الممارسات السياسية العربية

عزيز مشواط11 نوفمبر، 20101

“حاجتنا أكيدة إلى عقلانية بن رشد” و”عقلانية بن رشد مفقودة” و” أضعنا فكر بن رشد، فتخلفنا” مقولات لا يكف المثقفون والمفكرون العرب عن ترديدها بمناسبة أو بدونها. ولم يخرج لقاء ثقافي نظمته إحدى المنظمات الثقافية بالدار البيضاء المغربية حول فكر بن رشد عن المشهد نفسه، إذ بعد ترديد المقولات الجاهزة السالفة، انخرطت أصوات عديدة أخرى فيما يشبه جلد الذات التي فرطت في “عقلانية ما أحوجنا إليها اليوم”، قبل أن ينخرط الجميع في الإشادة بهذا الفيلسوف العظيم الذي ظلمه التطرف، فضاع بين دهاليز السياسة والمكر، قبل أن تتلقفه الأرض الأخرى فيزهر عقلانية غربية، أفرزت علما وحضارة و تنويرا .
من فرح أنطوان إلى عاطف العراقي مرورا بعبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود وصولا إلى محمد عابد الجابري وغيرهم، يجري التأكيد على حاجتنا اليوم إلى روح العقل التي تختزنها فلسفة بن رشد. ورغم اختلاف المنطلقات والمرجعيات بين كل هؤلاء المفكرين، نكاد نجزم أنهم يشتركون، حين الحديث عن بن رشد، في ذلك الحنين المأساوي نحو “ماضينا المشرق” الذي تجسده عقلانيته الفذة. وهنا نتساءل هل فعلا بن رشد منتوج عربي مسلم، أم أن انتماءه لهذه الحضارة مجرد انتماء بيولوجي فيما انتماؤه الحقيقي إلى الحضارة التي تبنته وعانقت أفكاره؟ ثم لماذا لم تستطع كل هاته الدعوات المرتفعة من كل حدب وصوب المشيدة  بعقلانية بن رشد،  في استنبات عقلانية عربية يكون جذرها الأصيل بن رشد، الذي انتمى في تاريخ ما إلى هذه التربة؟
في العالم الإسلامي تعرض بن رشد للتكفير وحوكم وأحرقت مؤلفاته ونفي، بينما ترجمت أوروبا مؤلفاته ودارت معارك فلسفية حول آرائه، وانقسم الفلاسفة في أوروبا إلى فريقين: فريق مؤيد، وفريق معارض، وفي النهاية انتصر الفريق المؤيد لعقلانية بن رشد وسار في الطريق العقلاني لتأسيس التنوير.
إن هذا التمايز بين العالم الغربي والعالم الإسلامي في تبنى عقلانية بن رشد وترجتمها، سينتج نموذجين ثقافيين بمسارين مختلفين. الآخر الغربي منتج عصر النهضة وعصر التنوير اللذين يمثلان الأساس الثقافي الذي أفضى إلى بزوغ الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر والتي بدورها أفرزت الثورة العلمية والتكنولوجية في القرن العشرين، والعالم العربي الإسلامي الذي نفى بن رشد ويستمر في رفض المشاركة في المسيرة التي مثلت النهضة والتنوير منتوجهما.
لا شك أن هذه ملاحظة على قدر كبير من الأهمية، خاصة وأن  أعداء العقلانية الذين يرفضون مبدأ نسبية الحقيقة وتعددها،  فيما يختص بالاجتهادات البشرية في فهم النص الديني، والمتشبثون بحرفية النص الديني يستمرون في الوقت الحاضر في إدارة دفة
الأمور في اتجاه مزيد من التردي.
هناك نقطة أخرى لا تقل أهمية ينبهنا إليها التاريخ. لقد اتهم بن رشد بالزندقة والكفر وحاكمه الخليفة الموحدي علنا في جامع قرطبة، ولعنه الحاضرون، وأخرج مهانا وجمعت كتبه وأحرقت ووضعت قراءتها تحت طائلة العقاب الصارم. وبعد وفاته دفن في مراكش. وبعد أشهر ثلاثة نقل رفاته إلى مقبرة أجداده بقرطبة.
الوقوف على مشهد طرد جثة بن رشد إلى “الضفة الأخرى” يحمل أكثر من دلالة.  إنه مأساة حقيقية، إذ لم يكن مجرد جنازة معزولة لفيلسوف عاش مضايقات فكرية ومعاناة كبيرة، بل كانت الجنازة لموكب الفلسفة العقلانية المهزومة في ديارها والمطرودة إلى الضفة الشمالية. رمزية المشهد المأساوي تتمثل في طرد جثمان الفلسفة العقلانية العربية وتوجهها غربا إلى البر الأوروبي حيث سيوارى التراب، قبل أن يزهر بعد أن تلقفته الجامعات الغربية نقدا وتمحيصا وشرحا.
كل المؤشرات إذن تفيد أن بن رشد يشكل أرقى ما وصلته الحضارة العربية الإسلامية”، لكن انتماءه الحقيقي يظل محل ريب. إنه ينتمي بيولوجيا إلى هذا العالم العربي الإسلامي، في حين يعود انتماؤه الثقافي إلى الغرب الذي ترعرعت فيه عقلانيته بعد أن تم طرده حقيقة ورمزا من سياقنا الثقافي والحضاري.ولكن إذا وافقنا على هذه التشخيص، ألا يطرح هذا إشكال حلقة جلد الذات المفرغة التي لا فكاك منها؟
الاعتراف في بعض الحالات يشكل نصف العلاج. أما الواقع فيعلمنا أن الموت الذي أصاب العقلانية العربية وحرية الفكر والنظر العقلي لا تزال تبعاته تشد أعناقنا لحد الآن وترخي بظلالها على اللحظة الراهنة، إذ تستمر آثارها ونتائجها السلبية في الفكر والسياسة والاجتماع.
مأزق العقلانية في العالم العربي الإسلامي ناتج في جزء كبير منه عن هذا الطرد الذي تعرض له “أرقى ما وصلته الحضارة العربية الإسلامية،” مما أفرز في الوقت الراهن تفاوتا شديدا بين نخبة مثقفة تحاول استعادة العقلانية المطرودة، ومجتمعات أكثر من نصفها أمي، ناهيك عن بؤس الناس وفقرها الشديد وتفشي الجهل، مما يسهل اختراقها وانجرافها مع توجهات قيم التطرف التي دفعت إلى طرد بن رشد .
هذه الازدواجية في المجتمعات العربية، تؤشر على وجود أزمة معنى مستفحلة. أزمة استفحلت في السنين الأخيرة ووصلت ذروتها مع تحول أحلام النهضة إلى انحطاط وتطرف ولاعقلانية تكاد تطيح بكل شئ، إذ تصطدم الدعوات إلى العقلانية بكثير من الأوهام العربية المسنودة بالأصوليات الحاضرة.
إن الرسالة الأساسية الكامنة وراء تذكر محنة عقلانية بن رشد يجب أن ترتكز على سبل استعادته من غربته القسرية، وسبل إعادة توطين فكره، ليس كما أنتجه إبان حياته فقط، بل كما طورته الإنسانية، بعيدا عن  قيود الفكر المتطرف الذي لم يكتف فقط بالتضييق على عقلانيته المتنورة، ولكن طرد حتى جثته في اتجاه الغرب، وحكم عليه بالمنفى فانحدر الوضع إلى استنبات تيارات متطرفة تستمر في إدارة العجلة إلى الخلف.
© منبر الحرية، 19 سبتمبر/أيلول 2009

