الممارسات السياسية العربية

peshwazarabic11 نوفمبر، 20101

يفرض الانقسام الفلسطيني- الفلسطيني الحاصل منذ حزيران (يونيو) 2007، حين سيطرت حماس على قطاع غزة بالقوة، كثيرا من التساؤلات حول حقيقة هذا الانقسام، وخصوصا أنه ما يزال يتعامل معه على أنه انقسام سياسي، أي انقسام في النظام السياسي  وعليه.
منذ حزيران 2007 إلى الآن تجلت كثيرٌ من الوقائع  والأحداث الاجتماعية التي كان محركها الانقسام الفلسطيني، فالانقسام الذي بدأ سياسيا قد مست مفاعيله البنية الاجتماعية للفلسطينيين.
وفي استطلاع للرأي نفذه مركز معلومات وإعلام المرأة الفلسطينية في غزة، حول مدى تأثر العائلة الفلسطينية بحال الانقسام الداخلي، أفاد أن النسبة الأكبر من الأسر الفلسطينية في قطاع غزة تأثرت بشكل واضح بحالة الانقسام التي نتجت عن الصراع بين حركتي فتح وحماس، وأفاد84.6  %من أفراد العينة أن عائلاتهـم قد تأثرت بهذا الصراع والانقسام.  في حين أفاد62   % بأن حال الانقسام والصراع الداخلي الفلسطيني تسببت في حدوث مشاكل عائلية داخل أسرهم، وأفاد  19.9% بأنها وصلت إلى حد استخدام العنف أو التهديد به.  وفي كثير من الأحيان أدت هذه الانقسامات إلى  قطع الصـلات العائلية. وردا على سـؤال حول مدى التشـاؤم أو التفاؤل بالمسـتقبل؟  أفاد حوالي 50  % من أفراد العينة أنهم متشائمون حيال المسـتقبل، بينما أفاد 41  % منهم أنهم متفائلـون. ولمعرفة تأثير الانقسام الداخلي على الحياة الاجتماعـية الفلسطينية ومدى تأثر العلاقات الأسـرية من ناحية اختيار الزوجات والزواج بهذه المسألة أجاب 71.1% من أفراد العينة أنه أصبح للانتماء السـياسـي لفتح أو حماس تأثير كبير في اختيار الزوجات والأزواج بينما أجاب 25 % من أفراد العينة بأن الانقسام الداخلي لم يؤثر عليـهم من هذه الناحيـة، وأفاد 3.9% بأن لا رأي لهم . وردا على سؤال فيما إذا كانت علاقات أطفالكم مع أصدقائهم أو زملائهم في المدارس قد تغيرت جراء حالة الانقسام أجاب 68.1 % من أفراد العينة، إن علاقات أطفالهم مع زملائهم في المدارس وأصدقائهم قد تضررت جراء الانقسـام الداخلي. والإجابة الأخطر الذي عكسها هذا الاسـتطلاع كانت حول الموقف من مسـألة الهجرة للخارج. فقد أفادت أغلبية كبيرة وبنسـبة 47.8 % بأنهم يفضلون الهجرة للخارج إذا سنحت لهـم الفرصة بينما فضل 45%من أفراد العينة البقـاء في الوطن حتى لو سـنحت لهم فرصـة الهجرة. بينما أفاد 7.2% بأنه لا رأي لهم
.
وتفيد تقارير صادرة عن المحاكم الشرعية الفلسطينية، عن ارتفاع نسبة الطلاق في العامين الأخيرين، خصوصاً في قطاع غزة، وبأن من بين أسباب ارتفاع هذه النسبة الخلافات الحزبية بين الزوجين، أو بين أحد الزوجين وأسرة الآخر(الحياة، 21 فبراير 2010).
التساؤلات التي تدور في خلد من يراقب هذه الصورة المأساوية التي تعكسها هذه البيانات: هل جذر الانقسام الفلسطيني سياسي أم اجتماعي؟ وهل الفلسطينيون منقسمون اجتماعيا قبل انقسامهم سياسيا ؟ أم أن الانقسام السياسي أدى إلى الانقسام الاجتماعي؟ وإذا كان الأمر كذلك ألهذا الحد بلغت البنية الاجتماعية الفلسطينية  من الترهل والسوء مبلغا  لا يمكن تخيله أو تحمله؟ ألهذا الحد كان العامل السياسي طاغيا في تشكيل الاجتماعي؟ أم أن أسباب هذا الانقسام هو ترهل واهتراء البنيتين الاجتماعية والسياسية معا؟  وأين المجتمع المدني الفلسطيني الذي تشكل إبان تأسيس السلطة الوطنية وشهدنا فيها بزوغا لهذه المؤسسات المدنية وأخذت على عاتقها نشر القيم الديمقراطية وقيادة التحول الديمقراطي ومراقبة أداء النظام السياسي، فما فائدتها إذا كانت المحصلة صفر؟
من الصعوبة بمكان دراسة العمل السياسي بدون الأخذ بعين الاعتبار العوامل الاجتماعية. لذا فإن هذه التساؤلات تقع ضمن اختصاص علم الاجتماع السياسي. ومن هنا فإن اكتشاف الضعف والترهل في الواقع الحالي يتطلب قراءة هذا الواقع من منظور علم الاجتماع السياسي الذي يربط بين  الوقائع السياسية بعضها بالبعض الآخر، ويربط بين هذه الأخيرة والوقائع غير السياسية، سواء أكانت هذه الوقائع اجتماعية أو اقتصادية أو دينية أو أخلاقية أو ثقافية.  فالتأثير بين المجتمع والنظام السياسي، بين البنى الاجتماعية والمؤسسات السياسية هو تأثير حتمي لا فكاك منه، لأن الواقعة السياسية هي واقعة اجتماعية، وأن المجتمع “كل” يتكون من مجموعة من العناصر التي يعتمد بعضها على البعض الآخر، فهذه العناصر لا تكون لوحدها عوالم منغلقة ومنعزلة بعضها بالنسبة إلى البعض الأخر.
وفي ضوء هذه الرؤية المنهجية التي يتعين قراءة هذه البيانات من خلالها. يمكن القول إن هذا الانقسام طال أهم بنيتين اجتماعيتين وهما: الأسرة والمدرسة.
فقد لعبت الأسرة الفلسطينية دورا بارزا في التنشئة السياسية، فتفجير الانتفاضة الأولي عام 1987 من شباب وأطفال الحجارة ليس إلا تعبيرا عن الأسرة الفلسطينية وبدورها في التنشئة السياسية التي حافظت على الهوية القومية للطفل الفلسطيني بعد أن زيفت سلطات الاحتلال الإسرائيلي كل المقررات الدراسية، ونزعت منها أي بعد قومي، وبعد أن ركنت سلطات الاحتلال إلى أن الجيل الجديد نشأ وتربى في ظروف ستجعله أقل مقاومة ورفضا للاحتلال، إذا بها تفاجأ الأسرة الفلسطينية وقد أخرجت لهم جيلا أقوى وأصلب وأقدر على المقاومة، ولم يكن ذلك إلا برهانا قويا على أن دور الأسرة في التنشئة السياسية  يمكن أن يكون هو خط الدفاع الوحيد أمام الشعوب والأمم في مراحل معينة من حياتها السياسية. وهنا تبرز التساؤلات في ضوء البيانات السابقة التي تبين ضعف الأسرة الفلسطينية وتراجع دورها: لماذا تأثرت الأسرة بهذه السرعة بالانقسام السياسي؟ ولماذا أصابها الانقسام والفرقة والتناحر؟ ألهذا الحد بلغت الأسرة  مبلغا من الضعف والترهل ؟! ألهذا الحد كانت غير محصنة ومخترقة سياسيا؟! لماذا فقدت دورها في أن تكون حاضنة ومصدر أمنٍٍ وأمان لأبنائها في الوقت الذي يفتقدون فيه للأمن النفسي والاجتماعي في ظل الاحتلال الصهيوني الإحلالي؟ ولماذا فقدت الأسرة هذا الدور التي لطالما كانت سداً منيعاً في السابق وحصنا دافئا لأبنائها؟
تشير البيانات أيضا أن الانقسام طال طلبة المدارس والجامعات. ومن المعروف أن المدرسة هي البيئة الثانية التي يواجه فيها الفرد نموه وإعداده للحياة المستقبلية، ويأتي دورها بعد دور الأسرة حيث إن دورها لا يكتمل إلا بما تضفيه المدرسة من مبادئ تسهم في تشكيل شخصية الفرد، وذلك بما تحتوي عليه من المناهج وما يدرسون من المواد، وعن طريقها يستكمل المواطن ما بدأته الأسرة من تربية وتعليم. وهكذا تلعب المدرسة في الأعداد السياسي للنشء دورا مكملا للأسرة. ولكن واقع الحال وتأثر المدرسة والجامعة بالانقسام الفلسطيني يؤكد أن هذه المؤسسات لم تكن محصنة كما يجب، بل كانت سهلة الاختراق وسهل التأثير فيها وإقحامها في غياهب الصراعات الداخلية: فأين المؤسسة التعليمة ؟ أين النظام التعليمي الفلسطيني؟ أين المناهج الفلسطينية الحديثة التي شرعتها السلطة الفلسطينية واحتوت قيماً سياسية من قبيل العدل والتسامح والمساواة وحقوق الإنسان والحرية والديمقراطية؟ أين المؤسسات الفلسطينية المستقلة؟ ولماذا عجز الفلسطينيون عن تشكيل بنى مستقلة تتوسط بين النظام السياسي والعائلة وتكون حصنا منيعا وإطارا حاميا من توغل الاستبداد السياسي  وعند انهيار النظام السياسي ؟
والأنكى أن غالبية من شارك في الاقتتال الفلسطيني الداخلي هم من جيل المراهقين والشباب التي تتراوح أعمارهم ما بين 15- 25 سنة، هذا الجيل تربى في ظل وجود سلطة وطنية فلسطينية، فأين هذه المناهج الحديثة التي تواكب التطور والحداثة ونشأ عليها هذا الجيل إذا كانت المحصلة صفر؟ ألهذا الحد كانت المؤسسة التعليمة مهترئة ومتآكلة؟ أم أنها كانت مخترقة سياسيا تقوم بدور سياسي تحريضي تعبوي أكثر منه تعليمي وتثقيفي ؟ ولماذا عجزت المؤسسات التعليمية في المساهمة في تحقيق التكامل السياسي من خلال ما تبثه من ثقافة سياسية قومية؟  ألهذا الحد افتقد هذا الجيل إلى القدوة الحسنة والنموذج الذي يحتذي به؟ أين القيم التي تحث على التواصل والتآزر والتماسك؟ هل تحول المواطن إلى كائن استهلاكي أناني فردي؟
مما لا شك فيه أن الشعب الفلسطيني صمد صمودا بطوليا في وجه أعتى قوة في العالم، وقدم تضحيات وبطولات من أجل الوطن وفي سبيل الله. ولا يخامرنا أدنى شك في نبل وتضحيات وبطولات الشعب الفلسطيني في مواجهة التحدي الصهيوني. ولكن ما يثير الاستغراب هو ضعفه في مواجهة  الأخطار الداخلية ومواجهة الذات والعمل على نقدها وكشف عيوبها ومثالبها. فهذا التحدي الخارجي لم يقابله بنى  داخلية قوية رصينة توازيه في المقدار، بل ضعفا داخليا مشينا وعجزا فاضحا على مجابهة الأخطار الداخلية. إن المجتمع الفلسطيني في أمس الحاجة إلى امتلاك ثقافة النقد الذاتي وإلى الحرية الفكرية والجرأة الكبيرة. إذ تعاني المؤسسات الفلسطينية أشد المعاناة من ضآلة وضعف الإسهامات الفكرية في مجال النقد الذاتي. إن إخمادنا للنقد الذاتي وحرية الفكر يعني قتلا للعقل وتعطيل ثقافة النقد الذاتي وهي بداية الطريق إلى الانحدار والهزائم والتخلف السياسي والاجتماعي، فصعود المجتمعات وتقدمها  مرتبط بامتلاكها حرية التفكير والعقل والنقد الذاتي الذي يعتبر جزءًا أساسيا من عملية التطوير والتقويم المستمر وترشيد السلوك، وطالما كان الأمر كذلك، فما أحوج هذه المؤسسات إلى ثقافة النقد الذاتي، من أجل ترشيدها، وتخليصها من أمراضها.
والخلاصة التي تؤكدها هذه البيانات أن البنية التحتية للمجتمع الفلسطيني هي بُنية عصبوية لم تتطور اجتماعيا وسياسيا وثقافيا بما يؤهلها لتكون ضاغطة على النخب السياسية، وناظمة للتفاعلات السياسية، وضمانة لنفاذ القواعد الدستورية، وبالتالي حاضنة للتحول الديمقراطي الذي يشهد تقهقرا في الأراضي الفلسطينية . وعليه فإن المجتمع الفلسطيني لم ينجح حتى الآن في إحداث تحولات بنائية شاملة والخروج من إطار العصبوية الاجتماعية والسياسية وتشكيل بنى سياسية واجتماعية حديثة ومتطورة.
إن الواقع الفلسطيني اليوم ملئ بالمشكلات التي تراكمت تاريخيا وأحدثت تفكك وترهل  في المجتمع والنظام السياسي معا معطوفا على انهيار أخلاقي وقيمي، فعندما يجرؤ فلسطيني على قتل أخيه الفلسطيني فنحن أمام انهيار أخلاقي وقيمي وليس انهيارا سياسيا فحسب. إن اهتزاز الثوابت الأخلاقية التي تمثل المرجعية العليا وضمير الجماعة ومعايير السلوك التي تحدد ما يجب أن يكون عليه هذا الأخير، فهذا مؤشر على عقم واهتراء كل المؤسسات الفلسطينية ابتداء من الأسرة مرور بالمدرسة والجامعة وانتهاء بالحزب السياسي، وتصبح هذه التشكيلات غير قادرة على التعامل مع الواقع وضبطه وتقنينه. فلا غرو والحالة هذه أن تكون النتيجة هي أن يمر المجتمع السياسي بحالة من الفوضى، مما يمهد الطريق إلى  البحث عن مطلقات وثوابت أخرى  تكون قادرة على أن تضبط واقع الاجتماع السياسي، فما يجري اليوم هو تيه وجهل سياسيين، نتيجة أن الأنساق الفكرية والفلسفية والبنى الاجتماعية والسياسية تعرضت للاهتزاز .  ويتحمل مسؤولية الوصول إلى هذا الوضع  كل من ساهم في تلك الحالة أو وافق عليها أو لم يعترض عليها  أو تواطأ معها، وهي مسؤولية تاريخية مستمرة مهما مضى من الزمان. والكل يتحمل المسؤولية بمقدار وظيفته ودوره في البناء الاجتماعي والوطني.
فبعد أن أثبت التاريخ أن لاوحشية الاحتلال الصهيوني وجبروته استطاع أن يلغي الشعب الفلسطيني أو يضعف انتمائه لوطنه، ولكن وصول الوضع الفلسطيني إلى حد التفكك سوف ينعكس على حالة الانتماء هذه،  وبخاصة أن البيانات المذكورة أعلاه تؤكد أن نسبة الهجرة هي نسبة عالية وسوف تزداد إذا بقي الوضع على حاله، واستمر انشطار العقل السياسي والبناء الاجتماعي، وسيُهزم وطن أمام سياسات فاشلة وعصبوية اجتماعية قاتلة. فضلا عن الانقسام السياسي بين قطبي النظام: فتح وحماس. كل ذلك يأتي في ظل انحسار اليسار الفلسطيني، وضعف التشكيلات السياسية الأخرى، وأخيرا الدور الضعيف وغير المؤثر للمنظمات الأهلية وباقي تشكيلات “المجتمع المدني الفلسطيني”. وعليه لا مراء والحالة هذه أن البنيتين الاجتماعية والسياسية تعيش حالة اهتراء وخواء، وأن كلا البنيتين في حالة تفكك مستمر فضلا عن تآكلهما
لا نورد هذا التحليل ليكون مبعثا على التشاؤم، بل لأن بداية المعالجة هو التشخيص السليم. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لنبين تأثير الانقسام على البنى الاجتماعية التي  لم تنل الاهتمام الكافي، لطغيان التحليل السياسي، والاهتمام بالقضايا الكبرى، وتقديم الموضوع السياسي الوطني على الهم الاجتماعي والديمقراطية، دون أن نعير الاهتمام بالقضايا الصغرى أي اهتمام. ومن ناحية ثالثة لنوضح خطورة ما وصل إليه الوضع الفلسطيني  من خطورة مما يتطلب إعمال العقل والنقد الذاتي والمراجعة الشاملة وبخاصة للعقدين الأخيرين من حياة الفلسطينيين، وضرورة إنجاز عقد اجتماعي وطني جديد. وأخيرا لتبيان أن ثمة أزمة بنيوية  ووظيفية شاملة تطال البنى الاجتماعية والسياسية والعلاقات والمفاهيم وأشكال العمل السائدة في السياسة الفلسطينية.
© منبر الحرية ، 18 ماي /أيار2010

