أسباب التخلف الاقتصادي

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

بات الممر المائي الهام في البحر الأحمر منطقة حساسة تتلاقى عبرها مصالح خطوط التجارة لقارات العالم القديم (آسيا- أفريقيا- أوروبا) و فوق ذلك ساحةً للبارجات والسفن العسكرية للدول النافذة في العالم، ووجود هذا العدد المتزايد من القطع العسكرية الأجنبية له تأثير خطير على الأمن الإستراتيجي للجزيرة العربية والقرن الأفريقي اللتان تتقاطع مصالحهما في هذه المساحة من العالم. وعلى اعتبار أن مضيق باب المندب يربط بين ثلاث قارات، ويزداد الاهتمام العالمي به منذ القديم، وخصوصاً بعد حفر قناة السويس عام 1869 ثم ظهور البترول وتزايد التجارة العالمية، ثم يأتي المستطيل البحري الممتد من خليج عدن والواصل إلى شواطئ جيبوتي في الأهمية التالية، ومع هذا التفاوت في الأهمية إلا أن منطقة البحر الأحمر الجنوبي برمتها تظل محل تطلع عالمي.
وأنتقل تحديداً إلى جنوب البحر الأحمر المتحكمة في مضيقه –باب المندب- اليمن وجيبوتي وإلى حد ما الصومال، والمعروف أن اليمن والصومال هما صاحبتا أكبر إطلالة مباشرة على المياه الإقليمية في خليج عدن، ويمتلكان سواحل بحرية طويلة؛ فلليمن 2800 كلم على البحر الأحمر والعربي والصومال 3500 كلم على البحر الأحمر والمحيط الهندي. وتمضي الأهمية الجيوسياسية لمنطقة جنوب البحر الأحمر إلى تأكيد أهمية كلاً من اليمن والصومال اللتان يرتفع لديهما مؤشر التهديد كلما ازدادت احتمالات العسكرة الأجنبية في البحر الأحمر، وبالتالي فإن اليمن يصبح في صدارة الاستهداف كون الصومال غارق في الفوضى منذ العام 1991، الأمر الذي يضع كثيراً من التكهنات والاستفسارات عن ثمة أحداث دراماتيكية قادمة تضع هذا المستطيل البحري في صدارة الأحداث.
وتصير الجزيرة العربية والقرن الأفريقي هما الشق الآخر المتأثر مما يجري لدى اليمن والصومال، فاليمن يقع في الكفة الجنوبية من الجزيرة العربية وبالتالي فهو الحامي الجنوبي للخليج العربي بعد تدمير العراق الحامي الشمالي وما يجري في الصومال سينتقل بتأثيره إلى البقية في القرن الأفريقي، في حين أن الأحداث المكوكية –عمليات القرصنة- في السواحل اليمنية والصومالية سيتجاوز الجزيرة والقرن الأفريقي إلى التجارة الدولية المستفيدة من سلامة الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وسلامة آبار النفط في الجزيرة والقرن الأفريقي، ويأتي تكهن أساسي أن التجاهل الدولي للحرب الأهلية في الصومال ثم عمليات القرصنة الناتجة عن الفوضى الصومالية مفاده إيجاد مبرر لفرض وجود عسكري أجنبي في البحر الأحمر –وهو بحر عربي- يكون له ما بعده، حيث ستكون المنطقة برمتها عرضة مباشرة للإملاءات والسيناريوهات القادمة من الدول النافذة التي يروق لها انتقاص –أو انتفاء- السيادة العربية –خصوصاً اليمنية- على مياه وجزر البحر الأحمر.
واليمن منذ وقت باكر كان يدعو إلى جهود جماعية تقف على ما يجري في جنوب البحر الأحمر، واستدعت دواعي الحرص على الأمن والسلم اللذين يتوجب توفرهما في البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى جهود يمنية حثيثة كانت وراء ميلاد تجمع صنعاء بإيجاب وتعاون سوداني أثيوبي عام 2002 يدعو ميثاقه التأسيسي إلى انضمام دول جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي، حيث وصل المشاركون خمسة دول (اليمن، السودان، إثيوبيا، الصومال، جيبوتي) في القمة الأخيرة في كانون الأول/ ديسمبر الماضي بالعاصمة السودانية الخرطوم. واليمن عموماً -بغض النظر عن ما يمكن أن يقدمه له تجمع صنعاء أم لا- كانت عرضة لتأثر والتأثير بما جرى من أزمات وتوترات في هذا الجزء من العالم، يمكن وصفها في التالي:
أولاً: الحرب التي دارت بين إثيوبيا وإريتريا من العام 1998 إلى العام 2000 وإثره توصل الطرفان (الاريتري- الأثيوبي) إلى قرار يرسم الحدود بينهما بناءاً على توصيات لجنة مستقلة لترسيم الحدود بينهما في العام 2002..
ثانياًُ: النزاع اليمني الإريتري في العام 1995م بشأن أرخبيل جزر حنيش الإستراتيجي الواقع على البحر الأحمر، وقد حسمت محكمة لاهاي النزاع بين الطرفين بأحقية اليمن لجزرها التاريخية.
ثالثاً: القضية الصومالية التي ابتدأت بحالة انتهاء الدولة منذ العام 1991 ومروراً بحكم الإسلاميين وانتهاء بالغزو الأثيوبي المنسحب مؤخراً.
وجراء تلك الأحداث كانت الأراضي اليمنية تستقبل موجات من النازحين من البلدان الثلاثة –الصومال واثيوبيا واريتريا- وخصوصاً اللاجئين الصوماليين الذين تجاوزت أعدادهم الستمائة لاجئ صومالي.
ناهيك عن أن الفوضى الصومالية قد أسفرت عن ظاهرة القراصنة التي تركت للتداعي، الأمر الذي يفتح المجال للتكهن عن وجود أجندات خارجية تقف وراء التزايد والاتساع الملفت لعمليات القرصنة التي قد تجاوزت البحر الأحمر إلى المحيط الهندي وسواحل كينيا والسواحل اليمنية في البحر العربي. ويحذر معهد “شاتام هاوس” في اكتوبر 2008 بأنه لابد من التعامل مع القراصنة، إذ أن انعكاسات ارتفاع التكلفة ستؤدي بالسفن إلى تجنب الإبحار في خليج عدن لتسلك الطريق الأطول عبر أوروبا وأميركا الشمالية ورأس الرجاء الصالح.
ويفضي القلق والتساؤل المتراكم منذ دخول منطقة القرن الأفريقي وجنوب البحر الأحمر في حلقة أحداث أمنية ومواجهات عسكرية وأخيراً عمليات القرصنة التي أسفرت عن تداعي عشرة دول أوروبية في حلف الأطلسي لإرسال قواتها البحرية لمواجهة القراصنة إلى القول بأن مخاوف اليمن القديمة بخصوص مايجري في المنطقة كانت طبيعية. فقد كرراليمن نداءاته لأميركا والعالم الغربي (وحتى العالم العربي والخليجي تحديداً) بضرورة مكافحة القرصنة ومنذ وقت باكر، ناهيك عن تأكيداتها منذ سنوات الفوضى الصومالية الباكرة أن ذلك سيخلف تداعيات وانعكاسات على المنطقة برمتها.

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

في غرفة الإجتماعات الملحقة بمكتب رئيس المخابرات الأمريكية كانت جميع المقاعد حول المائدة البيضاوية مشغولة بعددٍ من كبار رجال الوكالة وعددٍ آخر من أكبر الشخصيات البترولية التي جاءت على طائراتٍ خاصة من ولايتي تكساس وكاليفورنيا للمشاركة في هذا الإجتماع الهام والذي بدأ في موعده تماماً عندما لحق بالمجتمعين رئيس الوكالة.
بدأ الإجتماع بمقدمة ملخصة عن أسعار البترول وعلاقاتها بالأحداث السياسية الكبيرة والهزات النفسية في العالم منذ الصدمةِ البترولية الكبرى التي جاءت كنتيجةٍ لنقص الإمدادات في أواخرِ 1973 وطيلة سنة 1974. جاء إستعراض موجات إرتفاع وإنخفاض الأسعار وخلفيات ذلك السياسية والنفسية موجزاً وعلى أعلى المستويات.
بعد هذا العرض المبدئي الموجز ، أخذ رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في الإستماع لوجهة نظر كل من الحاضرين ولكن قرب النهاية كان واضحاً أن أكثر ما نال إعجابه هو عرضٍ موجز لرئيس شركة بترول عالمية كبرى عندما قال: “خلال السنوات الثلاثين الماضية إنتقلت مجموعة الأوبك من تزويد العالم بثلثي إحتياجاته في مرحلةٍ ثم بنصف إحتياجاته في مرحلةٍ تالية والآن فإن مجموعة الأوبك لا تزود العالم إلاِّ بثلث إحتياجاته من البترول الخام فقط. رغم هذه الحقيقة الكبيرة والتي ترجع لخططٍ دقيقة وُضعت لجعل إنتاج الدول غير الأعضاء بالأوبك (اليوم) ضعف إنتاج دول الأوبك .. وذلك بتكثيف عمليات البحث في غرب إفريقيا وتنمية حقول جمهوريات آسيا الوسطى وغير ذلك .. رغم هذا العامل المهم ورغم زيادة الإعتماد على الغاز الطبيعي في مجالاتٍ عديدةٍ ورغم وجود تقنية حديثة تسمح بإستخلاص وقود وسائل النقل من الغاز وليس من زيت البترول الخام .. رغم كل ذلك فلا تزال أسعار البترول عُرضة للإرتفاع أو الإنخفاض الشديدين ليس أساساً بسبب المتغيرات التي تطرأ على مستوى الطلب وإنما في المقام الأول بسبب عوامل نفسية تتعلق بإحتمالات تعرض مصادر الإمدادات البترولية للخطر. إذاً لو بقينا نعمل في نفس الإتجاهات كما فعلنا منذ الصدمة الكبرى من ثلاثين سنة ، فلن يفيدنا ذلك كثيراً. المطلوب الآن إجراء جديد وهو في وجهة نظري وجود منتج ثاني لا مثيل له إلى جانب المنتج الكبير الأوحد الذي لا مثيل له اليوم. إننا نسمي السعودية منذ ثلاثين سنة Swing Producer أي المنتج الوحيد الذي يستطيع أن يجلس على (المرجيحة) فيغير توازنها. طالما بقى هذا المنتج (بضمة فوق الميم وسكون فوق النون وكسرة تحت التاء) الوحيد بمفرده فستبقى أمور أسعار البترول على نفس الحالة: إرتفاعات مهولة نتيجة مخاوف حقيقية من تعرض مصادر زيت البترول الخام لما يمكن أن يجعلها معطلة أو شبه معطلة)”.
ثم أضاف نفس المتحدث: “والآن بالذات فإن السعودية تشهد قلاقلٍ كبيرة بسبب ما أسميه حرب النظام مع الجناح المتطرف من الثقافة الوهابية والتي هي في الأساس قاعدة شرعية النظام. وليس من المستبعد أن تزداد القلاقل وتحدث هجمات على الحقول أو وسائل التخزين أو خطوط الأنابيب أو تسهيلات الشحن مما يعرض العالم بأسره لهزةٍ عظمى. إن إحتياجات العالم اليوم من زيت البترول الخام هي ما بين 70 و74 مليون برميل يومياً .. وتنتج دول الأوبك ثلث هذا الحجم المطلوب .. وتنتج السعودية وحدها ثلث مجمل إنتاج مجموعة الأوبك. وإذا كانت السعودية تنتج ما بين 8 و9 مليون برميل في اليوم فإن معظم دول الأوبك تنتج ما بين 1 و3 مليون برميل يومياً .. أي أن هناك هوة شاسعة بين الدولة التي تحتل المرتبة الثانية (إيران) والدولة التي تحتل المرتبة الأولى (السعودية). وهذا هو مصدر مصطلح Swing Producer”.
وأنهى المتحدث الذي كان واضحاً أنه حاز الإعجاب الشديد لرئيس وكالة الإستخبارات الأمريكية كلامه قائلاً: “إن أمامنا اليوم فرصة تاريخية وهي أن نصل بإنتاج العراق خلال خمس سنوات إلى أكثر من 6 مليون برميل يومياً فيصبح في العالم لأول مرة منتج كبير ثاني Second Swing Producer يستطيع أن يعوض إحتياجات العالم إذا تعرضت الإمدادات الواردة من السعودية للتوقف بسبب عدم الإستقرار.
رفع رئيس المخابرات الأمريكية رأسه وسأل الحاضرين: “هل من الناحية التقنية تستطيع إحتياطيات العراق إنتاج 5 أو 6 مليون برميل يومياً؟” فأجاب الحاضرون في نفس واحد: “بكل تأكيد”. أما المتحدث الذي كان قد نال إعجاب رئيس الوكالة فقد أضاف: “نعم وبكل تأكيد من الناحية الفنية وبشرط أن تكون الإعتبارات السياسية والأمنية لا تعوق ذلك”. عندئذٍ أثار أحد الحاضرين سؤالاً هاماً: “إن تحقيق ذلك يحتاج لمدة من ثلاث إلى خمس سنوات .. فما العمل إذا إنهارت الأوضاع الأمنية في السعودية وتسبب ذلك في كارثة قبل أن تصبح العراق ذلك المنتج الذي سميناه Second Swing Producer أي المنتج الأكبر الثاني؟”. توجهت عيون الحاضرين إلى وجه وعيني رئيس الوكالة الذي لم يجب وإنما إستدار بوجهه وعينيه ناحية مساعد وزير الدفاع والذي كان حاضراً الإجتماع … وكانت النظرة كافية للدلالة على ما في رأسه!!!
وقبل نهاية الإجتماع ، أثار أحد الحاضرين من الوكالة سؤالاً كان يدور بذهن كثيرين من الحاضرين: “وهل للسعودية دور في تجنبِ حدوثِ كارثة المدى القصير (أي إنخفاض إمدادات البترول من السعودية بسبب تدهور الأحوال الأمنية وهي كارثة بالنسبة للعالم) .. وكذلك كارثة المدى الطويل (وهي إنخفاض صادرات البترول السعودية وعدم إهتمام العالم بذلك لوجود بديل وهو العراق وهو ما يعني إنهيار الإقتصاد السعودي تماماً)؟!” .
أجاب عن هذا السؤال أحد الحاضرين وهو باحث مرموق بأحد مراكز البحوث قائلاً: “من الناحية النظرية تملك السعودية الحل على المدى القصير والمتوسط والطويل وهو إقدامها على طلاق كامل مع الفكر الوهابي وسند هذا الفكر وتغيير المرجعية الدينية إلى مختارات معتدلة من كافة المذاهب الإسلامية وإلقاء الإتفاق الذي تم في القرن الثامن عشر بين آل سعود وآل الشيخ في متحفِ التاريخ. عندئذٍ فقط سيكون هناك حل وبمبادرةٍ سعوديةٍ – ولا تسألوني عن إحتمالية حدوث ذلك .. فأنا ببساطةٍ لا أعرف.
هل حدث هذا الإجتماع؟ … وهل دار هذا الحوار؟ … أم إنه مجرد حلمٍ في غفوة؟ … الحقيقة أنه لم يحدث … أو على الأقل أنه ليس لي علم بحدوثه … ولكنني سأكون مندهشاً بل ومذهولاً إن لم يكن ما رأيته أمام عيني كحلمٍ عابر قد حدث وبنفس الكيفية.
منذ مائة سنة تصارعت أجهزة المخابرات الدولية بسبب البترول على المنطقة التي أصبح أسمها بعد ذلك المملكة العربية السعودية .. وكان من المنطقي أن يُعلن عن اكتشاف البترول بعد أربع سنوات فقط من تكوين المملكة بشكلها الحالي … فما الذي يمنع أجهزة المخابرات الكبرى أن تهتم بنفس المنطقة ولنفس الأسباب اليوم؟
© منبر الحرية، 19 أبريل 2009

