معوقات التقدّم العربي

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

بيقع إقليم دارفور في أقصي الغرب، والشمال الغربي للسودان بين خطي عرض 9- 20 شمالاً، وخطي طول 16-  27.7 شرقا.  وتصل مساحته إلي ما يقرب من 20% من مساحة السودان وهو أكبر من نصف مساحة جمهورية مصر العربية وأكبر من فرنسا حيث تصل هذه المساحة إلي 200 ألف ميل مربع ، وتشترك في حدودها مع ثلاث دول أفريقية هي ليبيا من الشمال الغربي، وتشاد من الغرب، وأفريقيا الوسطى من الجنوب الغربي. ويتكون إقليم دارفور من ثلاث ولايات هي: شمال دارفور، وجنوب دارفور، وغرب دارفور.
ساعدت الحدود المفتوحة والتداخل القبلي بين دارفور وتشاد (التي شهدت حرباً أهلية خلال السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي) على انتشار السلاح في إقليم دارفور، كما ساهمت الحكومة السودانية في إذكاء الصراع في دارفور، حيث قامت (منذ عهد الصادق المهدى وحتى نظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير)  بتزويد بعض القبائل العربية بالسلاح من أجل إحكام قبضتها على الإقليم ومنع الحركة الشعبية لتحرير السودان من مد نفوذها أو مسرح عملياتها إلي دارفور، وأدي ذلك إلي تفاقم الصراع وتدهور الأوضاع الأمنية في الإقليم، حيث استخدمت القبائل العربية الأسلحة التي حصلت عليها من الحكومة في صراعها مع القبائل الأفريقية الأخرى. ووفقا لبعض التقديرات فقد أدت المواجهات المسلحة والعمليات العسكرية التي وقعت فى دارفور (منذ فبراير 2003) إلي مقتل نحو 300 ألف شخص، بالإضافة إلى 180 ألف آخرين ماتوا جوعاً، ونزوح نحو 1.6 مليون شخص داخل دارفور، وفر نحو 200 ألف لاجئ إلي الدول المجاورة وخاصةً تشاد . وإذا ما استعرضنا أسباب الأزمة في دارفور يمكن الإشارة إلي عديد من الأسباب أهمها :
1.    أسباب بيئية: حيث تعاني المنطقة منذ سنوات عديدة من تدهور بيئي وأمني، مع تعاقب موجات الجفاف وبالتالي تعدد المجاعات .
2.    أسباب تنموية: وتتلخص في إهمال الحكومات المركزية المتعاقبة لعملية التنمية في الإقليم رغم إسهامه الكبير في الدخل القومي .
3.     أسباب سياسية: وترجع إلي الانشقاق الذي حدث في صفوف الجبهة القومية الإسلامية عام 2000 حيث بدأ العمل المعادي للحكومة المركزية يبرز في دارفور نظراً لأن عدداً من القيادات السياسية للجبهة القومية الإسلامية ينحدرون من إقليم دارفور.
4.    العسكرية القبلية: أدت الصراعات القبلية علي الأرض ومصادر المياه بسبب التصحر والجفاف إلي تشكيل ميليشيات قبلية من قبائل متعددة متصارعة .
إن  الأمر الذي لا شك فيه أن مشكلة دارفور تعكس بامتياز صراعاً دولياً واضحاً بين مختلف القوي الكبرى فيما أطلق عليه صراع المحاور في الإقليم .
أولاً :  تشكل الولايات المتحدة الأمريكية  محوراً قائماً بذاته لمصالحها الكبرى في السودان وتسعي للإنفراد به إذ تعتبره منطقة نفوذ طبيعية لها استنادا إلي علاقاتها بأغلب الأنظمة التي حكمت السودان. وتؤيد الولايات المتحدة الانتشار السريع لقوة حفظ السلام المشتركة في دارفور (يوناميد) المكونة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة وقوامها 26 ألف جندي.
ثانياً :  تشكل بريطانيا محوراً ثانياً، وتنطلق في ذلك مما تعتبره حق تاريخي بصفتها المستعمر السابق للسودان، وتحاول مقاومة فكرة أن تكون الولايات المتحدة الأمريكية  وريثة جديدة لمناطقها القديمة.
ثالثاً :  أبدت فرنسا اهتماماً كبيراً بتطورات الوضع في دارفور، وهو أمر منطقي وطبيعي حيث أن إقليم دارفور يجاور مناطق نفوذ فرنسية غاية في الحساسية والأهمية، تاريخياً واقتصادياً واستراتيچياً، ونعني بها جمهورية تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما أنه بوابة رئيسية إلى منطقة غرب أفريقيا. ولفرنسا قاعدة عسكرية في تشاد.  ومن هنا ينطلق الموقف الفرنسي أيضاً من ظروف تدفق اللاجئين إلي تشاد، وتهديد الولايات المتحدة بالتدخل، مما يشير إلي تغير الوضع في إقليم دارفور وما حوله، وهى مناطق ذات علاقات ومصالح مع فرنسا ومجموعة الدول الفرانكفونية المرتبطة بها، لذا تدخلت فرنسا في مشكلة دارفور لحماية مصالحها في المنطقة ولإبعاد الولايات المتحدة عن مجالها الحيوي
رابعاً :  انطلقت دول أوروبية أخري مثل ألمانيا والنرويج لتزج بنفسها في هذا السباق القائم علي المصلحة، لتشكل في النهاية محورا أوروبياً في وجه المحور الأمريكي.
خامساً : شكلت الصين محوراً قائماً بذاته، حفاظاً علي مصالحها النفطية في السودان يعد النفط وضمان الحصول عليه واستمرار ذلك هو عنصر المصلحة الرئيسي والأكبر للصين في التعامل مع قضية دارفور . حيث أن شركة النفط الصينية الوطنية هي أكبر مستثمر أجنبي للنفط فى السودان منذ عام 1999 ، حيث استثمرت الصين 15 مليار دولار علي الأقل في السودان وتمتلك 50 بالمائة من مصفاة للنفط تقع بالقرب من الخرطوم بالمشاركة مع الحكومة السودانية . وتحصل الصين علي 65 إلى 80 بالمائة من النفط الذي تنتجه السودان ويبلغ 500 ألف برميل.
ومن هنا لا يمكن فصل الاضطراب الحاصل في دارفور عن دائرة الصراعات الدولية علي النفوذ في أفريقيا .ولابد من قيام تأييد دولي واسع لجهود الوسيط الدولي المشترك للأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي من أجل إحياء العملية السياسية بين الحكومة السودانية وجماعات المتمردين غير الموقعين علي اتفاق سلام دارفور في العام 2006، بما في ذلك المحادثات الجارية في العاصمة القطرية الدوحة. وتأييد  التوصل إلى حل سياسي للنزاع ، بما يتضمنه من فقرات تتعلق بالأمن والتعويضات حسبما تحدد في إتفاق سلام دارفور، وهو ما أوجد أطراً عريضة من أجل التوصل إلي نتيجة نهائية تسمح في نهاية المطاف لملايين من أهالي دارفور بالعودة إلي ديارهم وإعادة بناء حياتهم من جديد والعيش في سلام.
*د. عبدالعظيم محمود حنفي باحث في العلوم السياسية مدير مركز الكنانة للبحوث والدراسات القاهرة.
© منبر الحرية، 04 أبريل 2009

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

تحولت فكرةُ الإتقانِ إلى علمٍ قائمٍ بذاته هو (علم إدارة الجودة ) والذي إنضم خلال العقودِ الأربعةِ الأخيرةِ لمنظومةِ العلومِ الإجتماعيةِ بل وأصبحت هناك معاهدٌ لا تقوم بتدريس إلاَّ علم الجودة (Quality Management/ QM). ورغم أن هناك أدبيات كثيرة في علم الجودة أشهرها كتابات البروفيسور Deming الذي جرى العرف على إعتباره أب أو أحد آباء “علم إدارة الجودة” إلاَّ أنني لا أُريدُ في مقالٍ عامٍ كهذا أن أدخل في تفصيلاتِ وتفريعاتِ علمِ إدارةِ الجودةِ والمواضيع الأساسية لهذا العلم وهي الجودة أو الإتقان في مرحلة التخطيط ثم الجودة أو الإتقان في مرحلة التنفيذ ثم المراجعة بعين تنظر للجودة والإتقان، ولكنني أُريد أن أقول أن تواجدَ وتطبيقاتِ علومِ إدارةِ الجودةِ وتفشي ثقافة الإتقان ما هي إلاَّ إنعكاس لحقيقة أكبر وهي وجود حراك إجتماعي فعّال في المجتمع. فالإتقانُ ملمحٌ من ملامحِ المتميزين…والمتميزون هم الذين يفرزون مكوناتِ ثقافةِ الإتقانِ ومفرداتِ علومِ إدارةِ الجودةِ …وإذا لم يكن المجتمعُ يسمح بحراكٍ إجتماعي يبرز المتميزين من أبناءِ وبناتِ المجتمع فإن ثقافةَ الإتقانِ لا توجد وتحل محلها ثقافةُ العشوائيةِ وتعم في المجتمع كلُ بدا ئلِ صور ومشاهد الإتقان.
وكما ذكرت في فصلٍ من فصول أحد كتبي تحت عنوان “التحول المصيري” فإن الحراك الإجتماعي الحر وتفاعلاته هما اللذان يجعلان أصحاب القدرات الأعلى من أبناءِ وبناتِ أي مجتمعٍ يشغلون المواقع القيادية في كل مجالاتِ الحياة في المجتمع وهو ما يفرز هرماً إجتماعياً صحيحاً وسليماً قد يطلق البعضُ عليه أنه الهرم الذي أنتجته الداروينية الإجتماعية بينما يغضب البعضُ (ولاسيما إذا كان هؤلاء ينتمون لعلماءِ الإجتماع الإشتراكيين) ويفضلون أن نقول (ولا مانع لدينا) أن هذا الهرم لا يبنى بالداروينية الإجتماعية وإنما يبنى بالحراكِ الإجتماعي الحر والفعال والذي يتيح الفرصة لكل متميّزٍ ومتميّزةٍ من أبناءِ وبنات المجتمع لتقدم الصفوف والمشاركة بفاعليةٍ في صنعِ الواقعِ والمستقبلِ: وهذه هي الخلفية الوحيدة التي تسمح بذيوعِ ثقافةِ الإتقان.
وعلى النقيض فإن المجتمعاتِ التي لا تسمح تركيبتُها بالحراكِ الإجتماعي الحر تفتح المجال على مصراعِيه أمام غير المتميزين وغير الموهوبين وأصحاب القاماتِ المتوسطة لكي يحتلوا مواقعاً عديدة على رؤوس الكثير من المؤسساتِ والتنظيماتِ والهيئاتِ في المجتمع وهو ما يوجه ضربةً قاضيةً لثقافةِ الإتقانِ ويشيع مناخاً ثقافياً مختلفاً تماماً أُسميه بثقافةِ القاماتِ المتوسطةِ وفيه يختفي الإتقانُ وتشن الحروب بلا هوادةٍ على المتميزين والمتميزات من أبناء وبنات المجتمع لأن أصحابَ القاماتِ المتوسطة هم المصدر الأول لهذا المناخ العام : فبدونه تتبدل قواعدُ اللعبة ويهبطون من مواقعِهم العالية إلى مواقعٍ أدنى تتناسب مع قدراتهم ومحدوديةِ مواهبهم.
وموضوعُ الثقافة التي ينشرها “متوسطو القامة” بل والمناخ العام الذي يخلقونه هو موضوع يستحق الكثيرَ من العناية من المفكرين والدارسين : لأن المثقفَ المستنير بوسعه أن يتصور كلَ ملامح الحياةِ والمجتمعِ والعلاقاتِ التي تنشأ عن سيادةِ وشيوعِ “متوسطي القامة” وما يخلقونه من آلياتٍ لبقائهم وبقاء نوعياتهم في مواقعٍ مؤثرةٍ وكذلك الدمار الذي يحدثونه في “القيم” و “المثل” و”الأخلاق العامة” وكذلك إنعكاسات شيوعهم على الحياةِ السياسيةِ والإقتصاديةِ والثقافيةِ والتعليميةِ والإعلاميةِ، وما يجرون المجتمعَ إليه من “إنخفاضٍ مروعٍ” في “كلِ المستوياتِ”.
ومن النقاط التي يجدر توضيحها عند الحديث عن “الإتقانِ” و”إدارةِ الجودةِ” أن الإتقان ليس أمراً مرتبطاً بالتقدمِ التكنولوجي وإنما هو فكرةٌ في رؤوسِ بعض الناسِ. ويذكر كاتبُ هذه السطور أنه عندما كان يحاضر ذات يومٍ بمعهد جوران (Juran) لإدارةِ الجودةِ بالولايات المتحدة الأمريكية أنه أسهب في شرح فكرته أن “الإتقانَ” فكرةٌ في رؤوس المتميزين وليس ثمرة التكنولوجيا (فالتكنولوجيا نفسها ثمرة أُخرى من ثمارِ تفكير المتميزين)…أَذكر أنني عندما أسهبت في شرحِ هذه الفكرة وتطرقتُ للحديثِ عن “الإتقان” في مصرَ القديمةِ وكيف أن بناءَ هرمِ خوفو بالذات يُعد مثالاً بلا نظير لكون الإتقان “فكرة في الرؤوس” قبل أن يكون أي شئ آخر، إن عميد المعهد الذي كنت أُحاضرُ به علّق على هذه الجزئية بقوله أَنني لست بحاجةٍ لمزيدٍ من الأدلةِ على صحةِ هذا الزعم لأن شعار معهد جوران نفسه ليس إلاَّ عاملاً فرعونياً ينقش على جدار !! ويعني ذلك أن أكبرَ معهدٍ في العالمِ لعلومِ إدارةِ الجودةِ لم يربط بين الإتقان وبين التقدم التكنولوجي إذ أنه وجد أن العاملَ المصري القديم كان تشخيصاً لفكرةِ الإتقانِ …وتحفل مصر القديمة بأدلةٍ كثيرةٍ على أن الإتقان “فكرةٌ” قبل أن ي كون أي شئٍ آخر : فإذا قمنا بمقارنةٍ بسيطةٍ بين درجات الإتقان في هرمِ الملك خوفو ودرجات الإتقان في الهرمين الذين بناهما والدُ الملك خوفو وهو الملك سنفرو لأدركنا كيف يمكن أن تحدث طفرةٌ هائلةٌ في مستوياتِ ومعدلاتِ الإتقان خلال سنواتٍ قليلةٍ وهو ما لا يمكن أن يكون له تفسير إلاَّ وجود كادرٍ بشريٍّ يجسد بدرجةٍ أعلى دقائق فكرةِ الإتقانِ .
ولا أكاد أتصور وجود خلاف حول ما شهدته حياتُنا المعاصرة من تدهورٍ مذهلٍ في مستوياتِ ودرجاتِ الإتقانِ في مصرَ خلال نصف القرن الأخير وهو أمر لا يفسر إلاَّ بإنقلابِ الهرمِ المجتمعي وتلاشي التميّز وما أدى إليه ذلك من شيوع ثقافةِ متوسطي القامة والذين لا يمكن أن يكون الإتقان وشيوع روحه هدفاً لهم إذ أن فاقدَ الشيء لا يُعطيه . إن شيوع قّيم وثقافة ومستويات “متوسطى القامة” يجعلنا نكاد نرى كلمات الفقرة الأخيرة من المزمور 12 تتجسد كل لحظة أمام عيوننا :
(الأَشرار يتمشون في كلِ ناحيةٍ عند إرتفاع “الأرذال” بين الناس)
… يتبع
© منبر الحرية، 01 أبريل 2009

