أسباب التخلف الاقتصادي

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

إن إحدى المسائل الأكثر أهمية بالنسبة للأمريكيين هي كيفية التحكم بتحديد أسعار أدوية الوصفات الطبية وخصوصا بالنسبة لكبار السن الذين يعتمدون على تغطية التأمين الصحي “الميدي كير”. بعض المدافعين عن هذه السياسة يحثون الحكومة الفيدرالية على أن تقوم بالتعاقد بشكل مباشر مع شركات صناعة الأدوية لشراء الأدوية الخاصة بكبار السن وفق أسعار يتم تثبيتها من قبل الحكومة. وبالرغم من سمو نوايا هؤلاء المدافعين فان التحكم في مثل هذه الأسعار قد يكون ضارا بصحة الأمريكيين المستقبلية.
عندما يتم ضبط الأسعار دون المستويات الطبيعية فقد تقوم موارد هذه الصناعة كالمواهب المخترعة ورؤوس الأموال الخاصة بالمستثمرين بهجر هذه الصناعة سعيا نحو عائدات افضل في مكان آخر، الأمر الذي يعني بأنه سوف يكون هنالك اكتشافات واختراعات اقل، كما ستكون الأدوية الجديدة التي سوف تتاح أمام المستهلكين اقل عددا. وفي غالب الأحيان سوف يحدث مثل هذا التغيير على مدى فترة طويلة، أطول من مدة المنصب الذي يتولاه أي صانع سياسة. وهكذا فانه لأمر هام وحيوي أن يتم تذكير صناع السياسة بالتأثير الذي ينتج عن تحديد الأسعار حينما يتم عرضه كسياسة حكومية.
تمزيق أوصال العرض والطلب
يعتبر تحديد أسعار السوق من خلال التفاعل الديناميكي بين العرض والطلب بمثابة لبنة البناء الأساسية للاقتصاد. فأفضليات المستهلك بالنسبة لأي منتج هي التي ستحدد مقدار ما سيقوم بشرائه وفق سعر معين. فالمستهلكون سيقومون بشراء منتج ما بمقدار اكبر عندما ينخفض سعر ذلك المنتج، ويتساوى جميع المستهلكين على هذا الأمر. وبدورها تقوم الشركات بتحديد ما سترغب في عرضه وفق أسعار متباينة. وعموما، في حال رغبة المستهلكين بدفع سعر أعلى بالنسبة لإحدى المنتجات، عندئذ سوف تحاول المزيد من الشركات الصانعة بإنتاج ذلك المنتج وبزيادة سعة إنتاجها كما ستقوم بإجراء الأبحاث اللازمة لتحسين ذلك المنتج. وهكذا، فان الأسعار المرتفعة المتوقعة سوف تؤدي إلى زيادة في عرض السلع وسينتج عن هذا التفاعل الديناميكي سعر متوازن في السوق حيث يتم التفاعل بين المشترين والبائعين بكل حرية وسيكون السعر الناتج سببا في التساوي المحكم بين الكمية المطلوبة للمستهلكين والعرض الذي يقدمه البائعون.
ولكن عندما تتبنى الحكومة عملية التحكم في الأسعار سوف تقوم بتحديد سعر المنتج في السوق وستفرض بان يتم عقد كافة الصفقات التجارية أو نسبة كبيرة منها وفق ذلك السعر بدلا من السعر المتوازن الذي يفرضه التفاعل الذي يتم بين العرض والطلب. وبما أن العرض والطلب يتغيران استجابة لأذواق المستهلكين والتكاليف إلا أن السعر الذي تفرضه الحكومة سوف يتغير فقط بعد عملية سياسية طويلة وسوف لن يكون سعر الحكومة سعرا متوازنا على الإطلاق، الأمر الذي يعني بان سعر الحكومة سوف يكون إما مرتفع جدا أو منخفض جدا.
وعندما يكون السعر مرتفع جدا فسوف يكون هناك كميات هائلة من المنتج المعروض للبيع عند مقارنته مع ما يريده الأفراد، وهذا هو حال الوضع بالنسبة للعديد من برامج المزارع الأمريكية والأوروبية حيث تقوم الحكومات، في جهودها لزيادة إنتاج المزارع، بشراء الإنتاج الذي لا يرغب به المستهلكون، وهذا بدوره يعمل على تشجيع المزارعين على تربية المزيد من الأبقار وتحويل المزيد من الأراضي إلى مراعي أو أراضي للغلال. وبالرغم من ذلك، فان الأسعار المرتفعة لا تعمل على تشجيع المستهلكين على شراء منتجات المزارع، الأمر الذي يؤدي إلى وجود فائض في العرض (مثل “جبل الزبدة”). فالحكومة، عندئذ، تعمل على تفاقم هذه الأوضاع من خلال الاستمرار في شراء فائض المحصول وفق السعر الذي تم وضعه.
هناك أيضا مشاكل خطيرة تنتج عندما تقوم الحكومة بتثبيت الأسعار دون مستوى التوازن، الأمر الذي يجعل المستهلكين يرغبون في شراء المزيد من المنتج بشكل اكبر مما يقوم المنتجون بعرضه. فعندما قامت الحكومة الفيدرالية بتقييد سعر البنزين الذي ازداد ارتفاعا في أعوام السبعينيات من القرن الماضي تشكلت عند محطات الوقود طوابير طويلة من السيارات وقد حصل على مقدار ضئيل من البنزين فقط أولئك السواقين الذين انتظروا لساعات طويلة في طابور الانتظار.
وفي كلتا حالتي ضبط الأسعار الحكومية، سوف ينتج عن ذلك فقدان خطير للرخاء الاقتصادي نظرا لعدم بيع سلعا كافية. ويتم تعريف الفرصة الضائعة الخاصة بخلق فائض من المنتجين والمستهلكين لهذه المبيعات بأنها “ضياع الوزن الكلي” نظرا لان الدخل المتوقع منها هو الذي سوف يضيع والى الأبد. وبالإضافة إلى حدوث فقدان في الوزن الكلي، سوف يعمل السعر المرتفع بشكل مصطنع على تحويل الأرباح من المستهلكين إلى المنتجين وان هذه الأجور، في اغلب الأحيان، سوف تضيع نظرا لقيام المنتجين بإنفاقها على تشكيل جماعات ضغط وعلى أنشطة مؤثرة أخرى للحفاظ على الأسعار التي تم فرضها بالقانون. أما في حالة السعر المنخفض، فسوف يقوم المنتجون بتحويل الأرباح إلى المستهلكين. ومن خلال التنافس على الحصول على كميات محدودة من المنتج الذي تم التحكم في تحديد سعره فمن الجائز أن يقوم المستهلكون بفقدان ما سوف يكسبونه بعد الحصول عليه وفق السعر المنخفض. وعلى سبيل المثال، ربما قام أولئك الأفراد الذين انتظروا في أعوام السبعينيات من القرن الماضي في طوابير البنزين عند محطات الوقود بتكبد تكاليف كبيرة من جراء الوقت الذي أضاعوه في الوقوف في الطوابير تعادل ما قاموا بتوفيره من سعر البنزين الذي تم تحديد سعره. (ويقول الباحثان روبرت ديكون وجوب سونستيلي بان طوابير البنزين قد كلفت المستهلكين مبالغ اكثر مما قاموا بتوفيره من أسعار البنزين التي تم تحديدها). وهكذا فان الأسعار المنخفضة بشكل مصطنع لم تضر فقط بالمنتجين بل قامت بإيذاء المستهلكين أيضا.
تحديد الأسعار تاريخياً
عندما تقوم الحكومة بخفض سعر سلع رائجة بين الناس فسوف تكسب تعاطف أصوات الناخبين وكذلك الدوائر الانتخابية، كما ستكسب الحكومة التعاطف من جانب جماعات الضغط وكذلك الشركات عند رفع الأسعار بغرض تشجيع الجو الصحي للصناعات. وبافتراض بان القيام بهذه الأشياء سوف يفيد صناع السياسة فإننا سوف لن نندهش إذا علمنا بان تحديد الأسعار يعتبر أمرا شائعا عبر تاريخ الاقتصاد في الدول الغربية.