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

يعتبر الانفاق العسكري احد اهم جوانب الاقتصادات الدفاعية في العالم، وقد تراوحت نسب النفقات الدفاعية لدول الشرق الاوسط وشمال افريقيا ما بين 5.26 % و 7.73 % من اجمالي الناتج المحلي خلال السنوات العشرة الممتدة ما بين عام 1997 حتى عام 2006 ؛ وذلك حسب الاحصائيات المنشورة في عدد من المراجع الدفاعية العالمية المعتمدة في هذا المجال. وقد كان أقصى ارتفاع للنفقات الدفاعية لتلك الدول قد تحقق خلال عام 1997 في حين وصلت الى ادنى مستوى لها في عام 2006.
ومن الجدير بالذكر أن منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا ؛ تشمل – حسب تصنيفات المراجع الدفاعية العالمية بالاضافة الى الدول العربية ؛ كلاً من اسرائيل وايران.
وقد كان لارتفاع اسعار النفط خلال عامي 2007 و 2008 بعض التأثيرات المباشرة على اقتصادات الدفاع ؛ حيث وفرت الزيادات في اجمالي الناتج المحلي مساحةً من الحرية الحكومية لبعض الدول للتوسع النسبي في الشؤون الدفاعية و مشاريع تطوير القوات المسلحة من حيث التسليح والتجهيز والاعداد والتدريب، ما زاد من وتيرة النفقات الدفاعية وتعزيز الميزانيات الدفاعية السنوية المخصصة للقوات المسلحة والاجهزة الامنية ؛ ومن بينها بطبيعة الحال القوات شبه العسكرية، والتي يُطلق عليها أحياناً قوات الشرطة والامن العام والدرك ؛ والاجهزة الامنية وكل ما يتبع لوزارات الدفاع والداخلية من وحدات وتشكيلات مسلحة.في حين بقيت بعض الدول غير النفطية تعاني من وطأة المديونية، او تلقي برامج المساعدات العسكرية الاجنبية، من اجل تعزيز قدراتها الدفاعية والعسكرية والامنية، سواءً للمحافظة على امنها الوطني من اية اخطار خارجية لاسيما في ظل وجود بؤر توتر اقليمية ؛ خاصةً مع دول الجوار والإقليم، أو ضد الاخطار الامنية الداخلية التي اخذت بالتفاقم خلال السنوات العشرة الاخيرة، بوجود نسب بطالة عالية داخل القوى العاملة ممن هم في سن الشباب، مع تزايد كبير في اعداد السكان، وما يرافق ذلك من تحديات خطرة على الساحة الداخلية.
وتُعد نسب الانفاق العسكري مرتفعة في بعض الدول غير النفطية كون ناتجها الاجمالي المحلي يعاني من صعوبات جمة ؛ في حين تكون النسب منخفضة في بعض الدول النفطية لأن ناتجها الاجمالي مرتفع؛ خاصة مع الطفرة التي حصلت على اسعار النفط خلال السنوات الماضية، وعلى وجه التحديد السنوات الخمسة الاخيرة، مع ان الانفاق الدفاعي الفعلي يكون مرتفعاً بسبب صفقات السلاح ومشاريع التسليح وبرامج التطوير الكبيرة ؛ التي غالباً ما تغطى من موازنات خاصة. وعلى الرغم من أن بعض الدول اكدت على ان نفقاتها الدفاعية تتناسب و سياسة الانفاق العام الداخلي للدولة ؛ ولا تؤثر سلبياً على مشاريع البنى التحتية التي تهدف الى تحسين مستويات المعيشة لمواطنيها وتطوير التعليم والخدمات الصحية والاسكانية ؛ وغيرها من برامج التنمية الوطنية؛ وفي مقدمتها تخفيض مستوى البطالة وتوفير فرص العمل؛ نسبةً الى تزايد عدد السكان ومؤشرات التضخم المالي السنوي العالية، الا ان تأثير الانفاق الدفاعي يبقى سلبياً في عموم الاحوال ؛ على مختلف برامج التنمية الوطنية كالصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، كونه يستنزف مبالغ ضخمة من موارد الدول ؛ سواءً كانت نفطية ام غير نفطية.
الجدير بالذكر ان هنالك فارقاً كبيراً في المفهوم بين ما يسمى بالنفقات الدفاعية؛ وبين ما يسمى بالميزانيات الدفاعية السنوية، ويكثر الخلط بينهما من قبل الكثير ممن يتناولون هذين الموضوعين بالبحث والتحليل.اذْ ان النفقات العسكرية تحسب بناء على ما دفعته الدولة ثمناً لكل ما يتعلق بشؤون الدفاع ؛ كصفقات السلاح والتصنيع العسكري ومشاريع التطوير والتحديث العسكرية ؛ على مدى عدة سنوات قد تتراوح من 3-5 سنوات، ثم يجري حساب المعدل العام للانفاق الدفاعي السنوي. بينما تعني ميزانية الدفاع السنوية المبالغ المالية المرصودة سنوياً بصورة مسبقة، بحيث تغطي متطلبات القوات المسلحة السنوية لأغراض العمليات والتدريب والشؤون الادارية والصحية واللوجستية، بما في ذلك قطع الغيار اللازمة للأسلحة والمعدات والآليات والوقود والذخائر، وكذلك الرواتب واللوازم كاللباس والطعام وغيرها. ولا تشمل ميزانيات الدفاع السنوية بطبيعة الحال مشتريات الأسلحة الجديدة وبرامج تطويرها وتصنيعها.
وإزاء المبالغة بالنفقات والميزانيات الدفاعية ؛بوجود مصاعب وتحديدات مالية مؤثرة على مختلف انواع برامج التنمية ؛ تكمن اهمية دور المواطن في دول منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا ؛ للتعبير عن رأيه بحرية ؛ من خلال المؤسسات الدستورية والديمقراطية والمنابر الاعلامية المسؤولة؛ حول مدى استنزاف الموارد الوطنية في مشاريع تسليحية كبرى ؛ قد لا تفيد في نهاية المطاف سوى بعض اللوبيات ومراكز الضغط المحلية شركات تصنيع السلاح العالمية الكبرى في الولايات المتحدة واوروبا وروسيا والصين؛ وبعض الدول الاخرى الموردة للسلاح على الساحة العالمية. وما يزيد الأمر سوءاً ان الانفاقات الدفاعية الكبيرة؛ تجري معظم الأحيان بعيداً عن الرقابة والسيطرة المدنية على شؤون الدفاع في معظم الدول العربية ؛ مقارنة بالرقابة والسيطرة المدنية على شؤون الدفاع التي يجري ممارستها في معظم الدول ذات المؤسسات المدنية الديمقراطية.
© منبر الحرية، 21 مارس 2009

