الممارسات السياسية العربية

نوح الهرموزي8 مارس، 20110

في مطلع هذه السنة توقفت عجلة تاريخ العالم العربي عن الدوران، وصارت ثمار الثورة ناضجة بعد طول انتظار، وحل موسم الحصاد العربي الذي انطلق من قرطاج، يقتلع الاستبداد والقهر والفساد والطغيان، ويزرع شتائل الحرية والتعددية والكرامة والمساواة ودولة الحق والقانون...

نوح الهرموزي5 مارس، 20110

لابد من الاعتراف بأن خطاب الجماهير كان يتعامل مع القضايا أكثر من تعامله مع البشر وحاجاتهم، فبقاء خطاب الجماهير أسير اللحظات التاريخية، يؤكد عدم نضج الواقع العربي ويدل على واقع السياسة في بلادنا. وعلى الرغم من النكسات والهزائم والإخفاقات العربية السابقة، فإن مراكز صنع القرار ومراكز الأبحاث في البلدان العربية، كانت وما تزال تفتقد لأي نوع من الأبحاث والمراجعات...

حواس محمود12 يناير، 20111

برزت العروبة كتيار سياسي – العروبة السياسية- في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، بالاستناد إلى جملة عوامل وأسباب وجدت فيها مبررات وجودها واستمرارها بقوة على سطح أحداث تلك المرحلة.

peshwazarabic13 ديسمبر، 20100

تعنى الشرعية السياسية أساساً بكيفية وصول الحكام إلى السلطة ومدد بقائهم وعلاقتهم بالمعارضة، ومدى تقبل المجتمع لوسائل حكمهم ولممارساتهم وانجازاتهم. وبينما نجد في معظم دول العالم أن هذه الشرعية تستند إلى صناديق الاقتراع إلا أنها في الدول العربية ليست كذلك.

peshwazarabic6 ديسمبر، 20100

كيفما التفتنا إلى محيطنا العربي نجد عالماً متشابهاً في الاتجاهات ويمر بنفس الخصوصيات والصعوبات. ويمثل العالم العربي واحة ثقافية واحدة (مليئة بالتنوع والاختلاف). ولو نظرنا إلى الحركات السياسية: إسلامية أو وطنية وقومية أو إصلاحية وشعبية لوجدنا هموماً متقاربة وصعوبات متشابهة. لكن هذا كله واجه تحدياً كبيراً في الممارسة والتطبيق، إذ واجهت الدول العربية مصاعب جمة في البناء الوطني المحلي وواجهت في نفس الوقت واقعاً ذاتياً وآخر إقليميا لم تعرف كيف تتعامل معه بإبداع وعصرية. وبينما عكست الفكرة الإسلامية والقومية السابقة (بأبعادها السياسية) طبيعة التواصل العربي العربي والعربي الإسلامي، إلا أن وصول الفكرتين إلى أزمات، بالإضافة إلى تعمق أزمات الدول والأقطار المختلفة، يتطلب من العرب البحث عن طرق جديدة. إن دعوات الإسلاميين للاستنارة من عصور اندثرت قابلتها دعوات القوميين بضرورة التوحد، ولكن الحقيقة الغائبة في الوسط بقيت في الإدارة والقيادة والتعليم والمشروع الوطني والتجديد والبرامج والتفاعل مع الاختلاف والتنوع والإيمان بحقوق الآخرين وحرياتهم. في الطريق العربي الجديد يجب أن يتنافس العرب مع بعضهم ومع الآخرين في المجالات التي يجب على العرب إتقانها: العلم والتكنولوجيا، الإدارة والثقافة والاقتصاد والحقوق والحريات والمساواة وصناديق الاقتراع. الطريق الجديد يجب أن يكون خالياً من «العسكرية» والديكتاتورية الفردية التي أدت إلى الكثير من كوارثنا.
ويتضح أيضا أن حرب العراق منذ ٢٠٠٣ هي كبانوراما ما بعد الحرب الأولى عام ١٩١٨ وسايكس بيكو الشهير الذي جاء معها. وقد يصح القول بأن العالم العربي يعيش مرحلة خاصة لها صفات تجمع بين الفوضى والعنف كما تجمع بين الغضب والرفض وتصادم الحضارات وتصادم الأفكار، لكن كل هذا بإمكانه أن يتحول إلى فرصة لإعادة النظر والتساؤل والبناء على ما يبدو أنه تهدّم أو في طريقه إلى السقوط. وفي هذا تتداخل المشاهد: فقد نشاهد مزيداً من العنف في العراق قبل أن نشاهد هدوءاً واستقراراً، كما قد نشاهد مزيداً من الإرهاب في العالم العربي قبل أن نرى بوادر إصلاح يمتص الإرهاب ويحوّله إلى البناء والإنجاز والحريات والحقوق، وقد نشاهد الكثير من الفوضى في دول عربية عديدة قبل أن نتوصل إلى ضرورات النظام والتطوير والمساءلة. إن هذه المرحلة تحمل في طياتها الكثير من الاحتمالات. إذ قد تأخذ العالم العربي نحو مزيد من الصراع وتعميق الخلافات الداخلية والدولية في ظل التفتت والخسائر، ولكنها في نفس الوقت قد تقودهم نحو نقيض ذلك لو أحسن بعض العرب التعامل مع مقدماتها واستغلال بعض فرصها.
إننا نمر في مرحلة تشعر فيها الدولة في معظم الأقطار العربية أنها محاصرة من الداخل والخارج، وأنها في نفس الوقت لا تقوى على القيام بدورها اتجاه مواطنيها في المجال الأمني والإنجازي والسياسي والحياتي، فالدولة في البلاد العربية هي الطرف الأكثر عجزاً بعد أن ساهمت على مدى عقود عدة في دفع الشعوب نحو حالة من الاتكالية والتفتت والضعف. الدول العربية في هذا أصبحت ضحية نفسها وما زرعته على مدى العقود الماضية. في المشهد العربي نشاهد ضعف الإنجازات، ونشعر بعمق الفساد المرتبط أيضا بعدم الثقة بالمستقبل وبضعف القيم المهنية والأخلاقية، كما نواجه وضعاً يحتوي على خطوة ايجابية في الصباح مقابل خطوة سلبية في المساء. ألا يجب أن نتساءل كيف تحوّلنا من القومية الجامعة الشاملة وحركات القوميين العرب والناصريين ثم حركات الإسلاميين القائلة بقوة الإسلام، إلى قبائل وطوائف وفئات يخاف كل منها الآخر؟ ألا نتساءل كيف تحولنا من العروبة إلى الأقطار المستقلة إلى حكم الفرد بلا شعوب وبلا مجتمع مدني وبلا مشاركة وبلا تعددية صادقة؟ ما يقع في دول عربية عدة من العراق إلى اليمن ومن مصر إلى لبنان، وفي دول إسلامية على رأسها أفغانستان وباكستان يؤكد بأننا نعاني نقصاً كبيراً في التعامل مع العصر الحديث وفي استيعاب أسس بناء الدول والمجتمعات المنجزة.
لقد أصبحنا في المرحلة الأخيرة ضد كل شيء: ضد أنفسنا وضد بعضنا البعض، ضد السنة وضد الشيعة وضد المسيحيين وضد الدين والحريات وأميركا والمرأة والشباب والإسلام والعروبة والحكومات والعولمة، والقرارات الدولية، وضد الغرب. ولكننا لسنا مع أي شيء. أصبحنا ضد من يختلف معنا ويختلف عنا ولكننا لسنا مع احد ولسنا مع أنفسنا قبل كل شيء. لهذا بالتحديد نتواجه اليوم مع حقيقتنا فلا تعجبنا، ونتواجه مع مرآتنا فلا نحب ما نراه، وعندما نسمع صدى أصواتنا نكتشف الكثير عمّا حل بنا. اليوم نمر في ممر تاريخي ضيق، وتعصف بنا رياح عاتية لم نستعدّ لها.
كيف نخرج من هذه الشرنقة، وكيف يكون مستقبلنا خارج أليافها؟ كيف نغير من حالنا وكيف ننطلق من جديد؟ أسئلة ستشغلنا في سنواتنا القادمة. المنطق العربي الذي ميزنا في حدته ولفظيته وعلو نبرته واستفراده يحتاج إلى مراجعة صادقة اليوم. يحتاج عالم العرب إلى وقفة مع الذات. علينا أن نتساءل: هل وصل العرب إلى قاع القاع أم أننا سنشهد مزيداً من الهبوط؟
قد يكون الحائل بين مستقبل يسير هبوطاً وبين مستقبل يسير صعوداً مرتبطاً بمقدرة العرب أفرادا ودولاً، مجتمعات وشعوباً، على إحياء الروح النقدية وإحياء روح التساؤل والمراجعة وفوق كل شيء استعادة الحرية التي فقدتها الأجيال العربية طوال العقود السابقة. آن الأوان للتساؤل: أليست مشكلتنا حتى اليوم مرتبطة بضعف مقدرتنا على الترابط الخلاق مع الاتجاهات الكونية وفي تقدير المواقف وفي التنظيم وأسلوب القيادة وفي الرؤية والأهداف والأولويات؟ وهل هذا ممكن بلا حريات وبلا ثقافة تسنده وروح عصرية تغنيه؟ لا ينقص شعوبنا الاستعداد للتضحية كما تؤكد أحداث العقود الماضية ومواجهة حركة «حماس» لإسرائيل في غزة وحرب لبنان عام 2006 بينها وبين «حزب الله» وعشرات الحروب والمعارك مع إسرائيل ومع بعضنا البعض، لكن تنقصنا إدارة التحالفات وبناء الإجماع وتطوير الحريات ومبادئ المساواة والإنجاز والقبول بالآخر ضمن مجتمعاتنا وفي العالم الأوسع. نتساءل كيف حصدنا عكس ما ضحينا من أجله؟ فهل المشكلة في الأهداف، أم في التقدير، وهل هي في البرامج أم في القيادات أم هي في الثقافة الأوسع ونقص الحريات وضمور الآراء المختلفة وإبعاد المخالفين في الرأي ومحدودية السياسة التي أسسناها إلى يومنا هذا؟