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

سيطر تعبير الديمقراطية على الخطاب العربي في السنوات القليلة الماضية. ولو عدنا قليلا إلى السبعينات والثمانينات من القرن العشرين لوجدنا أن التعبير لم يكن مستخدما، بل سيطر التشاؤم على آفاق قيام ديمقراطية في بلاد العرب. اليوم يعود التعبير إلينا بقوة  في ظل تطورات إقليمية وعربية كبيرة.  ففي العراق تجربة جديرة بالمتابعة لقيمتها السياسية والإنسانية، وفي الكويت تجربة جديرة بالتقدير وبنكهة عائلية قبلية دينية، وفي لبنان ديمقراطية بنكهة طائفية لكنها جديرة بالتقدير أيضا. وفي مصر إرهاصات كبرى مع عودة البرادعي الذي بدأ تحركات شعبية قد تفرض نفسها على جميع المعادلات، وفي المغرب تحولات، وفي الأردن تساؤلات كما في سوريا ربيع هادئ وآخر يميل للسخونة، وفي السعودية ملك مصلح، ولكن الأهم: المجتمع السعودي يخوض تجربة تساؤل ربما تكون الأجرأ في تاريخه والأجرأ في العالم العربي في هذه المرحلة. إننا في الطريق لشيء جديد سيأخذ وقتا لينمو ويزدهر ويكشف عن وجهه.
العالم العربي من أكثر الأماكن التي تعاني من العبث السياسي.  السياسة لدى العرب لم تكن في الماضي وحتى اليوم إلا سياسة قادة سيطروا على الاقتصاد وعلى مقادير المجتمع بعيدا عن المنافسة الصادقة. لقد سيطر في البلاد العربية حكم الاستخبارات قبل حكم المعلومات والعلم، وحكم القوة قبل حكم الحكمة، وحكم العائلات وفروعها والقبائل قبل حكم المؤسسة والدولة بصفتها مساحة الجميع. في النهاية دخل النظام العربي برمته من خلال فؤيته بعرض الحائط وهو لازال يقف عند الحائط غير قادر على التحرك خطوة واحدة للأمام.
عصر الإصلاح سوف يبرز من هذه الظروف الصعبة. لكن مراحل التحول الإصلاحي والديمقراطي لن تكون ممكنة بلا مجتمع يحمل رؤى متنوعة. الأساس الذي نحتاجه في هذه المرحلة هو فتح المساحة للجميع:  للإسلاميين ولغير الإسلاميين للمتدينين ولغير المتدينين، وفتح المجال للكلمة المضادة ولآراء المعارضة، وفتح الباب لعودة المعارضين من الخارج بعد أن أغلقت الأبواب عليهم في الداخل. يجب التخلص من عقد الخوف من الكلمة الحرة والرأي الصريح والنقد. فمنذ متى يساعد هذا الخوف الأمم على التطور. بل تؤكد التجربة الإنسانية برمتها أن التطور ارتبط بحرية الكلمة أولا.
وقد يسيء البعض الحرية واستخداماتها، وهذه حجة تستخدمها السلطات لمصادرة الحرية.  لكن توفر الحرية يطور المجتمع برمته، فكيف نمنع الهواء وهو أساسي لحياتنا. إن منع شيء لأنه يستخدم بصورة سلبية من قبل أقلية صغيرة يساوي منع السيارات لان البعض يستخدمها بصورة سيئة ويسبب الحوادث لألوف الناس.
إن الإصلاح القادم يجب أن يأتي بصورة مبادرات من قادة الدول العربية. فهذا أفضل أنواع الإصلاح لأنه يأتي من القمة ويساهم في تغير هادئ وسلمي.  وقد حصل هذا النوع من الإصلاح في كل من اسبانيا والبرازيل في السابق. لكن في ظل غياب هذا النوع من الإصلاح سوف يكون هناك مرحلة من التذمر والعنف في الشارع قد تؤدي للبدء في الإصلاح في ظل تحديات تأتي من الشارع كما حصل في كوريا الجنوبية وبولندا، وان لم يقع هذا سيكون هناك عنف وربما ثورات في بعض الدول العربية كما حصل في تشيكوسلوفاكيا والبرتغال.  ولو لم يقع أي من هذا ستنهار الدول وتنفرط كما ينفرط عقد موديا بحقوق الناس ومصالحها واستقرارها، وقد رأينا هذا في يوغوسلافيا وفي الصومال حيث سيطرت الحرب الأهلية لسنوات.
يجب أن نحاول تفادي العنف والثورات في المرحلة القادمة لأنها مؤلمة ونتائجها سلبية على المجتمع كما حصل في جميع الثورات التي عرفها التاريخ. لكن بنفس الوقت يجب علينا تفادي الجمود لأنه يوصلنا إلى الدول الساقطة والفوضى.
إن الإصلاح الذي تبادر به  قيادات في الأنظمة أو تبادر به قيادات معارضة من خلال احتجاج سلمي يتم بناؤه خطوة خطوة قد يمثل الخيار الأفضل في ظل الواقع العربي الراهن.  فهناك جيل عربي جديد يتشكل في ظل التكنولوجيا الجديدة وفي ظل الانترنيت واليوتيوب والفيس بوك، وهو نفس الجيل الذي يكتشف أن وطنه قد صودر منه لصالح فئات صغيرة تحتكره، بل يكتشف الجيل الجديد انه يفتقد للمكان ويفتقد للمستقبل والعمل بسبب هذا الاحتكار.   انه جيل متفاعل لا يمكن صعقه بأنظمة مركزية وطرق قيادة تقليدية وأساليب عمل تحتكر السياسة والسلطة في كل قرار. هذا الجيل هو جيل التغير ووسيلته الإصلاح. وهو ذات الجيل الذي بإمكانه أن يتحول نحو التطرف عندما يحبط ويجد أن الإصلاح ابتعد بينما الاحتكار السياسي ارتفع.
حتى اللحظة العالم العربي يعيش مأزق السياسة وسلبياتها والسلطة واحتكارها ورفض تداولها، والأحزاب ومنعها والرأي والحد منه والمساواة والتميز ضدها. العالم العربي يمعن في الطائفية والقبلية والعائلية والطبقية والحد من مستقبل أجياله الصاعدة للحد الذي يخرجه من العصر والزمن. صراع العصر صراع التجديد سوف يتعمق بين من يسعون لبناء دولة القانون والمسائلة والتداول للجميع من جهة وبين من يتمسكون حتى الآن بدولة الاحتكار وانتهاك القانون ورفض التساؤل من جهة أخرى.
المصدر: الاوان
© منبر الحرية، 05 أبريل /نيسان 2010