عزيز مشواط10 نوفمبر، 20100

بيدها اليمنى تحرك فأرة الحاسوب بأحد محلات الانترنيت الشعبية، وباليد الأخرى تحاول جاهدة إغلاق برقعها الشديد السواد، خوفا من ظهور خصلة شعرها الثائرة من تحت حجاب. هكذا بدت إحدى ساكنات حي سيدي مومن الصفيحي الذي خرج منه أغلب منفذي انفجارات الدار البيضاء الدموية لسنة 2003 بالمغرب. غير بعيد عن المشهد شخص آخر بلباسه الأفغاني الغريب ينزل من سيارة مرسيديس منهمكا في اتصال هاتفي مستعملا آخر صيحة من الجيل الجديد لماركة نوكيا العالمية.
في الدار البيضاء المغربية، كما في القاهرة المصرية، وفي عمان الأردنية، أوجكرتا الأندونيسية يتكرر المشهد ذاته. إقبال منقطع النظير على التكنولوجيا والوسائل الحديثة للاتصال ورفض لقيم منتجيها في ثنائية صعبة تعكس تمزقا داخليا. إنه صراع حضارات بصيغة مختلفة، ليس كما نظر له هنتنغنون، كصراع بين ثقافات وحضارات وإيديولوجيات متباعدة. بل صراع فرضته تطورات العولمة، ويعيشه المواطن الواحد والأسرة الواحدة والبلد الواحد.
من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق يعيش العالم العربي الإسلامي الصراع ذاته. إنه صراع حضارات مختزل في نفس الفرد، وفي نفس المدينة. في المدن واجهات حديثة وشاشات عملاقة تعرض إشهارات أسماء كبرى الشركات العالمية، وفي الهامش أنماط حياة تتعايش مع الفقر وتجد ساكنتها في الدين ملاذا للاحتماء. وفي الفرد الواحد ازدواجية في التفكير بين ممارسات مغرقة في الحداثة وأصولية تعكسها السلوكات اليومية.
صاحبة البرقع قبالة شاشة الحاسوب وممتطي المرسيديس بجهاز نوكيا في اليد، مشهدان يختزلان صراعا حضاريا بين رغبة أكيدة في الاستفادة من أحدث الإنتاجات العالمية من جهة، ونزوع آخر نحو تكفير الغرب وحضارته “المارقة” من جهة أخرى. إنها ازدواجية تلفيقية تنبع من ضرورة انتقاء ما “هو مفيد وصالح للأمة فقط ودرء ماهو فاسد” بتعبير السلفيين المتطرفين.
يتصارع في العالم العربي الإسلامي ثلاثة تصورات متناقضة :أنصار الارتماء في أحضان الغرب بدون تحفظ، والإسلاميون المتزمتون الحاقدون على الحداثة بمختلف مظاهرها، والأنظمة الحاكمة التي لا يهمها سوى الحفاظ على الكراسي والامتيازات. أما الشعوب فمعظمها غارق في أحزان الفقر والبؤس والحرمان، مع غير قليل من الأمية والجهل والتضليل. عوامل تساهم مجتمعة في إعداد التربة الخصبة للتطرف والعداء غير الخاضع لأي منطق.
يساعدنا هذا التقسيم للشعوب العربية الإسلامية في فهم أسباب انتشار مشاعر العداء في صفوف الفئات المحرومة اتجاه ما هو حديث. وهنا لا بد من عكس أحكامنا لفهم الحقد الذي تكنه هاته الأوساط للغرب. إنه ليس حقد الذين أخذ منهم كل شيء، بل حقد من توجد على مقربة منهم كل المنتجات الغربية دون أن يكون لهم الحق في الاستفادة منها .
إنه حقد مرتبط  بنظرة اختزالية تصور الغرب كثقافة شيطانية تحض على الاستغلال وتنشر الرذيلة والفاحشة والتفرقة. بل هي مسؤولة عن كل المآسي والشرور. إضافة إلى هاته النظرة الاختزالية، أسهمت مشكلات ثقافية دولية في تعزيز هذا التباعد رغم كل المجهودات من أجل تقريب الشعوب فيما بينها، وهنا نستحضر أزمة الرسوم الدانمركية، وأزمة تصريحات البابا بنديكت السادس عشر، وأزمة الحجاب بفرنسا، وتصريحات بعض القيادات الغربية الدينية السياسية المسيئة للمسلمين.
ورغم تنامي قوى العولمة والاتصالات وسهولة عملية التواصل مع الآخر، فإن هاته المشكلات تعزز مواقف المتطرفين من الجبهتين، فيتحول الخلاف الثقافي بين المسلمين والغرب إلى خلاف حتمي. إن مسؤولية الفهم المتبادل تقع على عاتق الطرفين، لأن المؤسسات الغربية وخاصة الإعلامية منها وهي تقدم صورة نمطية للمسلم المتطرف المتعطش للقتل والدماء، إنما تزيد في تعميق التباعد.
وبالمقابل فإن تقصيرا كبيرا يشوب عمل القوى المتنورة في المجتمعات العربية الإسلامية، لأنها تعفي  نفسها من  مسئولية فهم المجتمعات الغربية وتفاصيل ما يدور بهذه المجتمعات وسبل توعيتها بصورة الإسلام الصحيحة، خاصة في ظل تنامي أعداد المسلمين بالدول الغربية، وانفتاح أعداد متزايدة من أبناء تلك المجتمعات على فهم الإسلام والمسلمين.
إن الخوف المرضي المتبادل يجب أن يكافح على مستويين أساسيين، أولهما تبني بعض البرامج العلمية المنظمة لتوعية المواطن الغربي على نطاق واسع ومدى طويل نسبيا بصورة الإسلام والمسلمين الصحيحة، والواضح هنا أن العالم الإسلامي مازال يفتقر بوضوح لبرامج تقدم الإسلام كدِين سلام وليس دينا عدوانيا. أما المستوى الثاني فيهم الغرب نفسه الذي يحتاج إلى أدوات جديدة لبناء الثقة مع المسلمين من خلال حوار بلغة وأدوات يفهمها العقل الإسلامي. إذاك فقط يمكن للحضارات الإنسانية أن تعيش في سلام دائم تحقيقا لآمال فيلسوف التنوير الألماني الألماني إمانويل كانط.
© منبر الحرية، 22 مارس 2009

نبيل علي صالح10 نوفمبر، 20100

لا شك بأن لظاهرة الفساد المتفشية على نطاق واسع في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أسباباً موضوعية ضاربة الجذور في داخل بنيتها الثقافية والتاريخية. حيث لعبت “الثقافة المخفية” –كمؤسسة غير شكلية- دوراً بارزاً على صعيد تكريس معادلات وأنظمة تفكير وسلوكيات عمل مهدت الطريق أمام نمو مارد الفساد في تلك المجتمعات. وقد كانت لمؤسسات الحكم العربية المتلاحقة الدور الحيوي المكمل لدور الثقافة المخفية في زيادة مساحة الفساد والمفسدين من خلال تبنيها لمختلف المناخات والأجواء الفكرية والاجتماعية القديمة التي تدعو (وتمارس) ثقافة الفساد كآلية شبه (قانونية!) تريد من خلالها الحفاظ على التوازنات التقليدية المسيطرة في المجتمع، بما يسمح لها (لمؤسسة الحكم العربية) الإبقاء الدائم على وجودها على رأس سلطة الحكم بما لا يزعزع بنيانها، ولا يؤثر سلباً على امتيازاتها.
وبالنتيجة فقد أدت السياسات الفوقية القسرية التي طبقتها تلك المؤسسة (ممثلة بالنخب السياسية الحاكمة) –وعلى مدى زمني طويل نسبياً- إلى توسيع رقعة الفساد، خصوصاً مع تصاعد سياسات الانفتاح الاقتصادي، وفتح الأسواق المحلية أمام الرساميل الأجنبية الذي التزمت به تلك النخب تحت شعار ظاهري هو تنمية مجتمعاتها وتطوير بلدانها في ظل هيمنة كاملة لمؤسسات إدارية وسياسية مترهلة وفاسدة وغير مهيكلة اقتصادياً بما يتناسب مع ضرورات التحفيز الاقتصادي وعوامل الجذب الاستثماري.

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

1. مقدمة
هنالك شيء يثير عدم الرضا العميق، عندما يتعلق الأمر بعلماء اقتصاد، الذين يقدمون موضوع بحثهم بالإشارة المعتادة إلى روبنسون كروزو، الذي يواجه “مشكلة اقتصادية” لأن عليه أن يقرر كيف يخصص موارده المحدودة (بما في ذلك الوقت) بين استخدامات متنافسة. مع هذه التقدمة، يصبح أمراً سهلاً للغاية الانزلاق من مصفوفة كروزو إلى إطار يواجه فيه “المجتمع” أيضاً “معضلة اقتصادية”، ثم القفز، لا شعورياً، من تحليل تعظيم الفائدة الفردية إلى اهتمام مباشر بتعظيم القيمة للمجتمع.
ما يظل خارج هذا السياق التدريسي البداغوجي هو التفاعل بين أشخاص مختلفين الذين يتألف منهم المجتمع. الأفراد يواجهون خيارات في إطار اجتماعي يكون فيه وجود وسلوك الأشخاص الآخرين، جنباً إلى جنب مع المؤسسات التي تحد من سلوكهم، أكثر أهمية بكثير من العوائق الفيزيائية التي تمثلها الطبيعة. الاقتصاد، هو، أو يجب أن يكون، حول سلوك الأفراد في المجتمع.
مثل هذا السلوك ليس بالضرورة “اجتماعياً” بمعنى أن يعترف الأفراد بمؤثرات متبادلة في تفاعلات مباشرة بين مختلف الأطراف. السلوك الشخصي في المجتمعات الكبيرة الحديثة قد يكون غير شخصي، كما يتجسد ذلك في الأنماط المثالية للأسواق المتنافسة. في القضايا المحددة، جميع المساهمين يستجيبون لأطر خارجية مقررة سلفاً: لا يمارس أي شخص نفوذاً مباشراً على غيره. إن نتائج الاعتماد المتبادل والمعقد بين جميع العاملين في الميدان، ليست متوافرة كمواضيع اختبار لأي واحد منهم.
وفي الحالات المحددة، أو في أطر عامة أكثر، حيث يعتبر جزء على الأقل من السلوك “الاجتماعي” بشكل محدد، فإن القواعد التي تنسق أفعال الأشخاص هي مهمة وضرورية لأي فهم لعملية الاعتماد المتبادل. الأشخاص نفسهم، مع الدوافع والقدرات نفسها، سوف يتفاعلون لتوليد مجموعة من النتائج التي تختلف تحت ظروف مختلفة، مع تداعيات مختلفة تماماً بالنسبة لمصالح كل مشترِك. إن تخصيص وقت وطاقة إنسان ما سوف يكون مختلفاً في إطار تكون فيه المكافآت مرتبطة بحسن الأداء، عما سيكون عليه في إطار يتقرر بمواصفات ومقاييس أخرى. ومنذ القرن الثامن عشر، على الأقل، وبالأخص منذ آدم سميث، فإن نفوذ الأحكام (أسماها سميث بـ”القوانين والمؤسسات”) على النتائج الاجتماعية كانت مفهومة، وهذه العلاقة كانت الأساس لمفهوم مركزي في علم الاقتصاد والاقتصاد السياسي، وبالأخص كما استنبط من جذوره الكلاسيكية.
إذا كانت القوانين تؤثر على النتائج، وإذا كانت بعض النتائج “أفضل” من أخرى، فإن مما يتبع ذلك القول، وإلى المدى الذي يمكن فيه اختيار القوانين، بإن دراسة وتحليل القوانين والمؤسسات المقارنة، تصبح موضوعاً يستحق منا كل الاهتمام. فبدون فهم كيف أن الأفراد الذين يشكلون النظام الاجتماعي يتفاعلون، وكيف أن مجاميع قوانين مختلفة تؤثر على تلك التفاعلات، فإن من المستحيل على المشاركين إحداث تغييرات ذات قيمة في القوانين القائمة حالياً، أو حتى أن تسلك بحكمة فيما يتعلق بالحفاظ على تلك القوانين التي أثبتت حيويتها في تفعيل المجتمع تفعيلاً جيداً ومقبولاً.
ما هي النصيحة التي نستطيع تقديمها لأنفسنا في مجتمعاتنا، حيث نقف أمام فوائد ومزايا التعاون من جهة، واحتمالات النزاع من ناحية أخرى؟ أية نواحي من حياتنا الاجتماعية يتوجب التخلي عنها؟ أين هي “قوانين النظام الاجتماعي”—الترتيبات المؤسسية التي تحكم تفاعلاتنا—والتي تقودنا إلى التفاعل سلبياً تجاه بعضنا بعضاً؟ أين هي القوى التي تدفع باتجاه التوافق، والتي يمكن تعبئتها؟ أية قوانين—وأية مؤسسات—يجب علينا أن نكافح من أجل الحفاظ عليها؟
هذه الأسئلة تمثل مجال التحقيق الذي نسميه “الاقتصاد الدستوري السياسي” (من وحي علماء الاقتصاد الكلاسيكيين، الذين كانت مثل هذه الأسئلة مركزية في تفكيرهم). إنها أسئلة مهمة حتى وإن كان يتم تجاهلها على نطاق واسع في الأبحاث الحديثة. وهي لا تسأل في فراغ فكري تحليلي تام. فلقد أشغلت في الواقع عقول بعض أعظم المفكرين في التراث الغربي. مما يدعو إلى الأسف أن كثيراً من الحكمة المتراكمة قد سقط بين الشقوق. مثل هذه الأسئلة كثيراً ما تعتبر أيديولوجية فكرية، بحيث أن الأجوبة هي ببساطة مسألة آراء ووجهات نظر، يتساوى فيها رأي ما مع الرأي الآخر. هنالك مجال كبير، بكل تأكيد، لوجود خلافات يمكن قبولها. ولكن هنالك أيضاً إجراءات تتعلق بتوجيه الأسئلة وطريقة للتحليل تتضمن مجموعة من الشروط يمكن في إطارها إجراء الحوارات.
الأسئلة نفسها، والإجراءات المناسبة للسؤال عنها، وطريقة التحليل المتصلة بها، هي ما يشكل أجندة هذا البحث. إن هدفنا في هذا البحث هو هيئة المشجب الذي تعلق عليه فيما بعد القبعات المختلفة. وبشكل محدد، سوف نقدم تشخيصاً لأنماط مختلفة من التفاعلات، بداية بعبارات مجردة. ولسوف نبين بشكل مجرد أيضاً الطرق التي تكون بموجبها القوانين والمؤسسات ذات علاقة بطبيعة التفاعلات التي تسود، ومن ثم سوف نذكر مختلف أنماط التفاعلات، في أطر اجتماعية مختلفة تكون في أحيان كثيرة مرتبطة بها. وأخيراً سوف نبحث بإيجاز القوانين بشكل عام، وأن نربط بين بعض الدروس التي نستفيدها منها إلى المسرح الاجتماعي-السياسي-الاقتصادي الذي هو، بطبيعة الحال، اهتمامنا الرئيسي.
2. مبررات الأحكام