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

مقتلُنا يكمن في لساننا         فكم دفعنا غالياً ضريبةَ الكلامْ.            “نزار قباني…”
إذا خسرنا الحربَ – لا غرابةْ         لأننا ندخلها بكلِ ما يملكه الشرقيٌ من مواهب الخطابةْ.
إبالعنتريات التي ما قتلت ذبابةْ          لأننا ندخلها بمنطق الطبلةِ والربابةْ            “نزار قباني…”
في الستينيات كنا نتحدث عن قوتنا واصفين إياها بأكبر قوة في الشرق الأوسط… ثم جـاء صبـاح الخامـس من يونيه 1967 ليفتـح عيوننا على حقيقة أن ذلك لم يكن إلا مجرد “كلام كبير”. وخلال نفـس السنوات كنـا نتكلـم عـن عـدونا التاريخي بصفـتـه “عصـابات يهـودية”… ثـم جـاءت الأحـداث لتـثـبـت أن هــذا العـدو كان شيئـاً أخطــر بكثيـر مـن “مجـرد عصـابات” … كان كلامُنـا مـرة أخـرى مجرد “كلام كبير”. وعندما وصفنـا رئيـس وزراء بريطانيـا بأنه (خـرع) وهو لفـظ عامـي مصـري يعنـي أنه ليس رجلاً بالمعنى الكامل… وعندما اقترحنـا على الولايات المتحدة الأمريكية أن تشرب من البحرين (الأحمـر والأبيـض)… وعندما تحدثنا عن الصاروخ القاهـر وشقيقـه الظافـر… لم يكن ذلك فـي الحقيقـة إلا مجرد “كـلام كبيـر”. وعندما نستمـع الآن للأغانـي الوطنيـة التي أُنتجت في الستينيـات (ورغم إعترافنـا بجودة العمـل الفني وروعـة الحلـم الوطنـي والقـومي) فإننا نجـد عشـرات الأمثلة على كلام لم يكن إلا مجرد “كـلام كبيـر”. وعندما نترك الستينات ونمر على السبعينيـات والثمانينيـات والتسعينيــات نجد أن “داء الكلام الكبير” ظل ملازماً لنا بشكل لا يخفى على أحد؛ بل أنه وصل الآن إلى معظم مناطق حياتنا العامة، وأصبح الذين يتكلمون بلغةٍ غير لغته “ثلة من أشباه الغرباء” الذين يعزفون لحناً غريباً يصدمُ الآذان.
فنحن عندما نتحدث عن تاريخـنا، لا نستعمل لغة العلم والموضوعيـة وإنمـا نغـرق فـي زخم من الكلام الكبير. وعندما نتحدث عن واقعنا المعاصر، نحشر مرة أخرى “قوافل الكلام الكبير”. وحتى عندما نفوز في مباراة لكرة القدم، ينهمر “الكلام الكبير”؛ فرغم معرفتنا بأن مستوانا في هذه اللعبة الرياضية يقع ما بين “المتوسط” و”المتواضع” (على المستوى العالمي) فإننا لا نتردد ولا نتأخر عن استعمال أوصاف مثل (الفراعنة يهزمون….).. ونكون هنا متسقين مع “تبار الكلام الكبير” الذي عم واستفحل في تفكيرنا خلال نصف القرن الأخير.
وإذا تأملنا الصفحات الأولى بصحفنا ومجلاتنا وجدنا “جيوشاً عارمة من الكلام الكبير”… فكل لقاء هو “لقاء قمة”… وكل قرار هو “قرار تاريخي”..
ومن الواجب أن نقول إننا لا نفتعل ذلك افتعالاً، لأنه أصبح جزءاً من نسيج تفكيرنا، بمعنى أننا نكتب ونتكلم بهذه الكيفية (كيفيـة الكـلام الكبيـر) لا مـن (باب التملق) وليس من باب (النفـاق) ولا من باب (الكـذب المقصـود) وإنمـا نكتب ونتـكلم هكـذا من باب الاتســاق مـع “عيـب كبـيــر” استـقــر في ثقافتنا وعقولنا وأصبح من الطبيعي والمنطقي أن يجد طريقه لخارج رؤوسنا عن طريق أَلسنتنا.
ورغم أن البعض (وربما القلة) يلاحظون هذا العيب الخطير من عيوب التفكير، إلا أن معظمهم عندما يتصدرون للحديث يقعون في المحظور وينساقون مع تيار “الكلام الكبر”، وهو ما يثبت أن هذه السمة قد أضحت متفشية إلى أبعد الحدود وأن “الهواء الثقافي” لنا أصبح متشبعاً بهذه الخصلة إلى أبعد حدود التشبع.
ولعل ضرب الأمثلة يكون أيضاً مفيداً هنا: بعد حادثة الأقصر المفجعة في خريف عام (1997) أَذاع التلفزيون المصري تغطية لماراثون الجري (العدو) حول أهرام الجيزة، وقامت الكاميرا بمقابلة نحو عشر أشخاص مختلفين.. كرروا نفس الكلام وبنفس الصيغ وقال كل منهم (وكأنه يكرر حديثاً محفوظاً): “أن مصر هي بلد الأمن والأمان.. وأن العالم كله يعرف ذلك… وأن الإرهاب لا يقع على أرض مصر فقط وإنما في كل مكان بالعالم… وأن الدنيا كلها تتطلع لزيارة آثارنا التي لا مثيل لها في العالم”.
وكان مصدر دهشتي تصوري أن تطابق الكلام بهذه الكيفية يكاد يكون مستحيلاً بين عشرة أشخاص مختلفين… ولكنها سطوة “الجو الثقافي العام” المشبع إلى أقصى حد بخصلة “الكلام الكبير”.
وقد كانت السنوات العشرين التي قضيتها فى واحدة من أكبر المؤسسات الصناعية العالمية فرصة هائلة لكي أكتشف أننا في هذا المضمار أصبحنا (وأكرر: أصبحنا) مختلفين عن معظم شعوب العالم بشرقه وغربه.
فأبناء الحضارة الغربية (بما في ذلك أمريكا الشمالية) تواصل نموهم الثقافي في اتجاه مختلف يقوم على اعتبار “الكلام الكبير” انعكساً مؤكداً لعدم المعرفة. فالمعرفة الإنسانية معقدة ومركبة ولا تسمح بالغرق في “الكلام الكبير”، بل تأخذنا إلى لغة متوسطة تحاول -قدر الطاقة- أن تعكس حقائق العلم والثقافة.
أما أبناء الحضارة أو الحضارات الأسيوية (مثل اليابان وغيرها) فإن التحفظ كان ولا يزال من سمات هذه الحضارة بشكل واضح، وهو ما يمنع أيضاً استفحال ظاهرة الكلام الكبير.
أما شعوب العالم العربي، فإنها تشترك معنا -بدرجة أو بأخرى- لكون الثقافة العربية قد اتسمت في مراحل عديدة بسمة “الكلام الكبير”. فالشعر العربي عامر بقصائد المدح والهجاء التي تطفح بالكلام الكبير الذي لا يعكس بالضرورة حقائق الواقع والأشياء. بل أن ثقافتنا اعترفت بأن معظم هذا “الكلام الكبير” مجرد “كلام” ولا أساس له من الواقع، عندما نحتنا المقولة المشهورة (أعذب الشعر: أكذبه).
وكان النص القرآني (كالعادة) رائعاً في وصفه الشعراء (في هذه البيئة) عندما وصفهم بأنهم في كل واد يهيمون (وأنهم يقولون ما لا يفعلون).
وكاتب هذه السطور يرى أن من أوجب واجبات من يهمه تصويب مسار العقـل المصـري أن يقـوم بإيقاظ هذا العقل وينهره بشدة أمام ظاهرة اتسامه بعلة الكلام الكبير وحقيقة أنها ظاهرة منبتة الصلة بالواقع وحقائق الأشياء. وأن يُظهر الآثار الهدّامة لهذه الظاهرة التي جعلت البعض يصنفنا (بخبث وأغراض) بأننا حضارة كلامية أو حضارة حنجرية أو (مع التطور العلمي) حضارة ميكروفونية…
ومن المهم للغاية أن نفتح عيون أبناء وبنات هذا الوطن (من خلال برامج التعليم) على حقيقة هذا العيب وما يجره علينا من عواقب وخيمة؛ إذ يجعلنا من جهة مثار تعجب العالم… ويجعلنا من جهة أخرى “سجناء عالم خرافي من صنعنا ولا أساس له في الواقع”.. كما أنه يجعلنا “سجناء الماضي” حيث نصف ماضينا بزخم من الكلام الكبير ثم نهاجر إليه. ولا شك أن “علة الكلام الكبير” تتصل بعلل فكرية أخرى مثل: عدم الموضوعية.. والهجرة للماضي… والمغالاة في مدح الذات… وضيق الصدر بالنقد. بل أنني لا أبالغ إذ أقول أن “علة الكلام الكبير” تقيم جسوراً للتواصل بين هذه العلل الأخرى.
كذلك، فإنه من الضروري أن نناقش الصلة بين هذه العلة الفكرية (علة الكلام الكبير) وضيق الهامش الديموقراطي. ففي ظل مناخ ثقافي عام يتسم بداء الكلام الكبير يكون من الصعب تطوير الهامش الديموقراطي كما يكون من السهل نجاح فرق سياسية تملك من “الخطاب الغوغائي” (الديماجوجي) أضعاف ما تملك من “الخطاب الموضوعي”. فالذي يقول لنا أن مشروعه الفكري هو “الحل” إنما يقدم لنا وجبة أخرى ساخنة من وجبات “الكلام الكبير”، فمعضلات الواقع الاقتصادية والاجتماعية أكثر تعقيداً من أن يكون علاجها بشعار عام يستمد جذوره من تربة الكلام الكبير كهذا الشعار.
وما أكثر ما رددت لنفسي وأنا أسمع جولات الحوار العام تتلاطم أمواجها بفعل “الكلام الكبير” ما أكثر ما رددت لنفسي أبياتاً من شعر نزار قباني يقول فيها (بعبقرية):
لقد لبسنا قشرة الحضارة        والروح جاهليةْ.
© منبر الحرية، 15 سبتمبر/أيلول 2009