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

كنتُ أُطالع منذ أيامٍ مقالاً لأحدِ الكتابِ المعروفين عندما أوقفتني كلماتُه عن سفير مصرَ بواحدةٍ من الدولِ الكبرى، إذ بعد أن كالَ له المديح (وأغلب الظن عن حقٍ) روى عن لسانِ شخصيةٍ مرموقة قوله في حقِ نفسِ السفير (لو كان الأمر بيدي لأبقيت على هذا الرجل سفيراً لمصرَ في … دون إعتبارٍ للقواعدِ التي تطبقها وزارةُ الخارجية، لأنه خسارةٌ أن يترك كلَ هذه العلاقاتِ ويأتي بعده من يبني من جديد)… وإذا كان كاتبُ هذه السطور خلطةً من (رجلِ الإدارةِ) و(رجلِ الثقافةِ) فإن هذه العبارةَ (والتي كثيراً جداً ما كررها آخرون في حق آخرين) هي أكثرُ عبارةٍ تستنفر تفكيرَ الرجلين : رجل الإدارة ورجل الثقافة ؛ لا لأنها (خطأ) فربما تكون صحيحةً وسليمةً من زاويةِ الواقع الآني، ولكن لأنها تستدعي موضوعاً من أهمِ وأخطرِ المواضيع المتعلقة بالعقلِ المصري وظروفِ وملابساتِ تكوينه التاريخية والثقافية وتجربته مع الأيام والرجال. إن هذه العبارة (والتي نسمعها من كثيرين عن كثيرين من المتميزين في مواقعهم) تكشف بوضوحٍ تامٍ عن إيماننا المتأصل عبر التاريخ بدورِ الفردِ أكثر من إيمانِنا بفاعليةِ النظام (System) الذي يكون الفردُ مجردَ أداةٍ من أدواته؛ مع بقاءِ الغلبةِ والأهميةِ والفاعليةِ للنظامِ وليس للأفرادِ المتميزين في النظام.
وكإنسانٍ مصريٍّ تكوِّن خلال ربع القرن الأول من حياته في مُناخٍ مصريٍّ صرفٍ فإنني لم أفطن إلاَّ بعد سنواتٍ للفارق الشاسع في هذا المجالِ بيننا وبين مجتمعاتٍ أُخرى لعل أهمها المجتمعات الأوربية الشمالية حيث يوجد النقيض: الإهتمام الشديد بتكوين الفرد تكويناً ثرياً ومتميزاً مع بقاءِ الغلبة والإهتمام الأكبر والفاعلية الأعظم للنظام (The System) مما يجعل الإنسانَ في هذه المجتمعات يرى تداعياتِ وإنعكاساتِ ونتائجَ العبارةِ التي إقتطفتُها من مقالِ أحدِ كبارِ الكتابِ … (دون أن يكون هدفي أَن أُناقش كاتبَ المقالِ في صحةِ أو عدمِ صحةِ ما كتبه، فالأمرُ يقتصر على أن ما كتبه قد جذبني للكتابةِ عن روحِ الملاحظةِ وليس عن الملاحظةِ في حدِ ذاتِها).
ففي مجتمعِنا الذي يربط بين الإنجازِ والكفاءةِ وتحقيق النتائج من جهةٍ وبين (صدفةِ وجودِ شخصٍ ممتازٍ في موقعٍ معينٍ) من جهةٍ أُخرى يكون من العسيرِ على معظمِ الناسِ أن يدركوا النتائج الوخيمة لهذا الواقع: فإنتظارُ الصدفة أمرٌ لا يخضع لأيةِ قوانين معروفة وعقلانية… والإيمان بأن الشخصَ الممتاز يجب أن يبقى في موقعِه لأن التغييرَ سيأتي بمن يبدأ من جديدٍ هو تسليم بالمشكلة أكثر من أن يكون حلاً لها … وصيغتنا في هذا الأمر هي التفسيرُ الواضح لإنقطاعِ تواصلِ البناءِ (والتوجهات والجهود) في حياتنا …وصيغتنا في هذا الشأن تعمل ضد الحراك الاجتماعي الذي هو أساس تقدمِ الطبقةِ الوسطى والمجتمعات … وصيغتُنا في هذا الشأن تحمل في طياتها جذورَ مشكلاتٍ كبرى إذ أننا لا نقبل فقط أن نتحمل الثمن المرتفع للتعامل مع قوانين الصدفةُ وإنما نقبل في نفس الوقت النتائج التي قد تكون “رائعةً” وقد تكون “مروعةً” حسبما تأتي به الصدفةُ … وصيغتنا في هذا الشأن تتنافى مع حركةِ علومِ الإدارةِ الحديثةِ والتي مع إيمانِها بالقدراتِ الخاصةِ والمواهبِ فإنها تؤمن بشكلٍ أَكبر وأوسع وأعمق بالنظمِ (وليس بالأشخاصِ).
أما أول نتائج هذا الربط بين الإنجاز و”صدفة وجود شخص ممتاز في موقعٍ معينٍ” فهو أننا نقبل أن نترك أعنةَ الحياةِ والمستقبل لقوانين الصدفةَ والتي لا تخضع لقواعدٍ معروفةٍ أو حتى عقلانية. وهكذا، نكون أبعدَ ما يمكن عن أُولئك الذين يساهمون في صنعِ وصياغةِ المستقبلِ وكأنهم تلاميذ الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر الذي كان لا يؤمن بأن هناك شيئاً إسمه المستقبل وأَن المستقبلَ هو ما نصنعه الآن (سلباً أو إيجاباً أو تقاعساً) في مطبخِ الزمن الآني. فالمستقبلُ يبدأ من لحظتنا الراهنةِ أو بالتحديد مما نقوم به “الآن” لصياغة “معالم الزمن الآتي”. وعليه، فإننا نكون أبعدَ ما يمكن عن التخطيطِ الذي يحاول أن يرسم ملامحَ الغدِ وتفاصيِله، فكيف نفعل ذلك ونحن نترك لقوانين الصدفةِ أن تأتي لنا ببعض المتميزين – أحياناً- في بعض المواقع. إن هذا القانون هو النقيض الكامل لفكرتي “النظام” (System ) و”التخطيط” (Planing).
كذلك فإن الولعَ بأن يبقى الأشخاصُ المتميزون في مواقعهم لأن عدم بقائهم سيأتي بمن يبدأ من “الصفر” هو سببُ واحدٍ من أكبرِ عيوبنا وهو خواء حياتنا (بدرجةٍ كبيرةٍ وليس بشكلٍ مطلقٍ) من التواصلِ الموضوعي في جهودِ وخطواتِ البناء والتنمية – فالحقيقةُ أن التقدمَ لا يتحقق إلاَّ إذا كنا نملك آلياتِ التواصلِ والاستمرار مع تبدل الأسماء والوجوه . بل أن إيماننا بضرورةِ بقاءِ المتميزين في مواقعِهم حتى لا يبدأ آخرون من الصفر هو إعترافٌ مؤلمٌ بواقع صعوبةِ التواصلِ بين أجيالٍ من الأفراد كما أن هذه السمة من سماتِ تفكيرنا هي مرجع خلو (أو شبه خلو) حياتنا ممن يشغلون مواقعاً عامة بارزة ويمدحون أسلافهم. وذلك نقيض الحال في معظمِ المؤسساتِ السياسيةِ والإقتصاديةِ والثقافيةِ والتعليميةِ والإعلاميةِ في المجتمعاتِ ذات النصيب الوافر من التقدم. كذلك فإن القولَ بأن الخيرَ كل الخير في بقاءِ كل متميّزٍ في موقعِه هو مدخل لعالم يخلو من الحراكِ الإجتماعي والذي هو من أسس التفاعلِ الإيجابي وتقدم المجتمعات ومن لزومياتِ بناءِ طبقةٍ وسطى واسعة وقوية وصلبة تقود المجتمعَ. كذلك، فإن الإيمانَ بالأشخاصِ وليس بالنظام يجعلنا عرضةً لأمرٍ في غايةِ الخطورةِ : ف بينما تقود “ثقافةُ النظامِ” لاستئصالِ أو إستبعادِ العناصرِ الهدامةِ التي قد تصل لمواقعٍ متميزة فإن “ثقافةَ الأشخاصِ” قد تأتي بالمتميزين كما أنها قد تأتي بالذين تأتي كبارُ المشكلاتِ والأخطارِ والمضارِ مع مجيئهم ولا تكون هناك آليات فعّالة لإستبعادهم في الوقت المناسب (الوقت هنا عنصر أساسي للفاعلية).
ويُضاف لكل ذلك أن صيغتنا في الإفتتان بثقافةِ الأشخاصِ لا بثقافةِ النظامِ تحمل في طياتها تنافراً وتناقضاً كاملين مع معظمٍ معطياتِ علومِ الإدارةِ الحديثةِ التي تحاول أن تأخذ من الأشخاص أعظم مزاياهم مع بقاء الغلبة لأُطر النظام وآلياته وتقنياته: فالنظام في هذه الثقافات هو أساس التقدم والنجاح وليس بعض الأفراد (وإن عظمت مواهبهم) في بعضِ المواقعِ .
نحن إذن أمام ثقافتين متباينتين إلى حدٍ بعيدٍ: “ثقافة الأشخاص” والتي يسهل التعرف على ملامحها في واقعنِا وتاريخنا منذ عشرات القرون … و”ثقافة النظم” (Culture of Systems) وهي الثقافة التي نمت وتعاظمت أُسسُها ومعالمُها في دولِ الحضارةِ الغربيةِ ثم إنتقلت إلى العديدِ من المجتمعاتِ الأخرى التي لا تنتمي للحضارةِ الغربية مثل المجتمع الياباني والعديد من مجتمعاتِ جنوبِ شرق آسيا بل وعددٍ من مجتمعاتِ أمريكا الوسطى وأمريكا اللاتينية. ومن غيرِ المفيدِ الحديث عن “الأفضل” و “الأسوأ” والإنطلاق من زوايا إتهامية ، فالذي حدث لدينا وأنتج “ثقافة الأشخاص” ضفيرةٌ من الظروفِ التاريخيةِ والثقافيةِ ما كان لها أن تنتج غير ما أنتجت . والهدف من هذا الحديث كله أن نتسأل : هل يمكن لمجتمعات “ثقافة الأشخاص” أن تتحول تدريجياً لمجتمعاتِ نظامٍ أو نظمٍ؟ والإجابة : نعم …بل : قطعاً نعم… فقد حدث ذلك في أكثرِ من حالةٍ… وكانت آلياتُ حدوثِ ذلك آلياتٍ تعمل على إحداث تحول على المدى القصير وتمثلت في كلمةٍ واحدةٍ هي “القدوة” التي حاولت (ونجحت) في تحقيق قدرٍ غيرِ قليلٍ من فرضِ ثقافةِ النظامِ، وأَما الإنجاز الأكبر فمرهونٌ بآليةٍ أخرى هي نظام التعليم الذي يضع نصب عينيه أنه وحده القادر على إنجازِ التحولِ الأكبرِ في هذا المجال عندما تُصمم برامج التعليم وهي تهدف لخفضِ الأبعادِ الشخصانيةِ في التفكيرِ وتعظيمِ الأبعادِ الموضوعيةِ التي هي أساس أي نظامٍ أو أيِّ نظمٍ .
وعندما يحدث ذلك فإن بقاءَ بعض المتميزين في مواقعهم لا يتحول إلى “شبه معركة حربية” يمارسون من خلالها معركةَ :أن يكونوا أو لا يكونوا” ، ولا يكون من أكبر مشاغلِ الكثير من المسئولين القضاء على من يصلحون للحلول محلهم وتبوأ مواقعهم؛ ولا تكون العلاقة بين (الخلف) و (السلف) على ما هي عليه في واقعنا : مترعة بالبغض والمشاحنة وعامرة بالنقدِ الذي يصل إلى عرضٍ مستمرٍ للمثالبِ (الخلف يعرض مثالب السلف والسلف يتندر بمثالب الخلف) بل ونصل إلى “مُناخٍ ثقافيٍّ عامٍ” يبحث فيه كلُ مسئولٍ عمن يصلح للحلول – ذات يوم- محله …فتدور عجلةُ الحراكِ الإجتماعي ويحدث ما يسميه البعضُ بدوران النخبِ وهي أمور تكون في حالة كمونٍ إستاتيكي كلي في ظلِ “ثقافةِ الأشخاص” …حيث تضمر فكرةُ التغييرِ وتصبح عند البعض مرادفاً للتدمير!… يتبع
© منبر الحرية، 31 مارس 2009