إن عنوان هذا البحث هو مبررات الأحكام، وسوف نبحث أسباباً كثيرةً بالتفصيل كلما تقدمنا في البحث. ولكن أولاً، يجب بحث السبب الجوهري من بين جميع الأسباب، على الرغم من أنه قد بحث باستفاضة في كتب أخرى. إننا نحتاج إلى قوانين في المجتمع لأنه بدونها، تصبح الحياة كما وصفها لنا ثوماس هوبز المفكر الإنجليزي قبل أكثر من ثلاثة قرون مضت: “معزولة، فقيرة، بشعة، وحشية وقصيرة”. رومانسي فوضوي فقط هو الذي يظن بأن هنالك انسجاماً طبيعياً بين الناس من شأنه إزالة جميع النزاعات في غياب القوانين والأحكام. إننا نحتاج إلى الأحكام للعيش معاً لسبب بسيط هو أنه في غيابها، سوف نتقاتل بكل تأكيد. سوف نتقاتل لأن رغبة الفرد في شيء ما سوف يسعى إليه شخص آخر. الأنظمة تحدد المساحات الخاصة التي يمكن في إطارها لكل منا مواصلة رغباته ونشاطاته.
ربما تكون أفضل وسيلة، وأكثرها شيوعاً في الدلالة على احتمالات النزاع هذا بين الأفراد، والوسائل الممكنة لحل تلك النزاعات، هي معضلة السجناء الكلاسيكية. أنظر إلى المصفوفة (1-1) الذي تكون فيه الأعداد في كل خلية تمثل مزايا ذات قيمة إيجابية لكل من الشخصين (أ) و(ب)، مع معرفة أن الرقم إلى اليسار يشير إلى الميزة لصالح (ب)، والرقم على اليد اليمنى لصالح (أ). لاحظ أن هنالك صفاً وعاموداً للسيطرة. أو بعبارة أخرى، هنالك فقط مرة واحدة لأداء اللعبة: (أ) الذي يختار بين الصفوف، سوف يختار الصف 2، وبشكل مستقل عما يمكن أن يتوقعه حول ما سيكون عليه اختيار (ب). ومثل ذلك (ب)، الذي يختار بين الأعمدة، سوف يختار العامود 2. ونتيجة لهذه الاختيارات المنفصلة، فإن الحل يقع في الخلية رقم 4. هنالك في هذه المصفوفة رسالة واضحة وبسيطة: بالنسبة لمجموعة الأشخاص المشتركين في هذه العملية، هنالك حاجة إلى نظام، ملزم اجتماعياً، والذي يمنع الأفراد من التصرف بشكل يؤدي في النهاية إلى النتيجة التي تم وصفها في الغرفة 4، وهي نتيجة لا يرغب فيها أي من الجانبين.

عدة نقاط تستحق الملاحظة من هذا المثل البسيط. أولاً، وكما ذكر سابقاً، لا يستطيع (أ) ولا (ب) بمفردهما تقرير نتيجة التفاعل الاجتماعي. النتيجة تتأتى من سلوك الفريقين كليهما، سواء سمي ذلك السلوك نتيجة لتوقعات الفرد في تعظيم الفائدة لنفسه وبدون الركون إلى أحكام، أو نتيجة التمسك بنوع من النظام أو العادات.
ثانياً، إن إمكانية الاتفاق حول نوع من الأحكام أو العادات تكون قائمة ما دام أن هيكل التفاعل يظل باقياً كما وصف في المصفوفة. أو بعبارة أخرى، ليس من الضروري أن تكون ميزة اللعبة متناسقة، كما هو مبين. كل ما هو مطلوب هو أن تكون الدرجة الترتيبية للخلية أو الغرفة مطابقة كما تم وصفها لكل من الفرقاء المعنيين. فما دام أن (أ) يصنف الغرف 3، 1، 4، 2 و(ب) يصنفها 2، 1، 4، 3، فإن النتائج تظل قائمة. وبالتالي، نستطيع، إذا رغبنا، مضاعفة الأرقام إلى (أ) بمقدار مائة، بينما نبقي الأعداد لـ(ب) كما هو مبين، وبدون تعديل الهيكل الأساسي للتفاعل.
ثالثاً، حتى هذا الرسم التوضيحي البسيط يبين مسألة تطبيق الأحكام، على الرغم من إمكانية الوصول إلى اتفاق عام حول الرغبة في تطبيقها. لنفترض بأن (أ) و(ب) قد اتفقا على اختيار الصف 1 والعامود 1، وبالتالي يهيئان لنتيجة متوقعة في خلية رقم 1. فإذا كان (أ) يتوقع من (ب) التمسك بالاتفاقية، فإن (أ) يستطيع نفسه ضمان نتيجة أفضل باختيار الصف 2 بدلاً من الصف 1 كما تم الاتفاق عليه. كذلك، يستطيع (ب) اختيار العامود 2 وتحسين مركزه، إذا كان يتوقع أن يختار (أ) الصف 1. لذا فإن أية أحكام أو أنظمة تضمن مردوداً أعلى، إذا تم احترامها من قبل جميع الأشخاص، هي عرضة للمخالفة بدوافع عقلانية شخصية، من قبل بعض أو جميع الفرقاء للتفاعل الذي جرى فيما بينهم. الموضوع ليس أن المخالف هو منحرف أو غير عقلاني في تصرفاته. وفي الحقيقة، فإن مثل هذه الافتراض يجب أن يُعكَس. ففي غياب إجراءات تنفيذية فعالة، فإن التمسك بالأحكام، وليس بالابتعاد عنها، يتطلب من الأشخاص التخلي عن المنافع القصوى المتوقعة، على الأقل لأن مثل هذا السلوك المقترح هو عادة مُصاغٌ في النظريات الاقتصادية الحديثة.
إن مشكلة التفاعل بين السجناء هو مَثَلٌ غايةً في التبسيط، ولكننا نعتقد بأنه يحوي في كينونته معظم العناصر المطلوبة لفهم القضايا المركزية للنظام الاجتماعي، ألا وهي كيفية التوفيق بين سلوك أشخاص وراء تصرفاتهم دوافع مختلفة، من أجل خلق أنماط من النتائج تكون مقبولة لدى جميع المشاركين. زميلنا غوردن توللوك، كان صائباً عندما سمّى كتابه حول الموضوع: المشكلة الاجتماعية، وبالتالي التأكيد على مدى وجودها. وعندما تُعمَّمْ، سوف تتخذ المعضلة ملامح هيكلية عالية التعقيد. وعندما نوسع التحليل ليشمل أشخاصاً عديدين، والذين قد يتصرفون بشكل منفرد، في جماعات أو كوحدة مشتركة، من خلال الدوائر الحكومية، وإزاء خيارات عديدة تشمل عدة مستويات من تقرير الاختيارات، فليست هنالك أية قيود على عدد الأطر المتفاعلة المثيرة للاهتمام والتي يمكن إخضاعها للدراسة.
إن هدفنا في هذا البحث، مع ذلك، ليس إعطاء أمثولة حتى لجزء صغير من تلك التفاعلات. فمن الآن فصاعدا، فإن نقطة انطلاقنا ستكون فهم المعضلة العامة التي تدعو إلى ضرورة وجود أنظمة أو مجموعة من الأنظمة، التي تحدد القيود المناسبة على سلوك الأفراد والمجموعات والسلوكيات العامة. وفي الأقسام المتبقية من هذا البحث، سوف نعزل معالم الأنظمة في عدد من التفاعلات المعتادة، كوسيلة لتقديم بحث الأنظمة في الإطار الاجتماعي-السياسي.
3. أحكام الألعاب
عندما تذكر كلمة “أحكام”، فإنها أكثر ما تكون ارتباطاً بالألعاب. وسوف يكون مفيداً بحث الأحكام في الألعاب المعتادة—ألعاب صالونات البريدج المرفهة، أو الرياضة مثل التنس أو كرة السلة. جميع الألعاب لها قوانين تبين الحدود التي تجري الألعاب في أطرها—الأفعال المسموح بها للاعبين، الأدوات المستخدمة، وسائل فض الخلافات، الطريقة التي يتم بواسطتها تقرير من هو الفائز، وهكذا وهكذا.
ولدى بحث الألعاب العادية، فإننا لا نجد أقل صعوبة في التمييز بين أحكام اللعبة من حيث هي، وألعاب اللعبة في إطار تلك الأحكام. اللعب يتم من خلال تلك الأنظمة، بيد أن اللعب نفسه لا يشكل جزءً من تلك الأحكام. الأحكام تقدم الإطار للعب تلك المباراة، وأنماط عديدة من اللعب يمكن أن يتم ضمن أحكام محددة. وخلافاً لذلك، فإن نمطاً معيناً من أداء اللعبة هو ذو نهاية أو مغلق. وفي الحقيقة فإن من الأمور المشوشة أننا في الاستعمالات الدارجة، نستعمل كلمة “لعبة” في الإشارة إلى تركيبة الأحكام، وأيضاً إلى اللعب ضمن الأحكام المقررة لها.
وفي إطار اجتماعي–سياسي، فإن التمييز نفسه ينطبق بين أحكام التفاعل الاجتماعي وبين أنماط السلوك التي تتم ضمن تلك الأحكام. التمييز هنا هو غالباً ما يكون أكثر صعوبة منه في الألعاب العادية، وبحث الأخير مفيد بسبب ذلك على وجه التحديد. إن صحة التمييز بين الأنظمة والسلوك ضمن الأحكام بشكل عام مع ذلك، ينطبق على جميع أطر التفاعل. إطار اللعبة العادية، كذلك، يساعد البحث في موضوع قريب ولكن منفصل بين اختيار استراتيجية اللعب ضمن مجموعة من الأنظمة المحددة، واختيار الأنظمة نفسها. فاختيار مجموعة من لاعبي البوكر بين نوعين مختلفين منها، يختلف تماماً عن اختيار لاعب فرد ضمن أحكام النوع الواحد؛ بين الطي أو البقاء في طلب كرت إضافي.
إن التمييز الموازي في الإطار الاجتماعي–السياسي يجب التأكيد عليه. من الضروري فصل العملية التي يتم من خلالها تقرير الأحكام، عن العملية التي من خلالها تستنبط أحكام لأفعال محددة ضمن تلك الأنظمة. أيضاً، التمييز أكثر صعوبة بعض الشيء في الإطار الاجتماعي، بسبب التداخل المعقد بين الأنظمة التي تحدد القيود على السلوكيات الفردية، والأنظمة التي تحدد القيود على الاعبين السياسيين، الذين قد يشتركون في نشاطات تشتمل على تغييرات في المجموعة الأولى من الأنظمة. وبعبارة أخرى، الأغلبيات التشريعية قد تكون في سلوكها ضمن حدود القانون (الدستور السياسي) الذي يُقيّدُ سلوكهم أنفسهم بالنسبة لتغيير الأنظمة التي تقيّد سلوك الأشخاص بصفتهم الشخصية. لذلك، يجب أن يكون الإنسان حذراً في إيجاد تمييز بين اختيار أنظمة، وبين اختيار استراتيجيات ضمن الأنظمة، تكون قابلة للتطبيق في الحالة التي تواجه وحدة محددة بدقة لاتخاذ القرارات. على سبيل المثال، إذا كان نظام من أنظمة البناء يسمح بحرق الأعشاب في الأراضي التي نملكها، فإننا نتصرف ضمن حدود القانون عندما نقرر حرق كومة من القش في يوم محدد. صدور تشريع يمنع حرق الأعشاب هو بمثابة تغيير في القوانين التي نحن ملاك الأراضي نتبعها. بيد أن المشرعين في إصدارهم لهذا التشريع يتصرفون ضمن أنظمتهم الخاصة بهم، والتي تتألف من تصويت الأغلبية البسيطة. إذن، الميزة الأساسية لبدء بحثنا بالحديث عن لعب عادية معروفة، هي أن مستويي الخيار واضحان تلقائياً.
استخدام الأنظمة في المباريات العادية قد يكون مضللاً من بعض النواحي. فالألعاب العادية مصممة لكي تجعل اللعب ضمن قوانين اللعبة مثيراً. أي أن اللعب بحد ذاته هو هدف يشارك فيه جميع المشاركين المحتملين. المعضلة الأساسية التي قدمنا لها سابقاً، والتي تكون فيها الأحكام مرغوبة لأنها تؤدي إلى تفادي نتائج غير مرغوب فيها، تكون غير واضحة في التعامل مع الألعاب العادية.
وحيث ننقل الاهتمام إلى الأطر التي تتم فيها التفاعلات الاجتماعية–السياسية، لا حاجة إلى أي شيء يوازي التمتع باللعب، من حيث هو لعب، والمغانم التي تُعطى للاعبين الأفراد، لا حاجة لأن تصمم كمقابل من أجل جعل اللعب مثيراً. ليس هنالك من حاجة إلى هدف مشترك في أنظمة الاجتماع والسياسة. هنالك اعتراف بأن الأفراد يملكون أهدافهم الشخصية المقررة، خطط حياتهم، وهذه لا تحتاج إلى كونها مشتركة لجميع الناس. في هذا الإطار، الأحكام لها مُهمة تسهيل التفاعلات بين الأشخاص، والذين يرغبون في أشياء مختلفة تماماً. ولبحث هذا الجانب، فإن أفضل شيء هو الانتقال إلى إطار بديل.
4. أحكام الطرق
أحكام الطرق، وهي استخدام معروف آخر للتعابير في هذا المجال، ليست مصممة و/أو أنها لم تتطور على أساس أية مواصفات لأهداف الأشخاص الذين يستخدمون الطريق. لمستخدمي الطرق أهداف تتراوح وتختلف اختلافاً كبيراً—النشاط التجاري، التمتع أو الجمع بين هذا وذاك—وهي التي تفرض شق الطرق المختلفة، والسرعة ونوع المركبة. أحكام الطرق تخدم هدف السماح للأشخاص بانتهاج مجالاتهم المختلفة والمستقلة، والتي قد تتنازع في غياب الأحكام. هذه الأحكام لا تعني بأن أهداف مستخدمي الطرق يجب أن تُلخص في هدف واحد مواز لهدف التغلب في الألعاب العادية.
أحكام الطرق تجلب مَعْلَماً آخر لاهتمامنا. نجاعة مجموعة الأحكام لا تتوقف على مقارنة بين مستوى مهارات أولئك الذين يستخدمون الطرق. مجموعة الأحكام قد تُفَضّلُ لأنها تتحمل تعايش السائق الجيد والسيء على الطريق، وهي ظاهرة لا تنطبق على الألعاب العادية. لأحكام الطرق فعل اجتماعي، ألا وهو تسهيل تحقيق أهداف جميع الأشخاص الذين يستخدمون هذه البنية—وبغض النظر عن ماهية تلك الأهداف. ويُحكم على هذه القوانين بموجب قدرتها على تحقيق هذا المعيار.
وبنفس هذه الطريقة، فإن الأحكام التي تُقيِّد التفاعل الاجتماعي–السياسي—العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الأشخاص يجب أن تُقيَّم في نهاية الأمر في ضوء قدرتها على تحقيق الأهداف المختلفة لجميع الأشخاص في المجتمع. هل تسمح تلك الأحكام والأنظمة للأفراد بمتابعة أهدافهم الخاصة، وفي إطار يتوقف فيه تحقيق تلك الأهداف على التفاعل، وبطريقة يحقق فيها كل فرد الحد الأقصى من نيل أهدافه مشروطاً بإتاحة حرية مساوية للآخرين لتحقيق أهدافهم بدورهم؟ التركيز على المثل المتعلق بأحكام الطرق يتيح لنا التعرف على مَعْلَمٍ آخر، كثيراً ما يفوتنا. الأحكام توفر لكل مشترك التنبؤ مسبقاً حول سلوك الآخرين. هذه المعرفة المسبقة تأخذ شكل المعلومات أو الحدود المعرفية حول سلوكيات أولئك المشتركين في التفاعل.
على سبيل المثال، لنفترض أنه في بلد صغير نامٍ، السيارات ظاهرة جديدة وقليلة العدد. وقد تواجد في هذا البلد نفوذان: نفوذ فرنسي وآخر بريطاني، بحيث أن أوائل مستخدمي الطرق كانوا يستخدمون الجانب الأيمن أو الأيسر في سواقتهم. وبتزايد عدد السيارات، فإن غياب أنظمة مقررة يخلّف المشاكل. التأقلم المنفرد من قبل كل سائق عندما تتلاقى سيارتان، ودون أن يعرف أي منهما كيف سيتصرف الآخر، ينتج عنه نمط من النتائج مشابهة للعيش في الأدغال التي وصفها هوبز. جميع الأطراف سوف يكونون في وضع أفضل إذا أقروا أحكاماً، أية أحكام.
المصفوفة (1-2) تدلل على هذه القضية. اللعبة هنا هي في جوهرها لعبة تنسيق من حيث أن النظام القائم يخدم أهدافاً إعلامية. كل واحد من الفريقين يعطي القدرة على التنبؤ حول نوايا الطرف الآخر، وكيف سيكون سلوكه. ولا يهم، افتراضاً، ما إذا كان النظام الذي يتم إقراره ينطوي على استخدام اليد اليمنى أو اليد اليسرى في قيادة السيارة، ما دام أن النظام يؤدي إلى سلوك متوازٍ. في مثل هذه الحالة، قد يكون هنالك دور للحكومة في الإعلان عن النظام. التاريخ، مع ذلك، قد يفعل هذا أو ما هو أحسن منه، إذ أن المواثيق والعادات الاجتماعية كثيراً ما تقرر أنظمة السلوك المناسبة.
التفاعل المبين في المصفوفة (1-2)، يختلف عن القضية الأوسع والمبينة في مصفوفة اللعبة (1-1)، من حيث الأهمية النسبية لمحتوى التنبؤ في النظام، وما يتبع ذلك من تطبيق. المصفوفة (1-2) تصف لعبة هي في جوهرها مسألة تنسيق؛ المكاسب الرئيسية تتأتى عن إقرار نظام، أي نظام، وليس هنالك إلا أقل القليل من الفائدة التي تُجنى من التخلي عن النظام. كما هو مبين في المصفوفة، مع ذلك، هنالك بعض الكسب من التخلي، ومن هنا تنشأ أهمية التنفيذ. إذا كان (أ) يعرف، على سبيل المثال، بأن (ب) سوف يتَّبِعُ دائماً نظاماً متفقاً عليه، عندها فإن (أ) سوف يجد فائدة بين الحين والآخر من الخروج المنفرد عن النظام المقرر. بيد أن الإغراء لخرق القانون، عندما يُقرّ، ليس دائم الوجود مثلما هو الوضع عليه في إطار لعبة معضلة السجناء.