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

لو كانت الإدارة الأميركية تدرك، على نحو الدقة، حقيقة النظام الشمولي القائم في الجمهورية اليمنية، لكانت فضلت الإمساك بهذا النظام بوصفه المسؤول الأول عن التفجير الإرهابي الذي حدث للسفارة الأميركية بصنعاء يوم الأربعاء 17 سبتمبر 2008، كما هي عليه الحال للتفجير التخريبي الذي لحق بالمدمرة كول قبل عدة أعوام، خاصة وأن الإدارة الأميركية تتعامى عن طبيعة النظام الشمولي المنافق القائم في صنعاء عبر عقود طوال فاقت عقود حكم حزب البعث في العراق “الجمهوري”، وهو النظام العشائري الذي امتد ليتجاوز الأنظمة الأبوية الشمولية، الملكية والجمهورية، التي تواصلت على سدة الحكم لعقود ثقيلة أشبه بتلك العقود التي هيمن خلالها الدكتاتور الكوبي كاسترو على السلطة في هافانا.
ان من يحاول رصد ودراسة هذا النظام الذي سيطر على السلطة بحركة عسكرية، فإنه لابد وأن يلاحظ حالة التكلس السياسي أو التحجر fossilization الإجتماعي التي غلفت الأوضاع داخل الشمال اليمني، ثم إمتدت لتشمل الجنوب وحضرموت حتى بحر العرب عبر هذه المرحلة الرجوعية. لذا فإن المتابع للشأن اليمني سيجد التالي من الحقائق المهمة:
(1)    إن النظام القائم قد هيمن على السلطة في صنعاء بانقلاب عسكري بقيادة “الأخ” العقيد علي عبد الله صالح قبل عقود.
(2)    أن الأخ العقيد بقي رئيساً للجمهورية طوال هذه الحقبة المستطيلة دون أن يسمح لمن ينافسه بضايقته على كرسي الرئاسة وعلى طرائق تشكيل النظام الذي سيبقى يسمح له بالرئاسة أو بالترئيس، لما لا نهاية من السنوات.
(3)    أن الأخ العقيد، وعلى سبيل الإبقاء على سيل المساعدات المالية المتدفقة على حكومته من المملكة العربية السعودية ودول الخليج الأخرى (والعراق قبلذاك) إعتمد سياسة منافقة hypocrite ومتقلبة، متأسسة على عدد من المباديء، وأهما: 1.مغازلة وتشجيع الحركات الإسلامية الأصولية من نوع الحركة “الوهابية” التي تعتمدها أغلب الأنظمة الشمولية في المنطقة، ؛ 2.محاربة ولجم أو بتر القطاعات الإجتماعية التي تمثل الغالبية الطائفية الدينية في اليمن (الشيعية الزيدية)، وهو جزء من تبرعمات النفاق الذي يعتمده النظام اليمني، خاصة وأن الرئيس اليمني نفسه، زيادة على رئيس البرلمان والشخصيات المهمة الأخرى هم من أتباع هذه الطائفة الزيدية برغم تحفظهم وإنكارهم المنافق لهذه الحقيقة (لاحظ تمرد الحوثيين).
إن من يحظى بزيارة إلى اليمن، فإنه سيلاحظ بلا أدنى مجال للشك كيف تنشط المنظمات الإرهابية الأصولية هناك بكل حرية، دون رادع أو خوف أو ضوابط على نحو الإطلاق، بالرغم من أن اليمن الجنوبي الذي غالبيته من أتباع وأدعياء الحركة الإشتراكية والشيوعية، بإعتبار النظام الذي كان سائداً في عدن قبل الوحدة.
لقد بقي الحكم اليساري، نصف الشيوعي، سائداً في اليمن الجنوبي لعقود، إلاّ أنه لم يتمكن من أن يغير طبيعة العقلية أو الذهنية القبلية اليمنية التي فضلت البقاء متكلسة على ما هي عليه لقرون، الأمر الذي يفسر “الردة” أو الإرتجاع retreat الإجتماعي السريع الذي حدث مباشرة بعد قيام نظام صالح الشمولي بضم ودمج جمهورية اليمن الجنوبية إلى الجمهورية اليمنية الموحدة، بداية تسعينيات القرن الماضي.
ويبدو أن ما يشيع بين أبناء اليمن الجنوبي، الممتعضين من النظام القائم، بأن علي عبد الله صالح إنما هو، في حقيقته، “تلميذ” صدام حسين إنما هو حقيقة لا شك فيها: حيث يذكر العديد من اساتذة الجامعة العراقيين العاملين هناك أنه من بين كل ثلاثة طلبة في الجامعة، هناك طالب واحد يعمل لصالح أجهزة الأمن والإستخبارات اليمنية لينقل كل صغيرة وكبيرة للجهات المختصة. وهذا يعني أن الرئيس صالح إنما كان تلميذاً نجيباً لصدام حسين، حيث اتبع وبدقة متناهية طرائقه في الحكم وفرض الأمن من خلال الإرتكان إلى جهاز بوليسي دقيق العمل يبتلع نصف ميزانية الدولة، مرتبات ومكافآت ورشاوي! لقد برهن الرئيس صالح على حقيقة أنه تلميذ صدام من خلال الطريقة التي تعامل بها مع حلفائه ومنافسيه السابقين في قيادة حكومة اليمن الجنوبي، إذ تم القضاء عليهم وإقصائهم بأبشع الطرق، دون إستذكار لرفقة أو لمواطنة مشتركة! لم تفعل الحكومة اليمنية القائمة، برغم أنها حكومة “مزمنة”، شيئاً لتغيير أو لتحسين البنية القبلية للمجتمع اليمني، وهي بنية يمكن أن نتابعها إلى القرون المبكرة من العصر الوسيط: فبقيت البنية القبلية الأوية هي المهيمنة على العمارة الإجتماعية، بينما بقي “القات” Cat هو “المنظم” غير المرئي لمجتمع سكوني راكد stagnant غير قابل للتغيير أو غير مرحب بالتحوير. هذا النوع من المجتمعات المترهلة يمثل أفضل بيئة لنشاط ولتنشيط الحركات الأصولية الرجوعية المتبرقعة بغطاء الدين، حيث يرى ذلك بوضوح في الجمهورية اليمنية دون حاجة للكثير من التمحيص أو التقشير. بل أن سطوة هذه الحركات الإرهابية تتجلى على نحو أوضح فيما تعاني منه المرأة اليمنية من نظرة دونية مشحونة بالإحتقار، خاصة وأنها حيث أنها توضع في الدرجة العاشرة أو أدنى في سلم البناء الإجتماعي: فالمرأة في اليمن هي مخلوق لا مرئي ولا مسموع، اشبه بفئة المنبوذين untouchables في الهند القديمة، حيث أنها تعمل وتكافح في البيت والحقل بينما يقعد الرجال متكئين على أرائكهم وهم يمضون الوقت في قضم وتخزين القات منذ الساعة الثانية عشر ظهراً حتى مابعد منتصف الليل، إذ يعودون إلى زوجاتهم ليروهن وقد إستسلمن للنوم دون توقع شيئاً من الإحترام ورفقة الحياة العائلية.
هذا الوضع الإجتماعي، وهذا التكريس لتخلفه من قبل حكومة غير قادرة على إحداث أو حث التغيير هو السر الذي يجعل اليمن واحدة من أفضل الآنية الإجتماعية لنشاط ولتناسل الحركات والتنظيمات الأصولية التي حطمت آفاق التقدم وأحالت اليمن إلى مفقس للإرهاب والإرهابيين حيث تصدرهم اليمن إلى مختلف دول الجوار، زيادة على دور النظام اليمني الخطير اليوم في إحتضان بقايا قيادات حزب البعث العراقي المنحل داخل اليمن، حيث وجدت هذه القيادات الترحيب والتوظيف والتشجيع من قبل السلطات اليمنية بطريقة تفوق ما قامت به أنظمة عربية أخرى سبق وأن اتُهمت بإيواء وتشجيع الحركات المضادة للديمقراطية ولتحرر العراق ولإنتقاله من فصيلة الأنظمة الشمولية الدكتاتورية إلى فصيلة الأنظمة الديمقراطية الليبرالية.
إن بقاء اليمن على هذه الحال ينذر بالكثير من الخطر خاصة وأن النظام القائم هناك غير قادر على تغيير منطلقاته النظرية وعاجز عن القضاء على مسببات التحجر والتخلف التي تمثل أفضل حاضنات الحركات الرجوعية regressive والإرهابية، حيث تبدو هذه الحركات وكأنها تباشر عملية “تصدير” الإرهاب إلى دول الجوار.
© منبر الحرية، 08 سبتمبر/أيلول 2009