الخبز والثـــورة. في أوائل القرن العشرين قام عالم الاقتصاد هنري بورن بتدوين التأثير الذي أحدثه تحديد الأسعار على فرنسا في الأعوام التي أعقبت الثورة الفرنسية عندما وجد سكان مدينة باريس بان من الصعب عليهم شراء الحنطة. لم يكن النقص في مادة الحنطة يعود إلى أية مشاكل زراعية، حيث كتب بورن بان فرنسا في العام 1793 كانت أمة زراعية مزدهرة قادرة على إطعام نفسها. وبدلا من ذلك، كان التهديد بالمجاعة يعود إلى مشاكل حدثت في الشراء والتوزيع الداخلي التي خلقتها الحكومة. فعلى سبيل المثال، قام وكلاء في مدينة باريس وكذلك النخبة العسكرية والحكومة بالتنافس فيما بينهم على شراء الحنطة مما أدى إلى حدوث نقصان محلي في هذه المادة لم يكن قد حدث مثله في السابق إطلاقا، الأمر الذي أدى إلى قيام بلبلة اجتماعية.
وفي محاولة منها لإرضاء جمهور الناس، قررت مدينة باريس تقديم دعم حكومي لمادة الطحين مما عمل على تشجيع الخبازين من البلدات المجاورة على السفر إلى باريس لشراء مادة الطحين والذي أدى إلى المزيد من النقصان في هذه المادة في المدينة.
وقد حاول المؤتمر العام الفرنسي الذي كان يحكم الشعب الفرنسي في ذلك الوقت التعامل مع هذه المشكلة من خلال تثبيت الحد الأعلى لأسعار الحنطة وإصدار التعليمات إلى المزارعين لتوريد هذه المادة إلى الأسواق المحلية. وكما سوف يتوقعه المرء، لم يتعاون المزارعون مع القانون الجديد فكانت الأسواق خالية من مادة الحنطة وحدث المزيد من النقصان في هذه المادة وأخفقت الحسابات الرسمية التي كانت مرصودة لتوريدات الحنطة في الإبقاء على المخزون ومتابعته واستمرت القلاقل في المدن. وكتب بورن انه في العام 1793 اصدر المؤتمر العام قانونا آخر تم بموجبه تمديد الحد الأقصى للأسعار ليشمل توريدات أساسية أخرى من مادة الحنطة. وقد عمل تحديد الأسعار هذا والمقترن مع مطالبة وفساد الحكومة على خلق فوضى في الاقتصاد الفرنسي. واستجاب التجار لذلك من خلال إجراء خفض في جودة بضائعهم كما ازدهرت السوق السوداء. كما كتب بورن قائلا: “لقد كان التاجر الأمين هو الضحية لهذا القانون. فقد رفض أنداده الحريصون أن يستسلموا. فعمل الجزار، عند قيامه بوزن اللحم، على إضافة المزيد من “النتاتيف” بشكل اكبر مما كان يضيفه من قبل وقام أصحاب المحلات التجارية الآخرون ببيع سلع من النخب الثاني وفق الحد الأعلى (للأسعار). واشتكى عامة الناس لكونهم يشترون عصير الأجاص مقابل الخمر وزيت الخشخاش مقابل زيت الزيتون وعشبة الدردار مقابل الفلفل ومادة النشا مقابل السكر.”
أمثلة من القرن العشــرين. قدّم القرن الماضي الكثير من الأمثلة على المشاكل الاقتصادية التي نجمت عن تحديد الأسعار في أوروبا الشيوعية. وقد أورد العالم الاقتصادي ديفيد تار بعضاً من هذه المشاكل في دراسته حول توزيع أجهزة التلفزيون المنتجة محليا في بولندا الشيوعية. ونظرا لإبقاء الحكومة البولندية على أسعار أجهزة التلفزيون وفق سعر منخفض بشكل مصطنع فقد تفوق الطلب على العرض إلى حد كبير وأصبحت أجهزة التلفزيون نادرة الوجود. وقد كان على المستهلك الذي يرغب في شراء جهاز تلفزيون أن يقوم بالتوقيع على قائمة انتظار وكان على المستهلك، في اغلب الحالات، أن يقوم بزيارة المعرض التجاري كل يوم للحفاظ على مكانه على قائمة الانتظار. وقام تار بعملية حساب للتكلفة الاجتماعية التي يتحملها الطابور الخاص بشراء أجهزة التلفزيون فكانت قد بلغت عشرة أضعاف حجم “ضياع الوزن الكلي” وان تكلفة تحديد أسعار أجهزة التلفزيون بالنسبة للاقتصاد البولندي كانت اكبر من المبيعات الإجمالية لهذه الصناعة.
وفي أعوام الثمانينيات من القرن الماضي، قام وزير المالية في اليابان بتنظيم رسوم وأتعاب السمسرة (الوساطة المالية) وحظر على شركاتها أن تقوم بالمنافسة على الزبائن وفق ذلك الأساس. ومع ذلك، حسبما كتب العالمان في الاقتصاد كيفن هيبنر ويونغ بارك، كان لعدد كبير جدا من زبائن الشركات أهمية قصوى كما كانوا مربحين بالنسبة لصناعة التداول بالأوراق المالية. وقد وجدت هذه الصناعة طرقا أخرى، قد تكون فاسدة، بغرض المنافسة بين الشركات التجارية. وقد كانت هناك شركات أوراق مالية تضمن لمستثمري الشركات بان يتم تحقيق مبالغ معينة لهم كحد أدنى من العائدات وبقيامها، بكل فعالية، بتعويض العميل في حال حدوث هبوط في الاستثمار بالنسبة للقيمة. كما قامت شركات الأوراق المالية بتمويل هذه الممارسة المكلفة من الأرباح التي كانت تكسبها من الأجور التي تم تثبيتها من قبل الحكومة والخاصة بتقديم خدمات السمسرة للزبائن الكبار والصغار. ومن هنا فان مؤسسات الأوراق المالية عملت على تدوير برنامج تحديد الأسعار ليصبح برنامج تحويل يعمل على انتقال الموارد من المدخرين المنزليين إلى مستثمري الشركات الكبار.
فعندما تقوم الحكومة بمنع الشركات من التنافس على الأسعار فان تلك الشركات سوف تتنافس على أية نواحي تكون مفتوحة أمامها. وفي حقبة تنظيم الخطوط الجوية الأمريكية التي قام خلالها مجلس الطيران المدني بتثبيت الأسعار، حاولت شركات الخطوط الجوية جذب الزبائن من خلال تقديم الطعام والمقاعد الخالية والسفرات المتكررة وقد يكون هذا الشكل من المنافسة مكلفا كالتنافس على الأسعار. وبالرغم من ارتفاع الأسعار والحماية من دخول مشتركين جدد في هذا المجال فان الشركات الناقلة القائمة عندئذ قامت بالتنافس مستخدمة الأجور التي تتقاضاها ولم تكن تجني من ذلك أرباحا عالية.
تحديد الأسعار في الوقت الحالي
بالرغم من التاريخ المزعج لتحديد الأسعار، استمرت الحكومة في اتباع هذه الممارسة وقامت في بعض الحالات بتمويه هذه السياسات باستخدام برامج تسعير مدروسة إلا أنها أدت إلى حدوث مشاكل خطيرة للمنتجين والمستهلكين.
تحديد الإيجارات. يقدم تحديد الإيجارات مثالا تقليديا على التشوهات التي تنجم عن تحديد الأسعار. هناك عدد كبير من الأشكال المتنوعة من تحديد الإيجارات لكنها جميعا تأخذ شكل الأسعار التي هي دون مستوى السوق والتي قد تم فرضها بالقانون بالنسبة للإسكان الاستئجاري. وقد تم تدوين نتائج ذلك بشكل جيد كما تم استغلالها بشكل جيد. أولا، فقد تم حدوث نقص في وحدات الإسكان المعروضة للإيجار بما أن المالكين اصبحوا اقل اهتماما في تأجير أملاكهم وفق أسعار دون مستوى السوق. وعوضا عن ذلك، اختار المالكون أن يسكنوا هم أنفسهم في الوحدات المعروضة للإيجار أو قاموا بتأجيرها إلى أقاربهم أو بيعها.
وقد أدى هذا النقص في الوحدات السكنية إلى مجموعة من التشوهات ذات العلاقة، فعلى سبيل المثال، نظرا لوجود طابور من الأفراد لديهم رغبة في استئجار كل شقة من الشقق الإسكانية وان المالكين غير مسموح لهم بالتمييز القائم على الأسعار، قام المالكون بالتمييز وفق أي جانب من الجوانب التي يرضون بها هم. ربما يقوم المالكون بطلب دفعات غير معلنة من المستأجرين أو قد يطلبون من المستأجرين تقديم “بدل خلو” كي يتم التوقيع على عقد الإيجار. إضافة إلى ذلك، سيكون لدى المالكين حافز اقل يدفعهم نحو صيانة شققهم كما سيكون هناك المزيد من الصعوبة أمامهم في التعويض عن تكاليف التحسينات التي قاموا بها بفضل السعر الذي قامت الحكومة بتثبيته، وفي نفس الوقت سيكون هناك طلبا قويا على الشقق بغض النظر عن حالتها. ونتيجة لذلك سوف تهبط نوعية وجودة قطاع الإسكان وقد يصبح هذا المجال جاذبا لسكان اقل ثراء، الأمر الذي يضر بتجارة الأحياء السكنية وسيكون توفير اسكانات جديدة اقل ربحا من ناحية الإنشاءات إذا قامت الحكومة بتحديد أسعار الإيجارات، وهكذا، سيكون هناك عدد اقل من المستثمرين الذين سيدخلون في هذا المجال وسيحدث بطء في النمو الاقتصادي.