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

المجتمع البشري كأي كيان فيزيائي يمكن أن يخضع للدراسة و التحليل العلميين. وقد سبق و أن قدم باحثون خلال القرن العشرين الكثير من المحاولات لدراسة المجتمع على أسس فيزيائية. لقد سبق لي و أن تناولت الموضوع من خلال مشابهة (simulation) المجتمع بالبلازما  Plasma (الغاز الموئين) إضافة لاستخدام مفهوم ترابط الزمان و المكان الذي طرحته النظرية النسبية الخاصة كبعد رابع.
المكان هو مجال الحركة المدركة مباشرة. و الأفراد و المجتمعات والأفكار و التقاليد تتنقل كما تتنقل المادة. و ما دعوات تصدير الثورات و نقل التكنولوجيا و الاحتلالات العسكرية إلا بعض من أنواع هذه الانتقالات المكانية. تجاوز المكان هو محاولة للانتشار و التوسع أنها محاولة للديمومة المكانية. إن أبعاد المكان الثلاثة تمنح حرية للحركة بأي اتجاه ضمن الفراغ الثلاثي الأبعاد.
وقد يصاحب هذا الانتقال تناقض ظرفي مكاني. كتصدير مدافيء إلى المناطق الحارة أو الاستمرار في ممارسة العادات الملائمة للموقع القديم في الموقع الجديد. إن خصوصية المكان القديم تنتقل هي الأخرى إلى المكان الجديد و عدم القدرة على استيعاب المكان الجديد هو ما يخلق تناقضا ظرفيا مكانيا.
نتيجة للتطور التكنولوجي أصبح المكان اصغر بسبب سهولة الانتقال و سرعته وأصبح تأثير الحدث ينتقل بسرعة على مستوى الأفراد و المجتمعات. و لم تعد الشعوب مستقلة بعضها عن بعض كما كانت في الماضي. لذا فان ظاهرة التناقض ألظرفي المكاني أصبحت ظاهرة منتشرة في الشرق و الغرب. و ليس أدل على ذلك من حالة تلبس احد الغربيين بممارسة الجنس على الساحل في دولة الإمارات العربية و مقاضاته. انه مارس حرية يكفلها الغرب له (المكان الأول) و لكنه مارساها في دولة أخرى تعتبر هذا التصرف ممنوع قانونا (المكان الثاني). أو كما في مقاضاة عائلة مسلمة زوجوا ابنتهم من شخص اختاروه أهلها لها في انكلترا (المكان الثاني) و هذا يعد تصرفا غير قانونيا في انكلترا و لكنهم من الباكستان وهذا التصرف مقبول و مرحب به في هذه الدولة الإسلامية (المكان الأول). إن احتكاك المجتمعات المختلفة زاد من ظاهرة التناقض هذه. وما الانتقال المكاني إلا سببها الأساس. و من ظواهر الانتقالات المكانية الخطرة التي عانت منها المجتمعات ظاهرة الاستعمار و الاحتلال. من خلال هذه الانتقالات تتم السيطرة على مجتمع في موقع مكاني أخر و خلال هذه العملية تحدث الكثير من التغيرات الاجتماعية الخطرة. مثال ذلك خضوع المجتمعات العربية للسيطرة العثمانية و بغطاء ديني و لمدة خمسة قرون تقريبا أدى إلى الكثير من التغيرات الاجتماعية و الفكرية و قاد إلى انحطاط اجتماعي ثقافي خطر مازالت أثاره المدمرة فعالة لحد ألان.
إن الانتقال المكاني حالة مألوفة و طبيعية لكون المكان عبارة عن امتداد يمكن الحركة خلاله و بثلاثة أبعاد. الانتقالات المكانية تتم خلال فترة زمنية لا تشكل تغيرات الأحداث فيها شيئا يذكر. الزمن هنا لا يشكل قيمة انتقالية كما يشكل تغير المكان. و الامتداد لا يدرك إلا من خلال إشغاله أو احتلاله وعلى ذلك يعرف المكان من خلال وجود المادة فيه. أما الزمن الامتداد الآخر فيدرك من خلال التغير و الحركة.
و لكن هذا الامتداد الزمني هو ببعد واحد فقط فهل يمكن احتلاله و السكون فيه مثل احتلال المكان و السكون فيه و البقاء و عدم المغادرة؟ الاستعمار أو الاحتلال هو نوع من أنواع الانتقال من مكان إلى أخر ثم الاستقرار و السكون في المكان الجديد. و قد عرف تاريخ البشرية أنواع مختلفة من هذه الانتقالات المكانية. أما الانتقال عبر الزمن و احتلال الزمن لم يتم التطرق له إلا من خلال بعض الدراسات الفيزيائية النظرية الصرفة.
بعيدا عن الخيال العلمي الزمن يتجه باتجاه واحد من الماضي نحو الحاضر و المستقبل. و هكذا نتجه جميعا. و المادة لا يمكنها أن تنتقل من الحاضر نحو الماضي أو ما يسمى بانعكاس الزمن (أو الزمن السالب). من الناحية ألنظريه يمكن التعامل فيزيائيا مع الجسيم المنفرد هكذا و لكن الأجسام المركبة فالأمر مختلف. على أية حال ليست المادة هي ما نقصده في هذه الدراسة و إنما الأفكار و العادات و التقاليد ألاجتماعية.
وهنا نناقش مسألتين هما:
1-    الانتقال عبر الزمن
2-    السكون و احتلال الزمن
إن الأنماط الفكرية المختلفة يمكن أن تنتقل أو تحتل الزمن كما تحتل المادة المكان. و انتقال الأفكار عبر حواجز الزمن المختلفة مسالة طبيعية وهكذا و صلتنا أفكار و عادات الأقدمين و هذا الانتقال هو السبب الأساسي وراء تراكم المعرفة لتتطور و تنمو.
أما ألاستقرار الزمني أو الوقوف الزمني فهو حالة تصف الجمود و عدم التغير و مواكبة الزمن. وهناك الكثير من التيارات الفكرية التي ترى في الماضي النموذج الفريد الواجب بقائه وهذا ما يعني السكون و البقاء عند فترة زمنية معينه و عدم الرغبة في تجاوز حاجز الزمن. هذه الظاهرة هي ظاهرة احتلال الزمن و البقاء فيه وعدم مغادرة موقع معين فيه.
ظاهرة احتلال الزمن و محاولة التوسع بتصدير الثورات الفكرية القديمة عبر ألازمان الأخرى ظاهرة إجحاف لا تختلف في شيء عن ظاهرة احتلال المكان من قبل شعوب أخرى و فرض إرادتها على شعوب ألاماكن المحتلة. هذه الظاهرة هي السبب الأساسي وراء ما سبق وان أسميناه بالتناقض ألظرفي (ٍSituational paradox) و لكن بجانبه الزمني. و كما لا توجد أفضلية لمكان ما على أخر إلا من خلال اعتبارات نسبية فكذلك لا يوجد زمن أفضل من أخر.
لقد عرف الفكر العربي الإسلامي القديم ظاهرة الجمود الزمني ويمكن أن تكون مقولة المفكر الإسلامي الأول الإمام علي بن أبي طالب “لا تُكرهوا أبناءكم على أخلاقكم فإنهم خلقوا لجيل غير جيلكم” هي أقدم إشارة فكرية أدركت هذه الظاهرة و التي عمرها بحدود 1400 سنة. إنها تصريح بعدم الجمود و البقاء عند إحداثيات الإباء. هذه المقولة تأشر نقطة مهمة في تجنب المساهمة في خلق التناقض الزمني كظاهرة اجتماعية مابين جيلين ( جيل الآباء و جيل الأبناء). فكيف سيكون الحال لو تم التجاوز إلى عدة أجيال؟
أن معظم ظواهر التناقض الاجتماعي و المشاكل الفكرية و السياسية التي تعيشها الدول العربية و الإسلامية سببها الأساسي هو الاستعمار الزمني و السكون في إحداثيات الزمن القديم. لقد بقيت هذه الشعوب في حالة سبات حضاري لمدة طويلة من الزمن مما شكل ظاهرة فريدة في تاريخ المجتمعات البشرية. وأخطر تأثير لهذا الاستعمار الزمني هو سيطرته الفكرية التي تعيق حركة نهوض و تقدم هذه الشعوب بالرغم من إمكانياتها المادية الكبيرة.
لاشك أن من يفضل مكان على أخر يذهب و يقيم في المكان الذي يرغب به و على ذلك يجب ان يفعل من يحب الماضي عليه ان يذهب اليه ليعيش فيه لا ان يفرضه على الحاضر ليحتله.
© منبر الحرية، 30 مارس 2009