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

خلال السنوات العشرين الأخيرة ، أتيح لي أن التقي بعشرات من رؤوساء الدول والحكومات. وكان ذلك بالنسبة لي بمثابة عرض شيق لأساليب مختلفة بشكلٍ مذهل. فبينما كان رئيس جمهورية “بقلاوة-ستان” يدعونا إلى عاصمة دولته ثم يبقينا أربع أو خمس أيام في إنتظار موعد اللقاء (رغم أننا كنا نمثل مؤسسة تستثمر مليارات الدولارات الهامة للغاية لإقتصاد “بقلاوة-ستان”) فإن إسلوب رئيس “مهازلستان” كان مختلفاً للغاية. كان موعد اللقاء يتحدد بمجرد وصولنا لتراب مهازلستان. ولكن الطريقة التي كان يُعامل بها رئيس مهازلستان من مساعديه (وإن علت مكاناتهم) كانت تجعل زملائي الأوروبيين يبذلون أقصى جهد لعدم الضحك. فقد كانت اللغة الجسدية ( Body Language ) لمساعدي الرئيس المهازلستاني تشبه حركات ممثلين عرب كبار مثل نجيب الريحاني وفؤاد المهندس وعادل إمام وهو يمثلون دور “المنبهر” و”الخائف” والمبجل”!! وكان منظر وزراء مهازلستان وهم يجلسون أمام رئيسهم وقد وضعوا أقل بكثير من نصف مقعدهم (العجز أو الأرداف في اللغة العربية) على المقعد وتركوا الجزء الأكبر معلقاً في الهواء .. فكانت تثير شهية زملائي (وبالذات “الألمان” الذين يبحثون عن منطقية كل شئ) لمعرفة “لماذا يفعل أحد مثل هذا؟!” ولماذا يرضى هذا أحد؟.
أَما في “يعقوبستان” وهي دولة يحيط بها أعداء من كل جانب يمطرونها بالكلام الكبير وتمطرهم (هي) كل عشر سنوات بضربة تكسّر العظام. في “يعقوبستان” فإن اللقاءات مع رئيس الدولة ورئيس الوزراء والوزراء كانت مثل اللقاءات مع الأصدقاء في نادي رياضي: بدون تلك الأجواء البقلاوستانية أو المهازلستانية.
أَما في “مجازر-ستان” فقد كان الضحك (أو بالأحرى “الرغبة في الضحك”) تختلط بالخوف (من عاقبة أي تصرف غير مقبول). ففي “مجازرستان” تُقطع آذان البشر .. وتُقطع ألسنتهم إذا مست “الكبير وآله” بكلمة سوء ولو واحدة! في “مجازرستان” كان يُقال لنا: صافحوا إن صافح! .. وإجلسوا إن جلس!. وبعد سنوات عدنا فرأينا عاقبة إلغاء أفضل ما في البشر: “عقول حرة”.
وفي مملكة “تراب-ستان” كان مستوى إدراك أحد المسئولين يحرك في داخلي شيطان الشعر .. وذات مرة تحركت شفتاي فظن الكبير الذي كنا في ديوانه أنني أكلمه ، بينما كنت أنا أحاول البحث عن بحر مناسب لكلمات كان شيطان الشعر يرددها في أذني ، وقد كتبتها بعد اللقاء في قصيدة غير منشورة بعنوان “شماغ .. شماغ .. شماغ .. لكن بدون دماغ!”.
وكانت لقاءات رؤوساء الدول في أوروبا وآسيا (للأسف) لا تتضمن أموراً هزلية تروح على النفس كالتي كنا نجربها في الشرق الأوسط وفي أفريقيا حيث تركنا السيد/ عمر أفندي (اسم رمزي) ذات يوم لأكثر من ساعتين في إنتظاره في الطابق السفلي من مقر إقامته .. ثم (أخيراً) نزل لنا وهو يرتدي “البيجاما” ومعه سيدة فرنسية .. في رسالة واضحة فحواها إذا كانت فرنسا قد احتلتنا عقوداً من الزمن ، فهاأنذا قد صفيت الحساب ورددت الصاع صاعين!.
حاولت بعد الإجتماع أن أشرح لزملائي الأوربيين (وكان بينهم فرنسي) “مغزى اللقطة” التي شاهدوها .. ففشلت. فمن الصعب على عقل فرنسي أن يفهم أن وجود إمرأة فرنسية في غرفة نوم الرئيس عمر أفندي هي إهانة لفرنسا وإنتقام من احتلالها لبلد أفريقي؟! .. ما العلاقة؟ .. أين السببية؟ .. لا يهم. منذ متى كنا نعوّل على السببية؟
وكانت قمة دهشتنا في بلدين عربيين كانا يفاجئانني (ومن معي) بدرجة من الإحترام والإلتزام والبساطة كانت ولا تزال غير متوفرة إلاِّ في هاتين البقعتين: “مطر-ستان” و”شرق-ستان”. في هاتين الدولتين الملكيتين كان كل شئ يسير كما لو كنا في 10 داوننج ستريت أو القصر الملكي الياباني او البيت الأبيض في واشنطن: المواعيد محددة سلفاً .. الكبار لا يتأخرون .. الكبار بسطاء وهاشون ومرحبون ومتواضعون إلى درجة لا يمكن تصوّرها في “الشرخ الأوسط الكبير”.
في “مطرستان”: الحاكم (الذي هو في أمان داخلي مع نفسه) وزوجته (التي هي تجسيد لقامة كبرت دون أن تدير رأسها خمر علو المقام) .. في “مطرستان” يستمع الحاكم لكل ذي خبرة وعقل .. ويتعامل مع زائريه بمودة وتواضع مذهلين .. وفي “شرقستان” يقول الملك لزائره العربي (من مهازلستان مثلاً): “أوافقك تماماً في وجهة نظرك يا سيدي” .. فيكاد يغشى على الزائر المهازلستاني لأن رئيس دولته سوف يعتبر أن الجلوس على كل المقعد في حضرته من علامات الجنون!.
في “شرقستان” استقبلتني شقيقة الملك ، وكنت لم أرى أية صورة لها. قابلتني عند باب المصعد وسارت معي لغرفة الضيوف – سألتها: “هل الأميرة شمعة مشغولة؟” .. فقالت لي: “أنا شمعة”!!
أما في “مطرستان” فقد كنت على مائدة الملك وأصرت قرينته على إعداد طبقين من الحلوى لضيفين من ضيفها! قلت في داخلي: آه لو رآك مهازلستاني”!.
هل هذا الحديث الطويل “عبث ليس إلاِّ؟” قطعاً “لا”. فإن رسالتي التي بين السطور (العاتبة) أكثر جدية من معلقات “لبيد” .. و”الأعشى”!.
© منبر الحرية، 14 أغسطس/آب 2009

حواس محمود11 نوفمبر، 20100

منذ أواسط الخمسينيات ومرورا حتى السبعينيات وإلى حد ما في الثمانينيات سيطر نمط  من الحكم اتسم بأنه نمط عسكري انقلابي شمولي توتاليتاري ديكتاتوري استبدادي ، هذا النمط في معظم  مناطق سيطرته -سواء في القسم الآسيوي للمنطقة العربية أو القسم الأفريقي منه- جاء تحت شعارات تحرير فلسطين والوحدة العربية والدفاع عن مصالح الجماهير وتخللت بعض الشعارات الاشتراكية أو الإسلامية في خطابه  ، لكنه لم يحقق لا الأهداف التي انطلق منها ولا الشعارات التي تشدق بها بقيت فلسطين تحت الاحتلال ولم تسد القوانين الإسلامية الحقيقية في العدل والشورى والمساواة بل كانت تلك الشعارات مجرد حجج وتبريرات واهية لكي تفرض شرعيتها المزيفة على مقاليد الحكم والتحكم بمصائر الملايين من الشعوب العربية البسيطة المغلوب على أمرها وتم فرض أحكام الطوارئ والأحكام العرفية وزج في السجون والمعتقلات  ولا يزال العديد من المناضلين والشرفاء والمدافعين عن الوطنية الحقيقية والديمقراطية -كأسلوب حياة وطريقة حكم هدف نبيل للسلم والعدل والإخاء.
ومع مرور الأعوام استفحلت أزمة هذا النمط من الحكم وتكشفت أوراقه فلا الحر ية تحققت بل ساد القمع وكممت  الأفواه وفتحت السجون والمعتقلات لخيرة أبناء الشعب والوطن ، ولا الإسلام طبق بقيمه وعدالته وروحه السمحة والنبيلة ولا الاشتراكية تحققت إذ ساد الفقر والفساد والتهميش والقهر الاقتصادي بامتياز ، ولا الوحدة تحققت بل سادت التجزئة والتمزق وفرضت الدولة القطرية العربية قوانين صارمة على حرية حركة البضائع والمنتوجات بأنواعها وكذلك على حرية تنقل الأشخاص بين حدود الأمة العربية الواحدة في اللغة والتاريخ والجغرافية والمصير والتحديات المشتركة.
إذن هذا هو حال الدولة القطرية العربية ومع ذلك لا زلنا نسمع من يمجد بهذه الأنظمة وكأنها قد حققت لشعوبها جنات الفردوس وشعوبها ترفل في بحبوحة ونعيم
وتغيرت الشعارات تحت نفس المضامين والممارسات ولكن بأثواب وألبسة ومكياجات كثيرة ومتنوعة فمن التقدمية والرجعية الى الصمود والتصدي والدول العميلة الى الممانعة والاعتدال والله أعلم بما ستتفتق عقلية إعلام هذه الأنظمة بأي  مقولات وشعارات قادمة و كلها تساهم في إبقاء هذه المجتمعات تحت رحمة الغرب وحركيته الاستغلالية ومصالحه واستراتيجياته واستفادته من التقانة والعولمة وحرية السوق .. الخ
للأسف لا نجد إلا القليل من الأقلام  التي تتناول ظاهرة الدولة العربية بعد رحيل المستعمر الغربي وانتشار الفساد والخراب في الإدارت الحكومية والخاصة الأمر الذي لا يبشر  بأي خير للشعوب العربية بل تنبؤ بأحداث كثيرة ووخيمة ستدفع شعوب المنطقة ضريبة قاسية وستلفي نفسها وهي واقعة في صحراء قاحلة وقد جفت ينابيع الثروة والمال ولم يعد الندم ينفع وعندها فقط ستدرك ماذا عملت هذه الأنظمة بمصائرها ولكن بعد فوات الأوان.
المطلوب من النخبة الانطلاق من  روح المسؤولية والتنبيه عن المخاطر القادمة جراء فشل الدولة العربية المسماة الحديثة وهي دولة حديثة بالاستيراد والاستهلاك لا بالإنتاج والاستثمار وبخاصة الاستثمار البشري الذي هو أغلى وأهم استثمار وبعيدا عن التحجج بالشعارات الثورية والعبارات الطنانة  والجمل الرنانة لأن النوم الإيديولوجي مخادع وطويل ومخيب للآمال فهل من استفاقة قبل أن يدلهم الظلام الدامس.
© منبر الحرية، 31 يوليو/تموز 2009