المصدر: الحياة
‎© منبر الحرية،18 نونبر/تشرين الثاني 2010

نبيل علي صالح11 نوفمبر، 20100

أغنياء زاهدون في الثروة وآخرون يتاجرون بتبرعاتهم للمحتاجين!!
نقل موقع الجزيرة نت خبراً مفاده أن كلاً من بل غيتس (مؤسس شركة مايكروسوفت العالمية المشهورة)، و وارن بافيت (الملياردير والمستثمر المعروف)، يتزعمان حملة لإقناع أثرياء آخرين (من أميركا على وجه الخصوص) بالتبرع بنصف ثرواتهم على الأقل لمؤسسات خيرية وعلمية تعنى بشؤون البحث العلمي الخاصة بأبحاث السرطان وغيره من الأمراض المستعصية، وأطلق غيتس وبافيت على حملتهما اسم “عهد العطاء”.
ويطلب الرجلان -اللذان تجمعهما الصداقة والأعمال الخيرية- من الأثرياء الآخرين التبرع خلال حياتهم، أو أن يوصوا بتنفيذ ذلك عند موتهم.
ويهدف بافيت إلى تقسيم أسهمه في المؤسسة بين خمس مؤسسات خيرية وعلمية، ويذهب النصيب الأكبر منها إلى مؤسسة غيتس الخيرية.
كما يعتزم التبرع بجزء من الأسهم لمؤسسة سوزان تومبسون بافيت التي أسسها مع زوجته الأولى المتوفاة، وإلى ثلاث مؤسسات أخرى يقوم على رعايتها أبناؤه الثلاثة. كما سيتبرع بأسهم بقيمة 8 مليارات دولار من نصيبه (لاحظوا الرقم!!) في شركته بيركشاير هاثاواي لأعمال خيرية أخرى لم يسمها.
وقام بل غيتس وزوجته ميلندا بتعهد مماثل عن طريق إنشاء مؤسستهما الخيرية في سياتل بولاية واشنطن.
ويطلب غيتس وبافيت من الأثرياء التعهد علنا بالتبرع بجزء من الثروة للأعمال الخيرية وكتابة ذلك في رسالة تشرح هذا التعهد.
ويوضح غيتس وبافيت أن التعهد هو عبارة عن التزام أخلاقي وأدبي وليس عقداً قانونياً. كما أنه لا يهدف إلى جمع الأموال أو دعم مجموعة معينة من القضايا أو المنظمات.
طبعاً نحن لا نريد من ذكر الخبر السابق والتعليق عليه في مقالنا هذا المقارنة بين أغنياء الدول الأخرى وبين أغنيائنا العرب من حيث حجم التبرعات وضخامة قيمتها، كما لا نهدف إلى التشهير بأغنيائنا (حماهم الله ورعاهم من كل سوء أو حسد)، أو لا سمح الله التهكم عليهم باعتبارهم من أصحاب الأطيان والملايين والمليارات من الدولارات وليس الليرات.. حيث أننا نعتقد بأن عدداً منهم يمول مشاريع خيرية لغايات إنسانية نبيلة، ويتبرع بعضهم الآخر بمقدار أو بآخر من أموالهم ومدخراتهم لصالح هذه الجمعية الخيرية أو تلك، أو يزكي نفقة جارية عن أمواله هنا وهناك.. أو ينشئ جمعيات خاصة لعلاج المرضى من ذوي الحاجة الماسة.. هؤلاء نحن لا نعنيهم ولا نتحدث عنهم، ولكن تعليقنا هنا يتركز على نوعية أخرى من الأغنياء ممن لا يحسنون التصرف بتبرعاتهم، حيث يمكن طرح أكثر من سؤال حول كيفية ومناخ ومعايير تبرع هذه الشريحة من الناس لجزء من أموالها، وعلى ماذا تصرف تلك الأموال، هل تصرف في محلها أم في غير محلها؟!!..
طبعاً ما نقوله هنا هو مجرد وجهة نظر قد تخطئ وقد تصيب، فالغني حر التصرف بأرزاقه وثرواته وأمواله المنقولة وغير المنقولة التي كسبها ويكسبها ويربحها من مشاريعه واستثماراته المتعددة والمتنوعة، وهو لا شك يساهم بشكل أو بآخر في نهضة البلد وفي بنائه وإعماره وتحضره، كما أنه حر أيضاً في إيجاد سبل وآليات ومواقع تبرعه بجزء من تلك الأموال التي تدخل إلى خزنته على أعمال الخير والبر والإحسان –أو غير ذلك- لدواع دينية أو إنسانية أو غيرها.
ولكن السؤال هنا: هو لماذا لا تصرف نسب من أموال التبرع عندنا لغايات التطوير والبحث والتنمية الإنسانية أسوة أو اقتداءً أو حتى تقليدياً –فما المانع- بما يجري ويحدث لدى جهات أخرى في بعض الدول التي ذكرناها في مطلع المقال؟!! ولماذا لا يتبرع الغني في مجتمعاتنا العربية والإسلامية عموماً مثلاً لغايات النهوض بواقع البحث العلمي والتقني البنيوي في جامعاتنا العربية التي تعاني من ضيق ذات اليد معنوياً ومادياً، وفق آليات وضوابط محددة من أجل المساهمة في نهضة بلدانهم ككل؟!!.. هل السبب أن الغني لا يثق بإمكانيات وخبرات بلده، ولا يقيم لهم وزناً باعتبارهم لم يحصلوا على شهاداتهم العلمية بصورة صحيحة؟!! أم أن السبب يعود –في جانب آخر- إلى أن رأسمالنا الخاص طفيلي غير منتج، وهو أيضاً –كما يقال ويحلل في الفكر الاقتصادي- رأسمال جبان غير مغامر يضع في حسبانه فقط القيام بالمشاريع المضمونة والسهلة والمربحة والقريبة زمنياً ذات الصلة بالاستهلاك والادخار والتراكم التقليدي الآني وليس المستقبلي التراكمي الصناعي؟!!
حقيقةً، ليس أجمل من أن يتبرع غني لمحتاج، فرداً كان أم جمعية، ولكن الأجمل أن يتبرع لمؤسسات تعنى بشؤون البحث العلمي.
وجميل أيضاً أن يدفع الغني فواتير نفقات طبابة لهذا الفرد أو تلك الجمعية الخيرية، ولكن الأجمل والضروري أكثر أن يقدم جزءاً من أمواله للمساهمة في تكوين بنية تحتية بحثية علمية قوية ومتينة في داخل بلده.. وأن توضع أسس ومحددات مؤسساتية مؤثرة ومنتجة تضبط هذا الجانب المهم والمصيري والحيوي، خاصةً وأننا نعلم أن نهضة كثير من الدول الكبرى المتقدمة في الشرق والغرب لم تبدأ ولم تجد طريقها على سكة النجاح والازدهار الحضاري العلمي والاجتماعي والاقتصادي إلا بعد مساهمة مؤسسات أصحاب الرساميل الخاصة الكبرى في عجلة تطور مجتمعاتها.
فهل يفعلها أغنياؤنا المحترمون في عالمنا العربي؟ وهل يجازفوا قليلاً –باعتبار أن البحث والتطوير العلمي نوع من المغامرة والمجازفة غير المحسوبة النتائج بنسبة كبيرة طبعاً- في دعم مراكز البحوث العلمية العديدة في بلادنا؟!! حيث أنه وبدلاً من أن يذهب بعض المختصين عندنا في البحث العلمي –إذا افترضنا وجودهم عندنا أصلاً- إلى الخارج للدراسة والبحث والتطوير العلمي في جامعات الدول الغربية، فليبقى قسم منهم في داخل البلد على مرأى ومسمع مؤسساتهم هنا بحيث يتم تأسيس بنية متينة لهذا الموضوع الحيوي والمصيري والمرتبط ببقاء الدول وتطورها وازدهارها.
‎© منبر الحرية،4 نونبر/تشرين الثاني 2010