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

أما أَكثر الذين يتحدثون في واقعِنا عن الفارقِ بين (قيمةِ الوقتِ) عند أفرادِ المجتمعاتِ الأكثر تقدماً وبين قيمته ومعناه لدينا. ويتفاوت المعنى المقصود من فردٍ لآخرٍ: فبينما تدل العباراتُ عند البعضِ على نظرةٍ خارجيةٍ (وربما سطحيةٍ) للظاهرة عندما يظنون أن الشعوبَ الأكثر تقدماً في تعاملها مع الوقت هي مجردُ شعوبٍ منظمة ودقيقة ، فإن البعضَ الآخر يملكُ نظرةً أكثرَ عمقاً تدرك أن الأمرَ أكبرُ وأعمقُ وأوسعُ وأخطرُ بكثيرٍ من مجرد فارقٍ بين (شعوبٍ دقيقةٍ في مسألةِ الوقتِ) و(شعوبٍ أقل دقة في التعاملِ مع الوقتِ). فجوهرُ الأمرِ أعمقُ بكثيرٍ من كلماتٍ مثل (الإنتظام) و(الدقة) و(الإنضباط) فكلُ هذه العباراتِ وعشرات غيرها هي مجرد المظاهر النهائية لاختلافٍ عميقٍ في فهمِ وتقديرِ وتقييمِ (بل وتقديسِ أو عدم تقديسِ) الوقت . ففي المجتمعاتِ الأكثرَ تقدماً فإن الوقتَ هو الإطارُ الذي من خلالِه تتم الخططُ وتُنفذ وتعد المشروعات وتُحوّل من فكرةٍ إلى واقعٍ ؛ فالوقتُ هو إطار كل شئ: إطار كل فكرةٍ… وإطار كل مشروعٍ… وإطار كل خطةٍ… وإطار كل برنامج… وإطار كل إصلاحٍ… بل وإطار كلِ التطوراتِ الإقتصاديةِ والعلميةِ والتعليميةِ والثقافيةِ والإجتماعية ِ . وبالتالي فإن من لا يعرف قيمةَ الإطارِ لا يعرف بالضرورةِ قيمةَ أي شئ يمكن أن يحتويه هذا الإطارُ .
ومن أكثرِ الأمورِ غرابةً أن الكثيرين في مجتمعِنا يظنون أن تقديسَ الوقتِ واحترامَه والإلتزامَ بالمواعيدِ إلتزاماً شبة عسكري هو مجرد (طبع) يتسم به البعضُ ولا يتسم به آخرون: وهذه زلةٌ فكريةٌ متكاملةُ الأركان … فتقديسُ الوقتِ والإيمانُ العميقُ بحتميةِ احترامِه واحترامِ المواعيد… ولزومية أن تكون كلُ الأفكارِ والمشروعاتِ والخططِ والبرامج في ظل أُطرٍ زمنيةٍ… وأن عدمَ إحترامِ الوقتِ والمواعيد هو شرخٌ في المصداقيةِ والكفاءةِ لا علاقةَ له بالطباع : فالناسُ لا يولدون بطبعٍ يقدس الوقت ويحترمه وينظر للمواعيدِ وكأنها مواقيتٌ سمائيةٌ وآخرون على خلاف ذلك… وإنما نحن بصدد مُناخٍ ثقافيٍّ عامٍ من فرطِ فقرِه في تقديسِ الوقت والمواعيد والأُطر الزمنية أصبح يفرز تلك الفكرة الخاطئة وجوهرها أن الذين يتشددون في المواعيد والوقت هم أصحابُ طبعٍ معين جُبلوا عليه بينما الآخرون مختلفون (وكأننا بصدد مجرد إختلاف وتنوع لا ينُمّان عن رقيٍّ في حالةٍ وتدهورٍ في الأُخرى) .
إن التقدمَ والتحضرَ والتمدنَ مسائلٌ لا تحققها الأموالُ ولا تبلغها الثرواتُ الطبيعيةُ وإنما تحققها منظومةُ القيمِ الذائعة والشائعة في المجتمع من قاعدتِه إلى قمتِه وأهم تلك القيم هي : تقديس الوقت … والإيمان بفعالياتِ العملِ الجماعي … والاهتمام البالغ بالبشر (الموارد البشرية) … والتعليم القائم على الإبداع (وليس التلقين) … وإشاعة روح توخي الكمال والتميّز والسعي الدؤوب للإتقان … ورسوخ فكرة عالميةِ المعرفة والعلم في العقول منذ سني التعليم الأولى … وقيام التعليم بخلق شخصياتٍ إنسانيةٍ تنافسيةٍ – فعن طريق توفر هذه المنظومة من القيمِ يتقدم الذين يتقدمون … وعن طريق إنتفاءِ هذه القيم (وأَحياناً وجود نقيضها) يتأخر الذين يتأخرون ثم يغرقون في خداعِ أنفسِهم بأنهم متأخرون إما لأن الظروف غير مواتيةٍ أو لأن الإمكانياتِ ناقصةٌ أو لأن العالمَ الخارجي يتآمر عليهم ولا يريد لهم خيراً – وكلها أوهامٌ في روؤس الفاشلين لا أساس لها على الإطلاقِ في الواقعِ ولا مبرر لوجودِها إلاِّ لتعزيةِ الفاشلين عن فشلهم لأن البديلَ (وهو الحق والمنطق والصواب والحكمة) أن يقولوا لأنفسهم أننا متأخرون لأننا متقاعسون ولأننا نفتقر لآلياتِ التقدمِ وكلها آليا ت توجد داخلِ الإنسان وليس خارجِه.
وهكذا يتضح جلياً أن تقديسَ الوقتِ وتقديرَه واحترامَه وتأسيسَ كل أَنشطةِ الإنسان والمؤسساتِ والمجتمعِ بأسرِه على أساسِ أُطرٍ زمنيةٍ تحترم الوقت كأحترامِ المؤمنين للعقائدِ هو ليس مجرد (صفة من صفات البعض) أو (طبع لدى البعض) أو (إحدى السجايا أو حتى المزايا الشخصية) وإنما هي علامة فارقة بين منظومتين من القيم: منظومة قديمة تنتمي إما للثقافةِ الزراعيةِ في شكلهِا البدائي أو للثقافةِ البدويةِ وأنها واحدةٌ من معالمِ مُنَاخٍ ثقافيٍّ عامٍ وليست مجرد طبع أو خصلة أو سجية. إن الدارسَ لتطورِ القيم يعرف أن الوقتَ لم يصبح تلك القيمة العليا المحورية والعلامة الفارقة بين المتأخرين والمتقدمين إلاِّ منذ زمن الثورةِ الصناعيةِ: فالثورةُ الصناعيةُ هي التي فرضت ذلك الإهتمام المتصاعد بالوقتِ ودقته وقيمته وحتميةِ الإلتزام به حتى وصلنا إلى نموذج فريد يتمثل في القطاراتِ السويسرية التي تبدأ وتنهي رحلاتِها ليس بالساعةِ ولا بالدقيقةِ وإنما بالثانيةِ فيما يمثلُ ترجمةً عليا لقيمِ الصناعةِ ولقيمِ المجتمعاتِ الخدميةِ ، ثم هبت رياحُ ثورةِ الإتصالاتِ وحقائق عصر التكنولوجيا فإذا بالتمسكِ بقيمةِ الوقت وتقديسها يبلغُ حداً يشبه العقيدةَ الدينية في نفوسِ كبارِ المؤمنين.
وكما هي الحال في العديدِ من قيمِ التقدمِ فإن هذه القيم يسهل شيوعها وذيوعها إذا جاءت من الرقائق الأعلى في الهرمَ المجتمعي أي في شكلِ أمثلةٍ وقدوةٍ ممن يُفترض أنهم المثلُ الذي يُحتذى – أما إذا داس هؤلاء الذين يشكلون الرقائق العليا للهرم المجتمعي قيمَ التقدمِ ومن بينها قيمة الوقت فإن إنتشارَ هذه القيم في المجتمع يكون ما بين (المستحيل) أو (شبه المستحيل): فليست هناك مقولات أسلم ولا أحكم من الأقوال المأثورة (الناس على دين ملوكهم) و(السمك يفسد من رأسه) و(إذا كان رب البيت على الدف ضارباً … إلخ) . ومعنى كل ذلك أن الرقائقَ العليا في المجتمع من كبارِ المسؤولين في الإدارات الحكومية وقيادات الحياة الإقتصادية العامة والخاصة والوزراء وشاغلي المواقع المرموقة في المجتمع … إذا لم يكن هؤلاء قدوةً في قيمِ التقدم بوجهٍ عامٍ وفي قيمة تقديس واحترام وإجلال قيمة الوقت وإعطائها كل ما تعنيه من أبعادٍ هامةٍ وخطيرةٍ وذات صلةٍ وثيقةٍ بعمليةِ التقدم – إذا لم يكن الأمرُ كذلك فقل على المجتمعِ السلام – لأن بثَ تلك القيم عن طريق الرقائقِ الأدنى من الهرم المجتمعي مسألةٌ في غايةِ الصعوبةِ إذ أن أفرادَها لا يملكون عضلاتِ فرض نموذجهم ومُكنة أن ي كونوا مثلاً يحتذى وقدوةً تُقتفى.
إن كاتبَ هذه السطور والذي كان المسئول الأول في واحدةٍ من أكبر المؤسساتِ الأقتصادية في العالم لقرابةِ عقدٍ كاملٍ من الزمان وكان بالتالي يشرفُ على آلافٍ يمثلون أعلى درجات الخبرة العالمية ومن خلفياتٍ مختلفة (أكثر من 20 جنسية) يجزم بأنه يستطيع أن يرى أمام ناظريه علاقةً شبه مؤكدة بين تقديسِ الوقتِ واحترامِه والالتزامِ به التزاماً يشبه التزام أشد المتمسكين بقواعدِ الدين والإيمان بأن التأخرَ في المواعيد والإخلال بالإلتزامات الموعدية وإنجاز الأعمال خارج الإطارِ الزمني المتفق عليه وبين درجةِ الكفاءةِ – فمن بين عشرات الآلاف من كبارِ الشخصياتِ الإقتصاديةِ والسياسيةِ التي تعاملت معها وأنا في موقع يسمحُ بالتعامل مع زبدةِ المجتمعات ، كنت أرى بوضوحٍ كاملٍ أنه لا يمكن وجود شخص لا يقدس الوقت ويتأخر في المواعيد ولا يقدس الإلتزام بالأداءِ في الإطار الزمني المتفق عليه إلاِّ وهو في الوقتِ ذاته على غيرِ درجةٍ عاليةٍ من الكفاءة : فكلُ الأكفاء الذين قابلتهم في الحياةِ في عشراتِ المجتمعاتِ كانوا ممن لا يتأخرون ثانيةً واحدةً عن مواعيدِهم ويلتزمون بالوفاءِ بإكمالِ مهامِ عملهم على أعلى درجاتِ الإتقانِ في ظلِ زمن محددٍ وينظرون في نفسِ الوقتِ لمن لا يتسمون بهذه السمة بنظرةٍ يشوبها قدرٌ غير قليل من عدمِ التقديرِ – وكانت طبيعةُ عملي التي تقتضي التعامل مع خلفياتٍ حضاريةٍ وثقافيةٍ متباينةٍ تُظهر لي بوضوحٍ إختلافَ ردودِ الفعلِ حول مسألة الوقت والمواعيد والإلتزام بالأُطر الزمنية : فعندما كنت أقومُ بإلغاء تعاقدٍ بمئاتِ الملايين مع شركة لا تفي بتعهداتها في الأُطر الزمنية المُتفقِ عليها في دولةٍ من دولِ العالمِ الثالثِ كان ردُ الفعلِ الغالب هو إستهجان قرار من هذا النوع بينما كان نفسُ القرار إذا إتخذ في بيئةٍ غربيةٍ أو في جنوب شرق أسيا يحظى بعظيم الإستحسان بل والإكبار والإجلال : والفارقُ أن جانباً كان يرى في القرار ردَ فعلٍ مبالغ فيه تجاه مسألة غير ذاتِ أهمية بينما كان الجانبُ الآخرُ يرى أن القرارَ جاء متفقاً مع قيمِ التقدمِ والتي لا تعرف تجاه الوقت إلاِّ الإجلال والإكبار والتقديس والإحترام بل وتأسيس الحياة كلها على أساسٍ من الأُطر الزمنية التي لا يحق لأحدٍ أن يتجاهلها أو يتجاوزها – بل كانت الأغلبيةُ في معظمِ المجتمعاتِ من دولِ العالمِ الثالثِ تنظر لقرارٍ مثل الذي ضربتُ به مثلاً وكأنه من قبيل الأطوار الغريبة: فلماذا المبالغة في ردِ فعلٍ تجاه شخصٍ تأخر عن موعدِه أو مقاولٍ تجاوز الحدودَ الزمنية المتفق عليها – وهي مجتمعات وصل فيها التدهور القيمّي لحد أن أصبح التأخرُ رمزاً للقيمةِ العالية للشخص ، فالأشخاصُ الكبارُ والمهمون وأصحاب القوة والمكانة من حقِهم أن يكونوا متأخرين كيفما بدا لهم وعلى الناسِ أن ينتظروهم (!!) ، فهم مهمون وأصحاب مسؤوليات واسعة وعلى الآخرين أن يقبلوا ذلك (!!!) … وفي المقابلِ فقد كنت أرى في المجتمعاتِ الأكثرَ تقدماً رجالاً يقومون بإدارةِ مشاريع بحجمٍ يفوق مجمل حجم إقتصاد كل الدول العربية ولا يمكن أن يكونوا متأخرين دقيقةً واحدةً عن موعدٍ بل ويفتخرون بأنهم يسبقون المواعيد وأن مؤسساتهم في سباقٍ مع الزمن بهدفِ أن يكونوا في أطار المواعيد المتفق عليها بل ويكون هدفهم في كثيرٍ من الأحيان لا أن يقابلوا الحدودَ الزمنية المتفق عليها بل أن يسبقوها. وقد أصبح يقيني راسخاً أن كلَ من لا يعرف كيف يضبط مواعيده ومواعيد عمله ومواعيد تنفيذ مشروعاته إنسان أو شركة أو مؤسسة مدموغة بالفشل الإداري (بل ولدي إعتقاد راسخ أنهم بنفس القدر لا يتقنون كل الأشياء الأخرى التي يقومون بها في الحياةِ) – وأي استثناءٍ من ذلك أو أية محاولةٍ لقبول إستثناءات من ذلك هي ضد العلم والتمدن والتحضر وحركة التاريخ في المجتمعات المتقدمة. وهناك فارق كبير بين الإلتزامِ بالمواعيد وإحترام الوقت بدافع الخوف وهو موجود في بعض الأحيان (في دول العالم الثالث) وبين أن يكون تقديسُ الوقتِ واحترامه والإلتزام بالأُطر الزمنية المحددة هو ديدنَ الذين يحترمون أنفسهم وينتمون للعصر ويسايرون قيم التقدم: ففي كل مجتمعاتِ العالم الثالث يذهب النوابُ للمجالسِ النيابيةِ (البرلمانات) متأخرين ويظلون في إجتماعاتهم في حالاتِ فوضى عارمةٍ ما بين متحدثٍ مع زميلٍ وآخر يُجري حواراً على الهاتف المحمول وثالث يكتب في أوراقٍ ورابع يُجري حواراً مع أحد المسئولين – ثم نجدهم جميعاً في الجلساتِ التي يحضرها رئيسُ الدولة في كل دولِ العالمِ الثالث : ملتزمين بالحضورِ في الموعدِ .. ملتزمين بآدابِ حضورِ الإجتماعاتِ العامة : وهم هنا لا يفعلون هذا من بابِ تقديسِ الوقتِ واحترامِ المواعيدِ وإجلالِ الأُطر الزمنية وإنما بدافعٍ آخر لا يخفى عن فطنةِ القارئ . وهذا الدافع لا يخلق التقدم المنشود، لأن التقدمَ والتنميةَ يصنعها (المؤمنون) لا (الخائفون).
ومما أساء لقيمةِ الوقت وحُرمتها وأهميتها وكونها واحدةً من أُسسِ الرقي وقيمِ التقدمِ وجود طبقة من الأثرياءِ الجددِ في عددٍ من دولِ العالمِ الثالث كانوا في معظمهم بسطاء التعليمِ والثقافةِ وتكونت ثرواتُهم بفعلِ وفضلِ علاقاتهم السياسية والعامة وليس لكونهم عبقريات إدارية أو إقتصادية أو علمية – ولما شاع نموذجُهم في عددٍ من مجتمعاتِ وصاروا في صدارةِ الواجهة الإجتماعية أصبحوا مصدراً جديداً لبثِ القيمِ السلبيةِ ومنها منهجهم في التعامل مع الوقت ، فهم أبعد ما يكونون عن فهمِ وإحترامِ قيمة الوقت كأساسٍ حضاريٍّ وقيمة من قيم التقدم ، إذ أنهم في حد ذاتهم طبقة طفيلية إنهمرت عليها الأموالُ دون ثقافةٍ ناهيك عما يعتري مصادر ثرواتهم من شكوكٍ تدعم إستحالةِ أن يكونوا قدوة أو نموذج يُحتذى: فكيف يمكن لنا أن نقول للشبابِ في مجتمعِنا أن يحتذوا بقياداتِ الحياةِ الإقتصادية التي نسميها “رجال الأعمال” وهم تجسيد حي لعشراتِ القيمِ السلبية بوجهٍ عامٍ ولقيمة إزدراء الوقت والمواعيد بوجهٍ خاصٍ ! … إن طبقةَ رجال الأعمال والأثرياء الجدد (معظمهم وليس كلهم) في عددٍ من دول العالم الثالث هم طبقة منقّحة من رجال المافيا – فكيف يتسنى لنا أن ننتظر أن يكونوا قدوةً تُتبع ومثالاً يُحتذى في إحترام الوقت أو في أية قيمةٍ إيجابيةٍ أخرى من قيم التقدم . ويحزنني لأبعدِ الحدود أن أكتب بقلمي أنني رأيتُ عن قربٍ عشرات من هؤلاء الذين يسمون بكبار رجال الأعمال فوجدتهم بالمقارنةِ بالشخصيات الإقتصادية العالمية الكبرى التي تعاملتُ معها خلطةً من أربعةِ عناصر: إنعدام الموهبةِ الإدارية … وفقرٍ ثقافيٍّ مذهلٍ … وإنتهازية سياسية بلا حدود … وبُعدٍ مطلق عن قيم ومبادئ كبار الرجال – ووجدتُ أن معظمهم قد كوّن مؤسساته وأعماله على أرضيةٍ من العلاقات وليس على أساسٍ من الكفاءة والعبقرية الإدارية والإستعمال الإقتصادي النموذجي لتكنولوجيا العصر أو القدرة على إدارة الخدمات – ومرةً أخرى يفرضُ السؤالُ نفسَه: كيف لمثل هؤلاء أن يكونوا قدوةً ، إلاِّ إذا كان رؤساءُ المافيا يصلحون لأن يكونوا قدوةً لأجيالٍ جديدةٍ من الشباب ؟!
ولا أجدُ من بين كل ما ذكرت في هذه الجزئية من هذا الفصل ما أرى فائدةَ تكرارِه أكثر من قولي: أنه لا يمكن وجود قائد إداري فعّال ومُنجز وعلى درجة عالية من الكفاءة إذا لم يكن تقديس الوقت مكون أساسي من مكوناته … ولا يعني ذلك أن تقديس الوقت هو العنصر الوحيد للكفاءة … فللكفاءة عناصر أُخرى عديدة (تقديس الوقت من أهمها) وإن كانت الكفاءة لا تنهض كاملةً بدون باقي العناصر والتي بدونها لا يوجد تقدم .. ولا يوجد كادر بشري من المديرين التنفيذيين القادرين على إنجاز المهمة التي تبدو للبعض مستحيلة بينما أعتقدُ أنا أنها سهلة وميسورة إلى أبعد الحدود ، وأعني بلوغ درجة من التقدم الإقتصادي والتعليمي تجعلنا على مقربةٍ من دول جنوب أوروبا وفي نفس الوقت تسيرُ بمحاذاة حياة ثقافية وإعلامية وسلام إجتماعي يكفلون لنا معاً المجتمع الذي ننشده: مصر المزدهرة والمستقرة والآمنة والتي يعودُ فيها المصريون لسجاياهم التي عُرفوا بها عبر التاريخ وكلها سجايا إنسانية نبيلة تقومُ على الخُلق السمح والمودة والترابط وإحترام الآخرين والبعد عن بؤرات العنف والتشاحن والصدام اليومي بين الأفراد والطبقات وسائر وحدات وكيانات المجتمع… يتبع
© منبر الحرية، 28 مارس 2009