لعبة تنسيق مجردة (ليست مبينة في شكل مصفوفة هنا) تكون فيها الفائدة المتأتية عن الخروج الفردي عن الأنظمة المقررة، غائبة تماماً، واحدة لا يكون فيها أية مشكلة بالنسبة لتطبيق النظام، وبعض مثل هذه التفاعلات موجودة بكل تأكيد. إذ يمكن التفكير بعامل اللغة في مثل هذه الحالات. فجميع الأفراد في المجتمع لهم مصلحة في استخدام كلمات يفهمها الآخرون. إذ هنالك قوة طبيعية تعمل على خلق لغة وقواعد لغوية مشتركة. والوصف ذاته ينطبق على لغة السلوك والإتيكيت، حيث يكون الهدف الظاهر من السلوك هو نقل معنى من نوع معين للآخرين.
معالم مهمة أخرى غامضة في كل من قضية تفاعل السجناء، أو تفاعل المعلومات–التنسيق، في المصفوفتين (1-1) و(1-2). كلاهما موجه تجاه الخيار النهائي بين القانون وانعدام القانون. الخيار الثاني قد يشتمل على خيار بين قانونين أو نظامين، بعد أن تكون أبعاد اللعبة قد تمت، أي في اللحظة التي توافق فيها جميع الأطراف على الحاجة إلى وجود نظام.
تمعَّن إذن في حالة تكون فيها المسألة هي خلاف بين قوانين مختلفة، حتى وإن احتفظنا بالفرضية بأن هنالك تناسق وتماثل في الفائدة التي تُعطى للاعبين. “اللعبة” الموصوفة هنا هي في حقيقتها “جزء من اللعبة” المبينة في المصفوفة (1-2).