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

بادئ ذي بدء لا بد من التوقف عند علاقة الإسلام والمسيحية بالعروبة من خلال الأزمات التي يعانيها الفكر العربي. فالعروبة التي تعيش مرحلة البحث عن اليقظة، ووعي الذات، بعد قرون من الكبت والاغتراب، وتقف في وجه قرون من السيطرة، قاست خلالها الأمرين من الاستعمار العثماني، ثم الأوروبي والآن الاستعمار الاقتصادي والتكنولوجي، بالإضافة إلى واقع سياسي لا يخفي المصالح الإستراتيجية السياسية والحضارية التاريخية التي تحيط بنا من قبل كل من إيران وتركيا، بالإضافة إلى الخطر الإسرائيلي الوجودي، دون الحديث عن واقع دولي غني عن التعريف.
فالعروبة تواجه عصراً، سقطت فيه الحواجز، واتصلت الشعوب بعضها ببعض، اتصالاً لا انفصال فيه، تتداخل فيه وسائل الإعلام البصرية والسمعية، المقروءة والمكتوبة حيث الثقافات ممزوجة ومتداخلة ومتواصلة. عصر يشهد ولادة ثقافة بشرية، مشتركة، لا هي مسيحية فحسب، ولا هي إسلامية فحسب، لا هي ماركسية فحسب، ولا هي ليبرالية فحسب، لا هي روحانية فحسب، ولا هي مادية فحسب، ولا هي تجريدية فحسب، ولا هي تكنولوجية فحسب.
إنها ثقافة الإنسان وكل إنسان، ثقافة الإنسانية وكل الإنسانية، وكل محاولة للانفصال عن هذا التيار العالمي الجارف محاولة يائسة أو مضيعة للوقت وهدر للجهود.
ومن هذا المنطلق فالعرب لا يمكن أن يكونوا مسلمين فقط، ولا المسيحيون العرب يمكن أن يكونوا مسيحيين فقط. حيث إن الاستقلالات الوطنية ستصبح تقسيماً جغرافياً فحسب، وليس تقسيماً حضارياً بفوارق أساسية على الصعيد العربي.
ومن خلال مراقبة المشهد السياسي اللبناني، نجد أن العروبة هي من المصطلحات الأكثر رواجاً من قبل الكثير من السياسيين تارة للتبرير وتارة أخرى للتخوين، وأصبحت الحرب اللبنانية النموذج بالنسبة لهؤلاء السياسيين للاستشهاد بها عند الضرورة.
وإذا كانت هناك حسنات تذكر للحرب اللبنانية والأزمة اللبنانية الأخيرة، فهي أنها عرت الوضع اللبناني ودفعت باللبنانيين نحو مواجهة مباشرة ومكشوفة مع الحقائق التاريخية والتي يحاول البعض والبعض الآخر أحيانا طمسها والتستر عليها وإخفائها تحت ألف ستار ودافع، وتارة أخرى تجد من يحاول الاستشهاد بها تحقيقاً لألف غرض ومصلحة وغاية. وجوهر هذا الواقع يمكن التعبير عنه بالسؤال الآتي:
أين هي العروبة من انتماء لبنان الحضاري؟
لقد نتج عن هذه التفاعلات المتداخلة واقع مسيحي وإسلامي في لبنان ما زال حاضراً حتى يومنا هذا، أدى إلى فقدان الجاذبية القومية الشديدة والشبه مفقودة كي تربط المسيحي بباقي أبناء وطنه ومجتمعه. وما وقع فيه المسيحي اللبناني وقع فيه المسلم اللبناني أيضاً، وهكذا ضعفت الرابطة الوطنية لصالح الرابطة الدينية، وغلب الولاء الديني على الولاء الوطني بل وحل محله. وهذا الواقع ليس له مثيل في دنيا المسيحيين الأوروبيين، فالمسيحي الأوروبي مثلا لا يغلب ولاءه الديني على ولائه الوطني، ولقد رأينا كيف قامت كثير من الحروب بين شعوب تنتمي للمسيحية، وهذا الواقع ليس له مثيل أيضاً في دنيا المسلمين، بمن فيهم مسلمي العرب، فالخلافات بين الدول الإسلامية، أكثر من أن تحصى، بل هناك دول إسلامية تتحالف مع دول غير إسلامية، ضد دول إسلامية وبالتالي فإن الرابطة الدينية خارج لبنان قد تأتي بعد الرابطة القومية.
طرح القضايا الفكرية والحضارية وعلى مستوى إنساني أو سياسي وبأسلوب راق هو تنوع وغنى. ونحن العرب بأمس الحاجة إليه، ولكن هذا الطرح من أجل أن يكون سليماً وصحيحاً ويخدم المجتمعات المتنوعة والمفتوحة سواء على صعيد لبنان أو على صعيد الوطن العربي، لا بد أولاً أن يتم على صعيد لبنان من خلال  أمرين:
أ – التخلي عن الحكم على العروبة بمقاييس هذه الدولة العربية أو تلك، والرجوع إلى جوهر العروبة الحضاري الذي لم يتجسد بصورة كاملة في أي دولة.
ب – رفض تقسيم الشعب اللبناني داخل لبنان إلى قسمين (مع أو ضد العروبة). ومن خلال هذه الملاحظة يبدو بأن لبنان أقل ابتعاداً عن العروبة من عدد كبير من الأقطار العربية.
ويمكن القول أن أكثر ما يفقد العروبة بعدها الحضاري هي تلك المواقف الانتهازية والاتهامات المسلطة في وجه اللبنانيين على أنهم عملاء للخارج ومعادون للعروبة.
أما على صعيد الوطن العربي فكرة العروبة يمكن فهمها من خلال :
أ –  أن الأمة المتمثلة بالعروبة لا يمكن أن تكون ثمرة إبداع فكري مجرد حيث تنزل من العقل البشري المبدع فتلتحق بالمجتمع، بل تظهر من واقع المجتمع وتظهر لعقل المراقب الواعي. فالعروبة ليست إذن عملية ذهنية بل واقعية وتوضيحاً نقول : هل إن أحداً من رجال الدولة أو الفكر تمكن عبر الزمن من تركيب صورة عن أمة في ذهنه ومن ثم تطبيقها فيما بعد في المجتمع ؟ ومن يحاول فعل ذلك يكون واهماً يصدمه الواقع ويفسد إبداعه فكيف بحال الانتهازيين؟ كما أن القضايا الحضارية لا تعالج بمرسوم ولا تلغى أو توضع موضع التنفيذ بانقلاب عسكري ولا حتى بثورة، فالقضايا الحضارية موضوع شائك ومعقد لما هي عليه من اتساع في المدى وتنوع المعطيات.
ب – العروبة هي جماعة لها وجود واقعي وتاريخي، وشخصية مجسدة، وبالتالي ليست مجرد فكرة مجردة جوهرية ماهوية، بل فكرة واقعية محددة ومجسدة بواقع الفكرة، وبالمظاهر الفعلية، لها شخصية قانونية، لغة مشتركة، أرض مشتركة، سلوك نفسي جمعي. والعروبة هي التعبير الفكري الذهني عن الواقع العيني للجماعة السياسية والأمة، فإذا كانت الأمة فكرة قومية لها مسوغاتها، فلأنها قبل أي اعتبار تعبر عن واقع وجودي، عن كينونة الأمة في زمانية وواقعية الوجود التاريخي الاجتماعي. والجدل حول مفهوم العروبة، وحتى فكرة العروبة هي جزء لا يتجزأ من وجود العروبة.
الأمة وجود وكيان وشخصية عيانية، والجدل حول مفهوم الأمة، لا يغير، ولا يبدل من حقيقة وجود الأمة المادي والروحي.
ج – يجب علينا مجابهة الفكر، الماهوي الجوهري، الصوري والذي لا يميز بين الأمة الوجودية وهي الوطن العربي الطبيعي بقومه وأرضه، وبين التعبيرات الفكرية الأيديولوجية الكلية عن وجود العروبة. وبالتالي يجب تحرير الفكر العربي من أسطورة الحتمية الوحدوية وأشكالها المختلفة، ومن المفهوم الوجودي القومي الواحد، الذي يفرز بوجوده الحتمية وأشكالها المختلفة، وتلك هي الخطوة الأولى على طريق محاربة عملية الانزلاق في الإقليمية والمحلية، كما يحدث الآن في كثير من البلاد العربية. كما أنه لا يمكن أن يقوم أي شكل من أشكال الوحدة العربية على أساس عاطفي، أو ديني أو عرقي، وهذا يعني خلق الإنسان العربي متحرراً من كل الرواسب والسلفيات، والعصبيات وحتى الخرافات والأساطير.
العروبة ببعدها الحضاري والإنساني لا يمكن أن تتحقق سوى بشرط أساسي وهو المواطنة والعلمنة وهذه عبرة من العبر التي يعلمنا إياها التاريخ أو الواقع الحاضر، ولا تترك أمامنا سوى سبيل واحد ألا وهو النظام العلماني أو المدني، نظام الحرية الدينية والكرامة الإنسانية، القائم على حياد السلطة وإعطاء الحرية الدينية للفرد، وإعطاء أصحاب الأديان حرية التملك اللازمة لممارسة أنشطتهم وحاجاتهم، وبالتالي فصل الدين عن الدولة، ففصل الدين عن السياسة ضرورة تعلمنا إياها التجارب، وهو حال التاريخ العربي.
ولكن هل سنتعلم من الأيام أم نتركها تعلمنا وتتعلم بنا ؟؟
وهل سنعتبر من التاريخ ؟ أم نكون دائماً عبرة لمن يعتبر؟
© منبر الحرية، أب  2010