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

بعد تداعي الهرم العثماني الذي ناء بكلكله على الجسم العربي المنهك مدة أربعة قرون، وانكفائه أمام الحضارة الغربية الواعدة، وتخلفه في مختلف الأصعدة، دون أن ننسى  تطلعات الغرب في تركة (الرجل المريض).. من هنا شاع تذمر واستياء لدى الشعوب التركية المغلوبة على أمرها، واستجدت على الساحة العربية حركات سياسية حديثة خلافا للدعوات السلفية التي تجذرت بعمق في الواقع العربي، وكان الجانب القومي هو نبراس لكل حركة جديدة كسبيل للخلاص والتحرر، فالحداثة السياسية العربية، نظرت في مرآة الغرب، بعد أن فرغت من بناء دولها القومية، فرأت فيها صورتها المستقبلية، فكانت محاكاة الغرب احد الخيوط الأساسية في سياسة تلك الحركات المقاومة للسيطرة العثمانية.. لكن بعض المتنورين رأى هذا الاندهاش بسياسة الغرب، والاندفاع باتجاهها سوف يسبب في تصدع الواقع العربي وانشطاره، عبر صراع بين القديم والحديث، أو فلنقل بين التراث والمعاصرة، دون التغافل عن الخطر الغربي، فكان لا بد من وصل الوشائج للحيلولة دون هذا الانقسام في الكيان العربي المترهل أساسا بسبب الجهل والتخلف..
في هذا الواقع خرج بعض المتنورين من عباءة الدين الإسلامي، وبرزوا كدعاة للإصلاح الديني، ولكي يجاروا لغة الواقع, ولا ينقطعوا عن أسباب الحضارة، حاولوا التوفيق بين الإسلام كدين، والحضارة المادية كدنيا.. من هنا جاءت ظاهرة التوفيقية، وقد قيض لهذه الظاهرة نخبة من المتنورين من أمثل جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وعبد الرحمن الكواكبي، وعلي عبد الرازق.. وكان هؤلاء على معرفة بمآل الحركات السلفية السابقة لها، كالوهابية في السعودية، والمهدية في السودان، والسنوسية في ليبيا، كانت هذه الحركات جميعا فضلا عن جانبها الإصلاحي والجهادي، كانت متحمسة للأصول، لكنها كانت بعيدة عن عناصر التحديث واستلهام دروس العصر، أو استيعاب أسباب الحضارة لدى الغرب، وقد منيت جميعها بالإخفاق..
إن الحركة الإصلاحية الجديدة التي ظهرت بهذا اللبوس التوفيقي تعد خطوة جيدة إلى أمام، وهي سبيل للتجديد، لأن الطرح من واقع المجتمع العربي الديني، وفي تلك الظروف، حيث الموروث السلفي متحكم في عقول وأفئدة الملايين، لا يمكن له أن يتخطى سوى هذا الشكل من الطرح، فأولئك ركزوا على كثير من القيم الإسلامية بغية النفاذ من خلالها إلى عقلنة الواقع العربي، فكانت قراءة وتفسير النصوص، ومن ثم تأويلها بمنطق عصري، ولا يمكن لنا أن نتوقع الجرأة أكثر من ذلك عند أخذ تلك الظروف بالحسبان.. ويبدو أن هذا النهج أو الإرث التوفيقي من سمات الثقافة الإسلامية فيما مضى وهو الجمع بين المتعارضات؛ فصرنا اليوم نقرأ أو نسمع من يساوي بين الشورى في الدولة الإسلامية والديمقراطية كأسلوب في الحكم، ورغم قدم مفهوم الديمقراطية فقد أخذ اليوم الطابع الحداثي، وهناك من يقارب بين الزكاة وبين الضرائب..
والكواكبي لدى مناهضته للاستبداد، كان يطرح فكرة الاشتراكية، ويسعى لربطها بالدين الإسلامي، وأثر عن جمال الدين الأفغاني – نقلا عن أحد خواصه – قوله: (الكهنوتية بين العبد وربه)، وهذا يهدف بمقتضاه الفصل بين الدين والدولة، والحرية الدينية في خيارات الفرد، ولاحقا كان الشيخ علي عبد الرازق نتيجة إطلاعه على واقع العلمنة التركية، راح يجتهد ويبرر للتشريع للعلمانية ضمن الإطار الديني، ومضى يقتبس آيات من القرآن والسنة دعما لوجهة نظره، في الوقت الذي درج الناس على اعتبار العلمانية مفهوم غربي استعماري، مثلما شاعت الماركسية كمفهوم إلحادي، وكان السائد في الواقع العربي هو رفض المفهومين معا – العلمانية والماركسية – على السواء..
إن الظروف الجديدة حتمت على الإسلام أن ينهل من الحضارة الغربية، وهذا ما ساعد في خلق تيار علماني دون تفريط في الهوية الدينية، لكن أيضا كان من الصعب على الإصلاحية أن تذهب أكثر مما ذهبت إليه، في حين دأب بعض المستشرقين أن حملوا على الدين الإسلامي، فعابوا على العرب استبقاءهم للرقّ، والحطّ من شأن المرأة، كما عابوا على صرامة العقيدة الإسلامية، كما جاءت حملة شعواء من قبل السلفيين  ضد طه حسين من جانب الأزهر لأخذه بمبدأ الشك الديكارتي، درءا من محاولة سحب مثل هذا المبدأ، مبدأ الشك، على النصوص الدينية..
من رحم الحركة الإصلاحية هذه، خرجت حركة علمانية بمنزعها الليبرالي عقب الحرب العالمية الأولى. وهنا لا بدّ من الإشادة بأحد المتنورين العلمانيين بمنزع ليبرالي، رافضا لظاهرة التوفيقية، هو لطفي السيد الذي رأى أن تقدم مصر متوقف على اتباعها سياسة براغماتية، أي الأخذ بمصلحة مصر دون الركون إلى الأوهام الدينية أو القومية..
إن التوفيقية لم تتوقف عند هؤلاء ذوي الخلفية الدينية، بل انسحبت على سائر الحركات الأخرى (القومية، الماركسية، الليبرالية) فأثناء المد الديني صارت تتدثر بمفاهيم إسلامية تنشد كثيرا من القيم كالعدل والحرية والديمقراطية، وتجيز للتعددية، مقتبسة معانيها من القرآن والسنة أي تقوم بتوظيفها لنصرة العلمانية.. فبعض الماركسيين وجدناهم يترنمون بالآية الكريمة (وليس للإنسان إلا ما سعى) وحاولوا المقاربة من حيث المعنى  بينها وبين ما أثر عن سان سيمون بداية وعن ماركس لاحقا قولهما: (من كل حسب قدرته، ولكل حسب عمله)، كذلك فالقوميون كثيرا ما توسلوا الدين الإسلامي لنشر الفكر القومي، واكتساب عطف وتأييد الجماهير المؤمنة، واعتبروا الإسلام مادة القومية أو بالعكس، حتى الليبراليون العرب راحوا يبحثون عن معاني الحرية الفردية، والتعددية الروحية، وحرية الاعتقاد والاختيار، في النصوص الإسلامية (فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر) أو حرية التملك والتصرف، كما جاء في الحديث الشريف (من أحيا أرضا ميتة فهي له)..
أخيرا نقول إذا ما اعتبرنا التوفيقية عند دعاة الإصلاح الديني (الأفغاني، عبده، الكواكبي.) في الأمس خطوة إلى الأمام، فهي اليوم برأيي عند دعاة العلمانية، انكفاء وتقهقر وخطوات إلى وراء، بل تعد إفلاسا وكارثة سياسية، فلا يمكن أن نعتبر التوفيقية، اليوم، حيلة ذهنية سياسية، من لدن هؤلاء، فالخشية كل الخشية أن تتأصل التوفيقية كنهج يؤطر الفكر العربي، وهذا ما ينبئ به الواقع السياسي  حاليا، لأن التكيف مع الواقع السلبي يساهم في مزيد من إنتاج حالات سلبية مماثلة..
© منبر الحرية، 25 أبريل 2009