أنظر في المصفوفة (1-3) التي تجري “ضمن” الخلية 1 من المصفوفة (1-2). خيارات الفريقين كليهما في هذه الحالة ليست في إقرار نظام وأقلمة سلوك بدون نظام. الخيارات هنا هي التي تواجَه في مجموعة الأنظمة البديلة وكما هو مبين في المصفوفة (1-3)؛ فالنظام الذي يصنف على (قُد السيارة على اليمين) يسيطر على النظام الذي (نظام قُد السيارة يساراً). من المهم هنا أن يكون هنالك نظام (كما هو مبين في المصفوفة 1-2)، ولكن مسألة “أي نظام”، هي أيضاً مهمة. وبسبب التناسق في الكسب بين اللاعبين، فإن كليهما—إذا أعطيا الحق الدستوري في الاختيار—سوف يختاران نفس النظام.
هنالك نقطتان تستحقان البحث حول التفاعل الموصوف هنا. أولاً المواثيق الاجتماعية التي تأتي إلى الوجود تاريخياً، وتتخذ وضع “القانون غير المدوَّن”، لا تفرز بالضرورة أفضل الأنماط التي يمكن تصور نتائجها. بعض المحللين الاجتماعيين المحدثين (بشكل خاص هايك وأتباع مدرسته)، يبدون إيماناً واضحاً في تطور القوى الاجتماعية والثقافية بحيث تتمخض عنها أنظمة كفؤة. لا يبدو أن هنالك أي سبب للتنبؤ بأن تلك القوى سوف تضمن دائماً اختيار أفضل القوانين. في مثلنا مثلاً، فإن نظام “قيادة اليسار” قد تصبح الغالبة والأكثر استخداماً—وبالأخص إذا كانت التغييرات من نطاق خارجي من شأنها تغيير المزايا النسبية لأنظمة مختلفة مع الوقت. لن يكون عندها سوى القليل من الضغط، أو حتى لن يكون أي ضغط تطوري بالمرة لقيام أنظمة أكثر كفاءة. هذا الاحتمال ينبهنا إلى الحاجة، بين المرحلة والأخرى، لإعادة النظر في مجموعة الأنظمة البديلة، وأن ننظر إلى الأنظمة نفسها كأهداف للخيار تكون قابلة للتغيير وإعادة الصياغة، وفق أطر الحالات الاجتماعية التي يخلقونها. هذا الاحتمال يثير اهتمامنا لإمكانية لعب دور من قبل الحكومة بمجموعها الكُلّي، ألا وهو تسهيل الانتقال من قوانين قديمة إلى قوانين جديدة. و”الحكومة” في هذا الإطار يمكن الإشارة إليها بصيغ مختلفة—كمجلس وطني معين بالتوافق، أو جماعة كاملة من الفاعلين من ذوي العلاقة، أو، في آخر الطرف الآخر شكل من اشكال الدكتاتور–الملك، وما دام أن المكاسب في هذا المثل متوازية، فليس هنالك أية ميزة معينة لمن يختار القوانين، ولكن ربما يكون مهماً أن يكون هنالك شخص أو جماعة، أو عملية معينة يوكل إليها اختيار الأنظمة المناسبة.
ثانياً، الانتقال من “القيادة من جهة اليسار” إلى “القيادة من جهة اليمين” قد لا يكون أمراً مرغوباً فيه، على الرغم من هيمنة الأخيرة في المصفوفة. فإذا كان ينظر إلى الأنظمة بصفة كونها تقدم المعلومات التي تُمكِّن اللاعبين من التكهن بتصرفات بعضهم بعضاً، فإن ما يتبع ذلك هو أن أي تغيير في الأنظمة يدمر المعلومات. فإذا كان النظام الذي يقول (“القيادة من جهة اليمين” أو “القيادة من جهة اليسار”) يقرَّر مجدداً كل صباح بشكل عشوائي، فإن ذلك يعني عدم وجود أية أنظمة على الإطلاق. وحتى تكون فاعلة، تحتاج الأنظمة إلى الاستقرار. فإذا كانت الأنظمة خاضعة للتغييرات المستمرة، فإن المعلومات التي تعطيها تصبح لا قيمة لها. كل لاعب لا يعد يعتبر بأن الآخرين سوف يتقيدون بالقوانين المرعية، حتى لو كان هو مُلهمٌ بها، لأنه لا يمكن أن يعرف بأن الآخرين سيعرفون بأنه يعرفها. وعندما يكون اللاعبون يلعبون بأنظمة عفا عليها الزمن، فإن أياً منهم لن يكون له الحافز للعب بالأنظمة الجديدة.
هذه المقولة تُشير إلى أن هنالك ميلاً طبيعياً نحو المحافظة في المجال الدستوري. مجرد إظهار أن الحالة (أ) ستكون افضل من الوضع القائم، بمجرد أن تتحقق حالة (أ)، ليس كافياً للدليل على أن الانتقال من الوضع القائم له ما يبرره. فرياضياً، القمة الـ”محلية” قد تكون عالمية بمجرد تحقيق القمة المحلية.
إن الاعتراف بهذه الحقيقة يكشف النقاب عن تمييز بين “التصميم الدستوري” و”الإصلاح الدستوري”. في التصميم الدستوري حيث لا تكون هنالك أنظمة فعالة قائمة مسبقاً، كل ما هو مطلوب هو الاختيار بين نظام يؤدي إلى مجموعة معينة من النتائج، والنظام الذي يؤدي إلى مجموعة بديلة. النظام الذي يؤدي إلى مجموعة النتائج المفضلة هو النظام المفضل. ولكن عندما يتعلق الأمر بتغيير نظام قائم، كما هي الحالة في الإصلاح الدستوري، فإن النظام الذي يحقق أفضل مجموعة من النتائج، ليس بالضرورة الأفضل.
النقاش هنا يعطي بعض القوة لدعاة التطور التدريجي الاجتماعي الذين يكرهون حماس دعاة خلق الدساتير. فإلى المدى الذي توجد فيه أنظمة مستقرة ومقبولة، فإن من الأفضل للمجتمعات عدم محاولة التغيير. الاعتراف بهذا القول لا يقودنا مع ذلك إلى وجهة النظر القائلة بأن الإصلاح المتعمد للأنظمة القائمة لن يكون مرغوباً فيه في جميع الأحوال.
المقولة هذه إنما تنبهنا فقط إلى الحاجة للأنظمة المتعلقة بالإجراءات التي يمكن بواسطتها تغيير الأنظمة القائمة، وبالأخص للتأكد بأن تغيير الأنظمة لا يجب أن يتم مرات عديدة متتالية، ودون الأخذ بالاعتبار ثمن المراحل الانتقالية. الألعاب التنسيقية الأساسية في المصفوفة (1-2) و(1-3)، مبسّطةٌ في بعد مهم آخر. وبغض النظر عن النزاع المتجدد دوماً بين الفرد ومصلحة “المجتمع”، والذي يستدعي موضوع إلزامية التنفيذ، هو الاختلاف بين الأفراد أنفسهم حول اختبار النظم التي يرغبون فيها. هذا الصراع الممكن قد طُمس عمداً في الألعاب التنسيقية التي بحثت حتى الآن. فليس هنالك خلاف بين اللاعبين الاثنين في ترتيب الخانات في المصفوفة.

أنظر، مع ذلك، في مثل آخر يظل ضمن القواعد العامة لقوانين القيادة. لأسباب سبق شرحها، هنالك فائدة واضحة من وجود نظام ما؛ الإطار مطابق لذلك الذي وصفناه في خانة “القيادة من جهة اليمين”-“القيادة من جهة اليسار” ولكن لنفترض أن هنالك قانونين ممكنين لتنظيم السلوك في المنعطفات، وليس بالإمكان إلا اختيار واحد منهما. نظام يقول “إعطاء الأولوية لجهة اليمين”؛ الثاني يقول “إعطاء الأولوية لجهة اليسار”. المصفوفة (1-4) أعلاه تبين هذا المنحى. لاحظ بأن الترتيب المتسلسل للخانتين موضوع البحث، يختلف ما بين (أ) و(ب)، مع (أ) مفضلا كثيراً النظام الأول أي “إعطاء الأولوية لجهة اليمين”، و(ب) مفضلاً كثيراً النظام الثاني، أي افسح الطريق إلى اليسار. مثل هذه الخلافات في الترتيب قد تحصل، على سبيل المثال، إذا ظن (أ) بأنه في صباح معظم الأيام سوف يتجه إلى المنعطف من يمين توجه (ب).
اللاعبان الاثنان يفضلان أنظمة مختلفة، على الرغم من حقيقة أن كليهما يفضلان وجود نظام بدلاً من لا نظام. والخلاف حول أي نظام الذي يجب أن يطبق قد يُولّد تأخيراً ونزاعاً بين المشاركين، حيث أن كلاً منهما سوف يحاول تعظيم المزايا المتأتية عن تحديد المسارات التي يتضمنها الاختيار بين أنظمة بديلة.
إن المزايا المتفاوتة التي تنشأ عن أنظمة مختلفة، من قبل أشخاص متعددين، لا يجب أن يبالغ في أهميتها. فإلى المدى الذي تكون فيه الأنظمة قديمة العهد، وأن الأفراد يتوقعون أن يحتلوا في نطاقها مراكز مختلفة، في مراحل متلاحقة من اللاعبة، فإن من المتوقع أن يتوجه اللاعبون إلى الاتفاق على النظام الذي يجب تطبيقه، بسرعة تفوق كثيراً ما يتضمنه التحليل النظري البسيط. ففي المثل الذي قدمناه، إذا تنبأ اللاعبان بأن كلاً منهما سوف يتجه نحو المنعطف في بعض الأحيان من اليمين، وفي بعض الأحيان الأخرى من اليسار، فإن المصفوفة ستوضع بموجب (1-2) بدلاً من المصفوفة (1-4).
5. أنظمة السوق
كان هدفنا في القسمين 2 و3 التعريف بعناصر عدة من القوانين، من خلال أمثلة شائعة مستقاة من الألعاب العادية من ناحية، وأنظمة الطرق من الناحية الأخرى. ولكن، وكما لاحظنا، فإن اهتمامنا الرئيسي هو حول الأنظمة التي تحكم النظام الاقتصادي–السياسي. في هذا الجزء، سوف نُقدم نظام السوق، أو النظام الاقتصادي، وفي القسم 6 سوف نبحث في قوانين النظام السياسي.
في المثالين الاثنين السابقين، الحاجة إلى نظام كانت واضحة بشكل مباشر؛ لا يستطيع المرء أن يتصور ألعاباً عادية أو أنظمة مرور بدون وجود أنظمة. وفيما يتعلق بالتفاعل الاقتصادي بين الأفراد، وهو الأكثر أهمية، فإن الأنظمة التي تحكم سلوك الأفراد كثيراً ما يتم تجاهلها. علماء الاقتصاد أنفسهم كانوا مهملين بشكل فاضح في هذا المجال. إن تمرينات تحليلية معقدة حول أعمال السوق تتم في كثير من المناسبات بدون أدنى إشارة إلى الأنظمة التي يتعامل الأفراد في الأسواق ضمن إطارها. لم يكن آدم سميث واحداً من أولئك المتجاهلين؛ فقد أكّد على أهمية “القوانين والمؤسسات”، في النظام الاقتصادي.
إن التباعد والتخلي عن تأكيد سميث والعلماء الكلاسيكيين على النظام يظهر أكثر ما يظهر في تحليلات “فشل الأسواق” في اقتصاديات الرفاه، والتي تطورت في العقود الوسيطة من القرن الماضي، حيث ادّعت بأن الأسواق سوف تفشل عندما تقارن وتقاس بالأنماط المنمقة المستقاة من تمارين علماء الاقتصاد في المعادلات الرياضية. فقد تمت التحليلات وكأن القيود المؤسسية لا علاقة لها إطلاقاً بالطريقة التي يتفاعل فيها الأفراد ضمن هياكل السوق.
إن أهمية وجود الأنظمة ربما تتجسد بشكل واضح بالرجوع إلى المثل الدارج فيما يتعلق بالاستغلال المشترك للموارد، والذي يشار إليه أحياناً بـ”المأساة المشتركة”. إذا كان الافتراض هو تعظيم الفائدة القصوى للمستفيدين لشرح سلوك الأفراد، فإن المشترك سوف يكون مكتظاً ومستغلاً أكثر مما يجب. ويُدعى بأن السوق قد فشل في تكوين استغلال كفءٍ لاستغلال هذا المورد الشحيح. ومع ذلك، وكما أصبح واضحاً حتى الآن، فإن المشكلة لا تكمن في عمليات السوق، ولكن، في الأنظمة التي يعمل المستفيدون من خلالها. أي تغيير في الأنظمة، بحيث يتم استغلال هذا المورد الشحيح من قبل الأفراد ذوي الملكية الفردية، جنباً إلى جنب مع وجود قوانين لتنفيذ وحماية حقوق الملكية الفردية، سوف يزيل ذلك الفشل في استغلال المورد المتاح. المثل يدل على أن تحيُز علماء الاقتصاد المتمثل في النظر إلى النتائج بدلاً من الأنظمة التي أوصلت إلى تلك النتائج، كان سبباً في خلق حالة من الارتباك العميق. فإصلاح النتائج يتأتى من خلال إصلاح الأنظمة، وليس من خلال التلاعب بالنتائج مباشرة.
إن الاندفاع المعتاد لعلماء اقتصاد الرفاه كان يأخذ شكل تأييد الحكومة أو التدخل الجمعي في الأسواق. وهنالك إهمال مقارن واسع لأهمية النظم والقوانين في توجهات علماء الاقتصاد الذين يؤيدون مؤسسات السوق وتوجهاته. لقد اتجه أولئك العلماء إلى إهمال أهمية الأنظمة، تحت تأثير افتراض سطحي مفاده أن السوق سوف يصلح نفسه “بغض النظر عن القيود المؤسسية”.
الافتراض هو أن حلول الأسواق من القوة بحيث أنها قادرة على اجتياح أية قيود مؤسسية قد تكون قائمة. يبدو أنه كان هنالك بعض الخلط بين السلوك الاقتصادي الناشط ضمن قيود محددة، وإمكانية نشاط اقتصادي بدوافع شخصية تعمل على تعديل الأنظمة نفسها. ويبدو ممكناً تماماً أن تكون نتائج الأسواق ناجحة ضمن مؤسسات محددة، ولكن قد تكون تلك المؤسسات في الوقت ذاته غير واعية لأهمية التغيير بدون توجيه مباشر ومحدد يحث تلك المؤسسات على التغيير والإصلاح.
ونعود إلى مثل الملكية المشتركة، حيث يمكن أن توجد أسواق صيد السمك تعمل جيداً، وحيث يكون هناك توازن بين العرض والطلب لإحراز نتائج مجزية تماماً في التخصيص والتوزيع (مع اعتبار الحدود المؤسسية والموارد)، ولكن في الوقت ذاته، فإن غياب حقوق الملكية في مناطق صيد الأسماك، يفشل في تحديد مجموعة الأنظمة التي تكون في جميع الأحوال مثالية.
وجه آخر من أنظمة السوق تستحق الاهتمام. ففي تحليلاتنا السابقة لأنظمة الطرق، وجدنا بأن الفعل الأساسي للأنظمة يتمثل في منع الأفراد من التغول على تصرفات الآخرين: الأنظمة هنا لها دور سلبي ألا وهو منع وقوع أضرار مسيئة. هذه هي أصلاً المهمة الرئيسية التي أوكلها هوبز إلى أنظمة المجتمع المدني لكبح جماح الفوضى. ولكن ضمن منظور سميث لنظام السوق، هنالك وجه إيجابي مهم للتفاعل الإنساني. فضمن وجهة نظر سميث للعالم، فإن توزيع الأعمال يولد مكاسب متبادلة نتيجة التعاون بين التجار، مكاسب يحصل عليها كل تاجر، ولكنها تتجاوز قدرة أي شخص واحد على فهمها فهماً تاماً. ففي كل مرحلة من المراحل المتتابعة في نظام تقسيم العمل، كل مشترك يستجيب لبيئته باستخدام قواه الخلاقة مباشرة في خدمة مصالحه، وبشكل غير مباشر، لخدمة مصالح الآخرين. إن تتابع مثل هذه الأفعال الخلاّقة يخلق نظاماً يعكس المزايا الضخمة المتأتية عن التعاون الإنساني، مثلما يقدم مجالاً لمزيد من الإنجازات الخلاقة. في كل نقطة من النقاط، يستطيع المرء تصور نظام السوق السائد، وأن يدرك طبيعة وحجم المكاسب من التعاون الإنساني في ظل تقسيم العمل. ولكنه لا يستطيع سلفاً معرفة طبيعة وحجم تلك المكاسب. أن يستطيع فعل ذلك يتطلب من المحلل أن يتحلى بجميع الخيال البنّاء، والمنتشر حالياً على اتساع جميع العوامل الاقتصادية.
أمران يتبعان وجهة النظر هذه. أولاً، هنالك شيء هو ليس بالضرورة بدون غاية بالنسبة لاختيار قواعد السوق. إذ كيف يمكنك اختيار القوانين في ضوء النتائج المحددة التي تؤدي إليها تلك الأنظمة، إذا كانت الطبيعة الدقيقة لتلك النتائج لا تكتشف إلا بعد أن تظهر؟ ثانياً، عندما تكون مؤسسات السوق محددة بشكل غير كاف، أو أن مجموعة أخرى من الأنظمة البديلة تطبق والتي لا تملك العناصر الإيجابية للسوق، فإن الأبعاد الحقيقية “للفشل” الطبيعي لا يمكن معرفتها جميعها. نستطيع الافتراض بأن العربة التي تعبئ التعاون البشري لم تكن تعمل بكامل قوتها—ولكن، ما كان يمكن أن يكون خلاف ذلك يظل في حيز التنبؤ والافتراض.
6. النظام السياسي