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

في وصمة عار على جبين سلطتنا المصرية بعد رضوخها لمطالب سلطة الاحتلال الإسرائيلية من جهة، و الأصوات التي تشجع النزعة الفردية في حل أزمات الترسيم الحدودي المستعصية ، وفي إذعان  لتحقيق الظلال التي يرمي إليها  النصف الأول  لأحد الأمثال الشعبية المصرية ”  أنا و أخوي على ابن عمي و أنا و ابن عمي على الغريب ” و لأن هذا الغريب حتى الآن مازال في استطاعته تقليم أظافر الحكومة المصرية لتمثيل دور الساكت عن الحق ما دام لم يمسه أذى مباشر ملموس على اعتبار أن أهلنا في  غزة أولاد عم و ليسوا أخوات أشقاء لنا .
أما أهلنا في سيناء فتعتبرهم الحكومة المصرية فيما يبدو أبناء سفاح لا تعترف بأدنى حقوقهم .
نزعت مصر  لبناء الجدار  الفولاذي ليكون بمثابة كماشة لأهل غزة بالداخل، فهو من جهة و قمع إسرائيل من جهة و لا مفر العدو أمامكم و البحر وراءكم وفي نفس الوقت كان دافعاً قوياً لاستثارة مشاعر غضب أهلنا في سيناء اللذين يعانون الأمرين من إهمال الحكومة لهم و كأنهم يعيشون في دولة خارج الدولة فلسان حالهم يقول ” “الصهاينة أيام احتلالهم سيناء كانوا أحن علينا من حكومة مصر ”
ليس هذا زعم أو افتراض متخيل بل و بكل أسف واقع تقره الحقائق و الشواهد تعالوا نستعرض معاً الآثار السلبية للجدار العازل على أهل سيناء .
كثير من التقارير الإخبارية قد أفادت بأن مصر ستضخ كميات كبيرة من المياه المالحة في المنطقة الحدودية أسفل الجدار الفولاذي لإحداث تصدعات في الأنفاق، خاصة أن المياه المالحة تتسبب في صدأ أي معادن مستخدمة في الأنفاق، وتؤثر على تماسك التربة، وتجعل من شق أنفاق جديدة أمرا شديد الصعوبة على الغزاويين المحاصرين منذ أن سيطرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على غزة في يونيو 2007.
كما هو معرف أن مناطق الشريط الحدودي على الجانب المصري من أجود مناطق الزراعة التي استصلحت خلال السنوات العشر الأخيرة، وتعتمد بشكل رئيسي في ريها على المياه الجوفية المستخرجة من الآبار؛ حيث يتميز الخزان الجوفي في تلك المنطقة بعذوبته؛ لذلك يعتمد عليه أيضا بقية أهالي قرى سيناء في نقل المياه منه إلى قراهم للشرب بواسطة الشاحنات .
فيما تسود حالة من الترقب والحذر أوساط المزارعين في مناطق الحدود المصرية مع قطاع غزة خوفا من تبعات اعتزام مصر ضخ مياه البحر المالحة في باطن الأرض بالمنطقة الحدودية، ضمن الإنشاءات التي تقوم بها لبناء “الجدار الفولاذي” تحت الأرض على طول الحدود مع القطاع المُحاصر. مما سيؤدي بدوره  إلى شلل تام في حركة العمران الزراعي واستصلاح الأراضي، أما عن آثار المياه المالحة التي سيتم ضخها من أنابيب في باطن الجدار إلى الجانب الفلسطيني من الجدار الفولاذي لتنهار الأنفاق، والتي ستمتد آثارها إلى رفح والشيخ زويد والعريش، وهي مناطق زراعية خصبة، وكذلك إلى غزة، وسنصبح فيما بعد مطالبين بالبحث عن حل لهذه الكارثة البيئية إذا ما حلت بالمنطقة وإسرائيل هي المستفيد الوحيد من إحلال الخراب بتلك المناطق وتبويرها”.
في نفس الوقت كشف خبراء زراعيون في سيناء، أن تشبع الخزان الجوفي في تلك المناطق بالمياه المالحة سيؤدي إلى بوار الأرض الزراعية، وعودة مشهد التصحر، وهو ما يعني خسارة لا تقدر بثمن بعد كل هذه المراحل المتقدمة من استصلاح الأراضي الرملية، واستقرار الآلاف من العاملين فيها.
بالإضافة إلى تأكيد الخبراء الزراعيون على أن ملوحة طبيعية أصلا بدأت تواجه الخزان الجوفي في تلك المناطق منذ نحو عامين، وهو أمر متزايد بسبب النشع المتواصل للمياه كلما كثر حفر الآبار، وامتدت الرقعة الزراعية، ما يعني سرعة زيادة نسبة الملوحة إذا ما طغت مياه البحر بصورة كاملة على مياه باطن الأرض.
و كما هو معروف للجميع  أن استثمارات ضخمة في مجال الزراعة تم ضخها في تلك المناطق خلال السنوات الأخيرة لجودة تربتها وعذوبة مياهها الجوفية، واستطاع المستثمرون استصلاح مئات الأفدنة في المنطقة الحدودية وامتدادها وزراعتها بأجود أنواع الموالح والخضار، ويصدر المنتج من هذه المحاصيل إلى الخارج لجودته”فترى ماذا سيكون عليه الحال بعد خلط ما تبقى من المياه الجوفية بماء البحر.
أما عن تمييز السلطات المصرية ضد أهل سيناء فيبدو هذا جلياً في تعاملها مع أحداث السيول الأخيرة فيما كان يموت أهلنا هناك لم ترسل إليهم طائرة واحدة لانتشالهم من الغرق أو حتى إلقاء الطعام إليهم بعد أن أصبحوا في جزر منعزلة، في حين أن طائراتنا الحربية خرجت لتأمين دخول مشجعي المنتخب المصري في السودان، فيما يعتبر هذا السيل بمثابة ضوء خافت يشير إلى حقيقة ربما أغفلها الكثيرون، و هي أنه لا فرق بين الموت هنا أو في غزة .هذا السيل لم يعترف بالحدود المصطنعة بيننا وبين فلسطين بأرضي 48, حيث المنطقة موحدة جغرافيا, فتأتي مياه السيول عبر الوادي المشترك مدمرة سدود العدو الإسرائيلي، وكأنها غاضبه, لتلتقي مع وديان سيناء لتصب بوادي العريش . لقد وزع هذا السيل شهادات وفاة مجانية على الجميع و جعل للموت بينهم طعم آخر ، طعم لا يعرفه إلا من تذوق رهبته. موت بمرارة مفاجأة جبروت الطبيعة، و إهمال السلطات المعنية بتطبيق سياسة إدارة الأزمات حيال هذه المشكلة التي كشفت عن عدم وجود مثل هذه السياسة ضمن أطر حكومتنا المصرية .
و بالرغم من كل هذه الانتقادات الموجهة لإقامة هذا الجدار تواصل مصر الأعمال الإنشائية لبناء “الجدار الفولاذي” تحت الأرض على طول حدودها مع غزة لسد الأنفاق التي حفرها الغزاويون الذين يعتبرون هذه الأنفاق متنفسهم الوحيد في ظل الحصار الإسرائيلي المتواصل منذ ثلاث سنوات ؛ ما أثار غضب سكان القطاع (نحو 1.5 مليون فلسطيني) و غضب الآلاف من أهلنا في سيناء و العريش .
بناء مثل هذا الجدار الذي ألحق الضرر بأبنائنا و أولاد عمنا قد ربط مصائرهم بصورة تلقائية ليصبح هذا الجدار تطبيقاً مغلوطاُ  لتقليد نابع من موروثنا الشعبي فيما يتنافى مع الأعراف الإنسانية .
* كاتبة صحافية مصرية
© منبر الحرية، 14 مارس/آذار 2010