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

من يراقب تصريحات القادة والزعماء السياسيين على مستوى العالم كله منذ أحداث 11 سبتمبر، سيلحظ شيوع مفردات معينة في بنية الخطابات السياسية على مستوى العالم كله. بدأت هذه المفردات تدخل لتختفي مفردات أخرى كانت هي المسيطرة والمحركة لعقود خلت. حيث بدأت مفردات مثل” محور الشر” و”الدول المارقة” ” ودعم الإرهاب” ” الإسلام المنغلق”  تشكل جوهر الخطاب السياسي الغربي تجاه خصومه أو أعدائه أو معرقلي مصالحه في العالم، وكان هؤلاء الخصوم بدورهم يردون بالطريقة ذاتها : ” الشيطان الأكبر” و ” الغرب المتكبر المتغطرس” و ” إبليس الأكبر” ” إمبراطورية الشر”..
يعكس  الظاهر من الخطاب السياسي هذا، مدى الشرخ الذي أصبح قائما بين الشرق والغرب، ومدى الابتعاد عن الحوار والسياسة سبيلا لحل الخلافات العالمية، حيث تمهّد تلك الشيطنة والأدلجة التي يتم ترويجهما عبر الإعلام والفكر الأرضية اللازمة لشن الحروب وتبرير السياسات العنيفة بعد أن يكون قد تم غسل الوعي وإغراقه في حمى التجاذبات الضرورية لتمريق سياسات الحروب والجنون هذه.
يبدو الأمر كأنه إعادة تديين للصراع، أو استخدام المفاهيم الدينية لترويج صراع سياسي. إن مفاهيم الخير والشر والأبلسة هي مفاهيم دينية مطلقة لا تحتمل الجدل، لذا يبدو الأمر وكأنه ردة باتجاه استخدام مفاهيم دينية لتبرير صراعات سياسية مقيتة بعد أن تم تجاوز هذا الأمر منذ عقود.
وللوصول إلى الأهداف تلك، لابد من المرور بمرحلتين، تتمثل أولهما في عملية أدلجة الذات ووضعها في مرتبة الخير المطلق وإسباغ العصمة المعرفية التي تبرر لها أن تقوم بكل شيء، و تتجلى الثانية في عملية شيطنة الآخر أو العدو تمهيدا لضربه أو شن الحرب عليه.
حيث تقدّم  عملية الأدلجة المبرر والحافز لجمهور لا يمكن إرضاؤه في الحالات الطبيعية بهكذا حروب، فيتم الضخ الإعلامي والتجييش السياسي والتخويف المبالغ به من عدو يتم اختراعه، حتى يصبح الجمهور أو القسم الأكبر منه متقبّلا لم لا يمكن تقبّله في ظروف أخرى. وبعد أن يتم حشد الجمهور وتعبئته يتم الانتقال إلى إسباغ الشر على الخصم، تمهيدا لقبول الجمهور لأي عدوان أو اعتداء يتم تنفيذه لاحقا تحت اسم “محاربة الإرهاب” كما تفعل أمريكا أو تحت شعار ” محاربة الشيطان ” كما تفعل إيران، أو تحت اسم “محاربة الكفار ” كما تفعل القاعدة.
إذا كانت الايدولوجيا تعني  مجموعة الآراء والمعارف والأفكار التي تمثل مصلحة حزب ما أو جماعة ما أو فئة ما، شرط أن يتم بعيدا عن تشويه الخصم وشيطنته، و أن يترافق ذلك مع السماح بوجود إيديولوجيات أخرى تتنافس فيما بينها ديمقراطيا وسياسيا بعيدا عن مناخات الفرض والاستبداد. فتتعايش بذلك إيديولوجيات أو مفاهيم أو أفكار الاشتراكية والليبرالية والقومية جنبا إلى جنب وتتصارع وتتنافس دون أن يلغي بعضها البعض، بل يبدو ذلك الصراع ضروريا لكل منها للاستمرار والتطور وإعادة البناء.  فإن الأدلجة تأتي هنا لتلغي مفهوم الايدولوجيا (وهو مفهوم صائب معرفيا) بأن تستغله وتفرغه من محتواه بعد أن يتم حصر الإيديولوجيات المتعددة (أو دمجها وإغفال التمايزات فيما بينها قسرا)  بإيديولوجيا واحدة تتسيّد المشهد وتخفي التناقضات القائمة وتعمل على حشد الدعم والتأييد بكل السبل دفاعا عن برامجها وخياراتها، بعد أن تدّعي تمثيلها للخير المطلق والعميم في وجه الشر المستطير. وغالبا ما تتم عملية الأدلجة هذه في المنعطفات الحادة أو الأحداث الكبيرة  التي يتعرض لها مجتمع ما أو أمة ما، فيتم استغلال الحدث في عملية أدلجة شاملة سعيا لتحقيق مكاسب لا يمكن تحقيقها في الأوقات العادية.
مثلا إن شعار “مكافحة الإرهاب” كان في بداية طرحه إيديولوجيا تمثل مصالح مجموعة من الدول التي تعرضت لخطر الإرهاب، ولكن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرض هذا المفهوم للأدلجة، واتخذ منه مطية لشن حروب وتحقيق مطامع سياسية واستعمارية، حيث عملت الدول المعنية على تجييش شعوبها وشعوب العالم وتخويفها من الإرهاب في عملية غسل وعي كامل لتبرير سياسات تقوم على الحروب والاستعمار، بعد أن عمدت إلى شيطنة خصومها وأبلستهم.
وكذلك تفعل منظمات القاعدة والإسلام التكفيري الجهادي عندما تستخدم  الحرب القائمة عليها  لأدلجة صراعها مع الغرب، حيث تحشد  فتاويها و قواها الإعلامية، مسخّرة الدين (الرأسمال الرمزي للشعوب) لتجييش جمهورها وحشده في معركتها مع الغرب “الكافر والملحد”.
الجدير ذكره أيضا أن عملية الأبلسة لا تشمل العدو فقط، بل إيديولوجيته أيضا، حيث يعمل كل خصم على أبلسة وشيطنة إيديولوجيا الآخر، وهذا ما نراه في الكتابات الكثيرة التي تساوي بين الإسلام والإرهاب، ويقابلها من الجانب الأخر المساواة بين الديمقراطية والكفر أو العلمانية والشر.
ونذكر سابقا عندما كان الاتحاد السوفيتي قائما، أن الاشتراكية والرأسمالية كمفهومين أو إيديولوجيتين قد تعرضا بدورهما لعملية أدلجة وأبلسة غير منقطعة النظير.
ولنا أن نسجل هنا أيضا أن هذا الأمر يتم مع الأسف في الكثير من الأحيان بأقلام مثقفين ينجرون إلى ذلك الصراع لتحقيق مكاسب آنية ضيقة، الأمر الذي يطرح مسألة أدلجة الثقافة وانخراطها كتابع لنظام أو جهة ما، بدل أن تكون ذات استقلالية تامة تكشف الزيف والخداع الذي يتم باسمها.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة : لماذا تم ذلك بسرعة مذهلة ؟
لم تم التخلي بين ليلة وضحاها عن كل مكتسبات الحداثة والعودة إلى تاريخ الصدام والحروب والاستعمار ؟
إن الإجابة عن السؤال السابق  معقدة وصعبة جدا، حيث يتطلب الأمر إعادة قراءة لتاريخ الصراعات العالمية، ولتاريخ العلاقة الإشكالية بين الشرق والغرب في العمق، لأن ما يطفو على السطح ما هو إلا نتاج ذلك الكائن  في الأعماق الذي لم يفكّر به بعد.
© منبر الحرية، 22 أبريل 2009