الرعاية الصحية “ميدك إيد” والأدوية. في العام 1990 أصدرت الحكومة الفيدرالية قانونا تم بموجبه تحديد مستويات أسعار جديدة يجب على حكومات الولايات أن تقوم بدفعها مقابل الأدوية التي تقدمها الرعاية الصحية “ميدك إيد”، وقد تباينت هذه الأحكام وفق تباين الأدوية، إلا انه في بعض الحالات كان من حق “ميدك إيد” أن لا تدفع اكثر من الحد الأدنى لمستوى الأسعار الذي تفرضه شركة الدواء على أي زبون آخر.
قد يبدو مثل هذا البرنامج معقولا إلا انه يعمل على تشويه الحوافز الدافعة في سوق الأدوية. تقوم “ميدك إيد” باستخدام شبكة من سلسلة مؤسسات وصيدليات مستقلة قائمة فعليا بغرض توزيع الأدوية على أعضائها إلا أن عدداً كبيراً من هذه المؤسسات ليست لديها مقياس تدرج في المساومة خاص بأسعار جيدة، كما انه ليس لديها سيطرة للتأثير على الأطباء الذين يقدمون الوصفات الطبية. وفي مثل هذه الظروف، من الطبيعي أن لا تحصل على السعر الأقل السائد في السوق والذي يذهب إلى كبار المشترين والى تابعي منظمة الرعاية الصحية أو آخرين لديهم القدرة على “تحريك حصة السوق”.
وعندما وجدوا بان عليهم أن يقوموا بتقاضي أجور من “ميدك إيد” وفق الحد الأدنى من الأسعار التي تقدم لأي زبون آخر عملت شركات الأدوية على خفض مقدار الحسومات. وقد نتج عن القانون المذكور زيادة في نفقات الدواء بالنسبة لكثيرين من مشتري القطاع الخاص لان شركات تصنيع الدواء حاولت أن ترفع الأسعار فوق أسعار المبيعات الحكومية.
فشل السوق
أحد الأسباب التي دعت الحكومة للجوء إلى تحديد الأسعار هو أن تضمن بان يتم بيع السلع والخدمات وفق سعر “عادل”. وضمن وضع يتوفر به عدد كبير من المستهلكين الذين لديهم اطلاع جيد والذين يشترون سلعهم من عدد كبير من البائعين لديهم القدرة على تطوير سمعة تجارية بالنسبة للجودة العالية أو المنخفضة، فان عمل السوق الحر سوف يعمل بشكل جيد، كما سيكون سعر السوق سعرا “عادلا” ويعود ذلك إلى التنافس بين المبتكرين وبين المشترين. ومع ذلك، هناك مناسبات معينة يتم بها إحباط الداخلين في هذا المجال أو قد تكون المعلومات المتاحة لفرد واحد أو اكثر معلومات ضئيلة.
في مثل هذه الحالات، يجوز للحكومة أن تقوم بفرض تحديد للأسعار في محاولة منها لحماية المواطنين من الاستغلال. قد يحدث مثل ذلك إذا كان على المرضى مثلا اختيار الأدوية دون طلب مساعدة الأطباء. في مثل هذه الحالة، قد يحتاج المرضى إلى حماية الحكومة ضد الأسعار المرتفعة بالنسبة للأدوية الخاطئة. لقد عمل نظام الرعاية الصحية الحديث الخاص بنا على إزالة هذا القلق من خلال توظيف أطباء وصيادلة ولجان متفق عليها لهم إلمام بذلك ولهم تأثير على الاختيار الصحيح للدواء.
“إن سعر السوق لأية سلعة معينة سيكون من النادر أن يستمر لمدة طويلة دون مستوى سعرها الطبيعي مع انه قد يستمر لمدة طويلة اكثر من المتوقع. ومهما يكن الشيء الذي تم دفع سعره بشكل اقل من السعر الطبيعي فان الأشخاص الذين تأثرت مصلحتهم بهذا السعر الأقل سوف يشعرون فورا بالخسارة وسيقومون في الحال بسحب إما تلك الأرض أو أولئك العمال أو تلك الحصة بحيث لا يتم استخدامها بشكل يعمل على زيادة الكمية التي تم جلبها إلى السوق عما يكفي من العرض للوفاء بالطلب. وبناء على ذلك، سوف يرتفع سعرها في السوق في وقت قريب ليصل إلى السعر الطبيعي وهذا هو، على الأقل، ما سيكون عليه الحال مع وجود الحرية الكاملة.” آدم سميث، في كتابه: ثروة الأمم.
لقد قامت مجتمعات “البيوريتان” الأوائل، الذين ورد وصف لهم في كتاب هاغ روكوف المسمى إجراءات متطرّفة: تاريخ تحديد الأجور والأسعار في الولايات المتحدة الأمريكية، بإهمال تحديد الأجور والأسعار التفصيلية بعد فرضها في العامين 1630 و1633 بوقت قصير نظرا لكونها غير فعالة. وكانت القوانين اللاحقة التي صدرت ضد الأسعار “المفرطة” غامضة بشكل اكبر وكانت، حسب قول روكوف، تهدف إلى الحيلولة دون “البيع الذي يقع تحت بند الاحتيال أو الجهل أو الاحتكارات القصيرة المدى وليس إلى إجراء خفض في سعر التوازن في سوق معين.” كان تفسيره لذلك هو أن البيوريتان واجهوا أسواقا استعمارية غير متطورة وانه “من غير الممكن الاعتماد على المنافسة في تنظيم الأسعار وحماية المستهلكين.” وبالإمكان التخفيف من آثار فشل السوق، مثل الافتقار إلى الدخول في هذا المجال، وذلك بواسطة تحديد الأسعار تحديدا صحيحا، من الناحية النظرية على الأقل. وتكمن الصعوبة في ذلك في عملية التنفيذ. من الناحية النموذجية،
ليس هناك كيان لديه الاطلاع الجيد بحيث تتاح له القدرة على تحري الخلل بالضبط وان يختار السعر الصحيح لتصحيح الوضع ومن ثم يتم إجراء تعديل عليه وتطبيقه بشكل يسير. والمنافسة هي الأداة التي تعتبر افضل من استخدام تحديد الأسعار بالنسبة لحماية المستهلكين، ويبدو بان البيوريتان قد تحققوا من ذلك وقاموا تدريجيا بالتوقف عن استخدام تحديد الأسعار. وكما كتب روكوف يقول: “على المرء أن يتوقع أن يقل إصدار تدفقات سلسلة من المعلومات وان تقل الحاجة إلى التنظيم بما أن الأسواق تنمو وتزداد، وبالفعل فقد بدا بان مثل هذا الشيء قد تم حدوثه.”
ومن الناحية الأكثر نموذجية، تحاول الحكومات معالجة التأثيرات السيئة التي تنجم عن تحديد الأسعار من خلال الإعانات الحكومية الداعمة لهذا النشاط المحبط. وفي مجال الصناعات الدوائية، تذهب تلك الإعانات الحكومية نحو البحث والتطوير، وبفعل خفض تكلفة البحوث قد تسترد الإعانة دخل السوق الحر. ومع ذلك، فقد تبرز للمرة الثانية صعوبة في عملية اختيار مستوى الإعانة والتي يتم بواسطتها البت فيما إذا كان من الممكن تقديمها وكيف يتم تقديمها بغرض تقديم ربح للشركات ولتجنب القيام بأعمال ضغط وفساد غير فعالين. فمن الناحية العملية، تعتبر هذه المسائل غاية في الصعوبة بالنسبة لكيفية إدارتها بطريقة يستفيد منها المستهلكون.
خفض الأسعار من خلال السوق
لقد وجد القطاع الخاص عدة طرق ناجحة بشأن خفض الأسعار التي يتم دفعها من قبل المشترين. وفي معظم الحالات، يمكن للحكومة أن تستخدم أساليب متماثلة بغرض الحصول على أسعار رخيصة بالنسبة للأدوية التي تتم وفق وصفات طبية دون أن تقوم بالتشويش على السوق التنافسي.