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

لا أظن أن أحداً من عظماء الإسلام قد تخيل أن يأتي حينٌ من الزمان ندافع فيه عن بديهية من بديهيات الحياة السوية، وهي أن الطفولة يجب أن تُصان ولا تصادَر أو يساء إليها. وكما هو معروف فإن هذه المرحلة من حياة الإنسان هي الوحيدة التي يعيشها بلا هموم ولا منغصات حقيقية، بل في ملاعب اللهو وصفاء البال وخلو الحياة من المشاكل والمسؤوليات. وبالنسبة للمرأة تحديداً فهي المرحلة التي كثيراً ما تسبق دخولها في حروب لا تنتهي مع نفسها والأهل والمجتمع، لتبدأ من مرحلة البلوغ عذابات الطبيعة وآلامها من متاعب الحيض ثم الحمل والولادة فالإرضاع.. ولا تنتهي عند سن اليأس حيث أعراض الاكتئاب والضيق وترقّق العظام، ناهيك عن حربها مع المجتمع الذكوري الذي لا يريدها في الأغلب الأعم إلا راضخةً مستكنةً في أغلال عبوديةٍ وراضية بواقع ثانوي، مهما نوضل للارتقاء به فهو يبقى دون واقع الرجل الذي لو كانت يده مطلقة في الأمر لتمنى أن يحبسها داخل بيت مغلق وطبقات من أشكال الملابس الداكنة. واليكم ما نقرأه على موقع شبكة الفتاوى الشرعية(1) مثلاً عن مواصفات ملابس المرأة، عندما يُسأل فضيلة الشيخ الدكتور أحمد الحجي الكردي عن  جواز الألوان في شروط الحجاب الشرعي، إذ يجيب:
“فالأفضل للمرأة أن تحافظ خارج بيتها، بالنسبة للباس الخارجي، على اللباس الأسود اللون، أو الكامد مطلقاً الذي لا يُلفت الأنظار إليها، بعيداً عن الألوان الفاقعة التي تلفت الأنظار إليها، لأن الحجاب وُضع للمساعدة على غض البصر عنها، لا للفت النظر إليها، وليس هناك لون معين محبذ، ولا لون معين محرّم، سوى ما تقدم، وأما سائر الألوان غير ذلك، فلها لبسها تحت العباءة، ولها اختيار اللون الذي تحبه عند ذلك. والله تعالى أعلم”.
وعندما تسأله إحدى سائلات عن كعب القدم، يقول الدكتور مستشار الموقع:
“قدم المرأة ما دون الكعبين اختلف الفقهاء فيها، فذهب البعض إلى أنها عورة، والبعض إلى أنها ليست بعورة، والبعض قال ظَهْر القدم عورة دون الأسفل منها. والأفضل لبس الجوارب مع اللباس الطويل خروجاً من خلاف الفقهاء. أما ما فوق الكعبين فعورة، يجب سترهما عند جمهور الفقهاء”.
إذن للخروج من خلاف الفقهاء، من الأفضل اللجوء إلى الحل الأكثر ظلاماً وتشدداً ، وليس الأكثر انفتاحاً وتسهيلاً. كما من الأفضل للمرأة أن تحافظ، خارج بيتها، على اللباس الخارجي الأسود اللون، أو الكامد مطلقاً بحجة أنه لا يلفت الأنظار إليها، بعيداً عن الألوان (الفاقعة) التي تلفت الأنظار إليها!!! وتخيلوا مع مضي التاريخ وتواتر الحقب كم من الحلول التي أفتى بها (الرجال) قد تراكم على مر العصور، وتحول من مظلم فاتح اللون إلى مظلم غامق (وهو مما يسميه محمد أركون بالجهل المؤسَّس)(2)، وما يعبّر عنه قاسم أمين(3)، في كتابه “تحرير المرأة” حين يقول : (تجده دائما يختار من فكرين أقلهما صوابا، ومن طريقين أصعبهما، ومن عملين أضرهما)، حتى انتهينا إلى اللون الأسود المظلم وإلى هذه الأشكال العجيبة من العمائم وطبقات اللفائف فوق الرؤوس، وأنواع الحجاب المحنك والمنقب والملثم التي يجافي بعضها المنطق ونعمة العقل السليم الذي يفترض بنا القول أن الوضع الاقتصادي في صدر الإسلام لم يكن يسمح للمرأة سوى باقتناء ثوب أو ثوبين، كما لم تكن هناك بدع مانراه الآن من كثرة الأغطية. فمن أين جاء بها وتبناها بعض المتشددين في قراءة الدين الاسلامي ليفرضوها على المرأة المسلمة؟. وليت تلك الأثواب حافظت على أشكالها العربية التقليدية الجميلة، ولكنها أصبحت هجيناً من السواتر والحُجُب، وانتهت إلى رؤوس البنات الصغيرات ممن لا وعي لديهن ولا حيلة، واللائي يُربَّيْن منذ الصغر على كبح تلقائية الذات وإخفاء الضحكة والابتسامة والقوة والرأي الجريء، بحجة أن هذه كلها فضائح يجب التستر عليها ووأدها منذ نعومة الأظافر.
ظاهرة حجاب الصغيرات في الوطن العربي تتخلق من جديد اليوم كشكل جديد ومعاصر من أشكال قمع الطفولة والإساءة اليها باسم الدين الإسلامي الذي كان من أوائل ما حققه للمرأة والطفولة أنه نهى عن وأد البنات حين حرم دفن الصغيرات وهن أحياء. واليوم يأتي من يدفن طفولتهن بالحجاب باسم الدين، والدين من ذلك براء. فإن ثمة آراء كثيرة تقول،  إن الحجاب لم يُفرض إلا على المرأة الراشدة عند بلوغها سن المحيض. وقد جاء في الحديث النبوي‏:‏ ‏”‏يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه”. وهذا الحديث تقوّيه بعض المواقع الإسلامية وتستأنس به مواقع أخرى أو تعتبره ضعيفاً أو تطعن به على إنه مرسل، ونحن نعرف أنّ كل موقع منها يأخذ ما يريد ويترك ما يريد من التأويلات وحسب درجة التشدد أو الإنفتاح.
إن انتقاد هذه المظاهر لا يأتي من اعتدال الدين الإسلامي وسماحته وعنايته بالعدالة ورفع الظلم عن المظلومين فحسب، وإنما من إعمال العقل والحس السليم الذي يقول كيفما تنظر إلى الشيء يكون هذا الشيء، فإذا نظرت إليه ببراءة يكون بريئاً وإذا نظرت إليه بنجاسة يكون نجساً، وإن هذا الهوس العربي المَرَضي بموضوع الجنس هو الذي يريد أن يتعامل أيضا مع الطفولة من وجهة نظر جنسية فتُكبح براءتها تحت العباءة بجريرة رجل غير بريء لا يستطيع السيطرة على شهواته. فبدلاً من نشر الوعي بالقوانين الرادعة ضد التحرش والاعتداء ومعاقبة الرجل المعتدي على توحش أهوائه وغرائزه تتم معاقبة النساء بتفعيل ثقافة العيب التي تُكمِّم أفواه الفتيات والنساء حتى وإن تعرضن إلى أبشع اعتداءات التحرش الجنسي. ليس هذا فحسب، بل يبدو أن رجل المخدع، الذي يمارس لحظاته الحميمية كيفما يشاء وبحرية  تامة، هو نفسُه، في نظر بعض رجال الدين، رجل الشارع الذي يمشي وحشاً كاسراً بين الناس، وليس شخصاً ثانياً يمارس حياته العادية في العمل والكدح وتوفير لقمة العيش، وكأنهم يريدون تعميم صورة رجل المخدع على كل الرجال وفي كل مكان، فيفترضون أنه لا زال مهووساً بالتحديق والملامسة. وبدلاً من تنويره أو تحجيب عينيه وتشجيعه على غض البصر، يلجؤون إلى تحجيب الفتيات الصغيرات حتى وإن كن لا زلن في سن اللهو والطفولة.
الفتنـة:
عن هذا الرجل، الضعيف في حضرة الأنوثة، يقول الباحث إبراهيم أزروال(4):
“فالإنسان المسلم المتشرّب للقيم والأخلاق الإيمانية، والمتفاني في أداء طقوسه والمتأهب للموت في سبيل رفعة عقيدته، غير قادر على الاستجابة الإسلامية المتعالية، لتحدّي الأنوثة، أي لاستقبال الجسد الأنثوي استقبالاً متعالياً. إن المسلم قادر على المجاهدة الفكرية في أرقى مراقيها وأحوالها، إلا إنه عاجز عن تجاوز احتواء بريق الجسد الأنثوي ونداءاته الشبقية المتأججة. فالمسلم يمكن، مبدئيا، أن يرتقي إلى مراتب العرفان والتقوى والإحسان، إلا إنه يبقى بعيداً عن تفعيل مبادئ التقوى في مواجهة الجسد الأنثوي. إن بين الأنوثة والقداسة، في المنظور الإسلامي، هوّة أنطولوجية لا تملؤها حتى التشريعات العازلة والحدود القاسية، مثل الرجم. إن الإيمان يجُبّ ما قبله إلا الشهوة، فهي باقية عالقة بالنفس إلى الموت! فالمؤمن قادر على استئصال الأوثان من مخيلته، إلا أنه غير قادر على عصمة نفسه من لهيب الجسد ومن نيران التوله والوجد. فالإيمان فعلٌ جذريّ، إلا إنه محصور الفاعلية في مضمار الرغبة والغواية. الغواية قابعة في قعر النفس، لا تجدي الحياة الطقوسية في محوها، مهما كان المتعبد منصرفاً عن الدنيا وعن متعها”.
وهذا هو إلى حد بعيد ما أكده الإمام محمد عبده (1849-1905)  قبل عشرات السنين، عندما تساءل:
“عجباً! لم يؤمر الرجال بالتبرقع وستر وجوههم عن النساء إذا خافوا الفتنة عليهن. هل اعتبرت عزيمة الرجل أضعف من عزيمة المرأة، واعتبر الرجل أعجز من المرأة عن ضبط نفسه والحكم على هواه.. واعتبرت المرأة أقوى منه في ذلك حتى أبيح للرجال أن يكشفوا وجوههم لأعين النساء مهما كان لهم من الحسن والجمال؟.(5)”
كما قال:
“لكننا لا نجد في الشريعة نصاً يوجِب الحجاب على هذه الطريقة المعهودة، وإنما هي عادة عرضت عليهم من مخالطة بعض الأمم فاستحسنوها وأخذوا بها وبالغوا فيها وألبسوها لباس الدين كسائر العادات الضارة التي تمكنت في الناس باسم الدين، والدين منها براء.”
ليس هذا فحسب، ولكننا ندفن رؤوسنا بالرمال عند القول بتكفين المرأة بالسواد ومنعها من الزينة والتزين ونحن نعلم أن هذا يتعارض مع طبيعتها العاشقة للجمال والتجمل، فهي التي اكتشفت الكحل والحنة وأحمر الشفاه، وهي التي تُضفي الجمال على أي مكان تتواجد فيه. فإنك إذا دخلتَ غرفة ليس فيها سوى رجال ستجدها مظلمةً حتى لو كان الوقت نهاراً. فمع احترامي للرجال، إن هذه هي طبيعة الأمور.. ولنتأمل ما تقوله مصممة الأزياء العراقية هناء صادق، المختصة تحديداً بجماليات الزي العربي(6) :
“المرأة مثل الطبيعة، تتغير مع الفصول، ودورة الشمس، وانقلاب الليل والنهار. فهي كالأزهار تغير اللون، وتحاول أن لا تركن إلى الثابت، وهذا سمة الإبداع الذي اتصفت به المرأة منذ بزوغ التاريخ، وكانت تسعى إلى أن تكون خلاّقة في القصة والموديل والتزويق والزركشة بالإفادة من الطبيعة ذاتها.. ومن هنا بدأ الفن الذي يبعث الحركة والحياة. ولأن المرأة تمتلك إحساساً مرهفاً فهي، فضلاً عن استعارتها لمؤثثات الثوب من الطبيعة ، فإنها تحاول مواءمة الزي مع الفراغ المحيط والكتلة والمناسبة والطقوس والمواسم التي تبعث الفرح في النفس الإنسانية، وهي توظف الزي شارةً لقول ما يختلج في وجدانها من فرح أو حزن، أو حب”.
ملك الغابة:
أما ابن رشد، فيعلن عن أن النساء والرجال نوع واحد وأنّ لا فرقَ بين الرجل والمرأة في الغاية الإنسانية. والفرق الوحيد الذي يراه هو في احتمال الكد الجسدي الذي يَقدر الرجل عليه أكثر من المرأة، فيما أن النساء أكثر حذقاً في أعمال أخرى، كفن الموسيقى. وبما أنه لا فرق بين المرأة والرجل في الطبع الإنساني، وجب على النساء أن ينلن التربية نفسها التي يحظى بها الرجال وأن يشاركنهم سائر الأعمال، حتى الحرب والرئاسة. ويقول:
(( تختلف النساء عن الرجال في الدرجة لا في الطبع. وهن أهل لفعل جميع ما يفعل الرجال من حرب وفلسفة ونحوهما، ولكن على درجة دون درجتهم، ويفقنهم في بعض الأحيان كما في الموسيقى، وذلك مع أن كمال هذه الصناعة هو التلحين من رجل والغناء من امرأة. ويدل مثال بعض الدول في إفريقيا على استعدادهن الشديد للحرب. وليس من الممتنع وصولهن إلى الحكم في الجمهورية[ الإشارة إلى جمهورية أفلاطون] أوَلا يرى أن إناث الكلاب تحرس القطيع كما تحرسه الذكور؟))(7).
ولو كان ابن رشد حياً يومنا هذا وشهد ما استجد من الاكتشافات في سلوك الحيوان التي رصدها العلم بدقة، لاكتشف أن مجتمع الحيوان برمته حريمي. فأنثى الفيل هي أحكم ما في القبيلة وهي التي تقودها إلى منابع الكلأ والماء، ومستعمرات النمل والنحل تقودها الإناث من الملكات ولن يبلغها الذكر إلا بقطع الانفاس فيموت، وإن اللبوة هي التي تصيد وتقنص بينما الأسد(ملك الغابة) مستلقٍ لا يُسمع منه سوى الزئير.
نعم، لقد ربط ابن رشد بين رقي المجتمعات وتحسين الوضع الاجتماعي للمرأة فيها، وقبله أقرّ الفارابي المساواة بين المرأة والرجل في امتلاك العقل والحس والخيال، وهو قد حصر الاختلاف بينهما في الأعضاء الجنسية المتصلة بالذكورة والأنوثة، مخالفاً بذلك آراءً معروفة لأرسطو، تنتقص من قيمة المرأة باعتبارها لا تصلح للسياسة والرئاسة، ويرى أن العقل لديها عديم الفاعلية معرفياً، كما أنها أخلاقياً أقلّ شأناً من حيث العفة والشجاعة. أما ابن عربي، في كتابه “فصوص الحكم”،(8) فيستفيض في شرح الحديث النبوي الشريف “حُبّبت إليَّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجُعلت قرّة عيني الصلاة”،  مبيّنا أنّ حنين نبيّ الإسلام إلى النساء هو حنين إلى نفسه، وحبّه لهنّ حبّ لذاته. وكانت المرأة أيامَه، صلى الله عليه وسلم، تأتي إليه وهو جالس مع أصحابه، فتقول له زوّجني، أو تشكو له زوجها، أو تستشيره في أدق تفاصيل الحياة.
ومقابل هذا كله ثمة مواقف أخرى متشنجة بحق المرأة نجدها غريبة على الإسلام، هذا الدين الثائر الذي جاء ليمنح المرأة حقوقاً ما كانت لتخطر على بال الرجال، وليقول إن النساء شقائق الرجال، كونهما خُلقا من نفس واحدة، وإن للمرأة الأهلية للإرث والتملك والتصرف بأملاكها والتعليم واتخاذ القرار في شؤون حياتها من زواج وطلاق، بل إن الإسلام جعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة. وكانت نساء النبي من أمهات المؤمنين يشاركن في جميع مجالات الحياة ويتحدثن في أدقّ خصوصيات الحياة ويشرحن تفاصيلها. لكن من الرجال من ظلوا ولا يزالون يقاومون هذا الوضع الجديد ويمارسون قمعهم لهذا الكائن الرقيق ويغالون باعتباره  فضيحة وعورة يجب التستر عليها وإخفاؤها عن الناس بأغرب الوسائل وأكثرها قسوة، كالبرقع أو النقاب الذي وصل إلى وجوه النساء حتى من الحجيج، في التفاف واضح على الدين والسُّنة النبوية الشريفة وعلى الملابس المخصصة للإحرام أثناء أداء مراسم الحج. ومعروف أن ضمن ما يُقصد من الحج أنْ يقف المسلم عارياً بين يدي ربه كما لو كان يوم القيامة، وما أجمله من معنى روحي لهذا الطقس الذي لا وجود له في كل الديانات الأخرى.
إن كل طقوس الإسلام مهيبة وباهرة وتثير الإعجاب، ولو تُرك الدين الإسلامي بلا شوائب لانتشر انتشار النار في الهشيم في الغرب المادي الذي يعاني من أزمة روحية طاحنة. ولكن هذه المظاهر المسيئة للإسلام، كحجاب الصغيرات والبرقع أو النقاب، تشوه هذا الدين وتُنزله، في أعين الآخرين، من مكانه الرفيع إلى مستوى هذه التفاصيل الغريبة. وهنا أيضاً تتكرر الملاحظة حول بعض رجال الفتاوى، من الذين تطفو رجولتهم على السطح فيفتون بأنه لا ضير من حجاب الصغيرات أو ارتداء البرقع ويشجعون النساء على ارتدائه، حتى أصبح هذا التشدد بمرور الأيام ديناً، وليس فولكلوراً، في تبريرات لا تقنع ولا تنتهي، ولا يهمهم لو كان فيها تطاول على صورة الإسلام والمسلمين التي يجب أن ينقّيها المُفتون من الشوائب لا أن يسمحوا لتعصبهم الشخصي بتشويهها تحت شعار الدين والتقوى ودرء الفتنة التي نعرف أنها لا يمكن أن تكون لها حدود.
عقدة الرجل المقتضب :
وحسب حصيلة دراسية ضخمة قام بها معهد جالوب بين عامي 2001 و2007 وتضمنت عشرات الالاف من المقابلات في اكثر من 35 دولة أغلبها من المسلمين ونشرت في كتاب صدر حديثا بعنوان (كيف يفكر حقا مليار مسلم)(9)نقرأ “وإذا كان الغربيون ما زالو يعتبرون النقاب رمزاً لحالة النساء الدنيا في العالم الإسلامي، فإن المسلمين يرون أن تخلي النساء الغربيات عن الحشمة يشير إلى انحطاط مكانتهن الثقافية في الغرب.. الافتراض في كلتا الحالتين أن النساء يغطين أو يكشفن عن أنفسهن لإرضاء الرجال وإطاعتهم. وتدل استفتاءات أخرى في الشرق الأوسط وآسيا على أن أغلبية المسلمين في مصر والأردن وباكستان لا يعتقدون أن النساء في المجتمعات الغربية محترمات”.
ولعل هذا هو خير ما يمكن الخلوص إليه من هذا الموضوع.. (الافتراض في كلتا الحالتين أن النساء يغطين أو يكشفن عن أنفسهم لإرضاء الرجال وإطاعتهم). فالمبالغة في كشف الجسد والمبالغة في تحجيبه هما وجهان لعقدة واحدة أسميها (عقدة الرجل المقتضب). وفي الحالين، فإن الرجل المحّدق والمرأة موضوع التحديق طرفان في هذه المشكلة، وإحكام المنطق السليم يقول إن حجاب العقل هو الذي يحول الرجال من وحوش كاسرة، إن كانوا كذلك، إلى بشر، وإن ثقافة المرأة هي التي تحولها من حرمة إلى إنسانة محترمة في المجتمع.
لقد تصادفت كتابتي لهذا الموضوع مع تصريحات شيخ الأزهر الاخيرة بحظر دخول المنقبات إلى المعاهد الأزهرية. فهو كان قد انتقد إحدى الطالبات التي كانت ترتديه، ثم قرر منع النقاب في صفوف المعاهد الأزهرية. ولكن قراره ذلك أثار ضجة كبيرة في الشارع المصري وبين صفوف الإخوان المسلمين، الأمر الذي جعل المجلس الأعلى للأزهر يثنيه عن قراره، واقتصر القرار على منع الطالبات والمدرّسات من ارتداء النقاب داخل الفصول الدراسية الخاصة بالفتيات والتي تقوم بالتدريس فيها المدرسات من النساء فقط، سواء أكان ذلك في المراحل الابتدائية أو الإعدادية أو الثانوية. وهنا أود التوقف عند ما أكده المجلس الأعلى للأزهر من أنه ليس ضد استعمال المرأة للنقاب في حياتها الشخصية التي تتعلق بسلوكها في الشارع وفي عملها وفي بيعها وشرائها.  ولكنه “ضد استعمال هذا الحق في غير موضعه، لما يترتب عليه من غرس ذلك في عقول الصغار من الفتيات واتّباع رأي الأقلية المخالف لرأي جمهور الفقهاء الذي يقول إن وجه المرأة ليس بعورة”.
ساتوقف عند عبارة (عقول الصغار) في  بيان المجلس الأعلى للأزهر، والذي تلاه الدكتور الطنطاوي شيخ الأزهر في مؤتمره الصحفي. (عقول الصغار) هي بيت القصيد من هذه المقالة، وهي هدفها الأول والأخير، فأين هم من (عقول الصغار) من طالبات المدارس الصغيرات اللواتي يحجبن بإسم الدين والدين من ذلك براء ؟؟؟ وكيف ننجو بهذه العقول من التعقد والتشاؤم والغلو إذا كنا نضعها في هذا القيد وهي مازالت في سن اللعب والمرح والانطلاق ؟؟؟
ولا نحب هنا استعمال كلمة (منع) لوقف هذه الظاهرة، ولكننا نسأل وزارات التربية في الوطن العربي أجمعه: هل أجريتم البحوث والدراسات لتلمُّس أثر ما يمكن أن تؤدي إليه ظاهرة حجاب الصغيرات من عقد تربوية وأمراض نفسية قد تحول بينهن وبين الحياة السوية في المجتمع؟، وكيف يستقيم الأمر أن تكون تلك الوزارات ضالعة في تشويه وعي طفلة لم تبلغ سن الرشد بعد، فتربّيها على أن تكون عنصراً ثانوياً خانعاً شائها خائفاً ملغيَّ العقل، وهي تعلم أنه سيبقى خائفاً ملغيَّ العقل طوال حياته ما دام يُدرَّب ويُلقَّن على إلغائه منذ الصغر.
الهوامش:
(1)    شبكة ترعاها قناة إقرأ الفضائية ويفتي فيها فضيلة الشيخ أ.د أحمد الحجي الكردي عضو هيئة الإفتاء في الكويت.
(2)    قناة العربية، برنامج روافد مع احمد علي الزين يتاريخ 4-9-2006
(3)    قاسم أمين، تحرير المرأة منشورات وزارة الثقافة الأردنية، 2008
(4)    إبراهيم أزروال،  على موقعي الأوان والبديل الديموقراطي الالكترونيين.
(5)    محمد عبدة، الأعمال الكاملة- مصر
(6)    في لقاء أجرته معها جريدة الرأي الأردنية بتاريخ 21-8-2009
(7)    فريد العليبي، موقع البديل الديمقراطي الالكتروني.
(8)     ابن عربي، فصوص الحكم، دار الكتاب العربي: بيروت، 1980.
(9)    جون اسبوزيتو وداليا مجاهد،  من يتحدث باسم الاسلام : كيف يفكر حقا مليار مسلم؟ ترجمة عزت شعلان. عمّان: دار الشروق، 2009.
© منبر الحرية،  13مارس/آذار 2010