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

في سياق الانشغال العربي على كل المستويات السياسية والنخبوية، فضلا عن المؤسسات البحثية ووسائل الإعلام بالصعود التركي وتداعياته الإقليمية والدولية، يثار التساؤل التالي: ما هي ملامح خطاب المثقفين العرب تجاه هذا الصعود التركي واتجاه التغير الذي لحق السياسة الخارجية التركية؟

بعد رصد ومتابعة لما كتب حول هذا الانشغال العربي في خطاب المثقفين، نستعرض في هذا المقال، ملامح هذا الخطاب وقسماته، وبعد ذلك نقدم رؤية نقدية لهذا الخطاب، بغرض الكشف عن البنية الفكرية للمثقفين العرب.  وجدير بالذكر أن هذا المقال يتناول بعض القراءات للمثقفين وليس كلها، فهناك قراءات معمقة وتستحق التقدير ولكنها قليلة ونادرة. وعليه فنحن هنا نقدم قراءة للصفة الغالبة لخطاب المثقفين تجاه الصعود التركي، فهذا ما يستحق الدراسة والبحث.

وفي هذا السياق، نجد من بين المثقفين من وصف تأثير الصعود التركي بأنه “خطف الأبصار وأسر القلوب”. وآخر يقول: “إن الشرق الأوسط دخل العصر التركي”. وثالث يناشد وزير خارجة تركيا بإنقاذ بلاده قائلا: ” لا تتركنا يا داود أوغلو”، لأنك “تحمل في حقيبتك أفكاراً وتمنيات وحلولاً وضمادات وعقاقير”. ورابع يرى بأن ثمة “تحولات إستراتيجية مهمة في المنطقة أسهم فيها الموقف التركي”. هذه التحولات جعلت “إسرائيل خالية من أي تحالفات إقليمية للمرة الأولى منذ تأسيسها”. وخامس يقول: “أصبحت إسرائيل تسعى إلى استمالة تركيا عن طريق وساطة واشنطن” بعد أن كان العكس هو الذي يجري. وسادس: “فتركيا الخلافة ستعود بإذن الله قريبا”؛ لأن الجسد العربي صار بعد زوالها “هزيل ومهتري”، وبعودة تركيا “الخلافة” يعود “العز والمجد”. وسابع يرد التغير في الموقف التركي من الحليف الاستراتيجي “إسرائيل” إلى “صحوة ضمير المسئولين الأتراك”، هذا الموقف الأخير في غاية الغرابة، كونه يرد هذا التحول في المسائل السياسية والإستراتيجية إلى الضمير، وبالتالي يسقط من اعتباره العوامل الموضوعية سواء أكانت داخل تركيا أو في محيطها الإقليمي والدولي، ويعزل المجتمع التركي بكامله عن هذا “التحول الكبير” ويحصره فقط في ضمير المسؤولين الأتراك. أي دكتاتورية ورومانسية وليس أكثر من ذلك !.

والأغرب وتحت تأثير “السحر التركي” يصف بعضهم الشعب التركي بأنه “شعبٌ من أفضل شعوب المسلمين”؛ لأنه ” شعب يتميز بحميَّة إسلامية عالية، وبرُوح إيمانية رائعة”. بأي مقياس  قاس ذلك ؟ لا نعلم. والأنكى أن هذا الموقف العنصري يأتي على لسان “رجل دين” يدعي بأنه مفكر إسلامي، ويحمل مشروعا فكريا لاستنهاض أمة الإسلام، هذا المفكر  يرد عودة تركيا  إلى حضنها الإسلامي بغية “الدفاع عن أهل السنة ضد الأحلام الصفوية الشيعية”؛ لأنه ليس للعرب، في ظل ضعفهم، غير ” الاعتماد  على تركيا السنية(…) لذلك يُعَلِّق عليهم أبناء العالم الإسلامي آمالَ الوقوف أمام التغلغل الشيعي المؤَيَّد بالأنظمة الغربية”. والأكثر غرابة عندما تساءل أحد المثقفين العرب: “هل توحد تركيا المشرق العربي ؟”. وفي لغة مفعمة بالتمني والرغبات صور أحدهم تركيا بالقوة الرئيسية في المنطقة، وأنها ستلعب أدوارا ” حيوية في كل الملفات المطروحة، رغم انف إسرائيل ولوبياتها” .

هذا على المستوى الفردي.   أما على المستوى المؤسساتي، فهذه مؤسسة تمنح أردوغان جائزة العام 2010 ” تقديرا للمنجزات الاستثنائية”. وتلك تمنحه جائزة لـ”خدمة الإسلام “باعتباره أنموذجا” ولـ”قيامه بجهود عظيمة وبناءة”. وأخرى تشيد بموقف أردوغان في مؤتمر دافوس، وتعتبر موقفه دليلا  على ” زوال عصر قوة السلاح “.

وفي ضوء هذه الرؤى، يتبن أن بعض العرب الذين بدؤوا بملاحظة التحول في السياسة الخارجية التركية، تعاملوا تعاملا ساذجا ومبالغا فيما يخص هذا التحول، والدور الموعود لتركيا، ليس الإقليمي فحسب بل والعالمي أيضا كما يجري تصويره. ورغم أن  ملامح السياسة  التركية  ما زالت قيد التشكل، وأن قسمات المشروع التركي لم تتبلور بعد، إلا أن البعض أصدر أحكامه قطعية ويقينية.