الشــراء بالجملة. إن النهج الأكثر شيوعا هو أن تتم الاستفادة من مقياس التدرج. فالمشتري الذي تمثل مشترياته حجما ضخما من الصفقات التجارية في السوق يمكنه أن يقوم بالمساومة بغرض الحصول على سعر افضل من خلال التهديد بالرجوع عن دمج الصفقات أو أن يقوم بنقل تجارته إلى مورِّد سلع منافس له (إذا لم يكن المنتج محميا ببراءة اختراع). إضافة لذلك، يعمل المشتري الذي تكون مشترياته ضخمة على إتاحة فعاليات يتم تقديمها للبائع. فتكاليف الصفقة التجارية المنخفضة (فاتورة واحدة ومساومة واحدة وشحنة واحدة) وحجم الصفقة المضمون واقتصاديات مقياس التدرج سوف تعمل على استحداث توفير في التكلفة بالنسبة للمورد بحيث يمكن للطرفين من تقاسمها. هناك أمثلة لا حصر لها قدمها القطاع الخاص تدل على هذا النهج، فعل سبيل المثال، تقوم سلسلة أسواق السوبر ماركت الضخمة بدفع أسعار للسلع المرزومة بحيث تقل عن أسعار المحلات التجارية القابعة في الزوايا وذلك بسبب المشتريات المركزية الواسعة النطاق.
هناك نقطة اكثر ذكاء إلى حد طفيف لها علاقة بالصناعات الدوائية وهي أن المشتري الذي يتعامل مع أحجام كبيرة يمكنه في معظم الأحيان أن يحصل حتى على أسعار منخفضة من خلال مساعدة مورده على زيادة حصته في السوق. وبإمكان مؤسسات التأمين أن تتفق على تعليم أو تشجيع الأطباء على تقديم وصفات طبية لدواء معين. وفي مقابل عمل التغيير في حصة السوق ضمن شبكة المورد، سوف تعرض شركة تصنيع الدواء على المورد أسعارا اقل.
تعزيز المنافســة. بإمكان المشتري أن يقوم بشكل صريح بتعزيز المنافسة في المكان الذي لا توجد فيه منافسة. فعلى سبيل المثال، بدأت عدة شركات ضخمة في منطقة ديترويت مؤخرا بتمويل شركة خطوط طيران صغيرة منخفضة التكاليف سميت باسم “برو إير” بحيث تعمل من ذلك المطار. وفي مطار ديترويت تهيمن شركة الطيران “نورث ويست إيرلاينز” التي تتقاضى أجورا عالية إلى حد ما لسبب يعود إلى عدم وجود منافس أمامها. وتقوم كل شركة من شركات “جنرال موتورز” و”ماسكو” و”ديملر كرايزلر” بدفع مبالغ ثابتة من المال كل شهر مقابل عدد معين من الرحلات الجوية الخاصة بموظفيها، الأمر الذي يعطي شركة الخطوط الجوية المبتدئة استقرارا ويتسبب في جعل منافسيها التيقن من انه ليس بالإمكان أن يتم إخراجها من هذه التجارة. وبفعل تشجيع الدخول إلى هذا المجال والحفاظ على منافس منخفض التكلفة أمام شركة “نورث إيرلاينز” سوف تقوم الشركات بالتوفير في مجال رحلات الطيران التي يسافر بها موظفيها على شركة “برو إير” وكذلك من خلال أي خفض يتم في الأسعار التي تقدمها شركة “نورث إيرلاينز” استجابة للمنافسة.
المعلومــات. هناك طريقة أخرى للحصول على أسعار منخفضة من خلال السوق، وهي أن تقوم مؤسسة مستقلة بتقديم معلومات حول البدائل المنافسة إلى المشترين الفرديين. وباستخدام هذه المعلومات يمكن للمستهلك المطلع أن يقوم بتحديد المنتج الذي يناسب بالشكل الأفضل احتياجاته ويمكنه أن يطالب بسعر مخصوم عندما يشتري منتجا مختلفا. هناك الكثير من الشركات الضخمة التي تسلك هذا النهج في البرامج الصحية الخاصة بموظفيها ويجوز للموظف أن يقوم باختيار برنامجا من مجموعة من البرامج المعتمدة وتقوم الشركة بتقديم تصنيفات ترتيبية أو بطاقة إحراز نقاط لمساعدة الموظفين للمقارنة بين البرامج. وتتسبب هذه التصنيفات في جعل البرامج تتنافس فيما بينها على الزبائن بالنسبة للأسعار ولنواحي الجودة.
الخلاصة
إن فرض تحديد الأسعار على سوق تنافسي يعمل جيدا سوف يضر بالمجتمع من خلال خفض الكميات التجارية في المجال الاقتصادي وسيعمل على خلق دوافع تدفع إلى تبديد الموارد. هناك العديد من الباحثين الذين وجدوا بان تحديد الأسعار يعمل على خفض الدخول في مجالات التجارة والاستثمار على المدى الطويل. ومن الممكن أن يقوم تحديد الأسعار بخفض الجودة وان يخلق سوقا سوداء وان يحفز على الترشيد المكلف. وفي حالة الأدوية، يكون، على الأرجح، المجال الذي يصيبه الضرر بالشكل الأكبر هو مجال الخفض في الاكتشافات والاختراعات بحيث تضر جميع مرضى الأجيال القادمة.
ومع أن صانعي السياسات يعرفون بان تحديد الأسعار يمكن أن يكون ضارا جدا فانهم مستمرون في الحصول على دوافع قوية تدفعهم نحو تشريع أسعار منخفضة لأنفسهم، الأمر الذي يؤدي في اغلب الأحيان إلى تبني المزيد من تحديد أسعار أكثر تعقيدا. وتقوم الحكومة بتثبيت أسعارها بإرجاعها إلى بعض الأسعار المرجعية في الاقتصاد وليس باختيار رقم ثابت أو أن تقوم بتحديد أسعارها بمقدار ثابت دون ذلك المقدار الخاص بمستهلكين آخرين. إن مثل هذه البرامج سوف تعمل على تدمير الرخاء الاقتصادي من خلال إدخال دافع جديد إلى السوق—والذي قد يكون من ناحية أخرى سوقا عاملا بشكل جيد—فإما أن يكون السعر للمستهلكين غير الحكوميين مرتفعا أو أن يرتفع السعر المقدم للمستهلكين الفقراء. وبشكل عام، فان السعر المرجعي الذي تقوم الحكومة باختياره سوف يرتفع بسبب تحديد الأسعار وليس بسبب التغيير الذي طرأ على قوى العرض والطلب المخفية.
من الطبيعي أن تقود الشهادة الدامغة ضد تحديد الأسعار إلى التفكير في طرق أخرى لخفض تكاليف الشراء. فالقطاع الخاص يستخدم عدداً كبيراً من الطرق التي تكون فعالة ومتوافقة مع اقتصاد السوق. قد تكون مثل هذه الأساليب، عند استخدامها من قبل سوق القطاع الخاص، اقل ضررا إلى حد كبير بالرخاء الاقتصادي من تحديد الأسعار الذي تفرضه الحكومة.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 30 أيار 2006.

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

كلّ الشكر إلى العمل الريادي المقدم من نخبة من المفكرين، فقد كان اهتمام المفكرين، وصانعي السياسات، والعامة مركزاً على دور القانون في بناء المؤسسات ودور المؤسسات في تكوين التنمية الاقتصادية. وقد ساهمت الليبرالية في سعادة البشرية عن طريق تركيزها بشكل متزامن على تفويض وتحديد مجموعة من المؤسسات التي توجد، وتخلق، وتعزز القانون. من أجل فهم علاقة الليبرالية بهذه المؤسسات فإنه من السهل أن نعمل تمييزاً بسيطاً، وهو التمييز بين أن تكون “ضد الحكومة” وأن تكون في صالح “تحديد الحكومة”، وغالباً ما يتم الخلط بينهما، خاصة من قبل أعداد معترف بها من أعداء الليبرالية والذين يفضلون الحكومة الغير محدودة، لكن لا يمكن لهما أن يكونا أكثر اختلافاً. فعلى سبيل المثال يُعتبر المجرمون والإرهابيون الذين يريدون تدمير الحياة والحرية والممتلكات “ضد الحكومة”، فهم يسعون إلى إضعاف الحكومة، وبالمقابل، فإن الليبراليين الذين يطالبون بتحديد الحكومة، لا يسعون لتدميرها، بل لتقويتها لتؤدي مجموعة محدودة من الوظائف القيّمة بشكل فعال.