حواس محمود18 نوفمبر، 20100

يؤكد الكثير من الباحثين والكتاب والمفكرين العرب على أن الدول العربية بعد حصولها على استقلالها من الاستعمار المباشر في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم قد عمدت إلى تهميش المجتمع وإقصائه وتضخيم جهاز الدولة، وانتفخت أجهزة المراقبة لديها بكيفية شلت المبادرات المستقلة والحرة، وقدمت نفسها كأنها الضامنة للحقوق والمصالح العامة، والمدافعة عن “كرامة  المواطن” دون الإقرار الفعلي له بصفة المواطنة – والحامية لصحته وأولاده ومستقبله، والمحاربة للعدو الذي يحتل أرضه.
إلا أنه منذ أواسط الثمانينات إلى الآن اضطرت هذه الدولة إلى المراجعة القسرية لبعض التزاماتها، ذلك أنه مع ثقل المديونية الداخلية والخارجية وفشل النماذج التنموية السابقة، وسقوط الشعارات التعبوية ( لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ) التي تمكنت من الاستمرار لبعض الوقت، وعرقلة أي جهد توحيدي أو حتى تعاوني عربي عربي.
تطلب الدولة الآن من مواطنيها ألا يعولوا عليها في كل شيء، وأحيانا حتى على صعيد الأمن الشخصي والجماعي، تطالب المواطن بدفع كل ضرائبه على أن يتكفل هو بصحته وبنقله وبسكنه وبتعليم أبنائه وبتشغيلهم، ونقص الموارد، وتضخم القطاع العام وانعدام مردوديته. ولأن هذه الدولة تضخمت على حساب المجتمع فإنها عملت طيلة أكثر من أربعة عقود على التشويش على أشكال التنظيم المحلية وأنماط التضامن والتعاضد والصيغ التعاونية المختلفة التي عرفتها المجتمعات عبر تاريخها، خوفا من نموها وتحولها إلى سلطات قد تفرز بؤر اعتراض أو تململ ممكن. وحاصرت بموازاة ذلك التنظيمات السياسية ومنعتها أو دجنتها، ( وتدخل الجهاز الحكومي- وبخاصة لدى الدولة العربية الشمولية في كل مفاصل المجتمع ” كل شاردة وواردة” ) وحدت من نموها وانتشارها لتحتل هي كل المجال العمومي، وتفرض الرأي الوحيد الأوحد وأفكار الزعيم القائد الرمز المهيب والملهم، والإيديولوجيا الوحيدة… هذا في الوقت الذي لا تكف فيه هذه الدولة عن الضجيج والتبجح المستمر عبر وسائل الإعلام المحتكرة لديها بالديمقراطية النابعة من سلطة الشعب وبالتعددية وحرية الرأي والتنظيم.
في سياق هذا الجو الاحتقاني والذي يحاصر الإنسان في حركاته وسكناته والذي يقتل فيه روح الابتكار والإبداع والتطور، وأي مساع للتنمية والديمقراطية اندفعت عناصر من النخبة السياسية والثقافية إلى إطلاق مبادرات ذات أهداف مدنية وإصلاحية، وذلك بتأسيس جمعيات ومنظمات تتنشط في المجالات الاجتماعية والثقافية والإنسانية التي أسقطتها الدولة من حساباتها أو كانت تخشاها وتحسب لها ألف حساب.
لماذا فشل الإصلاح العربي؟
في دراسة قيمة عن الإصلاح في العالم العربي يبين الدكتور برهان غليون أسباب فشل الجهود الإصلاحية العربية ويلخصها بجملة أسباب منها استفادة النظم العربية من الموقف السلبي التاريخي للرأي العام من السياسات الأمريكية في المنطقة، ومن الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة المدنية في العراق، من أجل نزع المصداقية من الإصلاح الأمريكي الأوروبي، ونجحت بالفعل في تعبئة هذا الرأي العام ضد ما أسمته الإصلاح المفروض من الخارج. وقدم لها تدهور الوضع الأمني والسياسي والاقتصادي والإنساني في العراق خلال السنوات الأربع الماضية نموذجا سلبيا لا يقدر بثمن لإظهار مخاطر التسليم بالتدخل الأجنبي والإنصات للنصائح الغربية
ويرى وجود عوامل أخرى في إخفاق الإصلاح العربي منها :
– أن الانقسام الذي غذته وعملت عليه النظم القائمة حول مسائل الإصلاح قد أدخل الفكر والسياسة الإصلاحيين العربيين في حالة تخبط عميق وأجهض جميع جهود العمل على دفع المجتمعات العربية إلى تبني مشروع الإصلاح والتضحية من أجله
– لقد أدركت النخب الحاكمة أن تطبيق برنامج الإصلاح المطلوب يعني إلغاء وجودها نفسه لصالح صعود نخبة جديدة، وبالتالي على أنه عملية انتحارية ووقفت بجميع الوسائل ضد برنامج الإصلاح الذي يشكل بالأحرى برنامج انقلاب على النظم المركزية واستبدالها بنظم تعددية
– أن الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه التحالف الغربي المشار إليه آنفا لا يلغي أيضا مسؤولية قوى التغيير المحلية، وتكمن هذه المسؤولية في العجز الذي أظهرته هذه القوى عن إدراك الرهانات الكبرى التي يرتبط بها الإصلاح والتي لم تخف على الأوليغارشيات الحاكمة. فقد اعتقدت هذه القوى أنها تستطيع إذا اقتنعت النخب الحاكمة ببرنامج سلمي للإصلاح، أن تغير موازين القوى و تضع لا يتضمن تغيير النظم الحاكمة. والواقع أن دعوة الإصلاح العربية قامت منذ البداية على سوء تفاهم كبير بل ربما على خداع الذات شاركت فيه القوى المحلية الداعية للإصلاح كما شارك فيه التحالف الغربي أيضا. فقد نظرت هذه القوى إلى الإصلاح على أنه مقدمة للتغيير أو محاولة لتغيير النظم من الداخل وتقريبا بالتفاهم معها والاتفاق على برنامج عمل انتقالي يسمح بتجاوز الوضع الراهن والدخول في نظم تعددية حقيقية في مستقبل ما.
إن الحالة العامة للأزمة في العالم العربي بجميع جوانبها السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية تقتضي أن يتم التحرك الفعال والحثيث للتغلب على هذه الحالة الأزموية، فلا يمكن لقوة وحيدة أن تحقق الإصلاح وإنما هو يتطلب تضافر جهود جميع قوى المجتمع للدخول في المعترك الإصلاحي والاستمرار بنجاح إلى النهايات المنطقية. كما يجب التذكير بأن القوى المحلية مهما كانت قوتها لا تستطيع انجاز الإصلاح بمفردها  – لأسباب عدة – من دون مساعدة شخصيات و منظمات وهيئات حقوقية إنسانية دولية كما يؤكد على ذلك المفكر برهان غليون. إذ يقترح لجنة دولية وسيطة مهمتها تسهيل فتح الحوار مع الأطراف المتنابذة وتذليل العقبات التي تحول دون تواصل هذه الأطراف، وإبراز إمكانية المراهنة على الحلول السياسية المتفاوض عليها وجدواها.
© منبر الحرية، 27 مارس 2009