كثير من المحللين الاجتماعيين قد يتفقون بأن عمليات السوق تتم ضمن قواعد واضحة المعالم، وأن مثل هذه القواعد هي مواضيع مهمة للبحث. ولكنهم سيكونون أقل رغبة في تطبيق نفس الآراء إلى العمليات السياسية، بيد أن “خيارات” سياسية تظهر أيضاً نتيجة تفاعل العوامل الفردية ضمن مجموعة من الأنظمة المؤسسية، حيث يكون كل فاعل مقيداً بأفعال الآخرين. اللاعبون السياسيون يعملون في ظل قواعد واضحة المعالم تقريباً، وهم يتخذون خيارات بين أهداف متاحة أمامهم من أجل تعظيم مكاسبهم (والتي هنا، كما في أطر أخرى، تشمل أهدافاً أخلاقية بالإضافة إلى الأهداف الاقتصادية). المحك الأساسي هو ما إذا كانت مجموعة الأنظمة التي تحدد العلاقات بين أفراد مستقلين هي تلك المجموعة التي تقود الأفراد لتحقيق أفضل المصالح للآخرين، أو على الأقل، أن تمتنع عن إلحاق الأذى بهم.
هنالك طرق عدة للنظر إلى العمليات السياسية بنفس المعايير التي ننظر بها إلى الأسواق. الأولى والأكثر أهمية هنا هي النظر إلى العملية السياسية كنظام للتفاعل بين الأفراد والذي تنتج عنه النتائج الموازية. وجهة النظر هذه متوافقة مع عدد من الدوافع التي يمكن أن نعزوها إلى الأفراد، وأي عدد آخر من المقاييس والتي بواسطتها يمكننا تقييم القواعد المطبقة. أما الدوافع والمقاييس، فيمكن اختيارها من جعبة أدوات عالم الاقتصاد.
ما هو مهم هنا، مع ذلك، ليس الدافع وراء اللاعب، ولا المعايير التقديرية، إنما الاستعداد لفحص العملية السياسية بالمعايير العامة ذاتها التي نقيس بها الأسواق. الأفراد بتفاعلاتهم الموضوعية، وفق مجموعة من النظم (المؤسسات السياسية) لتحقيق تلك الأهداف، والتفاعل في النهاية، يؤدي إلى إقامة نتيجة محدددة ينتج عنها التوازن. فإذا كانت قدرات وأهداف الأفراد معروفة، فإن الطريقة الوحيدة لتغيير نمط النتائج يكمن في تغير الأنظمة. وتغيير الأنظمة بالمقابل سوف يُغيّر النتائج التي تنبثق عن أي مجتمع من الأفراد.
يجب أن ننبه القارئ هنا إلى الدقة الضرورية في التمييز بين الأنظمة والنتائج في الإطار السياسي. في أحد المستويات، فإن أنظمة اللعبة السياسية واضحة بشكل كافٍ: حكم الأغلبية؛ الانتخابات الدورية؛ القيود المختلفة على مقدرة الحكومة على الأخذ؛ وجود تقديم حساب متكامل حول نفقات الأموال العامة؛ التكوين الجغرافي للترتيبات الانتخابية، بما في ذلك إمكانية تقسيم الصلاحيات السياسية نفسها وفق الأنظمة اللامركزية، إلخ. ومع ذلك، فإن كثيراً من تلك المعالم نفسها تتكون من العملية السياسية. على سبيل المثال، التفاهمات فيما يتعلق بالمجال المناسب للنشاط العام، والتي لها قيمة دستورية مهمة، تتم إلى حد كبير بقرارات سياسية متواصلة. ومن هذا المنطلق، فإن التمييز بين الأنظمة والنتائج يميل إلى الغموض في الإطار السياسي.
يضاف إلى ذلك أنه ما دامت الأنظمة والقرارات ضمن النظم نفسها تنبثق عن عمليات سياسية متشابهة، فإن أهمية التمييز بينهما تبدو مبالغاً فيها. إنها في الحالات التي لا يكون التمييز فيها واضحاً أن تتعرض الأنظمة الأساسية في اللعبة إلى الخطر—ولهذا السبب علينا المحافظة على التمييز بين الأنظمة والنتائج ضمن الإطار السياسي.
7. أهمية الأنظمة
الحجة الأولى لدراسة الأنظمة تعتمد على الاعتراف بالدور الذي تقوم به الأنظمة في فرز نتائج متوازية أو نمط من النتائج لمجتمع من المشاركين الاجتماعيين يتمتعون بقدرات وأهداف. لقد جهدنا في توضيح أن التفاعل الذي يجري بين الأفراد أنفسهم ضمن أي مجتمع من المجتمعات قد يُولِّدُ العديد من النتائج الاجتماعية، رهناً بالأحكام التي تكون مرعية ومطبقة. ولكن فقط تلك النتائج الاجتماعية التي تكون مقبولة وذات جدوى هي تلك التي ينتج عنها توازن ضمن ترتيبات مؤسسية، ولهذا السبب، فإن من التضليل بحث جميع النتائج الاجتماعية التي يمكن تصورها واختيار أحدها كمثال لما هو أنسب في تقييم مستقل للمعايير. فالترتيبات المؤسسية تقيّد مجموعة النتائج ذات الجدوى بشكل لا يقل أهمية عن القيود الفيزيائية الأساسية التي تحدد آفاق المنتجات المرغوبة.
لئلا نُتهم بأننا نبني إنساناً من قش هنا فلننظر في الأبحاث المعتادة حول توزيع العدالة أو “الإنصاف” في دوائر السياسة العامة. الإجراء المعتاد هو دراسة جميع توزيعات الناتج العام التي تكون متفقة مع العطاء الأولي للقدرات الإنتاجية، مع الخسارة الضرورية في الإنتاج المتأتية عن إعادة التوزيع (على الرغم من أنه في بعض الحالات، يتم تجاهل الأمر الأخير).
بيد أن السؤال الدستوري الطبيعي هو: كيف لنا أن نتأكد بأن الاختيار “الأفضل” سوف يتم عبر العملية السياسية؟ سوف يكون من الأجدى، بكل تأكيد، أن نحدد مجموعات بديلة من الأنظمة السياسية، وأن نتفحص التوزيعات التي تتأتى عنها. فإذا لم يتبين بأن أياً منها تتناسب مع “الأفضل”، عندها يجب أن نصل إلى قناعة بأن “الأفضل” ليس ممكنا.
إن أي مروِّج للدستور يُصر على دراسة الأنظمة لأنه يسعى إلى ضم جميع القيود ذات الصلة ضمن تحليلاته. ولكن، أن تُترَك القيود المؤسسية جانباً ليس أقل خطأ، من الناحية التحليلية، من تجاهل القيود على القدرات الإنتاجية لعناصر الاقتصاد، أو إهمال القيود الناتجة عن شح أساسي في الموارد.
الحجة الثانية لدراسة الأنظمة هي مستقاة من الطبيعة ولها أبعاد مختلفة. فالاختيار بين الأنظمة، كونها مطبقة على امتداد سلسلة طويلة من الأفعال، وتكون فيها حظوظ كل لاعب غير مؤكدة، ينطوي على بعض الخصائص الخاصة التي تكون غائبة من إطار الاختيار ضمن الأنظمة التي يكون فيها موقف كل لاعب من اللاعبين محدداً بشكل دقيق. وبشكل محدد، هنالك نزوع طبيعي لتعارض المصالح بين اللاعبين، ولكن ذلك يميل إلى الاعتدال الكبير عند اختيار الأنظمة، وبالتالي توسيع آفاق الاتفاق فيما يتعلق بالأحكام والأنظمة بينهم.
هنالك، مع ذلك، بُعد آخر للحجة المعيارية والداعية إلى الاهتمام بالأنظمة بدلاً من النتائج. هذا يشمل الادعاء بأنه لا يستطيع المرء أن يُقيِّم النتائج إلا إذا توافرت المعلومات حول كيفية الوصول إليها. مثل هذا الادعاء يمكن تقديمه على أساس أن العملية هي في جذورها ذات علاقة معيارية، أو على أساس أن المعلومات في العملية بدورها تقدم معلومات حول النتائج، والتي بدونها يكون صعباً أو مستحيلاً القيام بأي تقييم.
أنظر في مثل بسيط. لنفترض بأن نتيجة اقتصادية معينة قد قُدمت يكون فيها (أ) مالكاً لخمس تفاحات وست حبات برتقال، بينما يملك (ب) عشر تفاحات وتسع حبات برتقال. إن تقييم هذه النتيجة يعتمد جزئياً على معرفتنا بمعلومات حول كيفية حدوث ذلك. لنفترض بأننا وجدنا بأن ما حدث هو نتيجة أخذ (أ) لست برتقالات كانت في الأصل في حوزة (ب). وإذا افترضنا بأن ملكية (ب) الأصلية تثبت شرعية امتلاكه لها، فإن النتيجة تصبح غير جذابة لأنها كانت نتيجة سرقة ارتكبها (أ)، لأن (أ) من خلال هذه النتيجة كان قد ارتكب مخالفة للأنظمة المرعية.
وبالطريقة ذاتها، فإن نتيجة أية مسابقة—سباق ركض مثلاً قد لا يكون لها أي مغزى معياري: أية نتيجة تكون مقبولة ما دام أن الأنظمة عادلة ويتم التقيد بها. ومن ناحية أخرى، مع أن النتائج تكون عادة ذات صلة، يمكن أن تكون العملية الموصلة إليها ذات أهمية أيضاً. رجل بريء يحكم عليه خطأ بجرم، قد يجد راحة في معرفة أن المحاكمة كانت عادلة تماماً، وإن كان طاقم المحلفين قد أخطأ في تقرير الحقائق. كذلك، فإن شخصاً مذنباً قد يجد ميّزة في مجريات محاكمة صحيحة تماماً، على الرغم من أن النتيجة هي أمر مفروغ منه. في الحالتين كلتيهما، العملية والنتيجة لها علاقة بالأهداف المعيارية.
الأنظمة يمكن أن تكون لها علاقة بمعنى آخر—ليس بسبب أن العمليات تتم بموجب أنظمة معينة، بل لأن التمسك بأنظمة معينة يقدم معلومات حول النتائج. هذه هي الحالة بشكل خاص عندما تكون عناصر النتيجة المتوخاة في كفاءة أدائها.
وبشكل محدد وإذا كان توزيع التفاح والبرتقال بين الشخص (أ) والشخص (ب) قد تم نتيجة تبادل حُرّ بين الفريقين، من نقطة البدء، وإذا افترضنا بأن التفاح والبرتقال يتمتعان بخصائص “السلع الفردية” المعتادة، فإننا نستطيع الافتراض بأن نتيجة التوزيع كانت كفؤة، أو على الأقل، أنها تراعي معيار باريتو في التجارة. ففي غياب معلومات حول كيفية التوصل إلى النتيجة النهائية، لا يوجد أي سبب يدعو إلى افتراض الكفاءة. وفي الحقيقة، وما لم يكن المحلل يملك القدرة على قراءة عقول الأشخاص المعنيين، وأن يستخلص مع ذلك الفائدة المرجوة لكل سلوك، فإنه لن تكون المعرفة ممكنة مطلقاً.
حقيقة أن النتائج تظهر من عملية تحكمها أنظمة محددة هي التي تقدم معلومات حول الوضع المعياري للنتيجة، والذي لن يكون ممكناً في غياب ذلك. وهنا توعز الأهمية المعيارية للنتيجة لا للعملية، بيد أن العملية تقدم دليلاً على طبيعة النتيجة.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 2 نيسان 2007.

