتراضات الضمنية السلوكية المستحيلة، لم تختفِ بعد. ولن نستطيع أن نجزم بعيداً عن التوقعات المستقبلية ما إذا كانت الرومانسية ستتلاشى في الواقع، في الوقت الذي نتخطى فيه اضطرابات ما بعد ثورة أعوام التسعينيات ونمضي إلى القرن المقبل. وهناك عدة أسئلة يمكن طرحها: هل ستنتصر الحقيقة في النهاية على الرومانسية؟ وهل سيعود النظام الدستوري لليبرالية الكلاسيكية بشكل ما، ويلقى قبولاً على أنه النظام الوحيد الذي يجمع بين الحرية الشخصية والازدهار الاقتصادي؟ وهل أن اهتمام العامة في النمو الاقتصادي المتراكم، وفي التقدم الاقتصادي بحد ذاته، سيحقق المطلوب ويتم عكسه في إصلاحات دستورية أصلية؟ أم هل نتوقع بروز إيديولوجية جديدة من نوع ما ستقدم العون المتجدد للصورة الرومانسية للمثالية الجماعية؟ وبدون بروز مثل تلك الإيديولوجية، هل بإمكاننا أن نتوقع الإذعان العام للسيطرة الاستبدادية على السلطة؟ وبدون وجود مكافئ للصراع الطبقي الماركسي، بصفته دعامة أيديولوجية ترفع الشعارات، هل يستطيع السياسيون تفادي النقد المتشكك من جانب العامة، حتى لو كان هنالك فهم بسيط لوظائف السوق؟ وهل من المحتمل أن تظهر معرفة ضمنية من نوع ما للدستورية بصفتها مناهج القرن الحادي والعشرين؟
إن سياسة بلدي، الولايات المتحدة الأمريكية، في عام 1993 لا توفر أساساً كبيراً للتفاؤل قصير الأجل المتمثل في إجابة ضمنية على هذه الأسئلة. والخطاب البلاغي حول صراع الطبقات يستخدم الآن لتوليد الدعم من أجل توسيع القطاع الحكومي من الاقتصاد المنتفخ فعلياً، والشكوك المؤقتة حول أعوام الثمانينيات حول فعالية الجهود التنظيمية تبدو وكأنها استبدلت بالرجوع إلى علاجات مضى عليها نصف قرن من الزمن. إن “الاشتراكية على النطاق الصغير” على طريق الهيمنة، كما لو أن زوال “الاشتراكية على النطاق الكبير” ليس له علاقة. ويُزعَم أن السياسة التي رمت إلى “إجراء تحسينات” على نتائج عمليات السوق قادرة على النجاح، رغم أعمال نفس تناقضات الحوافز، ومحدودية المعرفة، وإغفال روح المغامرة التي أنتجت خلفية الثورات الكبرى لأعوام 1989-1991.
وكما أشرنا سابقاً، إذا أردنا أن نجد أسساً للأمل الدستوري، فربما من الضروري أن نمد أبصارنا، من حيث الوقت والمكان. ويجب أن نتذكر إصرار كينز على التأثير بعيد المدى للأفكار. ربما أن فترة ما بعد الاشتراكية قصيرة جداً بالنسبة لنا ببساطة، لكي نتوقع التغيرات في المواقف العامة والسياسية، وعلى وجه الخصوص في تلك المجتمعات التي لم تختبر بذاتها الجَيَشان الثوري. وربما أن أي إحياء لليبرالية الكلاسيكية من جديد يجب توقع حدوثه في تلك المجتمعات التي لم تعاني بالفعل من الثورات، وربما في تلك المجتمعات فقط كان هناك فقدان كافٍ للثقة في السياسة والسياسيين، ليسمح بإعادة بناء، من نوع ما، لأفكار القرن الثامن عشر للنظام الدستوري. ويبدو أن توقعاً واحداً فقط آمن هنا، وهو أن المشهد الدستوري للقرن المقبل سيكون مفاجئاً.
خــاتمــة

لقد ناقشتُ باختصار فقط المجموعة الكاملة للقضايا الدستورية التي تتعلق بالبدائل البنيوية والإجرائية للإدارة الرشيدة. ولم أناقش قضايا مثل الجمهورية مقابل الشكل البرلماني للحكومة؛ والتمثيل النسبي مقابل النظام الذي يضم حزبين؛ والفيدرالية الفعالة مقابل المركزية السياسية. بيد أن إهمالي لهذه القضايا كان متعمداً تماماً. إذ أن جميع هذه المسائل التنظيمية-الإجرائية تصبح غير ذات أهمية بالمقارنة مع التحدي الدستوري لوضع القيود على سلطة الحكومة إزاء العملية الاقتصادية. وإلى أن، وما لم، يتم تقييد الحكومة بشدة فيما يتعلق بتجاوزاتها الاقتصادية عن طريق المبادئ الليبرالية الكلاسيكية—نوعاً ما—بما فيها مبدأ العمومية، فعاجلاً أم آجلاً ستصبح الاختيارات المحددة التي اتخذت بين البدائل البنيوية والإجرائية غير مهمة نسبياً.
وبإمكان الأغلبية البرلمانية المنتخبة ديمقراطياً، والمغروسة بأفكار ورؤى اشتراكية، أن تدمر القيمة المحتملة التي يمكن أن تتأتى من اقتصاد سوقٍ حر، بقدر ما يمكن أن تفعل ذلك، أو أكثر، أنشطة النظام الاستبدادي. وبحسب النطاق الذي تستطيع من خلاله القيود الدستورية أن تقيّد الحكومات بفاعلية بسلطاتها التنظيمية، والمالية، والضريبية، عندها يحتل الشكل الدستوري للإدارة الرشيدة بذاته المرتبة الثانية. وبحسب النطاق الذي تستطيع من خلاله أن تبقى سلطات الحكومة دون حدود وغير مقيدة، يبدو عندها أن لأشكال الحكومة أهمية. ولكن ضمن معنى نهائي من نوع ما، فإن السياسة الممتدة إلى حد مفرط ستفشل بالتأكيد، بغض النظر عن الخصائص الهيكلية.
وفي جميع البلدان تقريباً، فإن الحوار والنقاش المستمر يتركز على تأسيس، وصيانة، والمحافظة على “الديمقراطية الدستورية”. ويمكن تلخيص حجتي الرئيسية في أن العبارة “الدستورية” هي العبارة المهمة جداً بين العبارتين السابقتين. فالازدهار أو التقدم الاقتصادي، محسوباً في القيمة المنتجة والمستهلكة، يمكن أن يحدث فقط في أوضاع تكون فيها أنشطة الحكومة مقيَّدة دستورياً، وبشكل مستقل عن كيفية اختيار وكلاء الحكومة.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 28 كانون الأول 2006.

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018