والملفت للنظر أن هناك هالة كبيرة أحاطت هذا التغير التركي، ورسم دور يفوق طاقة تركيا وقدراتها وكأنها تعمل في فراغ دون أخذ قدراتها الفعلية وارتباطاتها الجيو-ستراتيجية، فضلا عن إضفاء نوع من الرومانسية والبطولة والشجاعة والمرونة الفائقة عليها. وبالتالي إحلال رغباتهم الذاتيّة محلّ الواقع، وكأننا لا نحلل هذا التحول المرتبط بدولة تتحرك في سياق إقليمي ودولي يضع عليها قيودا بقدر ما يفتح أمامها فرصا للتحرك، بل يتجاوز هذا “التحليل” وكأنك تقرأ لعاشقة تكتب عن عشيقها، أو عاجزا ينتظر المخلص. مع العلم أن تركيا لا تملك إلا القليل من الوسائل الخاصة اللازمة لتحقيق مصالحها التي  لا تتناسب مع ارتباطاتها الإستراتيجية وتطلعاتها الإقليمية.

هذا التبسيط هو هروب من الواقع وانحياز وتشويه لحقيقة هذا التغير في السياسة التركية، واستغراقا في الرومانسية والخيال، بعيدا عن ارتباطات الواقع وحدود الحركة. وهذا يؤكد أن الفكر العلمي والموضوعي لم يكن جزءا من خطاب هؤلاء، بل سيطر الفكر الرغبي، والرومانسية الفاقعة على العقلانية، والتمني على الواقع، والحلم على الحقيقة، وهو تعويض سيكولوجي عن نقص حاد يعتري هؤلاء،  وتعبير عن ضيقٍ من الأوضاع القائمة المزرية، وفي نفس الوقت يعكس حالة الفراغ الذي يعاني منه النظام  الإقليمي العربي. وبالتالي ثمة أزمة منهجيّة في تفكيرهم. وباعتبار أن ثمة علاقة بين المعرفة والأطر الاجتماعية، فموقف هؤلاء الفكري مرتبط بضعف وترهل وهشاشة البنى السياسية والاجتماعية والثقافية في البلاد العربية. ويؤكد موقفهم “الفكري” هذا بأن الميثولوجيا( الأساطير والزيف والأوهام) تبرز في الفكر السياسي الوضعي كما في الخرافة الشعبية، مكتسيا، في كل حالة، شكلا خاصا من “العقلانية” أو المعقولية، كما يقول فالح عبد الجبار في كتابة “معالم العقلانية والخرافة في الفكر السياسي العربي، (ص54). وعليه فهذه الميثولوجيا عميقة الجذور  في زوايا التفكير والوعي الاجتماعي. إذ تؤكد هذه القراءات أن هؤلاء المثقفين لم يتحرروا من إسار الايديولوجيا وأنها لا تزال فاعلة في وعيهم وتكوينهم الفكري، وبالتالي كل الحديث الذي قيل حول نهاية الايديولوجيا هو حديث ليس له أي سند واقعي. أضف إلى ذلك أن ولائهم السياسي لأنظمتهم كان طاغيا وعلى حساب التحليل الموضوعي المرتبط بالمصلحة القومية للعرب، وهذا يعني ضعف الفكر القومي لديهم. فمثلا نجد معظم المثقفين السوريين مرحبين بالصعود التركي، وفي المقابل نجد أن المصريين متوجسون وتنتابهم  نزاعات شكك عميقة من الدور التركي. وهذا يعني أن مواقف هؤلاء غير مستقل عن مواقف أنظمتهم السياسية، كون أن النظام السوري رحب بهذا الدور، أما نظيره المصري عبر عن مخاوفه العميقة من هذا الصعود. وهذا ينبئ بأن الدور التركي الصاعد قد يحدث المزيد من الانقسامات العربية- العربية.

ولكن  التساؤل هنا: هل توافق تركيا على هذه القراءات الساذجة ؟ بعبارة أخرى: كيف ترى تركيا نفسها ؟

إذا كانت تركيا بهذه القوة، كما يصورها هؤلاء، لماذا لم توفق حتى الآن في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي؟!، ولو كانت تركيا بهذا “السحر” لكان الأولى أن  يستجدي الاتحاد الأوربي لكي تمن عليه وتقبل تركيا الدخول في الاتحاد بدلا من العكس!.  ولو كانت تركيا كذلك لما شعرت بأنها مهملة، ولا تم تجاوزها في عملية تشكيل الصرح الأمني للقارة الأوروبية، بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، رغم أنها تعتبر نفسها داخله بعمق وفي نسيج الصرح الأمني الأوروبي، ولما انحاز الاتحاد الأوروبي إلى اليونان، خصم تركيا اللدود، ولما فضلها على تركيا في مجالات الأمن والدفاع وغيرها من المجالات الأخرى. ولو كانت بهذه القوة لحسبت واشنطن لتركيا ألف حساب قبل أن  تستخدم “قضية الأرمن” ضدّ تركيا، عندما قررت لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس الأمريكي بوصف المجازر التي وقعت عام 1915، وراح ضحيتها آلاف من الأرمن، بـ”الإبادة الجماعية”، ولما صوت البرلمان السويدي أيضا على قرار يعتبر ما جرى مع الأرمن هو إبادة، بل ذهب البرلمان السويدي أبعد من ذلك حيث نص القرار أن “السويد تعترف بإبادة عام 1915 ضد الأرمن، والآشوريين، والسريان، والكلدانيين، واليونانيين، الذين كانوا مقيمين” في أراضي السلطنة العثمانية، وبالتالي كل الأقليات المسيحية التي كانت مقيمة هناك. وذلك  دون أن تعير العلاقات التركية-السويدية أي اهتمام. والغريب أن من الكتاب من اعتبر أن هذين القرارين  يعدان في الحقيقة “انتصارا لتركيا”، رغم أن تركيا سارعت إلى التنديد بهذا التصويت، وعبرت عن استيائها وامتعاضها. وقام الرئيس التركي، عبدالله غل، بالاتصال بالرئيس الأمريكي، باراك اوباما، وطلب منه التدخل  للحيلولة دون مصادقة الكونجرس على توصية اللجنة. كما وطالبت السويد أن “تتخذ خطوات للتعويض” عن قرارها الذي “لن يفيد العلاقات الثنائية وقد يلحق بها الضرر”. بأي عقل قرأ كاتبنا هذا “الانتصار” ؟ بالطبع لا ندري، رغم أن تركيا لا تعتبره كذلك. وهكذا يتبن أن تركيا لا تشكل قيمة كبرى للاتحاد الأوروبي وبخاصة بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، الذي قلل من قيمة تركيا الإستراتيجية، ما أثار نقاشات داخلية حامية حول دور تركيا الإقليمي، لإعادة تقويم أهميتها الإستراتيجية، وإعادة تحديد مكانتها في المنظومة السياسية الجديدة على الصعيد الدولي. ولكن هذا لا يعني أنها فقدت قيمتها. نحن لا نقلل من قيمة تركيا، فلها مكانتها واحترامها، ولكن نقلل من قيمة المبالغة في الدور التركي، الذي يحاول أن يصوره البعض كـ”قبضاي إقليمي”، وكـ”عودة صلاح الدين”. فأي مبتدئ في علم السياسة يدرك أن أية دولة تتبع سياسة ترمي إلى تحقيق مصالحها أينما وجدت. وعليه، فتركيا تعي جيدا دورها ولن تستطيع الذهاب بعيدا عن الخط المرسوم، ولن تتجاوز الخطوط الحمر؛ لأنها تدرك أن السياسة هي انعكاس لموازين القوى. وهذا ما نلمسه في تفكير أحمد داود  أوغلو القائم على الموازنة بين “قوة الأمر الواقع”، و”قوة الحق الأصيل” في ضوء موازين القوى. هذا المبدأ يؤكد أن تركيا بلد يتبع مبادئ النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، بلد يؤمن بتوازن القوة وبضرورة السعي إلى تحقيق المصالح القومية حتى لو  اقتضت الضرورة تحقيق هذه المصالح على حساب دول أخرى. وفي ظل موازين القوى السائدة، ستتأثر سياسة تركيا تجاه المنطقة العربية بروابطها المصلحية والاقتصادية مع الولايات المتحدة الأمريكية، مما يجعلها لا تجرؤ على التعامل مع المنطقة بعيدا عن المشروع الأمريكي وسياسته في المنطقة.