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100
التجارة الحرة هي أنجع السبل
تتشرف مؤسسة أطلس للبحوث الاقتصادية وشبكة السياسات الدولية بدعوتكم للتوقيع على هذا البيان الذي سيتم الإعلان عنه في الأول من نيسان / أبريل 2009 عشية اجتماع مجموعة الـ20 في لندن:
إن خطر السياسة الحمائية في ارتفاع متزايد. فبالإضافة إلى كونها سياسة عقيمة وخطيرة، فإن تهديدها يزداد بشكل خاص في فترات الأزمات الاقتصادية، حيث تهدد بتدمير الاقتصاد العالمي.
إن منطلق السياسة الحمائية الغريب هو أن الإزدهار الوطني يتزايد عندما تمنح الحكومة الاحتكار  للمنتجين المحليين! ولكن كما بيّنت قرونٌ متتالية من التفكير الاقتصادي العقلاني، والخبرات التاريخية، والدراسات التجريبية، فإن هذا المنطلق هو منطلق خاطئ بشكل خطير. فالحمائية تنتج و تفرخ الفقر وليس الازدهار كما أنها لا “تحمي” حتى الوظائف أو الصناعات المحلية؛ بل  تدمرها، من خلال إلحاق الضرر بصناعات التصدير، والصناعات التي تعتمد على الواردات لأجل صنع بضائعها. فرفع أسعار الحديد المحلية، على سبيل المثال، من أجل “حماية” شركات الحديد المحلية سيؤدي إلى رفع كلفة إنتاج السيارات والعديد من السلع الأخرى المصنوعة من الحديد. فالحمائية سياسة عقيمة ومضرة.
إن السياسية الحمائية لا تكتفي فقط بإنتاج و تفريخ الفقر وتبذير الثروات  بل، والأسوء من ذلك، فالحمائية تدمّر السلام … وهذا مبرّرٌ كافٍ لجعل كافة الخيّرين وذوي النوايا الحسنة يرفعوا أصواتهم وبكل قوة ضد الفلسفة الاقتصادية الانعزالية المحلية، والتي هي بمثابة أيديولوجية صراع مبنية على الجهل، يتم تنفيذها من خلال السياسات الحمائية.
لقد لاحظ مونتيسكو، قبل مائتين وخمسين عاما، أن “السلام هو النتيجة الطبيعية للتجارة. فقد تعتمد أمتان مختلفتان على بعضهما بشكل متبادل؛ فإذا كانت لدى إحداهما مصلحة بالشراء، يكون لدى الأخرى مصلحة بالبيع؛ وهكذا فإن اتحادهما يُبنى على احتياجاتهما المتبادلة.”
فالسلام هو أكثر نتائج التجارة أهمية.
إن التجارة تنشر السلام وتروّج له من خلال توحيد شعوب مختلفة في إطار ثقافة تجارية مشتركة؛ ثقافة تقتضي الانخراط الدائم في عملية فهم الآخرين عبر تعلّم لغاتهم ومعاييرهم الاجتماعية وقوانينهم وتطلعاتهم وحاجياتهم ومهاراتهم.
كما أن التجارة تروّج السلام عبر تشجيع الناس على بناء أواصر التعاون المتبادل القائم على المنفعة المتبادلة. فمثلما توحّد التجارةُ المصالحَ الاقتصادية لمدن مختلفة داخل البلد الواحد كالقاهرة و الإسكندرية، كواشنطن و نيويورك، كحلب ودمشق، فهي توحّد أيضا المصالح الاقتصادية لمدن في بلدان مختلفة  كباريس وبغداد، كوهران و الدار البيضاء، كالدوحة و برلين؛ كما أن التجارة  توحد مصالح كافة الأمم التي تتاجر في ما بينها.
ولقد أكد عدد كبير من الأبحاث العلمية و التجريبية كيف أن التجارة تساهم بشكل واسع ومباشر في نشر وترسيخ ثقافة السلام.
فالحرب العالمية الثانية هي خير دليل على النتائج المأساوية الناجمة عن إغفال أو تجاهل هذه الحقيقة.
لقد تدهورت التجارة العالمية بنسبة 70 بالمائة بين عامي 1929 و 1932، في أجزاء واسعة من العالم جرّاء تعرفة سموت – هاولي الأمريكية عام 1930 والتعرفات الانتقامية التي اتخذتها الأمم الأخرى. ولاحظ الاقتصادي مارتن وولف أن “هذا التدهور في العلاقات التجارية  كان المحرك الجبار الذي دفع  بألمانيا واليابان بشكل خاص إلى البحث عن الاكتفاء الذاتي  و عن مجال حيوي”. فسرعان ما كان من تبعات ذلك أكثر الحروب بشاعة وفتكا في التأريخ البشري.
إن التجارة تحقن الدماء و تنقذ الأرواح وذلك عبر نشر ثقافة السلام و تقليل الحروب.
كما أنه لم يعد هناك شك في أن التجارة الأكثر حرّية تنقذ الأرواح أيضا من خلال زيادة الإزدهار وتوسيعه ليشمل المزيد ثم المزيد من الأفراد. فهذا الازدهار يمكّن عموم الأفراد، رجالا ونساءً، من أن يَنْعَموا بحياة أطول وأكثر صحة. فبهذه الحياة المديدة والصحية، وفي إطار سلمي، يمتلك الأفراد الأكثر اندماجا في الاقتصاد العالمي المجال للتمتع بالتجارب والخبرات الواسعة التي تضعها التجارة الحرّة بين أيديهم. كما تثرى الثقافة وتغنى من خلال الإسهامات التي تأتي من كل ربوع العالم بضاعة كانت أم أفكارا؛ وكل ذلك بفضل التجارة الحرّة.
لا شك أن التجارة الحرّة زادت من الازدهار المادي. ولكن أعظم هباتها لا يمكن بكل بساطة أن تقاس بالأموال. فأعظم الهبات هي الحياة التي أصبحت أكثر حرية وسلاما، في منأى عن وحشية الصراعات والحروب.
وبناء على ما تقدّم، نقوم نحن الموقّعون أدناه، بضم صوتنا لتقديم التماس إلى حكومات كل الأمم لرفض ومقاومة كل نداءات الجشعين وقصيري النظر الهادفة إلى وضع حواجز أكبر أمام التبادلات التجارية. وبالإضافة إلى ذلك، نناشد هذه الحكومات أن تقوم بإزالة كل الحواجز الحمائية التي تقف في طريق التجارة الحرة. ونقول لكل الحكومات: دعوا مواطنيكم يستمتعون ليس بثمار حقولكم ومصانعكم وعبقرياتكم فحسب، بل بتلك التي في العالم برمّته. وستكون المكافأة هي الإزدهار الأكبر، والحياة الأغنى، والتمتع بمزايا السلام.
لكي تضم صوتك لأصوات الموقعين على البيان، ومن أجل مبادئ لعالم يرفل بالسلام وحرية التجارة، ومن باب تغير المنكر، يرجى إرسال إلى [email protected] بالمعلومات التالية:
الاسم الكامل:
البريد الإلكتروني:
المهنة أو الجهة:
البلد:
أو الضغط على هذا الرابط
http://www.minbaralhurriyya.org/site/?q=petition
شاكرين تعاونكم وسنسعد بإدراج أسمائكم ضمن قائمة الموقعين على هذا البيان.
peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