إن ما يطمح إليه الليبراليون هو ليس حكومة ضعيفة، بل حكومة فعالة، وقانونية وشرعية ومحدودة، أي حكومة تستطيع تنفيذ مهام معينة بشكل فعال وكَفوء، ولكن عليها أن تكون محددة بهذه المهام فقط. ما هو ضروري حقاً أن تكون هذه الحكومة حكومة قانون، أكثر من أن تكون حكومة قوة أو عنف.
إن معظم الحكومات حول العالم تقوم بكلتا الوظيفتين معاً: أكثر من المطلوب و أقل منه. فهي تقوم بأكثر مما هو مطلوب عندما تنفذ مهاماً لا يجب تنفيذها على الإطلاق، مثل فرض الاحتكارات والقيود على التجارة الحرة، أو تنفيذها لمهام يمكن أو يجب تنفيذها بمساعدة منظمات المجتمع المدني، سواء أكانت تزويد خدمات الهاتف أو إدارة مراكز العناية بالأطفال، كما تقوم بما هو أقل من المطلوب عندما تفشل بتعريف الحقوق في استخدام المصادر النادرة، وعندما تفشل بتزويد خدمة الدفاع عن الحياة والحرية والملكية. تكمن الطريقة لتحرير المصادر من أجل السماح للحكومة بتنفيذ مهامها القيمة بشكل جيد في منع الحكومة من عمل كل تلك الأمور التي لا يجب عملها إما لكونها غير عادلة أو لأنه يمكن عملها بشكل أفضل من قِبل التنسيق الحر والطوعي للمواطنين. وبهذا لن تقوم الحكومة بوظيفتها بشكل أفضل فقط، بل إنها عندما تقوم بتعريف وحماية الحقوق والأسواق والمنظمات الطوعية بشكل أفضل، فإنها بذلك توفر الثروة والتقدم.
لماذا تعتبر المؤسسات مهمة؟
تعتبر المؤسسات مهمة لأن الحوافز مهمة، إذ تحث الحوافز الأفراد والجماعات على التصرف بطريقة ما وليس بأخرى، وتحث الحوافز الجيدة الأفراد والجماعات على التعاون من أجل إنتاج القيمة عن طريق الإنتاج والتبادل ومن أجل تجنب وتفادي العنف. تحث الحوافز الجيدة الأشخاص والجماعات على إلقاء المسؤولية على الأشخاص الأكثر قدرة على إنتاج قيمة معينة. تتكون هذه الحوافز من قبل المؤسسات، والتي تضم ليس مجرد منظمّات وإجراءات رسمية كالهيئات الحكومية التنفيذية والتشريعية والمحاكم والأحكام القانونية المدوّنة ومراكز الشرطة، بل أيضاً هيئات وإجراءات غير رسمية وغير حكومية كالمعايير الأخلاقية، والسُمعة والتوقعات المتبادلة بشأن السلوك، والكثير غير ذلك. يمكن لفرض القوانين والإجراءات أن يكون داخلياً؛ أي أن تَفرِض هذه القوانين أطرافٌ متأثرة بهذا الإجراء، أو أن يكون خارجياً؛ أي أنه يجب أن يقوم طرف ثالث تحكيمي بفرض هذه القوانين أو أن تقوم منظمات النظام القضائي بذلك.[1] يواجه المرء حافزاً عندما يتوقع شعوراً بالخجل، كخسارة سمعة قيّمة مثلاً أو ضياع فرصة معينة للكسب، أو أن يفرض الآخرون عليه عقاباً أو يقدموا له مكافأة، سواء كان ذلك منظّماً ضمن هيئة حكومية أم غير منظم.[2]
إن الكثير من الناس لا يفهمون أهمية بناء المؤسسات بطريقة صحيحة، فهم لا يفهمونها لأنهم لا يزالون يؤمنون بالسحر. قلائل هم الذين يؤمنون أن أنشودة الكلمات السحرية أو التعويذة تمارس سلطة على العالم. أغلبنا يؤمن بالسبب والنتيجة، وبردِّ النتائج إلى أسبابها. وقد نجح هذا المنهج العلمي في المجالات التحقّقية مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا. عندما يتعلق الموضوع بعلم السلوك الإنساني، فإن الكثير من الناس وربما معظمهم ما زالوا—للأسف—يؤمنون بالسحر، لأنهم يؤمنون بأن هناك مجموعة خاصة من السحرة القادرين على تغيير العالم بقوة الكلمات فقط؛ ويعرف هؤلاء السحرة بالمُشرِّعين وسانِّي القوانين، والحكام، والرؤساء. ولذا معظم الناس يصدّقون عندما يقول هؤلاء الأشخاص كلمات مثل “يعطي القانون الحق لكل مواطن برعاية صحية جيدة، أو حقّ التعليم الجيد، أو بمستوى معيشي أرقى”، أن هذه الكلمات تحمل القوة التي تحقق النية الكامنة وراءها.
إن الأشخاص الذين يؤمنون بمبادئ السبب والنتيجة لا رغبة لهم بالتحقّق من النية المعلنة في قانون ما، فهم لا يتحققون فقط من نية المُشرِّعين، بل أيضاً من آلية السببية. فكيف يتم إدراك هذه النية؟ وما هو التأثير المحتمل للقانون المُسَنّ من قبل المُشرِّعين؟ إن السؤال عن التأثيرات المحتملة للقانون المُسَنّ من قبل المُشرِّعين هو نفسه السؤال عن الحوافز التي يواجهها الأفراد والجماعات. هل سيأتي القانون بحوافز تعمل على حث الناس على إيجاد رعاية صحية أو مستوى تعليمي أفضل أو مستوى معيشي أرقى؟ إن السؤال عن الحوافز هو نفسه السؤال عن المؤسسات التي تقدم نموذجاً خاصاً لهذه الحوافز.
إن الفرق بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية واضح من صور القمر الصناعي الليلي. إذ يبدو الشمال مظلماً تماماً بينما يتوهج الجنوب بالضوء، ماذا يعني ذلك؟ إن الحوافز لدى الناس تخلق الضوء، ويتم تكوين الحوافز بواسطة المؤسسات.
المؤسسات والتكنولوجيا

لقد تم إثبات أن المحدد طويل الأمد للنمو الاقتصادي ليس ببساطة الاستثمار الرأسمالي؛ أي إضافة آلات أو أبنية أكثر، بل هو نمو وتطبيق المعرفة. كما أشار جويل موكير “إن الاختلافات في المؤسسات هي أفضل في شرح اختلافات مستويات الدخل في المقطع العرضي في اللحظة المعطاة. تستطيع المعرفة أن لا تتأثر—وهي فعلاً لا تتأثر—بالحدود القومية، إن لم تكن دائماً بالسهولة غير الخلافية التي يتخيلها بعض الاقتصاديين. إذا كان السبب الوحيد لكون ألمانيا أغنى من زيمبابوي اليوم هو أن المانيا تملك كمية أكبر مما تستغله من معرفة، عندئذ يمكن إزالة الاختلاف في وقت قصير نسبياً. مع ذلك إذا سُئلنا، لماذا ألمانيا اليوم أغنى منها في عام 1815، عندها لا يمكننا مهاجمة التكنولوجيا على الرغم من أن المؤسسات الفضلى يمكن أن يكون لها أهمية أيضاً.”
ومع ذلك، كما يظهر موكير، فإن نمو التكنولوجيا معتمد بشكل عميق بالمحافظة على المؤسسات الملائمة. تُعتبر بعض المؤسسات ملائمة لنمو المعرفة والتكنولوجيا أكثر من غيرها، وحتى عندما تكون التكنولوجيا متوفرة في الكتب أو الأشكال الأخرى، فإن عدم وجود الحقوق لحماية الملكية يجعلها عديمة الجدوى. ما هو جيد أن التغير نحو المؤسسات الجديدة قد يسمح للدول الفقيرة جداً بزيادة دخلها ورفاهية سكانها من خلال النمو الاقتصادي بسرعة لافتة، وذلك بتبني التكنولوجيا الجاهزة من الدول الأخرى ووضعها قيد الاستعمال الجيد. كما أشار يوهان نوربيرغ “يشير التاريخ أن الاقتصاد يمكن أن ينمو بشكل أسرع بالاعتماد على ازدهار وتكنولوجيا الدول الأخرى. لقد استغرق من انجلترا 58 سنة لمضاعفة ثروتها منذ عام 1780. بعد مائة عام فعلت اليابان الشيء نفسه في خلال 34 سنة، وفي القرن اللاحق استغرق ذلك من كوريا الجنوبية 11 عاماً فقط.” إن الزيادة السريعة في معايير العيش في الدول الفقيرة سابقاً مثل كوريا الجنوبية هو دليل قوي على قدرة المؤسسات العاملة على السماح للناس الفقراء بتخطي مئات من سنوات التنمية البطيئة المتصاعدة التي مرت بها الدول الأخرى والوصول إلى ازدهار استثنائي في وقت قصير نسبياً.