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

من النادر أن يمر شهر، من دون أن يأتينا خبر من هذه الدولة الأوربية أو تلك، ينمّ فحواه عن عداء مبطن(أو سافر) للمسلمين ودينهم. وبعض تلك الأخبار تترجم بمظاهر يرقى بعضها إلى مصاف العنصرية الفاضحة، مثال ذلك مقتل السيدة المصرية مروى الشربيني العام الماضي في ألمانيا على يد متطرف ألماني، وقبلها بسنوات أزمة الرسوم المسيئة للرسول العربي، ولا نعتقد أن آخرها سيكون في منع بناء المآذن في سويسرا نزولاً عند الاستفتاء السويسري الشهير أواخر العام المنصرم. نسوق هذا مع قناعتنا إن قضية الرسوم  تدخل في إطار الحرية الفكريّة، في ما تدخل مسألة منع بناء المآذن في مجال ممارسة الحق الديمقراطي الواجب احترامه، بمعزل عن النوايا السيئة التي كانت وراءها.
قبالة تلك المظاهر  الغربية التي أدانها بعض الأوربيين ورجال الدين المسيحي على حد سواء، يمكننا أن نحصي مثيلها أو ما يفوقها من مظاهر تحدث في الديار العربية الإسلامية، والإسلامية غير العربية. وهي مظاهر من شأنها أن تكرّس نظرة متطرفي الغرب عن الإسلام والمسلمين، ناهيك عن دورها في الإساءة إلى الإسلام ومعتنقيه! فمثلاً، ماذا يمكن أن نفسّر ما يتعرض له أقباط مصر، بين حين وآخر من اضطهاد على يد بعض المسلمين؟ إذ من النادر أن يمرّ عام من دون وقوع ضحايا في صفوف أقباط مصر جرّاء تطرف بعض المسلمين وتقصير الدولة في حمايتهم. ولا نعتقد أن المجزرة التي حدثت يوم عيد الميلاد 6/1/2010 ستكون الأخيرة، وإن كنا نأمل ذلك. في السياق ذاته يمكننا الإشارة إلى ما يتعرض له مسيحيو العراق من تهجير يكاد يكون منظّماً ومتعمداً هو الآخر!.
لا بل إن الاضطهاد الإسلامي في بعض الدول ذات الغالبية الإسلامية وصل حد عدم السماح لمسيحيي ماليزيا استخدام كلمة الجلالة “الله” في أدعيتهم وخطاباتهم! فمن المعروف أن محكمة ماليزية منعت على المسيحيين ذلك منذ قرابة عام ونصف، لكنها ألغت الحكم السابق منذ فترة قصيرة، آذنة لمسيحيي ماليزيا استخدام كلمة الله!(كأن استخدام لفظ الجلالة الله خاص بأبناء خير أمة!)، بيد أن بعض المتطرفين المسلمين في ماليزيا لم يرضوا بذلك، فقاموا بحرق عدة كنائس، وصل عددها إلى أربعة حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر.
التطرف واحد، سواء أكان مصدره غربياً أم شرقياً، مسيحياً أم إسلامياً، ونتائجه واحدة في كارثيتها ولا إنسانيتها الرافضة للآخر المختلف، والمفترض أن يكون اختلافه عني (وعنا وعنكم) مصدر غنى، لا مصدر خلاف وتنابذ مستمرين. لكن إذا ما دققنا في جانبي التطرف الغربي(المسيحي) والشرقي(الإسلامي)، وبقليل من الحياد، سنلحظ أن التطرف لدى بعض مسيحيي الغرب لا يجد حاضنة شرعية/سياسية له في الكنيسة، إذ لم يسبق أن سمعنا برجل كهنوت مسيحي بارك أعمال المتطرفين الغربيين وممارساتهم العنصرية ضد المسلمين في الغرب(نستثني من ذلك محاضرة البابا بندكتوس السادس عشر في أيلول 2006، علما أن حديثه عن الإسلام فيها كان عبارة عن وجهة نظر قابلة للنقاش، وليس دعوة علنية لنبذ المسلمين أو التحريض ضدهم بأي شكل من الأشكال). والمتأمل في بعض ما يجري في أوربا اليوم سيلحظ  أن من يقوم بحملات التحريض شبه المستمرة ضد المسلمين هو الأحزاب اليمينية وليس الكنائس، مثال ما جرى في سويسرا إبان استفتاء منع المآذن الذي لقي استنكاراً من قبل رأس الكنيسة الكاثوليكية وسواها من رموز دينية مسيحية غربية بالدرجة الأولى، وتحديداً سويسرية.
إذاً، لم تجد الممارسات العنصرية الغربية ضد المسلمين حاضنة من قبل رجال اللاهوت المسيحي الغربي قدر ما لقيت نبذاً واستنكاراً، على نقيض معظم المتطرفين المسلمين الذين يجدون في خطب ومواقف وأراء بعض قادة العالم الإسلامي على المستوى اللاهوتي ما يحضهم بشكل أو بآخر على مثل ذلك التطرف. وكي لا يبدو قولنا هذا ضبابياً، لا بأس من التوضيح قليلاً لنوجز مرادنا بالقول: عندما لا يدين شيخ إسلامي من وزن يوسف القرضاوي أو محمد سعيد رمضان البوطي  أو سيد طنطاوي علناً وبوضوح الجرائم التي يرتكبها أمثال أسامة بن لادن ونضال مالك حسن وأمثالهما، واصفين أفعالهم بالجرائم والقائمين بها بالإرهابيين إذ يقتلون النفس التي حرّم الله، والاكتفاء بالالتفاف حول الموضوع من خلال تقديم أجوبة ضبابية عامة لا تغني ولا تسمن، فهذا يعني هم ضمنياً يشجعون هذا النوع من الإرهاب الذي ليس من الصعب عليهم تبريره شرعاً إذا ما دعت الحاجة، هذا من جهة.  ومن جهة أخرى، لنا أن نتصور كيف سيكون واقع الحال إذا ما كان رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين(الشيخ القرضاوي) هو ذاته(وأمثاله كثر) من يحذر المسلمين بعدم جواز تهنئة النصارى بأعيادهم!(دعونا نضع جانباً تبريراته اللاحقة لتحذيراته تلك). ومن المؤكد بأني لست وحدي من سمع أو قرأ ما سبق أن خطب به الشيخ محمد العريفي من السعودية مستهجناً في خطبة جمعة وجود الكنائس والصلبان في البلاد التي فيها مسلمون! قائلاً في معرض هجومه على البلاد الإسلامية كيف “تضم الكنائس ويعلّق أبناء الديانة المسيحية الصليب دون أن تتدخل الحكومات أو الهيئات الشرعية فيها لهدمها” (أكا نيوز، 16/1/2010). والشيخ العريفي في خطبته تلك نال من شيخ شيعي، يعتبر مرجعية لدى قومه هو السيد علي السيستاني، واصفاً إياه بالزنديق والفاجر! متغافلاً مقولة الإسلام الشهيرة “أدب الدين قبل الدين” وأين ألفاظه هذه من الآداب العامة ناهيك عن آداب الدين! المفارقة أن السلطات السياسية الرسمية في بغداد بشخص رئيس وزرائها نوري المالكي أدانت بذاءات الشيخ العريفي بحق السيد السيستاني، لكن المالكي لم يعنه ماذكره العريفي عن مسيحيي العراق من إهانات ومذلات، وكأن مسيحيي العراق لم يحظوا بشرف الانتماء إلى بلاد الرافدين بعدُ وهم بمنأى عن حق المواطنة!.
الحديث عن مظاهر التطرف والتطرف المضاد يطول، وليس الغرض من هذه العجالة إجراء إحصائية في هذا الصدد، أو إدانة جهة بغية تبرئة أخرى، إذ التطرف وما ينجم عنه من سلبيات مرفوض أياً كان مصدره. لكن ما يزيد مخاوفنا هو حالة الاستفحال في رفض قبول الأخر المختلف عنا جنساً وعرقاً وديناً، ولهذه الحالة أسبابها التاريخية والموضوعية والذاتية، ولنا معها وقفة خاصة. غير أن من المؤكد أن الفوبيا لم تعد “ميزة” إسلاميّة.
© منبر الحرية، 06 فبراير/شباط 2010