كثرت التحاليل والتكهنات والقراءات في الصحف والإعلام حول أسباب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة، ولكن قراءة متأنية متفحصة لجوهر هذه القراءات ستلحظ سيادة مفهوم الذريعة الذي يخفي بدوره ذرائع أخرى مستترة، ليغدو منطق الذريعة بذاته هو ذريعة أخرى لخلط المفاهيم وإخفاء الأسباب الحقيقية لهذا العدوان المجنون.
تعددت الذرائع في الخطاب العربي السائد : من انقلاب حماس على الشرعية الفلسطينية ممثلة بمنظمة التحرير المختزلة بالسلطة الفلسطينية، إلى إلغاء التهدئة، إلى سجن مناصري فتح في سجون حماس، إلى  جعل غزة إمارة إسلامية أو موقع متقدم للخمينية الإيرانية في المنطقة العربية..
ومنطق الذريعة ليس جديدا، إنه يأتي دائما في الأوقات العصيبة لتبرير ما لا يبرر. نتذكر جيدا ذرائع العدوان الإسرائيلي على لبنان، حيث كانت الذريعة خطف الجنديين الإسرائيليين، لنكتشف بعد مضي زمن قصير وعلى لسان الإسرائيليين أنفسهم أن العدوان كان يعد له منذ زمن سابق. والطامة الكبرى أن الكتّاب والمحللين أنفسهم الذين روّجوا للذريعة آنذاك، هم أنفسهم من يروّج لمنطق الذريعة الحمساوية  الآن، دون أن يعتذر أحدا منهم أو يتراجع عن خطأ تحليله أو يصوّبه على ضوء نتائج الواقع، الأمر الذي يطرح تساؤلا أخلاقيا عن “ذريعة ” من يكتبون ؟ ولماذا يكتبون ؟
ومنطق الذريعة موجود منذ الحروب العربية الإسرائيلية الأولى، حين اتهم عبد الناصر بتقديم الذريعة لإسرائيل عام 67 بعد أن طلب مغادرة القوات الدولية، واتهمت المقاومة الفلسطينية بتقديم الذرائع لغزو جنوب لبنان، و هناك ذريعة الرئيس العراقي السابق صدام حسين باحتلاله الكويت وذريعة أسلحة الدمار الشامل، و..و…
يتحدث المحتجون على حماس بتقديمها الذريعة لإسرائيل، ويتناسى هؤلاء – إذ أخذنا بمنطقهم عن الذريعة- أن من ألغى حماس من المعادلة السياسية بعد فوزها بانتخابات نيابية نزيهة باعتراف الأوربيين والأمريكيين، ومن سكت على سجن النواب المنتخبين من حماس ( ومنهم رئيس المجلس التشريعي الفلسطيني المنتخب ديمقراطيا عزيز الدويك)، ومن كان يسجن ويلاحق حماس عندما كانت مشروع مقاومة فقط، هو من قدّم الذريعة لحماس لفعل ما فعلت.
ولنا أن نتابع ونقول لمن يتساءلون : هل أخذت حماس رأي أهل غزة  ؟ نسأل :هل أخذت السلطة الوطنية الفلسطينية السابقة رأي الفلسطينيين (جميعا ) عندما وقعت أوسلو؟ أي هل كان هناك شرعية ديمقراطية حقيقية لما كان سائدا قبل حماس،حتى نطالب حماس بالعودة إليه، ولماذا نتذكر الشرعية فقط فيما يتعلق بحماس فقط ؟ ولم منطق الذريعة يطبق عليها فقط ؟
كل الأسئلة السابقة تصبح مشروعة إذا أخذنا منطق الذريعة هذا، بحيث يصبح منطق الذريعة المستخدم هنا هو ذريعة لتغطية ذرائع أخرى أشد هولا وتنطبق بحذافيرها على سياسات الفريق الآخر الذي يدافع عنه منتجو (نظرية الذريعة) بطريقة تدعو للرثاء.
رغم ذلك نحن لا نأخذ بمنطق الذريعة، ونعلم أنّ لحماس أخطاءها الكثيرة وتهوراتها الخارجة عن لعبة السياسة والتوازنات، بدءا من برنامجها السياسي الذي يجعل أرض فلسطين وقف إسلامي، وهي كانت ومازالت ملتقى الديانات التوحيدية الثلاث(يهودية ومسيحية وإسلام)(لم تقل لنا حماس ماذا ستفعل بمسيحي فلسطين وأراضيهم؟ هل سيدفعون الجزية  بعد التحرير الشامل؟)
مرورا بدخولها اللعبة السياسية والديمقراطية تحت سقف الاحتلال، لأن ديمقراطية الاحتلال هي ديمقراطية زائفة لا تفضي إلا لإسباغ الشرعية على تصرفات الاحتلال وأعوانه، وليس انتهاءاً بتصرفاتها  الحمقاء بعد فوزها بالانتخابات (من فرضها الشريعة الإسلامية في غزة وتحويلها إمارة طالبانية وتصفيتها خصومها بمنطق القوة والبلطجة متناسية أن دخولها اللعبة السياسية يفرض عليها العمل وفق قوانينها، لأنها كانت تتصرف باسم السلطة، ومن يصل السلطة عليه أن يتصرف كأب للجميع وليس بمنطق الإقصاء والعزل وهي هنا تصرفت كما كانت السلطة الفلسطينية تتصرف(ومازالت) بمنطق الثأر وفرض الأمور بالقوة).
ولكن مهما كان خطأ حماس كبيرا،  هذا لا يبرر الاحتلال و قصف الأبرياء و اجتياح المدن، لأن الاحتلال لا ينتظر ذريعة. إن نظرية الذريعة تعطي الاحتلال شرعية يفتقدها وكأنه مكوّن أساسي من المكوّنات الأساسية التي ينبغي علينا ملاطفتها أو مداهنتها، أي تنسى النظرية هذه (أو تتناسى) أنه احتلال لا شرعية له، وأن مقاومته حق وواجب. وهو نفسه يدرك أنه احتلال لذا يبحث عن شرعيته بوسائل القوة والمجازر والقتل والدمار، أي أن نظرية الذريعة تعطي الاحتلال شيئا هو يرفضه !
وختاما نتساءل : هل احتاجت  إسرائيل لذريعة عندما تأسست ؟  وهل احتاجت مجازرها الدموية القديمة(دير ياسين – صبرا وشاتيلا) والحديثة(قانا 1وقانا2 وغزة حاليا) لذريعة ؟وهل انتصرت في 67 بذريعة ؟ وهل احتلت جنوب لبنان بذريعة ؟ وهل قصفت المفاعل العراقي بذريعة ؟ وهل ضربت الموقع السوري في دير الزور بذريعة ؟ وهل اغتالت الشهداء بذريعة المقاومة؟
هل ينتبه منتجو خطاب الذريعة أن إسرائيل تتمدد وتضرب وتقتل بوحشية، بينما ذرائعهم تبدو في أغلبها كمبرر لكل هذه الوحشية  متناسين أبسط حقوق الشعوب في المقاومة والدفاع عن حقوقها، والأهم حرية الشعوب في تقرير مصيرها على أرضها !
© منبر الحرية، 11 مارس 2009

إدريس لكريني18 نوفمبر، 20100

يعد البحث العلمي سواء في صورته المرتبطة بالعلوم الطبيعية أو تلك التي تنصب على مقاربة العلوم الإنسانية؛ أدق وأسمى الحقول المعرفية؛ فهو يعتمد على مناهج وسبل منظمة قوامها التجربة والملاحظة.. لاستجلاء الحقائق والمعارف والتأكد من الفرضيات بصدد مواضيع وقضايا مختلفة؛ بهدف التوصل إلى نتائج دقيقة تسهم في حل مشاكل وقضايا المجتمعات.
والإسهامات البحثية والفكرية يفترض أن تحمل قدرا من الموضوعية والأصالة والإبداع بما يسمح باحترام أصول وقواعد الأمانة العلمية؛ فهذه الأخيرة وعلاوة عن كونها تقتضي الإشارة إلى مصدر المعطيات والمفاهيم والتعريفات والإحصاءات.. ومختلف المعلومات التي وظفت في البحث دون تحريفها أو تشويها؛ فإنها تفرض عليه أيضا الالتزام بإدراج النتائج والخلاصات التي توصل إليها الباحث دون تحفظ أو مجاملة أو نقصان.
وتفيد العديد من التقارير والأخبار أن وتيرة السرقات العلمية تزايدت في السنوات الأخيرة في مناطق مختلفة من العالم بشكل عام؛ نتيجة لتطور وسائل الاتصال وما أحدثته ثورة الإنترنت في هذا الشأن؛ والتي سهلت عمليات وتقنيات هذه السرقات من جهة؛ وصعبت من جهة ثانية مأمورية المقاربة القانونية في هذا الشأن.
وهي سلوكات مشينة تنطوي على استعمال حقوق الملكية الفكرية للغير على نحو غير مشروع؛ وعلاوة عن كونها عمل غير قانوني تجرمه مختلف التشريعات الوطنية؛ والاتفاقيات الدولية؛ فهي سلوك لا أخلاقي ويتنافى مع أبسط الحقوق التي كفلتها التشريعات المحلية والدولية للإنسان. ذلك أن الثانية من المادة 27 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان تشير إلى أن “لكل فرد الحق في حماية المصالح الأدبية والمادية المترتبة على إنتاجه العلمي أو الأدبي أو الفني”.
وإذا كان من المألوف أن نجد هذه السلوكات المنحرفة في المجالات الصناعية وما يرتبط بها من ملكية صناعية؛ أو في أوساط بعض الباحثين المبتدئين أو بعض الكتاب المغمورين إما عن قصد بهدف الربح المادي أو الشهرة أو سعيا للترقية في سلم الإدارة.. أو نتيجة للأخطاء وقلة الوعي.. فإن الممارسة والواقع يثبتان يوما بعد يوم تورط العديد من الأساتذة والباحثين الجامعيين في هذه المنزلقات؛ سواء تعلق الأمر منها بترجمة أو نقل الكتب والأطروحات والمحاضرات الأجنبية وغيرها ونشرها أو عرضها على الطلبة باعتبارها إنتاجا وإبداعا شخصيا؛ أو بالترامي على أفكار الغير واستنتاجاتهم بشكل جزئي أو كلي دون الإشارة إلى مصادرها وأصحابها..
والسؤال الذي يظل مطروحا في مثل هذه الحالات: كيف يمكن لمتورط في هذه الممارسات أن يتحمل مسؤولية تربية وتعليم النشء وتلقينه مبادئ وقيم البحث العلمي ومناهجه؟ وكيف يمكن أن يستأمن على مؤسسات حيوية بالمجتمع والدولة؟
ويبدو أن تفشي هذه الظاهرة في الأوساط الأكاديمية العربية؛ لا يمكن فصله عن الأزمة التي يعرفها الحقل الجامعي والبحث العلمي في الأقطار العربية بشكل عام.
إن حجم الاستثمار في مجالي التعليم والبحث العلمي؛ أضحى معيارا ومؤشرا أساسيا لقياس مستويات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.. داخل الدول. وتعتبر الأقطار العربية من ضمن أكثر الأقطار حاجة إلى تطوير قطاعي التعليم والبحث العلمي والمراهنة عليهما في تنميتها؛ كسبيل للحاق بركب الدول المتطورة في هذا الشأن.
وإذا كان التعليم بكل مستوياته يعد أحد أهم المداخل الرئيسية لتحقيق تنمية حقيقية محورها الإنسان؛ وبوابة لإعمال تنشئة اجتماعية بناءة قادرة على إعداد جيل مبدع وخلاق، فإن عددا من الأبحاث والتقارير المحلية والدولية تشير إلى المأزق الذي تعرفه منظومة التعليم في عدد من الأقطار العربية؛ نتيجة لضعف الاعتمادات المالية المرصودة لهذا المجال الحيوي؛ ولعجز المؤسسات التعليمية عن مسايرة مختلف التطورات العلمية؛ وعدم انفتاحها على المجتمع؛ بالإضافة إلى اعتمادها مناهج وطرق تعليمية جامدة ومتجاوزة؛ ترتكز إلى الحفظ والتلقين والشحن؛ عوض الفهم والمناقشة والإبداع والتحفيز على طرح السؤال؛ وفي ظل نظم تعليمية وتربوية عقيمة؛ أغلبها ينحو للماضي أكثر منه إلى الحاضر والمستقبل؛ ويكرس التقليد والتبعية بدل الاجتهاد والإبداع. الأمر الذي يجعل شهادات العديد من خريجي المعاهد والجامعات لا تعكس المستوى العلمي الحقيقي لحامليها.
وكنتيجة موضوعية لهذه الوضعية أصبح البحث العلمي العربي في السنوات الأخيرة يعرف مجموعة من الاختلالات والمشاكل المرتبطة بظهور عدد من الكتب والأبحاث والدراسات العقيمة التي تغيب فيها الأصالة ومقومات البحث والأمانة العلميين.
ونظرا لارتباط ظاهرة السرقات الفكرية بالاعتداء على حق من أهم الحقوق المكفولة للإنسان؛ وللخسائر المادية والمعنوية التي تترتب عنها والتي تتجاوز في تداعياتها ومخاطرها حدود الدول في ظل تشابك العلاقات الدولية وتسارعها؛ سعى المجتمع الدولي منذ فترات مبكرة إلى نسج عدد من الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية والجماعية؛ أهمها الاتفاقية العالمية لحقوق المؤلف؛ على طريق وضع حد لهذه الممارسات السيئة واحتوائها ضمن سياق الاعتراف المتبادل بهذه الحقوق.
وقد تم الإقرار لأول مرة بأهمية الملكية الفكرية في اتفاقية باريس بشأن حماية الملكية الصناعية سنة 1983، كما تعد اتفاقية (برن Bern) بشأن حماية المصنفات الأدبية والفنية التي اعتمدت بتاريخ 9 شتنبر 1886؛ من أقدم الاتفاقيات الدولية في مجال الملكية الأدبية والفنية. وبالرغم من مشاركة معظم الدول العربية في منظمة أو اتحاد دولي لحماية الملكية؛ فإن تطور قانون الملكية الفكرية في معظم الأقطار العربية مازال متعثرا ولم يرق إلى حجم التحديات المطروحة.
ويكاد يجمع الباحثون والمهتمون على أن ظاهرة الاعتداء على الملكية الفكرية تنتشر عادة وبشكل صارخ في أوساط الدول المتخلفة؛ كمؤشر عن عدم إيلاء صانعي القرار الاهتمام للفكر والإبداع بشكل عام؛ وعدم مواجهة مرتكبي السرقات بالصرامة والزجر المطلوبين؛ على عكس الدول المتقدمة التي تواجه الظاهرة بإجراءات وتدابير وقائية وزجرية صارمة؛ تضيق من فرص حدوثها.
لقد صادقت عدة أقطار عربية على مختلف المعاهدات المرتبطة بهذا الشأن؛ ومنها من أصدر تشريعات في هذا الخصوص كمصر؛ المغرب، سوريا..؛ غير أن جمود القوانين وعدم مسايرتها لتطور وسائل هذه القرصنة المعتمدة على تطور التكنولوجيا الحديثة، إضافة إلى وضعية القضاء وما يحيط به من مشكلات مرتبطة بعدم الصرامة في فرض احترام القوانين؛ أو اقتصار العقوبات على بعض الغرامات المالية..؛ تفرغ هذه الضوابط من كل فعالية؛ الأمر الذي لا يشجع العديد من ضحايا القرصنة إلى اللجوء إلى القضاء..
وأمام هذه الوضعية؛ يكتسي فضح سلوك مقترفي السرقات العلمية أهمية وضرورة قصوى؛ بالنظر إلى فعاليته ونجاعته في صد وردع هذه الممارسات.
ونقصد بذلك؛ العمل على فضح هذه السلوكات إذا ثبت حدوثها بالفعل؛ والترويج لها على نطاق واسع، وهي مهمة يفترض أن تتحملها مجموعة من الجهات من باحثين وجامعات وإعلام ومراكز للأبحاث.. كإجراء لردع مقترفي هذه السلوكات؛ وتكريس ثقافة تقر بأهمية هذه الملكية وتؤمن بضرورة مواجهة الممارسات المسيئة لها.
إن اللجوء إلى تقنية الفضح يجد مبرراته في كون عدد كبير ممن يتعرضون لهذه السرقات يمتنعون عن اللجوء إلى القضاء؛ لقناعتهم بعدم فعاليته ونجاعته في ردع هذه الأعمال أو لاعتبارهم أن المسألة أضحت عادية ومعهودة ولا تستدعي اهتماما كبيرا؛ كما أن الحكم القضائي إذا ما صدر في هذا الصدد؛ وعلاوة عن كونه غالبا ما يقتصر في مضمونه على تعويض الضحية دون اتخاذ إجراءات تأديبية تمنع الجناة من مزاولة مهام البحث والتعليم بشكل نهائي أو لفترات محددة أو من المشاركة في الندوات واللقاءات أو في المؤسسات العلمية..؛ يظل في الغالب محدود الإشعاع؛ بحيث يقتصر العلم بمضمونه على الجاني والضحية والقاضي فقط.
والفضح من هذا المنطلق؛ لا يعني الامتناع عن اللجوء إلى القضاء؛ فاللجوء إلى هذا الأخير ضروري في جميع الأحوال؛ مع الترويج لهذا السلوك في حالة التأكد من وقوعه، بل ينبغي أيضا الترويج للقرارات القضائية التي تصدر في حق الجناة بهذا الصدد؛ حتى تفي بوظيفتها وهدفها المطلوب.
© منبر الحرية، 21 فبراير 2009