على مقياس أصغر، فإن قفزة العديد من الدول إلى الأجهزة الخلوية عند إزالة الاحتكارات الحكومية يوضح أنه يمكن استيراد التكنولوجيا بشكل سريع عند إنشاء المؤسسات الملائمة، وذلك يسمح بالتقدم السريع في النمو الاقتصادي والعيش الكريم. هذه هي الأخبار الجيدة، لكن يجب تصنيف المؤسسات بشكل ملائم أولاً.
“طوائف الحمولة” مقابل الاستدلال العلمي
لا يمكن للطريقة العلمية مع ذلك أن تتوقف فقط عند استـحضار الكـلمة الســرية “المؤسسات.” يجب على المرء أن يذهب إلى أبعد من ذلك ويتساءل: كم تؤثر المؤسسات في الاختلاف وكيف يكون ذلك؟ أيكون كافياً أن ننسخ ببساطة كل مؤسسات المجتمعات الغنية وأن نعيد إنشائها في المجتمعات الفقيرة؟
إن الجهد لفعل ذلك يذكِّر بـ”طوائف الحمولة” للمحيط الهادئ الجنوبي. حيث وصف الفيزيائي الشهير ريتشارد فينمان ما أطلق عليه “علم طائفة الحمولة” في خطاب التخريج في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا:
“في البحار الجنوبية يوجد طائفة حمولة البضائع من الناس. خلال الحرب رأوا طائرات تهبط مع الكثير من البضائع الجيدة وأرادوا الشيء نفسه أن يحدث الآن، لذلك رتبوا تقليد الأشياء كالطرق ولوضع النيران على جوانب الطرق، ولصنع كوخ خشبي ليقف فيها الشخص مع قطعتين خشبيتين على قمته مثل السماعات وقضيبين من الخيزران مثبتين كالهوائيات—هو المراقب—وانتظروا الطائرات أن تهبط، إنهم يفعلون كل شيء بشكل صحيح. إن الشكل مثالي. إنها تبدو تماماً كما بدت سابقاً لكنها لا تعمل، لم تهبط الطائرات، لذلك سأطلق على هذه الأشياء علم طائفة الحمولة لأنها تتبع الأشكال والمبادئ الظاهرية للبحث العلمي لكنها تفتقد شيئاً أساسياً لأن الطائرات لا تهبط هناك. والآن يتوجب عليَّ بالطبع أن أخبركم ما الذي ينقصهم، لكنه سيكون من الصعب أن أشرح لسكان جزر البحر الجنوبي كيف يتوجب عليهم أن ينظموا الأمور للحصول على ثروة أكثر في نظامهم، إنه ليس بالأمر السهل بأن نخبرهم كيف يطوروا أشكال سماعات الأذن.”
غالباً ما يقوم صانعو السياسة في الدول النامية وبشكل أهم صانعي السياسة في الدول المتقدمة ومنظمات العون الدولية بإخبار الناس في الدول النامية أن يطوروا شكل سماعات الأذن عندهم، فهم يقررون أنه إذا امتلك الفقير المؤسسات التي يتمتع بها الغني اليوم، فهم أيضاً سيكونون أغنياء. أتذكر عندما كنت أعمل في الاتحاد السوفييتي السابق والتقائي بموظفي الحكومة الأمريكية الذين كانوا مشغولين في إعداد نسخة عن هيئة التبادل والسندات المالية للولايات المتحدة الامريكية، حيث كان ذلك متطلب أساسي لوجود سوق رأسمالي فعّال، وعلى الرغم من أنه لم يكن هناك ملكية خاصة بشكل فعلي بعد، إلا أنهم قاموا بتطبيق منطق بسيط ولكن منطوٍ على مغالطة، كما يلي:
‌أ. تمتلك الولايات المتحدة الامريكية هيئة التبادل والسندات المالية؛
‌ب. تمتلك الولايات المتحدة الامريكية سوق رأسمالي عالي التطوير؛ ولذلك
‌ج. تمتلك الولايات المتحدة الامريكية سوق رأسمالي عالي التطوير لأنه فيها هيئة التبادل والسندات المالية؛ ولذلك
‌د. إذا كان على روسيا أن تملك سوقاً رأسمالياً عالي التطوير، فإنها تحتاج أولاً إلى هيئة تبادل وسندات مالية خاصة بها.
في رومانيا مباشرة بعد سقوط تشاوشيسكو بُذلت جهود كبيرة لإنشاء أنظمة تجارية محوسبة لسوق مالي لم يوجد بعد. وقد تروى قصص متشابهة عن المحاولة لنسخ الانماط الخارجية—شكل سماعات الأذن—للنظم البنكية والمالية، وقانون التنافسية، ومؤسسات أخرى، تلك أمثلة على “صناعة سياسة طائفة الحمولة.” إذا قمت بإنشاء هيئة التبادل والسندات المالية أو نظام محطات تجارة محوسبة، فإن تجّار البورصة، ورجال الأعمال وأصحاب المبادرة، والرأسماليين سوف يرون تلك الأنظمة على أنها معلّقة فوق الرؤوس وسوف يقررون الهبوط، مخدوعين من قِبل الشرك الذكي المصمم من قبل صانعي السياسة.
بالكاد يكون نموذج طائفة الحمولة للتنمية الاقتصادية شيءً جديداً. في الحقيقة، أحد الأمثلة الأكثر شؤماً لتلك العقلية أُعطي من قبل في. أي. لينين على المؤسسة المعنية للتجربة الاشتراكية. كما أشار لينين، فإن إدارة المصانع سهلة: “يصبح كل المواطنين موظفين وعمال لولاية (نقابة) البلاد الواحدة. كل ما هو مطلوب أن يعملوا بشكل متكافئ، وأن يقوموا بما مطلوب منهم عمله، وأن يتم الدفع لهم بالتساوي. ولهذا فقد تم تبسيط المحاسبة والسيطرة الضرورية من قبل الرأسمالية للحد الأقصى وتم تخفيضها للعمليات البسيطة بشكل استثنائي—والتي يستطيع أي شخص متعلم انجازها—من الإشراف والتسجيل، ومعرفة قواعد علم الحساب الاربعة، وحتى اصدار وصولات ملائمة.” ما الذي يمكن أن يكون أبسط؟ لقد نظر بحرص لينين ورفاقه إلى الشركات الرأسمالية كما نظر الميلانيزي في العصر الحجري إلى الطرق وأبراج المراقبة. وعرفوا ما وجب عمله وقد أدوه، مع الحصول على نفس النتيجة.
إذا أقبل شخص على إقامة مقارنات، في أية قضية، فإنه من الأفضل أن ينظر، ليس إلى ما تملكه الدول الغنية اليوم، ولكن إلى ما طورته خلال فترة تحولها من بلاد نامية إلى بلاد متطورة. إن الأمر ليس فيما تملكه البلدان الغنية من مؤسسات اليوم، عندما تكون غنية وقادرة على تحمّل السياسات غير الفعالة، ولكن فيما ملكته من مبرر لتطورها.