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

يشكل قيام الدولة واحداً من المكونات الأساسية للحداثة، في وصفها تجاوزًا للعصبيات المتعددة، وعنصر الاندماج الاجتماعي، وسيادة القانون العام على حساب القوانين الفئوية لهذه العصبيات. كان مشروع بناء الدولة في العالم العربي بعد التحرر من الاستعمار أحد أعمدة مشروع التحديث الذي انطلق في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. أصيب هذا المشروع بانتكاسة ونكوص بعد هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) 1967، مما وضع مشروع بناء الدولة العربية في مهب الصراعات الفئوية التي عادت تندلع في أكثر من قطر عربي وتهدد وحدته وتعود به إلى سيطرة مكونات ما قبل الدولة. تقدم النماذج اللبنانية والعراقية واليمنية خير دليل على هذا الإرتداد عن مشروع الدولة نحو هيمنة العصبيات، وهي أمثلة ليست فريدة في بابها، لأن الأقطار العربية جميعها مؤهلة لأن تسير في هذا الطريق بما يفجر بناها ويقلص مقومات وجودها.
يعيش لبنان حاليًا أزمة تشكيل حكومة، بعد انتخابات نيابية أفرزت توازناً نظرياً في القوى على الصعيد السياسي الفوقي، لكن هذه الإنتخابات لم تتسبب في إعادة تشكيل الحكم، بحيث يصعب قراءة الوضع اللبناني استناداً إلى مقولات دستورية متعارف عليها. فالأزمة اللبنانية تتجاوز الصراع على المناصب الوزارية وتعديل الحصص، مما تعرفه الأنظمة الديمقراطية في كل مكان في العالم، لأن الأزمة تعبير عما أصاب الكيان اللبناني ومعه النظام السياسي من تحولات في أعقاب عقود من الحرب الأهلية الساخنة سابقا والباردة راهناً. منذ الاستقلال اللبناني في العام 1943، تكوّن النظام السياسي اللبناني على قاعدة محاصصة طائفية تملك وزنا في تعيين طبيعة المواقع، لكن إلى جانب هذه المؤسسات الطائفية، كانت الدولة بما هي تمثيل للمشترك العام، تمثل الموقع الأقوى بين العصبيات الطائفية التي يتكون منها المجتمع اللبناني. تسببت الحروب الأهلية المتواصلة في تقلص موقع الدولة اللبنانية لحساب الطوائف التي باتت تملك جيوشا نافست الجيش الرسمي وتسببت في انقسامات داخله. خلال العقود الماضية سعت البنى الطائفية، حرباً وسلماً، إلى خوض صراع للاستيلاء على مؤسسات الدولة وبناها، بحيث كانت كل طائفة تنظر إلى الوطن بمقدار ما يحقق لها مطالبها ويؤمن لها مصالحها، بما يمكن القول اليوم أنّ المشترك العام الذي تمثله الدولة، رئاسة وحكومة ومؤسسات سياسية وأمنية، باتت الأضعف في مقابل مؤسسات الطوائف. لقد اكتسح الخاص الطائفي العام الدولتي، وهو اكتساح يضع البنى الطائفية في مواجهة بعضها البعض، ويتسبب بمزيد من الانقسامات الفئوية، الطائفية والمذهبية، ويضع البلد بشكل دائم على شفير حرب أهلية. من دون إدراك هذه التحولات في النظام اللبناني، سيضيع الناظر والمحلل لأزمة تشكيل الحكومة في متاهة تصريحات من هنا وتأويلات من هناك. إنّ الصراع على الدولة ومؤسساتها وسعي كل طائفة لتعديل ميزان القوى لصالحها وإلحاق الدولة بموقع هذه الطائفة هو الذي يجعل من أزمة تشكيل حكومة أزمة ذات طابع بنيوي تهدد الكيان اللبناني ومعه مجمل النظام السياسي.
لا يقل المشهد العراقي في طبيعته المأساوية عن اللبناني، بل أنّ شلال الدم المتدفق يومياً يعطي صورة عن عراق جرى تدمير مقوماته الدولتية، التي سمحت باندلاع العصبيات وخروجها كمارد جرى الحجر عليه لعقود من الزمن. لا يمكن إعفاء ديكتاتورية النظام الذي كان قائماً عن الاحتقان المتراكم بين مكونات المجتمع العراقي، ومسؤولية هذا النظام في التمييز بين هذه المكونات وممارسة القهر ضدها، مما جعل هذه المكنونات تنفجر عنفاً لدى سقوط النظام، على يد الاحتلال الأميركي. صحيح إن هذا الاحتلال لعب دورًا أساسياً في تفجير النزاعات والأحقاد الأهلية المتراكمة، لكن القراءة العلمية يجب أن تركز على دور البنى المحلية ومسؤوليتها في وصول الإنفجار إلى حروب أهلية لم تنقطع مسيرتها الدموية منذ ست سنوات. يتشابه الوضعان اللبناني والعراقي في انبعاث عصبيات ما قبل الدولة، من طائفية وعشائرية وإثنية، وسعيها إلى الاستيلاء على الدولة بالعنف المسلح، أو تقسيم البلاد بما يعطي للفئويات دويلاتها. مما يعني أنّ الفعلي هو إلغاء الدولة والغائب هو التفكير في إعادة التوحيد. لا يبدو العراق في المدى المنظور مقبلاً على استعادة وحدته ودولته، لسبب بسيط أنّ القوى المهيمنة لا ترغب في هذه الاستعادة.
يغرق اليمن منذ سنوات في خضم حرب أهلية مندلعة ضد الدولة، من عودة نزعة انفصال الجنوب عن الشمال، حيث تحمل قوى هذا الجنوب حنيناً إلى دور لعبته في عقود سابقة وبدا لها خلاله أنها تقيم مجتمعاً اشتراكياً في بلد القبائل، وفي ظل هيمنة للتخلف بجميع أشكاله، بحيث تشكل هذه “الجمهورية الاشتراكية” الاستثناء التاريخي في العالم العربي، وهي تجربة سقطت في غياهب الصراعات القبلية وأودت بغالبية القيادات الحزبية والسياسية في آن. مقابل ذلك، تخوض الدولة اليمنية صراعاً مع قبائل وعشائر الحوثيين تحت عنوان منع الانفصال والتقسيم والحفاظ على وحدة الدولة، وهي حرب لا يبدو أنّ مآل نهايتها قريب. مما يضع اليمن إلى جانب لبنان والعراق تحت مظلة السعي للاستيلاء على الدولة من قبل العصبيات القائمة.
لا ينفصل هذا الإرتداد عن الدولة نحو العصبيات عن الطريقة التي تكونت بها دول المنطقة العربية، حيث تركبت الكيانات وفق منطق استعماري كان يضع لكل كيان وظيفة في إطار مشروع هيمنته على المنطقة العربية. فهناك كيانات ذات وظيفة اقتصادية، وأخرى إستراتيجية، وغيرها سياسية. لكن التركيب الاستعماري لهذه الكيانات لم يكن يخترع شيئا منافيا لوقائع الأمور، فقد بنى على المكونات الاجتماعية والسياسية القائمة من قبلية وطائفية وإثنية، وركّب أنظمة على قاعدة الانقسام الموروث للمنطقة العربية، وهو أمر يحسم في أنّ التجزئة العربية كانت عربية بالأصل، فبنى عليها الاستعمار وخلق كيانات تتوافق مع طبيعة هذه التجزئة. إضافة إلى ذلك، قام الاندماج الاجتماعي في معظم الأقطار العربية على قاعدة القسر بدلاً من الاحتكام إلى الديمقراطية والاعتراف بالمجموعات القائمة وحقها في المشاركة السياسية. هكذا مارست الأكثريات التسلط والإقصاء ضد الأقليات حيث حكمت، كما مارست الأقليات السياسة الممارسة نفسها ضد الاكثريات حيث أمكن لهذه الأقليات أن تحكم، مما يسمح بالقول أنّ غياب الديمقراطية في تشكيل البنى الاجتماعية مسؤول إلى حد كبير عن انفجار الكيانات العربية وعودتها إلى بناها التقليدية.
لا يؤشر حال العالم العربي إلى انحسار مسار الانقسام والحروب الأهلية، بل يبدو صعود هذه الحروب شبه حتمي كلما ازداد تراجع موقع الدولة لصالح العصبيات. سيزداد الوضع صعوبة مع الموجة الصاعدة للحركات الأصولية التي هي في جوهرها حركات ما فوق قومية، ويقوم مشروعها في الأصل على إنهاء الدولة بمعناها الحديث. يزيد الأمر صعوبة غياب قوى التغيير والتقدم بعد أن جرت إبادتها في ظل الديكتاتوريات وانهيار مشروع التحديث والتي كانت من رواده.
© منبر الحرية، 07 يناير/كانون الثاني2010

peshwazarabic11 نوفمبر، 20101

فيما كنت وحماري نجلس تحت شجرة بلوط, نتقي بظلها شرّ الحرّ, طاب لي أن أتجاذب وإياه أطراف الحديث. وكان لي ما أردت؛ والشهادة لله كان حماري(كالعادة) عند حسن ظني, إذ وجدته(حفظه الله) حماراً نبيهاً رزيناً حكيماً في آن, كما سيتبين مما هو آت. وفي الوقت نفسه كان كريماً في حديثه والوقت الذي منحني إياه. وقد كان صدره رحباً إبان أجوبته على أسئلتي, على نقيض الكثير من الحمير التي تعج بها طرقات بلادنا, وبعض دوائرها من شغلة بعض كراسيها ومناصبها!.
من جملة ما سألته مايلي:
*هل ترون أنتم معشر الحمير أنكم أفضل حالاً منا نحن البشر؟.
**بداية لايحق لي الإجابة بالنيابة عن أبناء جنسي, ومن خلال حديثنا ستستشف لماذا أحرم نفسي ذلك الحق. حسب رأيي المتواضع أرى إننا نحن معشر الحمير أحسن حالاً وأنقى ضميراً وسريرة منكم أنتم مالكو العقول ومحتكروها.
*كيف ذلك يا رعاك الله؟!.
**على الأقل نحن لانتصارع في ما بيننا من أجل لقمة العيش أو المناصب وما تبقى من سبل النعيم الزائل, ومقتنعون أشد الاقتناع بما وهبنا الله إياه من خير وافر في هذي البراري الشاسعة. ولكنّا أحسن حالاً ومآلاً وترحالاً, لولا استعباد بعضكم أنتم البشر لبعضنا نحن الحمير, وما ينجم عن مثل ذلك الاستعباد من ظلم يقع علينا. ناهيك عن تلويث بعضكم للطبيعة التي أنعم الله علينا بها, وما ينجم عن ذلك من أضرار فادحة تضرّ بغذائنا الذي نقتاته منها من دون منّة أحد.
*أشهد انك حقاً قلت, فبأم عيني رأيت أبناء جنسك الكريم يعامل معاملة سيئة من قبل بعض أبناء جنسي الذين جلّهم يفضل القطط والكلاب عليكم. كما بأم عيني أرى كيف نساهمُ نحن البشر في إفساد الطبيعة والبيئة.
الحمار, بكبرياء وأنفة:
**ومع ذلك نحن قوم لانشكو همنا لأحد, فالشكوى لغير الله مذلة!.
*صدقت والله. ومن جهتي لايسعني سوى أن أشكر الله وأحمده كوني صادقت حماراً مثلك, واسمح لي أن أبدي اعتزازي بك وبنباهتك. لكن أخبرني ماهي الفوارق التي تراها بيننا وبينكم, عدا العقل الذي هو حكر لنا نحن البشر والذيل الطويل الذي هو من خاصتكم أنتم معشر الحمير؟.
**الفوارق كثيرة, مثلاً انتم عندكم التنظيمات والأحزاب والنقابات التي تدّعي أنها تدافع عن حقوق أعضائها متابعة شؤونهم, ومع ذلك القاصي والداني يعرف مآل تلك النقابات ولمصلحة من تعمل.. حتى حمير جبال تورا بورا باتوا يسخرون من نقاباتكم!. ولديكم موالاة ومعارضة, ويمين ويسار, ورجعية وتقدمية, إلى آخر ما هنالك من مصطلحات هي خاصتكم دوننا.
أشعر بالحرج, وأتابع:
*أنتم أليس لديكم شبيهها؟.
**شخصياً لا أحتاج إلى نقابة تقودني إلى المرعى, ولا إلى حزب يدلني على المعلف الذي هو هدفي وغايتي في هذه الحياة, إذ أعرف طريقي إليه جيداً. من ثمّ إن الله أغناني عن ملأ من قومي يدّعون التحدث بالنيابة عني وعن بني جنسي كما هي الحال عندكم معشر البشر. فضلاً عن أننا قوم نشتهر بعدم التحزّب أو التعصب سوى لأبناء جنسنا ولصديقنا الإنسان.
*تفعلون خيراً.
**الآن هل تسمح لي بسؤالك هذا السؤال البريء؟.
*بكل سرور!.
**هل أنتم معشر البشر مصابون بالضمور العقلي وبسلب الإرادة إلى درجة تحتاجون معها إلى كل هذه الأحزاب والتجمعات والجمعيات والمنظمات الخ… التي تتباهون فيها, والتي تدّعي جميعها أنها تتحدث باسم الشعب وتأكل باسم الشعب وتكتب باسم الشعب وتتظاهر باسم الشعب وتعارض باسم الشعب وتقوم بانقلابات باسم الشعب الخ.. ألا تعتقد معي انه أمر يدعو للغرابة فعلاً؟!.
*كيف؟!! وأين الخطأ في ذلك؟!.
**الخطأ هو أني لم أكن أدري أن بين البشر من هم حمير أكثر منّا حتى يحتاجون إلى كل تلك الأحزاب والتنظيمات والجمعيات الخ.. فقط لمجرد الادعاء أنها تمثلكم أو تتحدث باسمكم!, تصور يارعاك الله, عندما أريد أنا, وغيري من الحمير, أن أنهق لا أحتاج إلى أذن من أحد بمن في ذلك سيدي!.
بحرقة, وأنا أحسده على النعيم الفطري والغريزي الذي يعيش في ظله:
*ما رأيك أن نتبادل الأدوار؟
**كيف؟
*أن أعمل على تنسيبك إلى إحدى تلك الجمعيات أو المنظمات والأحزاب, وأن أصبح حماراً مكانك؟
**لست حماراً إلى درجة أقبل معها مثل هذا العرض!.