peshwazarabic18 نوفمبر، 20100

في الوقت الذي تناشد فيه الدول الكبرى دول الخليج العربي المساهمة في حل الأزمة المالية العالمية وتوجيه استثمارات الصناديق السيادية إليها، تلوح في الأفق أزمة تكاد لا ترى حلّا ناجعا لها في ظل السياسات المتّبعة إلى الآن والتي أثبتت فشلها بواقع الأرقام والحقائق.
إنها أزمة البطالة في العالم العربي والتي جاءت الأزمة المالية العالمية لتعمّق من حجمها وتزيد من خطورتها ما يستوجب معها تحرّكا سريعا من الدول العربية وفق خطّة إستراتيجية ومنهجية مع ما يتطلّبه ذلك من تفعيل وتحرير التجارة البينية وتحقيق التكامل العربي الاقتصادي.
واقع صعب ومر
في الوقت الذي تشير فيه جميع التقديرات إلى أن معدلات النمو العربية ستنخفض إلى أدنى حد لها في السنة القادمة متأثرة بتداعيات الأزمة المالية العالمية مما من شأنه أن يخفّض الإنفاق في ظل انكماش العجلة الاقتصادية، يؤكّد تقرير حديث لمنظمة العمل العربية على أن الوضع الحالي للبطالة في المنطقة العربية يعدّ الأسوأ بين جميع مناطق العالم من دون منازع، وأنه في طريقه لتجاوز كل الخطوط الحمراء حيث تخطّت نسبة البطالة الـ 14%، وبلغ عدد العاطلين عن العمل أكثر من 17 مليون شخص، وينبّه تقرير لمنظمة العمل الدولية إلى إمكانية أن يصل عدد العاطلين عن العمل في البلدان العربية عام 2010 إلى 25 مليون عاطل، 60% تقريبا منهم دون سن الخامسة والعشرين، وتتوقع مصادر أخرى أن يقفز هذا الرقم إلى 80 مليون عاطل بحلول عام 2020، علما أن هناك بعض التقارير الاقتصادية ومنها تقرير الوحدة الاقتصادية في الجامعة العربية يقدّر معدّل البطالة الحالي في الوطن العربي بين 15% و20%.
وتشير دراسة اقتصادية حديثة في إطار “مبادرة شباب الشرق الأوسط” إلى أن كلفة البطالة في 11 دولة عربية تصل إلى 25 بليون دولار سنوياً، أي ما نسبته 2.3 % من إجمالي الناتج المحلي. واستنادا إلى تقديرات منظمة العمل العربية، فكل زيادة في معدل البطالة بنسبة 1% سنوياً تنجم عنها خسارة في الناتج الإجمالي المحلي العربي بمعدل 2.5%، أي نحو 115 مليار دولار، وهو ما يعني ارتفاع المعدل السنوي للبطالة إلى 1.5 وارتفاع فاتورة الخسائر السنوية إلى أكثر 170 مليار دولار، علما أن هذا المبلغ يمكن أن يوفر نحو 9 ملايين فرصة عمل وبالتالي تخفيض معدلات البطالة في الوطن العربي إلى ربع حجمها الحالي.
علما أن التقديرات تفيد إلى وجوب استثمار حوالي 70 مليار دولار إذا ما أردنا الحفاظ على المعدّل الحالي للبطالة، وتوفير فرص عمل جديدة تناسب الداخلين الجدد إلى سوق العمل والذين يقدر عددهم بحوالي 4 ملايين شخص سنويا.
مفارقات واقعية غريبة
وللمفارقة، ففي الوقت الذي يعاني فيه الوطن العربي من هذه الأرقام المخيفة في البطالة، نجد أن عدد الأجانب العاملين في الدول العربية يتزايد بشكل مستمر، ونسبة كبيرة من هؤلاء من غير المختصّين وحملة الشهادات، ما يعني أنها عمالة ذات مستوى منخفض، وقد بلغ عددها حوالي نصف مليون عامل عام 1975 ووصل إلى 8.8 ملايين عام 2000.
ورغم أن البعض يشير إلى تراجع هذه الأرقام في السنوات القليلة الماضية، إلاّ أنها عادت لترتفع مجددا، حيث تفيد التقديرات أن هناك ما لا يقل عن 9 ملايين عامل أجنبي، يتمركز معظمهم في دول الخليج، وتنقل بعض المراجع أن المملكة العربية السعودية التي تعد اكبر مصدّر للنفط في العالم أصدرت حوالي 1.7 مليون تأشيرة عمل العام 2007 (أرقام أخرى تشير إلى نحو 700 ألف) وهو رقم قياسي في الوقت الذي تعاني فيه من نسبة بطالة تبلغ حوالي 11% رغم الجهود الحثيثة للحد منها في.
المفارقة الثانية هي أن عدد العاطلين عن العمل بارتفاع مستمر على الرغم من أن الفترة السابقة لتداعيات الأزمة المالية العالمية شهد أعلى معدلات للنمو الاقتصادي في البلدان العربية على الإطلاق، مترافقة مع تدفق عائدات مالية ضخمة لدى الدول العربية المصدّرة للنفط، واستفادت الدول الأخرى الغير مصدّرة من هذه العائدات على شكل تدفقات استثمارية وصلتها إثر السيولة الضخمة التي تكونّت لدى الدول النفطية. إذ يذكر تقرير لصندوق النقد الدولي أن نمو اقتصادات دول المنطقة استمر في تخطي معدل النمو العالمي البالغ نحو 5% للسنة السادسة على التوالي خاصة دول الخليج العربي. وعلى الرغم من الأداء القوي هذا، واستمرار صعود الفائض المالي في المنطقة، فإن رقم البطالة تضاعف في معظم دول المنطقة عن تلك الفترة.
ولنا أن نتصوّر الوضع الآن في ظل الانعكاسات السلبية الضخمة للأزمة المالية العالمية ووضع الدول العربية بالنسبة لها. إذ تلفت اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا التابعة للأمم المتحدة ”أسكوا” إلى أن نصف سكان العالم العربي يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، حيث جاء في دراسة صادرة عنها “أن صورة العرب الأثرياء هي الصورة الطاغية، إلا أن الواقع يظهر أن بين 40% إلى 50% من السكان يعيشون بأقل من دولارين يومياً”.
مسّببات متنوعة ومتعددة للبطالة
1- تدني المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات ومتطلبات سوق العمل من جهة، وعدم خلق وظائف جديدة من جهة أخرى، وهو الأمر الذي يؤدِّي إلى تراكم أعداد هائلة من خريجي الجامعات في صفوف الباحثين عن العمل، وبالتالي إلى زيادة نسبة البطالة لدى المتعلّمين وحملة الشهادات أكثر من أي فئة أخرى، وهو ما تؤكده التقديرات التي تقول أن معدلات البطالة بين الأميين هي الأدنى في غالبية البلدان العربية، في حين ترتفع هذه المعدلات في صفوف ذوي التعليم الثانوي والمتوسط والجامعي، لتبلغ عشرة أضعاف في مصر، وخمسة أضعاف في المغرب، وثلاثة أضعاف في الجزائر، مما يعني أن غير المتعلمين أكثر حظا في العمل من المتعلمين في البلدان العربية.
2- انتشار الفساد والمحسوبيات التي تحرم الشاب الكفوء والمتعلّم من الحصول على الوظيفة التي يستحقها عبر المباراة لصالح من هم اقل مستوى أو تعليم أو اختصاص منه.
3- ضعف الاستثمار الداخلي، وتوجيه الأموال العربية إلى الخارج بدلا من توظيفها في سبيل خلق اقتصاد إنتاجي يقوم على العلم والمعرفة ويوظّف القدرات والطاقات البشرية في سبيل خلق قيمة مضافة تؤدي إلى ضمان هيكلية اقتصادية مستقبلية بعيدا عن الاقتصاد الريعي والاستهلاكي الغير منتج الذي يساعد على تزايد معدلات البطالة لقدرته المحدودة على استيعاب وظائف جديدة، علما أن حجم الاستثمارات العربية الموظّفة خارجا يقدّر بـ 1400 مليار للعام 2005 أي قبل الطفرة وارتفاع أسعار النفط في الفترة السابقة التي زادت بالتأكيد من حجمها.
4 – استنزاف معظم الموارد العربية خاصة إبان فترة الازدهار الاقتصادي اثر الفوائض المالية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط في الإنفاق على التسلح، وتمويل الحروب التي اندلعت في المنطقة، حيث يعدّ العالم العربي من اكبر دول العالم إنفاقا على التسّلح قياسا بالناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب الفساد و تراكم الديون وخدمة هذه الديون.
5- العزوف عن التوجه إلى العمل الحر لغياب الدعم المالي والمبادرة والتشجيع من قبل الدولة أو القطاع الخاص إلى جانب تفضيل الشباب عدم المغامرة بسبب المسؤوليات والمهام الملقاة على عاتقهم في تحمّل عبء العائلة التي ينتمون إليها.
6- الافتقار إلى قواعد بيانات وإحصاءات حول طبيعة وعدد ونوع الوظائف المتوافرة إلى جانب عدد واختصاص وتوجه الباحثين عن عمل، وهو الأمر الذي يضفي غموضاً على حجم سوق العمالة في الوطن العربي ويجعله يسير بشكل عشوائي بعيدا عن أية آليات أو ضوابط.
© منبر الحرية، 16 فبراير 2009

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018