وهنا نستطيع أن نقدم فرضية أولية وهي: أن أولوية المشروع التركي في المنطقة ستكون اقتصادية، وسيبتعد قدر الإمكان عن الأبعاد السياسية والإستراتيجية التي تثير حساسية المشاريع الأخرى في المنطقة، وحتى لا يصطدم معها. فقد تبين أن تفاعلات تركيا حتى الآن محصورة فقط بإيران، العراق، سورية، لبنان، والأردن، بهدف تحرير التجارة بين تركيا ودول المشرق العربي خصوصا، بغية تدشين سوق مشتركة. وقد عبر أحمد داود أوغلو عن تطلعات تركيا  في تكثيف التفاعلات التجارية والاقتصادية والمالية بينها ودول المشرق العربي في العديد من محادثاته مع الجانب العربي. وعليه، فتركيا لن تضيف لنا نحن العرب إضافة إستراتيجية، ولن تقوم بأي دور بدلا عنا نحن معشر العرب.

تأسيسا على ما تقدم فإن الزعم، الذي يكثر ترديده، حول الدور الإقليمي والعالمي لتركيا، زعما يقوم على قدر هائل من المبالغة، فإن المرء لا يستطيع أن ينفي حقيقة أن تركيا لها مكانتها الخاصة في السياق الإقليمي والدولي، ولكن ما نقره نحن أن تركيا تواجه مخاطر أمنية لن تستطيع مواجهتها وتعزيز استقرارها الأمني لوحدها ودون مساعدة واشنطن والغرب وحتى إسرائيل.كما أن تحقيق تطلعاتها الاقتصادية بحاجة إلى إسناد أمريكي وغربي.  لذا فإن سياستها سوف تأخذ بعين الاعتبار مصالح هؤلاء أكثر من غيرهم، حتى لو تطلب الأمر ضرب مصالح العرب بعرض الحائط، طالما بقي العرب غير مؤثرين في لعبة التوازنات السياسية، وبقاءهم أحد مكونات اللعبة السياسية، ولكنهم ليسوا المؤثرين الوحيدين أو اللاعبين الرئيسين، فقط هم قطعة شطرنج تمارس الضغوط عليهم من اللاعبين الرئيسيين.

وما يكشف عن  القدرة المحدودة لتركيا هي المبادئ التي تقوم عليها سياستها الخارجية، أي  “الموازنة” و”المسالك المتعددة”. هذان المبدءان صكا بفعل الموقع الجغرافي الحساس لتركيا، وسوف نتحدث عن ذلك في مقال آخر، ولكن المهم في هذا السياق، أن هذين المبدأين يكشفان عن ضعف بنيوي في تركيب السياسة التركية. إن  التركيز على مبدأ “المسالك المتعددة” وعدم القدرة على انتهاج سياسة ذات حد واحد، وإضفاء صفة التعددية على سياستها الخارجية، هذا يشي بأن تركيا عاجزة عن العمل بمفردها، وبذا لا تستطيع أن تفرض نفوذها، ونجاح سياستها مرهون بقبول الآخرين بها، وأن لا تكون على حساب مصالحهم، واجتراح سياسات تحظى بموافقة الجميع. ولا أعرف دولة استطاعت أن تبني علاقات متوازنة ومتكافئة مع الجميع، إلا الدول الضعيفة التي ليس لديها مشروع أو فلسفة سياسية خاصة، أو رؤية واضحة تسعى إلى تطبيقها، فالدول التي تسعى إلى التورط الإقليمي والدولي يجب أن تأخذ مواقف محددة وواضحة. كل ذلك يظهر مدى التحديات والمأزق التي تواجهه تركيا، ومدى التحديات التي تظهر مدى صعوبة تحقيق هذه المبادئ؛ لأن تركيا سوف تضطر في النهاية لأن تُقدِم على خيارات واضحة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى لن تقبل الدول المنخرطة معها في تفاعلات ومصالح متبادلة بأن تستمر بسياسة الموازنة هذه، وتدهور علاقاتها مع إسرائيل دليل على ذلك.  ورغم ما فعلته إسرائيل بتركيا، عن سابق دراية وتخطيط، بإهانة سفيرها، إلا أن الأزمة تم تجاوزها “فكان الاستقبال [التركي] الحافل لايهود باراك وتجديد الالتزامات الإستراتيجية تجاه إسرائيل” على حد قول أحد الكتاب النابهين. هذه هي لعبة التوازنات التي لا يدركها الكثيرون من المثقفين هؤلاء.