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

هل أصبح العرب كعرائس الماريونيت دمية بلهاء رادخة في يد كل من يوجهها ؟
ماذ فعلت الكرة الطائشة في الملعب العربي ؟
هل الهرم المقلوب في ترتيب الأولويات العربية هو الذي سدد هذا الهدف في مرمى العرب المتصدع فأدى لشرخه ؟
لماذا تنفخ دولتان عربيتان في هذا الوقت جذوة النار المشتعلة لتزيدها اشتعالاً ؟
هل تندرج لعبة كرة القدم وغيرها ضمن الأنماط السلوكية السائدة في المجتمعات العربية ؟
هل القومية العربية خياراً مطروحاً لحل أزمة الهوية الثقافية ؟
في زمن الهرم المقلوب والمفاهيم المغلوطة تلوح حرب أهلية جديدة تدشنها وسائل الإعلام العربية التي برعت في القيام بهذا الدور منذ حرب أمريكا على العراق أو بمعنى أكثر دقة الغزو الأمريكي للعراق لأننا في هذا المقال تحديداً سنعول على دقة التعريفات وما سببه اللغط والتشويش المقصود وغير المقصود من انحراف على الصعيد السلوكي وتردي على الصعيد الفكري في بلادنا العربية، هنا سؤال يطرح نفسه بقوة هل الخلاف المثار حوله الجدل بين الدولتين يستند لصراع حقيقي جيوسياسي على الأرض أو فكري عقائدي أو حتى عرقي كسائر الحروب الأهلية الدائرة منذ أمد بعيد ؟! أم إنه صراع خالي من الهدف كقرع الطبول على الخواء ؟ هذا الطرح سأترك إجابته لقدح زناد عقولكم.
عندما نقزم الوطنية والهوية الثقافية لدولة ما ونجسدها في كرة طائشة تسير بها حيث شاءت ونجعلها الممثل الأمثل لشعوبها فماذا ننتظر ؟
إن كل مواطن عربي ممثل لبلده وفي مقدمتهم يأتي العلماء وأصحاب الفكر ورجال الدين والفنانون الحقيقيون، هؤلاء هم أصحاب الرتبة الأولى من السفراء فماذا إذا تجاهلنهم جميعاً وعتمنا على دورهم واتجهنا بكل ثقلنا التاريخي والسياسي لندعم أبطال جدد صنعناهم بجهل متعمد.
التصفيق.. حرب إعلامية متجددة
شعوبنا العربية قادرة بشكل غير مسبق على التحرك كعرائس الماريونيت أينما وجهت و لديها أيضاً قدرة فائقة على التصفيق والتهليل الذي يصنع في عصرنا المعجزات.
التصفيق له حكاية تاريخية قديمة، كان أداة من أدوات النصب السياسي والفكري، يستخدم لشحذ مشاعر الشعوب لتأييد زعيم ما ثم انتقل من المعارك السياسية دون أن يترك مقعده شاغراً بالطبع ليصيب بعدوته الأعمال الفنية والثقافية والرياضية  لرفع شأن عمل لا يستحق في مقابل أعمال أخرى، وكان محصوراً بالمسارح ودور عرض الفنون وملاعب الرياضة،  أما الآن فأصبح الباب مفتوحاً على مصراعيه والقنوات الشرعية للتصفيق كثيرة إضافة لما ذكرناه سابقاً تأتي الجرائد القنوات الإعلامية ومنتديات الإنترنت وهي وسائل تكتسب أهميتها كونها أكثر جذباً وأوسع انتشاراً، فنرى كيف أدارت أمريكا حملتها الدعائية لأوباما بذكاء ومهارة شديدة كان اللاعب الأكبر فيها الإنترنت.
إدراكنا لهذه الحقائق كفيل وحده لتفهم المشكلة بعودتنا لإرهاصاتها الأولية لندرك كنه المشكلة الحقيقي، اللعب على معاني القومية العربية وإحلاله بمفهوم الهوية الثقافية المتفردة لكل دولة وتقزيم هذه الهوية في لعبة تعبر عن نفسها ولا يمكن بحال من الأحوال أن تجسد معنى نفتقده جميعاً واستغل هذا الفقد بشكل بارع معنى الوطن.
الانتماء
نحن جيل لا نعرف معنى الانتماء، جاءت لعبة كرة القدم وبعض الفنانين لنجعلهم وطن ننتمي له ندشن له أغانينا الوطنية التي تحتل مكاناً كبيراً في القلب “خلي السلاح صاحي” ” ياويل عدو الدار.. حي على الكفاح ”  الأولى مصرية و الثانية جزائرية  رددناهما في معاركنا الكبرى التي تستحق والآن ندشنها لمواقع لا ترقى لهذا الشرف العظيم.
هنا سؤال يطرح نفسه بقوة لماذا لم ندشن أوبريت الوطن العربي إن كان هذا الشحن العاطفي غير مقصود ؟
هذا ليس اعترافاً ضمنياً بالاتفاق مع هذا السلوك الشاذ الذي أصبح سائداً وإنما دعوة للتأمل الذي هو البوابة الأولى للتغيير؟
تطالعنا صحف عربية كل يوم أن هذه الأزمة آتت أكلها بأن وحدت شعبا الدولتين للالتفاف حول زعمائهما متناسيين كل مشاكلهم الكبرى الداخلية والخارجية وأن هذا انتصاراً عظيماً حققته هذه اللعبة وقدمته هدية لشعوبها جزاءاً بما قدموه لها من قرابين وهدايا.
سنغض الطرف عن هذه النتيجة المقصودة بالطبع، ونناقش قضية سلوك سائد قديم يتجدد على مر العصور ” الغاية تبرر الوسيلة ” إن كان فرضاً هذه الغاية محمودة فهل الوسيلة مشروعة ؟
بنظرة على واقعنا العربي نجد أن هذه الوسيلة تكتسب شرعيتها من نمط سلوكي عربي سائد لم نفكر يوماً في محاولة تغييره و لم نقترب حتى من محاولة فهم أسبابه، كجمع التبرعات لهدف نبيل بطريقة غير شرعية، السرقة التي وجدنا لها المبررات مادامت الضرورة تدعو لذلك، وحتى على مستوى المواطن العربي البسيط نسمع جملة أصبحت مألوفة نصف بها أفعال لا تستحق كأن نقول: جيد أنه فعل كذا غيره لا يعمل، كأن من لا يعمل أصبح هو النموذج والخارج عنه بطل يستحق تصفيق عرائس الماريونيت.
الماريونيت.. عرائس فقدت بوصلتها
بالمناسبة كلمة قرابين في المحور السابق لم تكتب بشكل عشوائي هي معني مقصود فالأساطير العربية مازالت حية في وجدان الشعوب العربية ومن يترصد لململة هذه الشظايا الأسطورية سيجد ما نفعله الآن امتداد طبيعي لارتباط الوجدان العربي بمحاولة تجسيد المعاني الكبرى في حياتهم في أشياء مادية، كأن يجسدوا الإله في صورة الحاكم أو الانتماء الوطني المفقود في كرة قدم.
على أي حال اتفقنا أو اختلفنا على ما سبق فلن نختلف على أننا الآن أمام قوة لا يستهان بها درست الشخصية العربية بشكل عميق لتعي جيداً أن هذه الشعوب يحركها وجدانها بشكل استباقي لعقلها.
توجهنا هذه المرة بقوة اندفاع مشاعرنا الغاضبة لاتجاهات لا نراها ولم نقف مع أنفسنا وقت كاف لنرى أسباب هذا التوجيه وهل هو خارجي مدعوم بمساندة من الداخل ؟ أم هو عربي.. عربي ؟!
هل يمكن انحراف هذا الغضب ليتحول لسلوك فاعل في قضية كبرى، بطرح آخر هل الجيشان المصري والجزائري على استعداد لتحرير مقدساتنا المسلوبة ؟
وإن كان هذا الطرح فيه خلط لأوراق كثيرة لكن غايته نبيلة ووسيلته شريفة أيضاً.
هل العرب في طريقهم الآن لمسرح العرائس على استعداد لاستعادة خيوط اللعبة لإعادة توجيهها ؟ أم أنهم سيستمرون في لعب دور الماريونيت الذي لا يتناسب لشعوب لها تاريخها وعراقتها وانصهارات مشتركة  فكرية علمية فنية سابقة ؟
© منبر الحرية، 24 نوفمبر/تشرين الثاني2009