في 1992 نبّه ميلتون فريدمان الجــمهور في مــؤتمر كـهذا في مدينة مكسيكو “إن الولايات المتحدة ليست النموذج لمدينة مكسيكو، أو أي من تلك البلاد. كنموذج لكَ، خذ الولايات المتحدة في السنوات المائة والخمسين الأولى.” في السنوات الأخيرة، كما أشار فريدمان، كان هنالك عدد كبير من المؤسسات غير الفعالة التي تم إنشاؤها في الولايات المتحدة والتي خفضت النمو الاقتصادي أقل مما كان عليه، ولكن—على الرغم من ذلك—كان من الممكن تحمّلها من قبل دولة غنية جداً. “نستطيع تحمل كلامنا التافه لأنه ولفترة طويلة كان لدينا وقت لبناء قاعدة، لذا كان باستطاعتنا تحمل الهدر.” دعونا نطبق استنتاج فريدمان من خلال النظر إلى البلاغات الحالية للسلطة التنظيمية في الولايات المتحدة الأمريكية. في عام 2002 عبأت هذه البلاغات 75606 صفحة من السجل الفيدرالي وكلفت الأمريكيين 860 بليون دولار كفرص ضائعة للثروة و25 بليون دولار في النفقات الإدارية، والتكلفة المجتمعة 885 بليون دولار. بالمقابل، فإن جميع الأرباح ما قبل الضريبة على الشركات الأمريكية مجتمعة في تلك السنة وصلت إلى 699 بليون دولار، أو 186 بليون دولار أقل من تكلفة الأنظمة. إن الدولة الأفقر—وبالأخص تلك التي على الحد الأدنى من البقاء—ستشعر مباشرةً بتكلفة تلك الأنظمة المعقدة. إن مؤسسات تنظيمية كهذه، على الرغم من أنها تتواجد مع ثروة حقيقية، قد تكون مسببة لكارثة في البلدان الفقيرة التي قد لا تحتمل المصاريف الهائلة اللازمة للاستجابة لتلك الأنظمة. أشار البنك الدولي مؤخراً أنه “لكي يكون للأساليب التنظيمية في الدول النامية فرصة واقعية للنجاح، عليها أن تكون أبسط، وبالغالب أقل كثافة في المعلومات، وأقل عبئاً على المحاكم.” كان على البنك الدولي أيضاً أن يضيف أن معياراً كهذا قد يكون مرحباً به في الدول الغنية.[3]
نسخ أكثر لن يجدي
مثال آخر على صناعة سياسة طائفة الحمولة هو المحاولة لنسخ قواعد رأس المال الأمريكية كقاعدة للنظام الصناعي في الدول النامية. تملك أمريكا نظاماً واسعاً لملكية الأسهم، بوجود خمسين بالمائة من العائلات الأمريكية تملك أسهماً في شركات تجارية عامة. ولكن كما أشار روبرت أنديرسون، الموظف السابق في البنك الدولي، إن ملكية الأسهم المعقودة بشكل واسع ليس شرطاً ضرورياً للنمو الاقتصادي. “ضمن الشركات الكبرى العامة، لم تكن النسب للأسهم المتعاقد عليها بشكل واسع عالية إلا في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة واليابان. وكانت النسبة في هذه الدول الثلاث 80-100% أما في البلدان الأخرى فكانت الحصص أصغر، فمثلاً، كانت 60% في كندا وسويسرا وفرنسا؛ و50% في ألمانيا؛ و10% أو أقل في هونغ كونغ والنمسا وبلجيكا واليونان.” بالكاد تكون بلجيكا من بلدان العالم الثالث، على الرغم من حقيقة أن اقتصادها يملك قاعدة رأسمالية تختلف بشكل كبير عن تلك في الولايات المتحدة الأمريكية. في البلدان التي تفتقر لنظم النموذج الأمريكي القانونية والرقابية، فإن قواعد النموذج الأمريكي الرأسمالي ليست إلا دعوة لنزاع ما بين الإداريين ومالكي الأسهم، وبين أصناف مختلفة من مالكي الأسهم (ومن الواجب الإشارة إلى أن نزاعات كهذه توجد في الولايات المتحدة الأمريكية أيضاً، وهي متفاقمة بشكل إجمالي باختلال “قواعد عدم الاستيلاء” وقواعد الضرائب المعقدة، والتي تجعل من الصعب على المستثمرين تتبّع سلوك الإداريين.)
ما يهم، ليس ما إذا كان شكل سماعات الأذن بنفس الشكل التي في الولايات المتحدة، ولكن ما إذا كانت تولّد الثروة والحرية. وذلك يتطلب الانتباه إلى أنماط السبب والأثر، والقيود التي تحيط بتنفيذ الإجراءات والقوانين. إننا لا نستطيع تجنب مشكلة تحديد السبب والنتيجة.[4]
الأنظمة المتطورة تحتاج إلى قوانين بسيطة
هناك علاقة سببية واحدة طبقت بشكل جيد، وهي أن بساطة القوانين والمؤسسات تؤدي إلى زيادة تطور الأنظمة، وعلى سبيل المثال، إذا كان سهلاً على الناس الحصول على ملكية قانونية للأرض، يمكن لهم أن يخلقوا أنظمة اقتصادية واجتماعية متطورة. وقد أوثق هيرناندو دي سوتو على تعقيدات القوانين والتي يجب اتباعها من أجل الحصول على ملكية قانونية للأرض في عدة دول: تأخذ تلك الإجراءات في الفلبين “168 خطوة تتضمن مراجعة 53 مؤسسة خاصة وعامة، وتأخذ من 13-25 سنة لإكمالها”، وفي مصر تتضمن العملية “75 إجراءاً بيروقراطياً على الأقل بعد مراجعة 31 مؤسسة خاصة وعامة، وتأخذ من 5-14 سنة لانجازها”. والاختلافات مع الدول الغنية مثل كندا أو ألمانيا أو اليابان لا يمكن أن تكون أوضح من ذلك. الابتكارات التكنولوجية مثل تسجيل الانترنت، يمكن أن تساعد، ولكنها ليست بديلاً عن الحاجة للتخلص من التعقيد البيروقراطي الزائد.[5] إن الإجراءات المعقدة والمكلفة، هي غالباً ناتجة (أو على الأقل مصونة) عن الفرصة لخلق أو دعم الوظائف الحكومية، أو لإنتاج دخل قانوني إضافي لموظفي الحكومة.
الحصول على المُلكية من خلال الاحتلال ونقل الملكية من خلال البيع هي ليست أنظمة المُلكية الوحيدة الموضوعة بتعقيد غير ضروري من قبل المؤسسات التي صممت بشكل سيء من منظور غالبية السكان، ولكنه مصمم بشكل جيد من منظور مجموعات قليلة من أصحاب امتيازات الاحتكار. وفي بعض البلدان فإن انتقال المُلكية من خلال الوراثة معقد جداً ولكن في حالات أخرى، يعتبر بسيط جداً، الاختلاف هو مؤسسي، على سبيل المثال تعلمت من خلال رحلتي إلى جواتيمالا بأن المهنة القانونية في ذلك البلد عبارة عن احتكار في اجراء الوصايات، وعلى المحامي أن يُشغل في إنشاء وصية قانونية شرعية. والنتيجة هي فقط نسبة ضئيلة من السكان—النخبة الغنية—تستمتع بحماية العهود القانونية سارية المفعول. وبالتناقض، وبالانتظار لرحلة إلى بغداد، راجعت مؤخراً وصيتي باستخدامي برنامج حاسوب تجاري ويطلق عليه “صانع الوصية”. إن لم يتوفر لي حاسوب لكان باستطاعتي أن أشتري نموذجاً مبسطاً من أحد المراكز لأقل من دولار. أمليت الطلبات ووقعتها أمام ثلاثة شهود وهم وقعوا أيضاً، وكانت النتيجة وصية شرعية. وعاقبة ذاك الاختلاف هو أينما وضعت اجراءات التركة بكل تعقيد من قبل تلك الاحتكارات، استهلك أعضاء العائلة نسبة أعلى من صراع التركة على توزيعها أكثر من الحالة في الدول حيث تكون إجراءات الميراث بسيطة ومتوفرة للجميع.
هنالك أيضاً رابط قوي ما بين بلاء الفساد الحكومي ومدى التدخل الحكومي في السوق. فكلما زادت العوائق التي تفرضها الدولة في وجه رغبة المستهلكين والبائعين، على سبيل المثال، فإن الفرص تزداد للبيروقراطيين لانتزاع الرسوم والضرائب.
إن الدرس لمثل هذه التجارب واضح: القوانين والإجراءات التي تحكم التعاملات تحتاج إلى أن تكون بسيطة وفعالة. يمكن للحكومات أن تساعد في تبسيط القوانين من خلال التركيز على وضع قوانين أساسية من الإجراءات، ولكن ليس من خلال ضمان النتائج. القوانين التي تحكم الابلاغات التي تلح على العدالة والنزاهة في النتائج—بدلاً من بساطة الإجراء—لا بد من فشلها في ضمان العدالة أو البساطة.
الأسواق بحاجة إلى التنظيم وليس التدخل
إن النظام الموسع للمجتمع الحر يستند على ما أسماه فريدريك هايك “نظام الأعمال”. كما قال هايك: “إذا كانت الأعمال المنفصلة للأفراد تُنتِج نظاماً عاماً، فالمطلوب هو ليس أنه من غيرالضروري فقط أن يتدخلوا في شؤون بعضهم البعض، ولكن أيضاً مع تلك التقديرات والتي فيها نجاح العمل للأفراد يعتمد على أعمال مشتركة ما بين الآخرين، وسيكون هناك على الأقل فرصة جيدة بأن هذا التوافق سيظهر فعلاً.” وما نحتاجه هو نظام قد يعمل على جعل التعاملات منتظمة من خلال الاعتماد على قواعد وإجراءات بسيطة ومباشرة.