© منبر الحرية ،يونيو / حزيران 2010

peshwazarabic11 نوفمبر، 20102

قد تكون أزمة اليونان المالية الحالية، التي بدأ يمتدّ هشيمها إلى دول أوروبية أخرى، استرعت انتباه المشرفين على تنفيذ مشروع الوحدة النقدية الخليجية، واحتكرت مجهرهم  خاصة وأنهم مكلّفين بإنجاح مشروع مماثل للوحدة النقدية الأوروبية في منطقة الخليج.
وبدون أدنى شك فإن هؤلاء يحرصون بالتأكيد  على تجنّب الوقوع في هكذا مأزق مستقبلا  الذي قد يجرّ المنطقة  إلى عواقب وخيمة مثل الأزمة التي تتخبط في براثنها حاليا دول الاتحاد الأوربي، بعد أن أشعل فتيلها ارتفاع عجز ميزانية اليونان ليمثّل أكثر من 13 % من قيمة اقتصاده مقابل نسبة قصوى لا تتجاوز 3 % من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة  أوروبية، اشترطها الرّاسمون للسياسة النقدية الأوروبية للانخراط في منظومة الوحدة النقدية الأوروبية.
وكما هو معلوم، يتهيأ التكتّل الخليجي المعروف بـ”مجلس التعاون لدول الخليج العربية”  إلى إطلاق عملته الخليجية الموحّدة، التي لم يتم إلى حد الآن تسميتها رغم بلوغ المشروع، وحسب وثيقة اتفاقية الاتحاد النقدي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية التي دخلت حيز التنفيذ منذ 27 فبراير المنقضي،  بلوغه المرحلة ما قبل الأخيرة لطرح هذه العملة إثر انعقاد الاجتماع الأول لمجلس النقد الخليجي  في شهر مارس من العام الحالي.
وينضوي تحت لواء التكتل الخليجي العربي الذي يعود تأسيسه إلى  بداية ثمانينات القرن الماضي في إطار الاتفاقية الاقتصادية الموحّدة، ست دول خليجية تتمثّل في السعودية، الإمارات  العربية المتحدة، الكويت، قطر، سلطنة عمان والبحرين، إلا أنّ عضوين من هذه المجموعة الخليجية، وهما الإمارات وسلطنة عُمان،  آثرا عدم الانخراط مبدئيا في منظومة الوحدة النقدية الخليجية مع مواصلة الانضمام إلى باقي المشاريع الاقتصادية الموحدة والالتزام بها وهي أساسا السوق الخليجية المشتركة والاتحاد الجمركي.
وحسب وثيقة اتفاقية الاتحاد النقدي الخليجي التي تم الإعلان عنها نهاية عام 2008، فإن مهمة مجلس النقد الخليجي تكمن في الإعداد  لتأسيس بنك مركزي خليجي  يهدف إلى رسم وتنفيذ السياسة النقدية الخليجية وتحديد سعر الصرف للعملة الخليجية الموحّدة.
وانطلاقا من تجربة العُملة الموحّدة الأوروبية  التي أثمرت الـ”يورو”، وهي تجربة لا يقدر التّكتل الخليجي على تجاهلها، فإنّ التّداول الفعلي  للعملة الخليجية، وعلى بلوغ المشروع المرحلة ما قبل الأخيرة، لن يكون بين عشيّة وضحاها.
فبالرّجوع إلى مشوار الوحدة النقدية الأوروبية، فإن التنفيذ الفعلي لمشروع اليورو، وبدون اعتبار المراحل السابقة للوحدة الأوروبية التي بدأت تتلمس طريقها نحو التبلور منذ بداية خمسينات القرن الماضي،  بدأ منذ 1990 بإقرار التحرير الكامل لرؤوس الأموال وتطوير التعاون بين البنوك المركزية الأوربية، إضافة إلى حرية الاستعمال الافتراضي فيما بين البنوك الأوروبية لعملة الـ”إيكيو” التي تم تطويرها بعد 10 سنوات تقريبا إلى عملة  الـ”يورو”.
هذه المرحلة التمهيدية تطوّرت إلى مرحلة إطلاق مؤسسة النقد الأوربي، التي تعادل خليجيا مؤسسة مجلس النقد الخليجي. وتم ذلك عام 1994 بالتوازي مع إعلان إنهاء دور البنوك المركزية الأوروبية في تمويل القطاع العام ومواصلة دعم التنسيق بين السياسات النقدية بين الدول الأوروبية المعنية وتقوية التقارب الاقتصادي فيما بينها والاتجاه نحو استقلالية البنوك المركزية المحلية، لتندثر هذه المؤسسة في مرحلة لاحقة  بعد تسليمها المشعل إلى البنك المركزي الأوروبي الذي تم تأسيسه عام 1998.
وقد تركّز دور “المركزي” الأوروبي على وضع الآليات الممهّدة لمرحلة إطلاق عملة “اليوور”، والتي انقسمت بدورها إلى مرحلتين بدأت  الأولى منها عام  1999 من خلال تحديد سعر العملة الموحدة وآلية الصرف الأوروبي. كما تجسدت هذه المرحلة عمليّا من خلال القيام بالعمليات النقدية الافتراضية ما بين البنوك الأوروبية  وإصدار سندات الدين  باليوور قبل طرحه فعليا، وفي مرحلة ثانية،  بين المستهلكين العموم منذ عام 2002.
انطلاقا من هذا التذكير المختزل لمراحل إطلاق اليورو، يتبيّن أن هذا المشروع تطلّب 12 سنة تقريبا من الاستعدادات الفعليّة قبل أن يلمس المستهلك داخل أوروبا وخارجها ورقة اليوور بين يديه.
وبسبب اختلاف المعايير الهيكلية والظرفية بين أوروبا وبين دول الخليج في  نواحي عديدة وعلى رأسها السياسيّة منها والاقتصادية، فإنه لا يمكن التكهّن بأن يتولّى التكتل الخليجي نسخ  ما قام به الاتحاد الأوروبي ومحاكاة تجربته في إطلاق عملته الموحّدة وتطبيقها بكل حذافيرها وفي أدقّ تفاصيلها.
في المقابل يمكن الاستنتاج  بالقول إن دول الخليج ستنتهج المعايير ذاتها والشروط  الاقتصادية نفسها التي اتّبعها الاتحاد الأوروبي، لمنطقية هذه العوامل ومشروطيّتها لإنجاح مشروع عُملة موحّدة. وتتعلق هذه المعايير أساسا بالتضخم،  معدل الفائدة، سعر الصرف، نسبة عجز الميزانية من الناتج المحلي الإجمالي ومعدل الدين العام من القيمة الإجمالية لاقتصاد كل دولة معنية بالاتّحاد النقدي.
أيضا، وفي السّياق ذاته، فإنه لا يمكن  التّخمين بأن يكون إطلاق العملة الخليجية الموحّدة بعد  8 سنوات منذ بداية أعمال مجلس الاتحاد النقدي، انطلاقا من التدّرج ذاته الذي انتهجه الأوروبيون منذ إنشاء مؤسسة النقد الأوروبي عام 1994 وصولا إلى طرح عملة اليوور بين العموم سنة 2002.
أوجه الاختلاف
بالرجوع إلى الواقع الخليجي، ومقارنته بالتجربة الأوروبية، فإن أوجه الاختلاف تكمن  أساسا في عدم الإعلان، وإلى حد الآن، عن اسم العملة الموحدة للتكتّل الخليجي مستقبلا،  وبالتالي فإن عملية ترويج المنتوج الجديد، ونقصد به العملة الموحدة، داخل رقعة الخليج وخارجها، غير ممكنة في الوقت الحاضر، في حين أن الأوروبيين قد أعلنوا عن اسم عملتهم المستقبلية وبدأو التّسويق لها قبل سبع سنوات من طرحها بالسوق.
أيضا، لم تتوضح، وإلى حد الساعة، معالم الأجندة الخليجية  لإطلاق العملة الموحدة، خاصة بعد تراجع الخليجيين عن طرحها في موعدها المحدد سابقا والذي كان من المفروض بدءا من 2010 مثلما تم التّخطيط إليه من خلال إعلان قمة مسقط عام 2001  حول الجدول الزمني لإطلاق العملة الخليجية الموحدة والذي سبقه بعام واحد  قرار قمة البحرين بتثبيت سعر عملات دول الخليج الست وربطها بالدولار. وحول نقطة الاختلاف ذاتها، فإنه تجدر المقارنة هنا  أن الأوروبيين ضبطوا منذ البداية رزنامة زمنية دقيقة وتفصيلية حول آجال تنفيذ مشروع عملتهم الموحدة.
على مستوى آخر، يلاحظ أن دول مجلس التعاون الخليجي لا تزال بعدُ في مرحلة المشاورات والاستعدادات لتطبيق منهج ضريبي متقارب. كما اقتصرت التّسريبات الرسمية في هذا الصدد على إمكانية تطبيق دول الخليج بداية من 2012  نظام الضريبة على القيمة المضافة.  وهي خطّة مالية  ترمي إلى سد ثغرة  تراجع المداخيل الجمركية  نتيجة دخول دول الخليج في علاقات واتفاقات التجارة الحرّة، وكذلك تفاديا لتداعيات تذبب أسعار النفط بالأسواق العالمية وما يعنيه ذلك من عدم استقرار المداخيل لدول الخليج  التي لا تزال تعتمد بصفة أساسية  على عائدات الذهب الأسود.
في المقابل، تُصنّف الضرائب ضمن المصادر الأساسية لميزانيات دول الاتحاد الأوروبي، كما أن تقريب عملية تقديرها واحتسابها سهّل للأوروبيين إلى حد كبير عملية ضبط المعايير المتعلقة  باحتساب هوامش عجز الميزانية والتضخم وإرساء تقارب هيكيلي أكبر على مستوى مناخ الأعمال والاستثمار في المنطقة الأوروبية.
أيضا يكمن الاختلاف بين المقاربتين الأوروبية والخليجية في تقارب أسعار أغلب العملات الخليجية لارتباطها بالدولار باستثناء الكويت التي ارتأت اعتماد سلة عملات لتقليص مخاطر تراجع سعر الدولار في السنوات الماضية.  في المقابل فإن أسعار العملات الأوروبية كانت شديدة التفاوت والاختلاف قبل توحيدها إلى اليورو، وهو ما كان يسبّب تكلفة ومخاطر إضافية على مستوى التجارة البينيّة الأوروبية وتنقل رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية.
الاختلاف الأخير، وربما الأساسي بين المنظومتين الأوروبية والخليجية،  يتمثل في مدى اعتماد دول الخليج على الثروة النفطية الناضبة والمهددة بالزوال، وبنسبة تفوق 50 % من ناتجها المحلي الإجمالي مقارنة بالدول الأوروبية التي تعتمد بالأساس على ثروة ذات قيمة مضافة  طويلة المدى مستمدة من الصناعات التحويلية والخدمات بفضل تمكنها من المعرفة وامتلاكها التكنولوجيا بجميع مناحيها.
وانطلاقا من نقاط الاختلاف بين الشقّين الخليجي والأوروبي في الظروف والعوامل المؤطرة لاستعدادات التحوّل إلى عملة نقديّة موحّدة، فإن التكتل الخليجي قد يعتمد تجربة تتلاءم وظروفه وخصائصه الاقتصادية منها والسياسية،  حتى وإن اضطرّ الرجوع إلى المعايير الاقتصادية  ذاتها التي ضبطها نظيره الاتحاد الأوروبي في تنفيذه وحدته النقدية.
لكن في الوقت ذاته، وبالرجوع إلى أزمة منطقة “اليورو” الحالية، التي استهللنا بها مقالنا، فإن التكتل الخليجي قد يستقي الدرس الأوروبي بحذافيره  ويتهيأ لدى استعداداته الحالية لإطلاق عملته الموحدة، إلى مثل هذه الأزمات من خلال وضع خطة طوارئ استباقية وإنشاء صندوق أزمات يمَوَلَ من طرف الدول الست المنخرطة فيه. وهي خطة قد تساعده على الوقوف في وجه أي طارئ “ثقيل الظلّ” مستقبلا قد يسبّب في اهتزاز  كيان وحدته النقدية،  كما قد تجنّبه  فشل مشروع  وحدته الاقتصادية خاصة في ظل اعتماد اقتصاده حاليا على ثروة نفطية ناضبة.
© منبر الحرية ،يونيو / حزيران 2010