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

لا يخفى على مُتابعي وضع المنطقة العربية وحال نظامها الإقليمي أن سياسة المحاور التي تُلقي اليوم بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي العربي، لا تخرج عن ما هو مألوف ومعتاد في سيرورة هذا النظام، الذي اقترن ظهوره تاريخياً مع ظهور الجامعة العربية، وزوال الاستعمار وتحرر الدول العربية تباعاً من قبضته العسكرية العاتية، وتوجهها إلى بناء ذاتها كدول حديثة ومقتدرة على مواجهة التحديات على اختلافها، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً..الخ.
وقد عرف النظام الإقليمي منذ لحظة نشؤه هذا النوع من الانقسام والتكتل في محاور عبّرت عن نفسها من خلال انقسام العرب، خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، بين قوى “تقدمية” وأخرى “محافِظة”. وكانت السمة الأبرز لهذا الاستقطاب – كما هو الحال اليوم – تكمن في دخول هذه الدول أو تلك ضمن دائرة الاستقطاب الأيديولوجي الذي ميّز النظام الدولي بين أميركا والغرب والاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية الدائرة في فلكه، وهو استقطابٌ أفرز حرباً عالمية باردةً طويلة استمرت نحو نصف قرن من الزمان.
إن سياسة المحاور اليوم لا تختلف كثيراً عن سابقاتها بل هي امتداد طبيعي لها، وهي تجلٍّ جوهري ومتواصل للصراع العربي – العربي حول أجندة تبدو في الظاهر عربية خالصة، لكنها في واقع الأمر لم (ولن) تخدم سوى إستراتيجيات القوى الإقليمية والدولية وتوجهاتها بشكل أساسي. والمدهش في الأمر أن توصيف الانقسام العربي الراهن كما هو الحال مع الانقسامات السابقة، وفرز العرب بين قوى “اعتدال” في مقابل قوى “ممانعة” أو “متطرفة”، قد أتى من خارج المنطقة باعتباره فرزاً بين أصدقاء أميركا – القوة الأولى في العالم – وبقية دول الغرب وبين خصومها، وكما في الماضي فقد ساهمت إسرائيل في بلورة هذا التوصيف و/أو التصنيف، والنفخ فيه وترويجه بقوة على الصعيد العالمي. وبالفعل فقد تمكّن الأميركيون والإسرائيليون من تشييد سياسة محاور وتحالفات إقليمية ترتبط بأجندتهم الجيوستراتيجية أولاً وأخيراً.
ولعل حرب غزة الأخيرة قد عكست ذلك النجاح بوضوح. فعلى سبيل المثال، أشارت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني، في تصريح لها إبّّان الحرب، إلى أن الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط “ليس صراعاً بين العرب وإسرائيل، بل هو صراع بين قوى الاعتدال وقوى التطرف” فيها. وبالطبع، فإن إسرائيل تقف إلى جانب قوى “الاعتدال” العربية، كما أن أميركا ودول الغرب تشدّ على أيدي هذه الدول كذلك.
والحال أن هذه المحاجّة الإسرائيلية، المدعومة أميركياً وأوروبياً، قد لقيت أصداءً واسعة النطاق، ضمنية حيناً وسافرة في أحيان أخرى، تؤيد مضمونها وتؤكد عليه. وهكذا أصبح الفرز حاصلاً، وأضحت سياسة المحاور الطابع الغالب على سياسات المنطقة. ففي معسكر “الممانعة”، وبتأييد مطلق من إيران الإسلامية، تقف كلٌّ من سورية وزوائد الدول الشاهرة للسلاح (حزب الله والحركات الفلسطينية المقاتلة). ولهذه القوى جميعاً مواقف واضحة من السياسة الأميركية في المنطقة، وهي ترفض عملية السلام في شكلها الحالي بين إسرائيل والفلسطينيين، وتؤيد إستراتيجية المقاومة المسلحة لـ “تحرير الأرض من الاحتلال”. أما معسكر “الاعتدال” العربي فيقف على قمة هرمه دول كمصر والسعودية والأردن وتونس، وتنطوي سياساتها على “تفهّمٍ” للتوجهات الأميركية في المنطقة وإن كانت لا تتفق معها تماماً.
وما بين كلا المعسكرين تتذبذب سياسات ومواقف لدول أخرى كقطر والإمارات والسودان والمغرب والجزائر واليمن وغيرها، وهي مواقف ليست وليدة قناعة سياسية محددة تؤيد رؤية هذا المحور أو ذاك، بل هي انعكاس مباشر لحاجاتٍ ذاتية وبرجماتية تفرضها أجندة السياسة المحلية وهاجس الشرعية المُستدام، وتعزيز المكانة في ظل التنافس الإقليمي، ومتطلبات الدبلوماسية العامة.
وفي ظل هذا التنافر يبدو النظام الإقليمي العربي في حالة فوضى شاملة، ربما أكثر من أي وقت مضى، لاسيما وأن العرب قد انقسموا في نظرتهم لما اعتبروه زمناً طويلاً “قضيتهم المركزية” أي قضية فلسطين، والموقف من إسرائيل التي ما تزال تحتل أراضٍ عربية وتهدد الكيانية العربية في الصميم بامتلاكها ترسانة عسكرية هائلة تتضمن المئات من القنابل النووية.
والثابت أن هذا التنافر، وتلك الفوضى، قد تعززا خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، وانعكسا سياسياً على الوضع العربي برمته وعلى نحو سلبي تماماً تمظهر في شكل حلولٍ توفيقية قابلة للنكوص تارةً، وتارةً في صورة تسوياتٍ غير سويّة وغير مُرضية، كما تبدت تارة أخرى في صورة نكسات اقتصادية ونزاعات سياسية ما انفكت تتفاقم، واهتراء فكرة التضامن لصالح فكرة الصراع على الاستفراد بمقود القاطرة العربية. والأخطر من ذلك كله، تبلور توجّه يقضي بـ “رفع اليدين” عن التدخل بشكل إيجابي وبنّاء في قضايا عربية عدة مُلِحّة وجوهرية، وترك الساحة للاعبين آخرين من ذوي التطلعات والطموحات الغابرة، العابرة للحدود، للعب دور جيوبوليتيكي محوري في المنطقة، ويفعلوا فيها ما يشاءون.
وبالتأكيد، فإن هذا لن يكون إلا على حساب الدول العربية ذاتها، مهما حاولت المقاومة أو حتى إبداء عدم اهتمامها بما يحدث. كما أن هذا التشظِّي القائم على مستوى سياسات الدول انعكس – بصورة أو بأخرى- على مواقف شعوب المنطقة والنخب المثقفة، والعلاقات الطائفية السائدة، وتعمّقت على إثره المشاعر القومية الشوفينية الضيقة، التي لم تكن موجودة في الماضي بهذه الحِدّة، في صفوف قطاعات غير قليلة من الجماهير العربية.
لكن كيف سيخرج العرب من هذا النفق؟ يظل هذا هو سؤال الساعة، والإجابة عليه ليست جاهزة للأسف، وتشوب المحاولات الكثيرة التي تحاول صوغها تضاربات وتناقضات صارخة في التحليل وتشوش كبير في الرؤية، لكن الخطوة الأولى والأكثر أهمية حالياً – كما تبدو لي- تكمن في لمّ شعث التنافر الحالي بشأن قضية العرب المركزية وتجاوز النظرة الخلافية حولها، ولعل التوافق على صوغ مقاربة عربية موحدة ومنسجمة إزاء القضية الفلسطينية العتيدة قد يُسهم بقوة في التخفيف من حالة الاحتقان الراهن، لاسيما وأن هناك إقرار عربي، رسمي وشعبي على حدٍّ سواء، بأهمية وضرورة إعادة الأمور إلى نصابها في هذا الموضوع تحديداً.
صحيح أن هذا الحل يبدو جزئياً وربما مُبسّطاً، لكنه يُمهِّد بالفعل للخروج من عنق زجاجة سياسة المحاور التي تأخذ وهجها من دبلوماسية “الكيد والكيد الآخر”، والارتماء في حضن القوى الإقليمية والدولية المتوثبة والتي لا همّ لها – وهذا ليس إثماً أو عيباً – سوى الحفاظ على مصالحها الوطنية وتلبية طموحاتها القومية، بغض النظر عن موقف العرب، اتفقوا أم اختلفوا.
وفي المرحلة التالية، سيكون من المهم – بالنسبة لصُنّاع القرار العرب – أن يعملوا على مراجعة وتقويم سياساتهم الراهنة، وعلى رأسها سياسة المحاور الإقليمية، والنظر – من ثمّ – إلى قيمٍ كالتشدد والاعتدال ليس بوصفها قيماً سياسية جديرة بالاحتفاء والتبنّي، بل باعتبارها قيماً وأحكاماً أخلاقية حديّة وتكاد تكون أيديولوجية، وعندها ستتضح لهم مثالبها الجمّة، وأنها لا تقدم حلولاً بل تقولب الحالة العربية أكثر وتزيدها تأزماً واستعصاءً. ناهيك عن أنها تكشف الدول العربية جميعها، سواء أكانت “معتدلة” أو”ممانعة”، أمام مخاطر وتحديات متعاظمة لا قِبَل لها بمواجهتها أو التكيّف معها دون دفع أثمان باهظة لا تُطاق!
© منبر الحرية، 18 أبريل 2009

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

حتى بالنسبة للذين يرفضون بعض جوانب ظاهرة العولمة فإن واقعَ الحياةِ في عالمنا المعاصر يؤكد ان العلم بكل معانيه ليست له حدود. فإنفتاح القنوات بين كل الجهات المتصلة بالعلم والبحث العلمي أصبح حقيقةً لا يمكن أن تنكر وإذا كنا نتكلم عن العلم بمعنى العلوم التطبيقية فلا يكاد يوجد معارضٌ واحدٌ للقول بعالمية المعرفة إزاء البحث العلمي في كل دوائر العلوم التطبيقية وفي مجالاتِ تطبيقاتها (التكنولوجيا). وكان العاملُ الأكثر حسماً في الوصول بعالمية المعرفة في مجالات البحث العلمي في العلوم التطبيقية لهذه الدرجة الرحبة تلك الصلة الوثيقة في المجتمعات المتقدمة بين البحث العلمي والحياة بوجهٍ عامٍ والحياة الإقتصادية بوجهٍ خاصٍ وهو ما جعل دائرة “البحث والتنمية” Research and Development تتسع حتى تصبح أوسع من دائرة البحث العلمي Scientific Research بمعناه القديم والذي يكون فيه البحث العلمي منبتَ الصلةِ بشكلٍ ما بالتوظيفات الحياتية للعلم وهي الغاية الرئيسية لما يعرف الآن بالبحث والتنمية (R & D) .
فنظراً لأن المجتمعات المتقدمة قد أخرجت (بدرجةٍ كبيرةٍ) من الجدران المغلق للجامعات ومراكز البحث وجعلت العديد من مجالاته تدور وجوداً وعدم اً مع التوظيف الحياتي/الإقتصادي/ الإجتماعي للعلم فقد أصبحت عالمية المعرفة في دنيا العلوم التطبيقية هي الحقيقة الكبرى . وهكذا أصبحنا نجد أن ميزانيات البحث العلمي المندرج تحت تسمية “Research and Development” (R & D) من جهة تفوق ميزانيات البحث العلمي المجرد بكثير ومن جهة ثانية فإنها تنفق ليس عن طريق الدول وإنما المؤسسات الإقتصادية. وهكذا أصبح كل من يعمل في أي مجالٍ من مجالاتِ الصناعة أو التجارة أو الخدمات يبحث عن احدث تكنولوجيا العصر لتوظيفها في عملية تطوير وتوسيع أنشطته وتعظيم العوائد منها وهو ما يضاعف من إتساع معنى “عالمية المعرفة”.
ولعلي لا أكون مبالغاً إذ أقول أن النهضةَ اليابانية في طورِها الذي أعقب هزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية كانت من أكبر أصحاب الفضل على مفهومِ عالميةِ المعرفة إذ سعت اليابان إلى العلم والتكنولوجيا في كل موضع في الأرض لتحصل عليه وتهضمه وتوظفه بأشكالٍ مذهلةٍ – وهو ما كان عصب التقدمِ الياباني في السنوات التي تلت 1945. وفي مجالِ العلوم الإجتماعية فإن الأمرَ يبدو مختلفاً بعض الشيء إذ تدخل الإعتبارات الحضارية والثقافية في النظرة للعلوم الإجتماعية – ورغم صحة ذلك بشكلٍ نسبي إلاَّ أن دوائراً جديدةً نمت داخل عوالم العلوم الإجتماعية حققت ما حققته العلوم التطبيقية في عالمية المعرفة: فعلومُ الإدارةِ الحديثةِ وعلوُم الموارد البشرية والتسويق والكثير من الأفكار الإقتصادية تمكنت أن تعبر الحدود وتحقق لهذه الفروع من العلوم الإجتماعية قدراً هائلاً من “عالمية المعرفة” نظراً لإتسامها بقدر كبير من عدم الصبغة الثقافية “Culture Free” ولعظيم مردوداتها الحياتية – ولا ينفي ذلك أن بعض فروع العلوم الإجتماعية قد ظلت “بين بين” لشدة إتصالها بالأبعاد الثقافية والحضارية وإن كان ذلك لا ينفي ان تغلغلاً غير يسير للبعد العالمي في هذه العلوم قد تحقق. ومقاومة “عالمية المعرفة” قد تبدو للبعض لاسيما في الواقع العربي سمة طبيعية من سمات المجتمعات القديمة – ولكن من الأرجح أنها ليست كذلك: فالصين مجتمع قديم ولكن الواقع يؤكد أن الجاليات الصينية في جنوب شرق آسيا كانت هي طليعة الطفرات التي قامت على قيم من أهمها عالمية المعرفة… واليابان مجتمع قديم ولكنه المجتمع الرائد في عدد من قيم التقدم وفي مقدمتها عالمية المعرفة … وكذلك الهند التي رغم كونها مجتمعاً قديماً وذاخراً بالمشكلات الإجتماعية فقد كانت المؤسسات العلمية فيها نموذج نادراً للمؤسسات العلمية التي لم تتدهور في العالم الثالث وكانت جسورُ البحوث العلمية والتكنولوجية ممتدة بينها وبين العالم وهو ما أدى إلى الكثير من الإنجازات لعل أهمها الإنجاز الهندي في صناعة السلاح ثم التألق الهندي الفذ في عالم الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات.
وتفسيري الخاص أن المجتمعات العربية بقت بعيدة إلى حد بعيد عن مزايا عالمية المعرفة بسبب التدهور الكبير في مؤسساتها التعليمية ومراكز البحث العلمي كنتيجة لخضوع هذه المؤسسات والمراكز للحياة السياسية في هذه المجتمعات وهو ما جعل هذه المؤسسات والمراكز منبتة الصلة بحركة العلوم في العالم كما است أصلت روح الإبداع منها وحولتها إلى كيانات راكدة تفرز تعليماً لا علاقة له بالعصر والحياة ومنبت الصلة بحركة البحث العلمي في كل مجالات العلوم التطبيقية والإجتماعية وكانت الترجمة النهائية لذلك هو الغياب العربي المطلق في دوائر الإنجازات العلمية والبحوث المتألقة في كل مجالات العلوم التطبيقية ودوائر بحوث العلوم الإجتماعية على السواء…. يتبع
© منبر الحرية، 09 أبريل 2009