وما يسمى حالياً بـ”التنظيم” هو بالضبط لا يعتبر تنظيماً بالمرة، ولكن هو نظام اعتباطي، متقلب، وغير متوقع بتدخلاته، وبمشرِّعين أو بيروقراطيين مفوضين بتغيير القوانين كما ومتى أرادوا، وبفرض بلاغات وأوامر معقدة وباهظة وغير متوقعة على أفراد السوق. فلا فائدة من التعبير “القوانين” إذا كان لوصف شيء غير متوقع ومتغير كثيراً. وصف جميس ماديسون، المؤلف الرئيس لدستور الولايات المتحدة، مخاطر السماح للمشرِّعين أو البيروقراطيين بالتفرد في مثل هذه السلطة الاعتباطية، كما هي حالياً مطبقة تحت اسم “التنظيم”:
“مازالت التأثيرات الداخلية للسياسات المتقلبة أكثر مأساوية. فهي تسمم نعمة الحرية نفسها. فلو كانت القوانين كثيرة جداً بحيث لن يكون هناك وقت لقراءتها، أو إذا كانت مشوشة ومبهمة جداً بحيث لا يمكن فهمها، فإنه سيكون هناك فائدة أقل للأشخاص عند وضع القوانين بواسطة رجال يقومون هم باختيارهم. وإذا تم إلغاء هذه القوانين أو تعديلها قبل أن يتم نشرها، أو إذا مرت في سلسلة تغيرات متواصلة بحيث لا يستطيع أي مرء يعرف القانون اليوم أن يخمن ما سيكون عليه في المستقبل. فالقانون يُعرَف على أنه قاعدة عمل، ولكن كيف يكون هذا القانون قاعدة إذا كان يُعرَف ويُثبَّت بشكل أقل؟ التأثير الآخر لعدم استقرار السياسة العامة هو الفائدة غير المعقولة التي يعطيها لطبقة الأذكياء، والمغامرين، والأثرياء أكثر من طبقة العمال ومعظم الجماهير والذين لا تتوفر لهم المعلومات. يقدم كل تنظيم جديد يخص التجارة أو العوائد المالية، أو في أي حالة تؤثر على قيمة أنواع المُلكية المختلفة، يقدم ثمرة الجهد للأشخاص الذين يراقبون التغيير ويستطيعون تتبع نتائجها، وثمرة الجهد هذه لم تنشأ بجهودهم ولكن بكدح وتعب تلك الأعداد الضخمة لزملائهم المواطنين. هذه حالة الأشياء التي يمكن القول عنها كحقيقة نوعاً ما، أن القوانين صُنعت للأقلية وليس للأكثرية.”
لا يعد فقط ما يسمى بالسلطة التنظيمية الحديثة غير منتجة للتنظيم الفعلي، ولكن يمكن توفير الأنظمة بشكل فعال عن طريق المؤسسات الطوعية مثل مكاتب الاعتماد وشهادة الجودة والتقرير المالي ومقاييس الأداء والمكاتب الأخرى المشابهة. وتوفر هذه الأساليب التنظيمية غير الحكومية درجة عالية من قابلية التنبؤ. ولكونها تنافسية ولا تستطيع أن تتحكم بفرض الاحتكارات القسرية عند وضع الأنظمة، فإنها تستطيع على الرغم من ذلك أن تتبلور في الاستجابة للمتغيرات في التكنولوجيا واحتياجات السوق.
خاتمة
يهتم الليبراليون بالمؤسسات أكثر من غيرهم في أي تيار سياسي آخر، فهم يشددون على تطبيق المبادئ العلمية في العلاقات الاجتماعية أكثر من التفكير الخيالي، ولذلك فهم يركزون على الحوافز والتي تعني بأنهم مهتمون بشكل معمق في بناء ونشوء المؤسسات. ويتطلب ذلك أكثر من السببية المنطقية وراء الكثير من محاولات نسخ المؤسسات القائمة في المجتمعات الغنية، التي تقوم دون السؤال سواء كان ثراء هذه المجتمعات ناتجاً بواسطة هذه المؤسسات، أو المؤسسات—مهما كانت عدم فعاليتها—ممكنة بسبب الثراء السابق لهذه المجتمعات، الثراء الذي كان نتيجة مؤسسات أخرى مجتمعة. وتحتاج المجتمعات المتحررة والغنية إلى قوانين بسيطة وقابلة لأن يُتنبأ بها. وتستطيع الحكومة ذات السلطة المحدودة تزويد إطار العمل الأساسي للقوانين التي تجعل التعقيدات الاجتماعية ممكنة. ويفهم التنظيم على أنه القوانين والمبادئ التي تجعل التبادلات منتظمة، ويجب تمييزه عن تفويض المشرعين والبيروقراطيين لسلطة تغيير القوانين بشكل عشوائي وعرض إرادتهم على الآخرين من خلال المراسيم والأوامر. ويمكن توفير مثل هذا التنظيم بواسطة المؤسسات الحكومية الرسمية القانونية، والتي تتضمن الهيئة التشريعية ومحاكم القانون، أو بواسطة المؤسسات الطوعية للمجتمع المدني مثل مكاتب الاعتماد ومؤسسات تحديد المعايير. تعد الحركة الليبرالية فلسفة الحرية والقانون والازدهار. وهي أيضاً فلسفة مؤسسات القانون—أي لحكومة ذات سلطة محدودة—التي تنشئ الإطار الذي من خلاله نمارس الحرية، ومن خلال هذه الحرية يكوّن الأشخاص الثروة والازدهار العام.
حُضّرت هذه الورقة من أجل “البرنامج الليبرالي للقرن الجديد: وجهة نظر عالمية” وهو مؤتمر مدعوم بالاشتراك بين معهد كيتو ومعهد التحليل الاقتصادي والاتحاد الروسي للصناعيين وأصحاب المبادرة، 8-9 نيسان 2004، موسكو، الاتحاد الروسي الفيدرالي.
ملاحظات:
[1] إقرأ “البنية والتغير في التاريخ الاقتصادي” لدوغلاس نورث (نيويورك: شركة دبليو دبليو نورتون، 1981)، وبالأخص الفصل الخامس عشر: “المؤسسات عبارة عن مجموعة من القوانين وإجراءات الالتزام والأعراف الأخلاقية والسلوكية والتي تُكوَّن للحد من سلوك الفرد وذلك من أجل الرفع من المصلحة أو المنفعة أو الثروة.”
[2] “المؤسسات توفّر بنية من الحوافز للاقتصاد؛ وعند نشوء هذه البنية فإنها توجه التغير الاقتصادي نحو النمو أو الركود أو الهبوط.” دوغلاس نورث في “المؤسسات”.
[3] إقرأ ريتشارد إبستين “قوانين بسيطة لعالم معقد” (كيمبريدج، ماساتشوستس: مطبعة جامعة هارفرد، 1995)، صفحة 21: “يتوجب أن يكون الرد الصحيح للمجتمعات الأكثر تعقيداً في اعتماده الكبير على قوانين بسيطة، وذلك يشمل القوانين القديمة التي طالما يتم إهمالها كبقايا من العصور القديمة الزائلة.”
[4] كمثال جيد عن وصف السببية، إقرأ دارون أسيموغلو وسيمون جونسون و جيمس إيه. روبنسون “قصة نجاح إفريقية: بوتسوانا” 11 تموز 2001، حيث أشار الكتّاب، في بوتسوانا: “إن النظام الأساسي للقانون والعقود نجح بشكل معقول. فقد قل نسبياً النهب الحكومي والخاص. ولم تُحدث العوائد الكبيرة من الماس عدم استقرار سياسي محلي أو نزاعاً على التحكم بذلك المصدر… نرى أن السياسات الاقتصادية الجيدة لبوتسوانا، ونتيجة لذلك نجاحاتها الاقتصادية، تعكس مؤسساتها، أي ما نسميه مؤسسات الملكية الخاصة والتي تحمي حقوق الملكية للمستثمرين الحقيقيين والمحتَملين، وتوفر الاستقرار السياسي، وتضمن تقييد النخبة السياسية من خلال النظام السياسي ومشاركة كافة أطياف المجتمع.”
[5] في بعض الحالات، قد تساعد التكنولوجيا على تبسيط الإجراءات، كما هو الحال في أندهرا براديش في الهند حيث قلّصت الحوسبة الوقت المطلوب لتسجيل تغيير ملكية الأرض من عشرة أيام إلى ساعة واحدة، ولكن ببساطة وفي معظم الحالات يبقى التخلص من عدد الهيئات المعنية والتصاريح المطلوبة خطوة أكثر فائدة.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 23 كانون الثاني 2006.

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018