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

إن طبيعة الانتخابات البرلمانية في لبنان- للأسف – يكرّس واقع الانقسام بين مكونات الشعب اللبناني، ويؤسس للإقطاعيات السياسية، ويغذي الأنانية الطائفية، وبالتالي يشرعن للكانتونات، كما يساهم في إضعاف اللحمة الوطنية، ويبعده في آخر المطاف عن فكرة المساواة، وفكرة الوطن، وطن الجميع، ولا تمهد البتة لبناء مستقبل واعد يتفيأ في ظله الجميع بعيش مشترك وبأمن وسلام واستقرار، بل نلمس – بالعكس من ذلك – حالة من التنافر والتنابذ والتوجس بين مختلف المكونات الهندسية الاصطناعية الهشة المشكلة جراء هذا النموذج من الانتخابات كأحد الأسباب، فسرعان ما تعصف بتلك المكونات، رياح المنافسة والتكتلات، فتتغير دائرة الأقطاب، ففرقاء اليوم قد يصبحون خصوما لدودين في الغد، فهمّ كل فريق، أو أي قطب، هو الحصول على مزيد من المقاعد البرلمانية، وعلى هذا الأساس تبنى التحالفات، دون أن يكون هناك تمثيل حقيقي أو تكتل يطرح القضايا الاجتماعية، إلا من باب الدعاية الانتخابية، أو النيل بالتالي من الفريق الخصم الآخر المنافس (المتقاعس) برأيه في إدارة شؤون الدولة، ومصالح الناس، فهمّ كل فريق كما قلنا حصد أكبر عدد ممكن من المقاعد النيابية، ومن ثمّ التطلع إلى الحقائب الوزارية عند تشكيل الحكومة العتيدة بتعبير اللبنانيين، وحتى إلى التوظيفات في مختلف المجالات، وسائر المؤسسات آخذين بالاعتبار نظام الحصص لكل فريق..
إن الانتخابات في مجال المؤسسات الأخرى كنقابات العمال والمحامين والمعلمين والأطباء وسواها، أكثر نظافة وقبولا من الانتخابات البرلمانية، رغم ما يشوبها من شائبات الواقع اللبناني، لأن هؤلاء يدسون أنوفهم في كل شيء، ولا يدعون مؤسسة بحالها، وبأن تعيش حالة من المنافسة الشريفة…
الدعوة للنسبية في الانتخابات البرلمانية..
ثمة طرح ضعيف وخجول لا يؤبه له، حتى لا ينظر إليه ولا يناقش فيه – بالرغم من أهميته برأينا – يظهر بين فينة وأخرى من قبل بعض المحللين السياسيين في لبنان. يدعو هذا الطرح إلى أن تجري الانتخابات على قاعدة النسبية من حيث النتيجة.. ولتوضيح الفكرة نسوق المثال التالي: لو أن قائمتين لطائفة واحدة ما (سنة شيعة مسيحية دروز… إلخ) خاضتا الانتخابات في التنافس على عشرة مقاعد في محلة ما، ولنفترض جدلا أن إحدى القائمتين حصلت على  60 بالمئة من الأصوات، والثانية حصلت على 40 بالمئة من أصوات المقترعين، فحسب القانون المعمول به في لبنان، فإن الذي حصل على نسبة 60 بالمئة يفوز بالمقاعد العشرة جميعها، في حين إن الذي حصل على 40 بالمئة يخرج من المنافسة خالي الوفاض خاسرا دون أن يحصل ولو على مقعد واحد يتيم، وهذا برأيي إجحاف وغبن بحق الطرف الخاسر.
أما لو طبق قانون النسبية، لحاز فريق الأكثرية على ستة مقاعد والأقلية على أربعة مقاعد، وهنا تخف وطأة الفارق، وحالة الاستئثار بالسلطة من قبل الأقطاب المتصارعة، وتضعف سطوة الأباطرة، لأن الفريق الذي كان يهمّش على الدوام أصبحت له كلمته والتي لا بد أن تسمع وتؤخذ بالحسبان. وهذا الفريق سيتكون من كافة الأطياف والشرائح وكل ما يتميز به لبنان من مسميات وتلوينات، كفسيفساء جميل، وهو بالتالي سوف يتصدى للقضايا الاجتماعية، لأنه لا يأتي لا من خلفية تكتليه أو طائفية، فما رصيده سوى هذا الدعم الجماهيري والصوت الذي اختاره ممثلا عنه، وأولاه الثقة، ولكي لا يخذله في المرة القادمة، وهنا أيضا يبرز دور المستفتين كقوة في خلخلة بنيان الأباطرة، وإضعاف دورهم، ليختفوا بالتالي في غضون عقود قليلة…
البرلمان اللبناني متكون كما هو معلوم ومتفق عليه، من 128 مئة وثمانية وعشرين نائبا، يتقاسمهم بالمناصفة المسلمون والمسيحيون، لكل طرف 64 أربعة وستون نائبا.. فعندما تعتمد النسبية في الانتخابات، لا بد أن يظهر فريق جديد قوي، بل ربما من أقوى الفرق منفردة، ولسوف يبرز دورهم في رص اللحمة الوطنية، وفي إضعاف الروح الطائفية والمناطقية، بل أكثر من ذلك فهم لسوف يتصدون للضغوطات الخارجية وتدخلاتها، لأنهم مدينون للداخل بالولاء، الداخل الذي اختارهم، وليس الولاء للخارج وفق صفقات ومصالح متبادلة.. ورؤي سياسية ربما تتوافق وتنسجم في ظرف، وتتعارض في ظروف أخرى..
إن من يريد من اللبنانيين إنقاذ لبنان، من هذه الحالة، من هذا المأزق، عليه أولا أن يتنازل عن أنانيته فيما إذا كان رئيس كتلة برلمانية، أو زعيم كتلة من طائفة ما، لكن التخلي عن الأنانية بهذا الطرح، هو ضرب من العروض المثالية لا أعتقد بها.. لأن لا أحد يتنازل عن (حقوقه) التي شرّعها للأسف قانون البلاد..لكن علينا أيضا أن ننوه من أن قانون النسبية لن تمد لبنان بصيغ سحرية لتجاوز الحالة الراهنة، لكن يمكن اعتباره مدخلا صحيحا وسليما كإحدى الوصفات في المعالجة..
في لبنان لا دور للأحزاب السياسية، والتي ربما تناضل بنهج سلمي دعائي، لأن الاستقطاب الطائفي يحول دون ذلك، فالواقع السياسي يكرس الإقطاعيات السياسية، والزعامات، يقودها أباطرة القرن الواحد والعشرين، ويضعف هذا الواقع السياسي بالتالي الأحزاب والقوى الأخرى، وهنا تتم التحالفات على أساس مصالح كل كتلة أو زعيم، بغض النظر عن مقتضيات المصلحة العامة للبلاد والمواطنين على العموم، ومن هنا علينا أن لا نستهين عندما يطرح بعض القلة قانون النسبية كشكل بديل بما هو سار في قانون الانتخابات البرلمانية في لبنان، ويعود سبب ضعف الدعوة لقانون النسبية إلى سيطرة الزعامات الطائفية، التي تتغذى  وتستفيد وتغتني وتعقد الصفقات مع الداخل والخارج لإدامة هذا الواقع، وبالتالي ديمومة سيطرتها وزعامتها، لأنه يدرك جيدا بتغيير هذا الواقع تكون نهاية كل هؤلاء، أو إضعافهم على أقل تقدير، ومن هنا تأتي أهمية الانتخابات على قاعدة النسبية، وبرأيي سوف يكون له تأثيره الأكيد، وربما أتت أكله في غضون العقود القليلة المقبلة في حال السير به وتطبيقه…
رغم تناولنا للنموذج اللبناني في الانتخابات النيابية، والحالة السياسية هناك، لكن يبقى النظام الديمقراطي في لبنان  وصور انتخاباته يتقدم على حالة النظم العربية القائمة قاطبة بكثير…
© منبر الحرية، 17 نوفمبر/تشرين الثاني2009

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

تتكدس في أروقة التاريخ العراقي أفظع صور الاحتراب الداخلي والانقسام الناشئ عن غياب الوعي والرغبة بالانتماء المشترك لدى جميع الأطراف. ولا ريب في أن فرضية التاريخ المشترك والمصير الواحد، تمثّل أكبر إسهام أيديولوجي لتزييف هذا الواقع، وأسوأ استخدام لمطلب التعايش النبيل لأغراض سياسية مُريبة تضاد مستقبل الحياة المشتركة ذاتها، ويُراد به عادة المصادرة على الخيارات الأخرى لتقرير المصير. علاوة على ذلك، فإن هذه الرؤية المسبقة تكرّس أسوأ الأسس لفهم واقع العراقيين ومستقبلهم، وتطيح بكل الطرق المحتملة الأخرى لإدراك الموقف.
بوجه عام، فإن إقحام المجموعات القومية والعرقية، وحتى المذهبية، في هذا الكيان السياسي القائم، أو المجال الجيوسياسي، لم يكن قط خياراً عراقياً في يوم من الأيام، وذلك لسببٍ بديهي جداً، هو غياب الإرادة العراقية المشتركة قبل التأسيس للكيان العراقي، فلا يعقل للإرادة أو الوعي بالاختيار أن يكون سابقاً على الوجود. وهذا يعني، استطراداً، إن إرادة التأسيس كانت إرادة تاريخية متغطرسة واعتباطية إلى حدّ كبير، خارجية ومفارقة للعناصر الجزئية التي ستشكل الواقع العراقي لاحقاً. من هنا فالحديث عن الصراع الأيديولوجي والسياسي بين المكونات المختلفة بوصفه صراعاً عارضاً أو طارئاً على التاريخ المشترك يعدّ فرضاً متخماً بالتفاؤل المضلل، ويتجاهل كلياً الجذور التاريخية والواقعية للانقسام القائم.
لا يتأسس الوعي بالهوية المشتركة على الادعاء الأيديولوجي الكاذب بوحدة التاريخ والمصير، وإنما يلزم عن اختيار حرّ وعن منفعة مشتركة. وليس ثمة حاجة واقعية للاتكاء على وهم الانسجام والتماثل بين المختلفين في المصالح والرؤى للحدّ  من الانقسام وحالة التصدع المجتمعي في السطح والعمق. و لربما تكون النتائج أقلّ سوءاً في الحالة المعاكسة، حالة الاعتراف بالتناقضات القائمة في المصالح والانتماءات.
فشلت النظم السياسية، التي توالت على حكم العراق، في خلق وعيّ عمومي مشترك بالهوية الوطنية وتنميته، لأنها في أغلب الأحيان أصبحت طرفاً رئيساً في إثارة الشقاق والانقسام. وقد تغافلت عن واقع تعدد الانتماءات( قبل الوطنية) لدى المجموعات، لا من خلال حيادية موقفها السياسي بصفتها سلطة حاكمة ممثلة لمصالح العموم، وإنما عبر القمع والقهر السياسيين، ومحاولة فرض نموذج سياسي وأيديولوجي معين ، دون غيره، على الجميع، وعدّها هذا النموذج مصيراً حتمياً للكل، زاعمة أنها النموذج الفريد الأمثل للهوية. وبهذه الطريقة تلاشت إمكانية التفاعل الحرّ والاندماج بين تلك المكونات المتنوعة.
بإزاء ذلك نجح النظام السياسي، الذي اتخذ من أسوأ أشكال الأيديولوجيات العرقية عتبة لصعوده، في ترسيخ ثقافة الكراهية والارتياب بين الجميع، وعمّق لديهم الشعور بالانعزال والحقد المتبادل. وبهذا الحسبان يعدّ نظام الاستبداد الأبّ الشرعي الذي دشّن الأسس للمواجهات الطائفية والعرقية التي ظهرت لاحقاًً وانتشرت بشكل وحشي ومروّع.
وما يبدو جلياً لنا اليوم، إن تصنيف الأفراد في المجتمع على أساس هوياتهم الدينية والمذهبية مازال راسخاً، وبغياب ثقافة المواطنة والمساواة يشكل ذلك قاعدة للصراع المتبادل والاحتراب. وتغدو العلاقة بين المكونات الرئيسة في المجتمع أكثر قسوة وعنفاً.
إن النتائج المروعة لهذا التصنيف، الذي كان حصاده آلاف الجماجم والأشلاء المتفحمة، تشير بوضوح إلى وهن الاعتقاد بالانتماء المشترك والوعي بالمصير لدى جميع الأطراف. وقد كرّست لديهم، أكثر فأكثر، الشعور بالاختلاف والتمايز، وعززت لديهم، بصورة أقوى من ذي قبل، التمركز حول الذات، والانتماء لهويات انعزالية وعدوانية. وقد صاحب ذلك استحضار كل القوى الرمزية والأساطير والميراث الطائفي والعرقي، التي شكلت مصدراً ثرّاً للعنف والترويع، من جوف التاريخ لتبرير المواجهات وشرْعنة هذا النزاع.
لم يكن ممكناً تكريس هذا التصنيف إلا بوجود سلطة الاستبداد العنصري، التي اتخذت من نمط أيديولوجي معين، عرقي وديني، واجهة لممارساته السياسية. وبموازاة ذلك لجأت إلى القهر والاستبعاد والإقصاء بحق الانتماءات الأخرى، التي عمدت بالمقابل إلى التخندق والانغلاق حول ذاتها لمقاومة هذا العدوان الأيديولوجي، وأصبح  الإصرار على هويتها نوعاً من ميكانيزمات الدفاع الذاتي وأسلوباً لإثبات الوجود.
لا تزال هذه الممارسات الأيديولوجية تطبع  الدولة العراقية بطابعها، إلى حدّ كبير، وتكتنف نظامها الدستوري حتى بعد سقوط نظام الاستبداد. وذلك بقبولها غير المشروط بهويّة دينية ومذهبية وامتياز مكانتها الفريدة، دون غيرها، التي قد تستخدم لتوجيه سلوك الدولة سياسياً نحو الصدام والمواجهة مجدداً مع الانتماءات الأخرى. ولعل محاولة استخدام مصطلحات ومفاهيم سياسية- دينية وعرقية لتعريف هوية الدولة دستوريّاً، ولتحديد مكانة دين أو مذهب أو عرق على حساب الهويات الأخرى تشكل أكبر مأزق سياسي وأيديولوجي أمام تحديث الدولة ودمقرطتها.
عندما يكون هناك فشل عام في القبول بهوية شاملة للدولة، إنما يعكس ذلك درجة التنازع والاختلاف في الوعي بالانتماء لدى جميع الأطراف. وفي هذه الحالة يبدو من غير الحكمة اللجوء إلى الدين أو المذهب أو العرق لتحديد هويّة الدولة. إن ما يجب أن تكون عليه هويّة الدولة حالئذ، هي أن تكون دولة المواطنة فحسب. مواطنة مجردة تماماً من أبعادها العرقية، ومن دلالاتها الدينية أو المذهبية، وتكون المساواة قاعدة للعلاقة الناظمة بين الذوات، بدلاً من التصنيف المذهبي أو الديني أو العرقي. وهذه الأولوية هي التي تضمن وعياً متعادلاً لدى الجميع بالانتماء المشترك والمصير. ويعني ذلك أن الجميع متماثلون من حيث الأهمية والمكانة والمسؤولية إزاء الدولة  برغم تعددية هوياتهم، وانتماءاتهم الجزئية.
لايعني هذا الإقرار تجاهل واقع التعدديات القائمة أو إقصاءها. بل يقود إلى تحييد المجتمع السياسي والدولة نحوها، والاعتراف بها في حدود المجتمع المدني. والأمل الرئيس في عالم متنوع كهذا هو أن تؤول التعددية والاختلاف إلى الإثراء والتفاعل الحرّ والتعايش الخصب، بدلاً من أن تكون مصدراً للكراهية، والشقاق والتناحر.
© منبر الحرية، 25 أكتوبر/تشرين الأول2009

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018