peshwazarabic11 نوفمبر، 20100

أثر عن مفكري عصر التنوير قولهم : نريد ( حكومة القوانين، وليس حكومة الرجال) ويبدو لي أن الأوربيين كانوا قد ضجوا بحكومة السلالات، التي حكمت قرونا عديدة، وبحكم النبلاء، أو العسكر الذي ما أن يتفرغ من حرب، حتى يدفع لأخرى، دون إرادة الناس، أو ربما ضاق هؤلاء المفكرون، بحكم القلة، أو بحكم الطغمة المالية، لذلك جاءت الدعوة إلى أنظمة تحكمها القوانين كأحد المبادئ الأساسية في الأنظمة الديمقراطية الحاكمة…
رأى الداعون من أن الدستور ينبغي أن يكون هو القانون الأساسي لأي نظام، وفي أي بلد، وينبغي أيضا أن يكون القانون محايدا، أي بمنأى عن السياسة على العموم، بحيث يطبق القانون على الجميع، بغض النظر عن الموقع الاجتماعي أو الطبقي، أو المركز الحكومي، الذي يشغله هذا الشخص أو ذاك، فلا يكون أحد فوق القانون، أو بمنأى عن المساءلة، فمتى ما أخل بهذه المعادلة، أي إذا ما طبق القانون على الضعيف، وأعفي القوي عن المساءلة، فما عاد من الممكن أن يوسم النظام القائم بأنه نظام عادل، أو المجتمع بأنه مجتمع حر. لهذا يعد سريان القانون في أي نظام، وتطبيقه من أهم مبادئ وأسس لقيام نظام عادل وحر..
ولننتقل إلى مبدأ قيمي آخر وهو الديمقراطية، كشكل للنظام، للحكم، والديمقراطية هي تستوجب بالأساس سيادة الدستور، واحترام القوانين، أي أنهما مترادفان سياسيا، ومتلازمان حضورا، لا بد أن  يستدعي أحدهما الآخر، وعندما نشيد بمفهوم الديمقراطية، كصيغة من صيغ الحكم، يحضرني هنا ما قاله ونستون تشرشل، عن الديمقراطية، لكي لا نوصف بالمغالاة  في إشادتنا بالديمقراطية، دون معرفة بأشكال النظم السابقة واللاحقة، يقول تشرشل : (لقد تمت تجربة أنماط عديدة من الحكومات، ولسوف تتم تجربة أنماط أخرى في هذا العالم الذي يتسم بالخطيئة والمحن، لا أحد يدعي بأن الديمقراطية كاملة وحكيمة كليا، وفي الحقيقة فقد قيل بأن الديمقراطية هي أسوأ أنواع الحكم، ما عدا جميع تلك الأشكال الأخرى التي تمت تجربتها من وقت إلى آخر.)..!
فبالديمقراطية وحدها تكتسب أنظمة الحكم الشرعية، وتؤسس للاستقرار، وفي ظل الديمقراطيةـ  فضلا عن حرية التعبير وحق الاجتماع والتظاهرــ لا بد أن تؤسس أحزاب، وتتشكل تكتلات سياسية، وبالتالي كان الإعراب عن وجهات نظر مختلفة هو سمة الأنظمة الديمقراطية، فهي بمثابة الخيمة التي يستظل بها كل الأطياف السياسية، مهما تباينت رؤاهم، واختلفت آراؤهم..
كما إن الديمقراطية كشكل للحكم، ينبغي أن تكون تمثيلية، أي بمعنى أن يتمثل في السلطة مختلف الشرائح، وسائر قطاعات المجتمع، لا أن تكون السلطة مقتصرة على النخبة المتنفذة  والمحظوظة، أو على  الفئة الميسورة، أو تحتكرها طبقة استبدادية تستأثر بالسلطة عنوة عن طريق الانقلابات..
إن الديمقراطية التمثيلية تتيح لكافة الشرائح فرصة للتعبير عن آرائها، والدفاع عن مصالحها، بحيث أن القرارات عندما تصدر، لا بد لها من أن تعكس مصالح مختلف فئات المجتمع، في إطار من التوفيق والتوازن بين الجميع، أو يعكس ما يعرف بالمصلحة العامة..
بالديمقراطية أيضا، يمكن إزاحة من يتشبث بالسلطة، أو تكون الديمقراطية بمثابة رقيب عليه في حال سوء استخدام السلطة، وردعه وإزاحته إن اقتضى الأمر ذلك..
في النظم الديمقراطية، تقف الديمقراطية بالضد من تركيز السلطة بيد أي فرد، كما ترسم ضوابط متوازنة تحول دون خطر استبداد الأغلبية، أو تحكم واستبداد الأقلية، ثم فالسلطة التنفيذية مسؤولة أمام السلطة التشريعية، في المساءلة والمحاسبة، وبالتالي لا بد أن يشعر المسؤولون عن تلك المؤسسات أنهم مراقبون، ومعرضون بالتالي للإزاحة والمحاسبة، في حال تماديهم بممارسات سلبية ضارة..
وهنا لو انتقلنا إلى مبدأ قيمي آخر، هو مبدأ المساواة، فهذه اللفظة تأخذ طابع العمومية، ولا تفسر عن مضمونها بيسر وسهولة، فماذا تعني المساواة ؟ يرى أحد الليبراليين، بأنه لا بد أن يكون (جميع الناس، يملكون حقوقا متساوية، ولكن ليس لأشياء متساوية) وهذا الرأي منطقي
أما مشاركة الأثرياء الرأسماليين أموالهم قسرا، فباعتقادي أن هذا رأي فج، وحلم طوباوي، ويدخل في دائرة الأحلام، عن قليل في الحقبة الحالية؛ لكن بالمقابل لا نستطيع أن ننفي مثل هذا النزوع عند بعض السياسيين الحالمين وحتى عند بعض المفكرين.
نأتي أخيرا إلى مكونات المجتمع المدني، كمبدأ أساسي من مبادئ المجتمع الحر، ونعني بالمجتمع المدني هنا سائر المنظمات التطوعية، بدءا من الأسرة، إلى مختلف الأنشطة الأخرى، من أندية رياضية أو موسيقية، وجمعيات خيرية، ومنتديات ثقافية، وروابط نسائية، وسائر النقابات..إلخ
إن نشاط المجتمع المدني، يصب في مصلحة الدولة بالأساس، لكن ليس أي دولة، بل دولة الشعب بأسره.. دولة الحرية والعدل والمساواة، دولة الأمن والحماية والطمأنينة، دولة الوفرة في المعيشة، فقوة الدولة ينبغي أن تستمد من حيوية الشعب، ومن أنشطته المختلفة، لا من خموله، ولا من الحكم عليه بالسوط والصمت..
هذه هي أهم المبادئ التي أثرناها هنا، كدعائم أساسية لبناء مجتمع ديمقراطي حر، والتي ينطوي بدورها على كثير من القيم الأخرى، تتفرع عنها،، تلك القيم التي يتمتع بها الكثيرون اليوم، وينشدها المحرومون خاصة، في سائر بقاع العالم..
© منبر الحرية، 08 أبريل 2009

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018