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

إذا كان الشيخ محمد عبده قد غرس بذور التوفيق بين الإسلام ومبادئ الحضارة الحديثة وفي قلبها الحرية،فانه لم يكن يرى أن هناك تعارضا خطيرا بينهما، وعلى فرض وجود تعارض فالواجب إتباع مبادئ الإسلام،ولكن بفتحه باب الاجتهاد أوجد جيلا من أتباعه ومريديه بالغوا في فهم هذا المبدأ وفي إتباع الحضارة الحديثة. وتلاميذ الشيخ محمد عبده اتجهوا اتجاهين : اتجاه يرمي إلى زيادة التقيد بالحضارة الحديثة، ويتمثل في قاسم أمين ولطفي السيد وأمثالهما، واتجاه ثان يهدف إلى الإصلاح داخل إطار المبادئ الإسلامية، ويتمثل هذا الاتجاه في أمثال الشيخ رشيد رضا والشيخ علي عبد الرازق. وكان أصحاب هذا الاتجاه يرون أن الخلافة خير ضمان لجميع أنواع الإصلاح في دائرة قواعد الشريعة الإسلامية بشرط أن يكون الاجتهاد هو المؤهل للخلافة ، وأما الاتجاه الأول فيعتبر الأساس الذي بنيت عليه فكرة القومية المصرية،فالمثال الليبرالي الأوربي هو الذي ألهم في  هذه الفترة نفسها طلائع الفكر الاجتماعي الحر المتمثل في أعمال قاسم أمين وكتابه الفذ ” تحرير المرأة “، وهذا المثال هو الذي ولد النزعة الليبرالية التي عبر عنها في الفترة التالية لانسحاب الدولة العثمانية المفكر المصري الرائد أحمد لطفي السيد، وهو إمام الليبراليين نظرا لما امتاز به من وضع دقيق لمسألة الحرية والحريات في إطار منظومة شاملة للمجتمع والدولة والاقتصاد، وهو القائل “خلقت نفوسنا حرة، طبعها الله على الحرية ، فحريتنا هي نحن، هي ذاتنا ومقوم ذاتنا، هي معنى أن الإنسان إنسان، وما حريتنا إلا وجودنا، وما وجودنا إلا الحرية”. وإيمان أحمد لطفي السيد بحق الخلاف والاختلاف، فقد كان شعار جريدته ” الجريدة ” كلمة للفيلسوف الأندلسي” ابن حزم ” وهو من قرائه في مسائل الأخلاق والعقائد واختلاف الطوائف والعبادات . وكان” ابن حزم”  يقول : ” من حقق النظر وراضى نفسه على السكون إلى الحقائق إن ألمتها أول صدمة، كان اغتباطه بذم الناس إياه أشد وأكبرهم من مدحهم إياه”. وهكذا مثلت الحرية في الثقافة العربية رغبة عارمة وحاجة حيوية ومطلبا رئيسيا وشعارا قويا يرفعه على وجه الخصوص تيار “لفكر الحر” وتيار “الاستقلال الوطني” على حد سواء ولدت قوة الدعوة إليها –أفرادا وجماعات وأحزابا- ” قطيعة ” مع أحوال الماضي و”غاية ” منشودة للحياة والمستقبل. ومع أن تلاميذ الشيخ محمد عبده تياران، فإن هذين التيارين لم يسيروا في اتجاهين متعاكسين تماما، فان مصطفي  كامل مثلا مع انه كان يعتقد أن سر قوة الأمم هو الوطنية إلا انه كان يدعو في الوقت نفسه إلى خلافة إسلامية صالحة، فهو بذلك يتجه الاتجاهين المتقدمين في آن واحد.
ومما يلاحظ أن الحركة في عهد مصطفى كامل وأتباعه الأولين كانت مقصورة على نخبة من المثقفين، أما حينما انتقلت القيادة إلى سعد زغلول وأنصاره أصبحت الحركة شعبية عامة وسياسية الغرض منها التحرر والاستقلال لمصر، من غير تفكير في النظريات العامة. لذلك كانت وحدة التفكير عند سعد هي مصر واستقلالها غير أن سعدا في بادئ حياته السياسية كان متأثرا بآراء الشيخ محمد عبده، إذ كان يرى أن الاستقلال لا يتأتى إلا بإصلاح النظم القانونية والتربوية.
أما رشيد رضا فقد كان يرى أن القضية العامة لرفع مستوى المسلمين هي الوحدة، فالأتراك في نظره كانوا يمثلون القوة السياسية، كما كان العرب يتمسكون بالروح الحقيقية للإسلام. ومراده بالوحدة وحدة القلوب والعقيدة، ولو اختلف الجنس، والمسلمون كافة لا يمكن أن يجتمعوا على ضلال .
كما دعا إلى الوحدة بين الشيعة وأهل السنة، ورأى أن حصر الخلافة في سلطان تركيا أمر دعت إليه الضرورة بصفة مؤقته أي إلى أن يحين الوقت الذي تجتمع فيه كلمة المسلمين على اختيار من هو أصلح بدرجة اجتهاده للخلافة. وحبذا لو كان قرشيا فيعيد مجد العرب من جديد. ولكن القومية لم تكن تطورا مباشرا لهذه الفكرة، بل إن الضرورات والظروف وانحلال الدولة العثمانية والثورة ضد الاستعمار الأوروبى والصهيونية كل هذه دعت إلى إقامة وحدة قومية أعم من الوحدة الدينية . إن القومية العربية مدينة بأصولها إلى عبد الرحمن الكواكبي أكثر من أية شخصية أخرى، ففي كتابه “أم القرى “شرح نظرية تدهور المجتمع الإسلامي لأسباب تشبه تلك التي أدلى بها جمال الدين ومحمد عبده، غير أنه أتى فيها بشيء جديد هو أن الدولة العادلة المنشودة هي تلك التي يشعر فيها الفرد بأنه حر في خدمته للجماعة، وبأن الحكومة مسئولة عن حماية هذه الحرية أمام الشعب، وهذه هي المبادئ الصحيحة للمجتمع الإسلامي، لا تلك المبادئ التي كانت تسوده في عهد الدولة العثمانية من الاستبداد وكبت الحريات.
والعرب وحدهم –في نظر الكواكبي –هم الذين يستطيعون إعادة مجد الإسلام لأنهم في منطقة وسطى بالنسبة للعالم الإسلامي ولأن إسلام العرب خلا من البدع التي شابته في عهد الدولة العثمانية، ولأن المجتمعات البدوية خالية من التدهور الخلقي والسلبية أمام الاستبداد، ولأن اللغة العربية هي الوعاء الذي صبت فيه المبادئ الإسلامية، فهذه خطوة نحو القومية العربية من جهة، ومن جهة أخرى فإن الطوائف المسيحية الشرقية في الهلال الخصيب بدأت تصبغ كنائسها بالصبغة العربية مقاومة بذلك مطارنتها الأروام .
وهناك سبب أخر لوجود فكرة القومية العربية هو أنها ظهرت كرد فعل لمغالاة الشبيبة العثمانية في عثمنة النظم في مراكز القوة والحكم، ولظهور القوميات الأخرى في هذه الدولة المتداعية مثل القومية الأرمينية والكردية. وقد نمت فكرة القومية العربية أثناء الحرب العالمية الأولى وبعدها، ولابد من  ذكر   ثلاثة  من المفكرين هم : عبد الرحمن البزاز الذي يرى أن الإسلام الحقيقي يتصل بالصبغة العربية لا العكس، وبالتالي فالإسلام هو القومية العربية ، وقسطنطين زريق الذي يعتقد انه يجب فهم الإسلام بوصفه روحا دينية لا عصبية طائفية، واعتباره حضارة يتساوى فيها المسيحي والمسلم، وساطع الحصري الذي هو أكثر من توسع في تحديد معنى الأمة العربية، والعرب في رأيه هم من يتكلمون العربية ويشتركون في ماض واحد.
© منبر الحرية ، 25 ماي /أيار2010

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018