peshwazarabic10 نوفمبر، 20101

المؤسسات هي القيود التي استنبطها الإنسان، والتي تنظم التفاعل السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وتتضمن قيوداً غير رسمية (العقوبات، والمحظورات، والعادات، والتقاليد، ولوائح السلوك)، وقوانين رسمية (الدساتير، والقوانين، وحقوق الملكية). وعبر التاريخ، تم استنباط المؤسسات بواسطة أشخاص كانوا قادرين على تأسيس النظام، وتقليص مستوى عدم اليقين في التبادل. وهي إلى جانب القيود الاقتصادية المعيارية، تحدد الخيار المعلن، وتقرر بناء عليه تكاليف العملية والإنتاج، وبالتالي، الربحية والجدوى الاقتصادية جراء المشاركة في النشاط الاقتصادي. كما أنها تتطور بشكل متزايد، لتصل بذلك الماضي مع الحاضر والمستقبل؛ والتاريخ نتيجة لذلك هو إلى حد كبير قصة التطور المؤسسي التي لا يمكن فهم الأداء التاريخي للاقتصادات فيها، إلا بصفته جزءاً من هذه القصة المسلسلة.
توفر المؤسسات هيكل الحوافز لاقتصاد ما؛ وعندما يتطور هذا الهيكل، يشكل اتجاه التغير الاقتصادي نحو النمو، أو الركود، أو التراجع. وهدفي في هذا المقال التوسع في إلقاء الضوء على دور المؤسسات في أداء الاقتصادات، وتوضيح تحليلي الشخصي من زاوية اقتصادية تاريخية.
فما الذي يجعل تقييد التفاعل البشري مع المؤسسات ضرورياً؟ يمكن تلخيص المسألة بشكل بليغ في سياق نظري للعبة ما. فالأفراد متعاظمو الثروات سيجدون أن التعاون مع لاعبين آخرين جدير بالاهتمام عندما يتم تكرار اللعبة، ويمتلكون معلومات كاملة حول الأداء السابق للاعب الآخر، ويكون هناك عدد قليل من اللاعبين. ومن الصعب أن يدوم التعاون عندما لا يتم تكرار اللعبة (أو تكون هناك نهاية لها)، وعندما تكون المعلومات حول اللاعبين الآخرين غير مكتملة، وهناك أعداد كبيرة من اللاعبين.
تعكس هذه الأقطاب المتنافرة أوضاعاً اقتصادية متضادة في الحياة الواقعية. وهناك العديد من الأمثلة حول مؤسسات التبادل البسيطة التي تفسح المجال أمام التعامل متدني التكلفة بموجب الشروط السابقة. بيد أن المؤسسات التي تتيح التعامل والإنتاج متدنيي التكلفة في عالم التخصص وتقسيم العمل، تحتاج إلى حل مشاكل التعاون البشري بموجب الشروط السابقة.
يتطلب الأمر وجود موارد لتحديد وتنفيذ اتفاقيات التبادل. وحتى لو كان لكل شخص نفس الهدف الوظيفي (مثل تعظيم أرباح الشركة)، فإن التعامل سيستنفذ موارد أساسية؛ ولكن في سياق سلوك الأفراد لزيادة الثروة، والمعلومات غير المتسقة حول قيمة مساهمة ما يجري تبادله (أو أداء العناصر)، تعتبر تكاليف العملية محدداً خطيراً للأداء الاقتصادي. إن المؤسسات وفاعلية التطبيق (إلى جانب التقنية المستخدمة)، تحدد جميعها تكلفة التعامل. والمؤسسات الفاعلة ترفع مستوى المنافع المتأتية من الحلول التعاونية أو تكاليف التراجع، لاستغلال الشروط النظرية للعبة. فضمن بنود تكلفة العملية، تقلل المؤسسات تكاليف العملية والإنتاج لكل عملية تبادل، بحيث يمكن تحقيق المكاسب المحتملة من التجارة. إن كلا من المؤسسات السياسية والاقتصادية هي عناصر رئيسية في أية منظومة مؤسسية فاعلة.
إن التركيز الرئيسي للكتب على المؤسسات وتكاليف العملية انصب على المؤسسات بصفتها حلولاً فعالة لمشاكل المؤسسات في الإطار التنافسي (ويليامسون 1975؛ 1985). وبناء عليه، يُنظر إلى تبادل الأسواق، أو منح الامتيازات، أو التكامل العمودي في هذه الكتب على أنها حلول فعالة للمشاكل المعقدة التي تواجه الرياديين في ظل الشروط التنافسية المتنوعة. وفي ضوء قيمة هذا العمل، فإن مثل هذا المنهج يستبعد المحور الرئيسي لهذا المقال: توضيح الأداءات المتباينة للاقتصادات عبر الزمن، وفي عالمنا الحالي.
فكيف يحقق اقتصاد ما الأسواق الفاعلة التنافسية التي تم افتراضها في المنهج السابق؟ إن القيود الاقتصادية الرسمية أو حقوق الملكية يتم تعيينها وتطبيقها من قبل المؤسسات السياسية، وتأخذ الكتب هذه الأمور على أنها أمور مسلم بها. بيد أن التاريخ الاقتصادي هو إلى حد كبير قصة الاقتصادات التي فشلت في إخراج مجموعة من القوانين الاقتصادية للعبة (مع التطبيق)، التي تحفز النمو الاقتصادي المستدام. إن المسألة الجوهرية لتاريخ الاقتصاد والتطور الاقتصادي هي تعليل تطور المؤسسات السياسية والاقتصادية التي تخلق بيئة اقتصادية تحدث إنتاجية متزايدة.
المؤسسات والحصول على المكاسب من التجارة
سيكون لدى العديد من القراء فكرة إلى حد ما على الأقل حول الاقتصاد التاريخي على مر الزمن على انه سلسلة من القصص المرحلية. إذ كان ينظر إلى الاقتصادات الباكرة على أنها تبادل محلي داخل قرية ما (أو حتى في مجتمع صيد وتجمع بسيط). تدريجياً، توسعت التجارة إلى خارج حدود القرية: أولاً إلى المنطقة، على الأرجح إلى اقتصاد أشبه ما يكون بسوق خيرية؛ ومن ثم إلى مسافات أبعد، بواسطة قوافل معينة أو طرق بحرية؛ وبالنهاية إلى شتى أنحاء العالم. وفي كل مرحلة، انطوى الاقتصاد على زيادة التخصص وتقسيم العمل، وعلى تقنية اكثر إنتاجية على نحو مستمر. لقد تم استنباط قصة هذا التطور التدريجي من الاكتفاء الذاتي المحلي، إلى التخصص وتقسيم العمل، من المدرسة الألمانية التاريخية. وعلى أية حال، لا يوجد مؤشر في هذا البحث أن التطور التاريخي الحقيقي للاقتصادات كان بالضرورة بموازاة تسلسل مراحل التبادل المذكورة هنا.[1]
أبدأ بالتبادل المحلي داخل قرية، أو حتى مجتمعات تبادل الصيد والتجمع البسيطة (التي فيها اجتمعت النساء بينما ذهب الرجال إلى الصيد). إن التخصص في هذا العالم بدائي، وتتسم معظم بيوت الأفراد بالاكتفاء الذاتي. وتوجد تجارة القرية صغيرة الحجم ضمن شبكة اجتماعية “كثيفة” من القيود غير الرسمية التي تسهل التبادل المحلي، أما تكلفة هذا التعامل في هذا السياق فهي متدنية. (رغم أن التكاليف المجتمعية الأساسية للمؤسسة القبلية أو القروية قد تكون مرتفعة، ولكن لا يتم عكسها في التكاليف الإضافية لعملية التعامل). ويملك الأشخاص فهماً شخصياً جداً لبعضهم البعض، ويشكل تهديد العنف قوة دافعة مستمرة للمحافظة على النظام بسبب تأثيراته على الأعضاء الآخرين في المجتمع.
وبامتداد التجارة إلى خارج حدود القرية الواحدة، على أية حال، فإن احتمالات الصراع بشأن التبادل تزداد. وينمو حجم السوق وتزداد تكاليف العملية بشكل حاد، بسبب تغير الشبكة الاجتماعية الكثيفة؛ وبناء عليه، ينبغي تخصيص موارد أكثر للقياس والتطبيق. وفي ظل غياب الدولة التي طبقت العقود، فإن المبادئ الدينية فرضت في العادة معايير السلوك على اللاعبين. غنياً عن القول، أن فعاليتها في تخفيض تكاليف التعامل اختلفت بشكل واسع، اعتماداً على الدرجة التي تم فيها الاعتقاد أن هذه المفاهيم ملزمة.
إن تطور التجارة لمسافة أبعد بواسطة القوافل أو الرحلات البحرية الطويلة يقتضي انفصالاً حاداً عن سمات الهيكل الاقتصادي. ويستلزم تخصصاً جوهرياً في عملية التبادل بين الأفراد الذين تقتصر حياتهم على التجارة وتطور المراكز التجارية التي يمكن أن تكون أماكن تجمع مؤقتة (كما كانت المعارض الأولى في أوروبا)، أو مدن أو بلدات أكثر ديمومة. وتعتبر بعض اقتصاديات الحجم—على سبيل المثال في زراعة المزارع—من سمات هذا العالم. ويبدأ التخصص الجغرافي في الظهور كسمة رئيسية، كما يحدث فضلاً عن ذلك بعض التخصص الوظيفي.
شكّل نمو تجارة المسافات الطويلة أطول مشكلتين مميزتين لتكلفة العملية. المشكلة الأولى هي مشكلة الوكالة الكلاسيكية، والتي قابلها تاريخياً استغلال القريب في التجارة لمسافة أبعد. أي أن تاجراً مقيماً يقوم بإرسال قريب له يحمل بضاعة للتفاوض بشأن البيع والحصول على عائد للبضاعة. وعملت تكلفة قياس الأداء، وقوة روابط القربى، وسعر البضاعة المرتدة، على تحديد نتيجة مثل تلك الاتفاقيات. وعندما نما حجم وكمية التجارة، أصبحت مشاكل الوكالة معضلة كبرى بشكل متزايد.[2] وتضمنت المشكلة الثانية تفاوض وتطبيق العقود في المناطق الأجنبية من العالم، حيث لا توجد وسيلة متاحة بسهولة للوصول إلى اتفاق وتطبيق العقود. ولا يعني التطبيق تطبيق مثل تلك الاتفاقيات فقط، إنما أيضاً حماية السلع والخدمات على الطريق من القراصنة، وقطاع الطرق، وما إلى ذلك.
وتم حل مشاكل تطبيق الاتفاقيات على الطريق بقوات مسلحة تحمي السفن أو القوافل بعد دفع مكوس أو أموال للمجموعات التعسفية المحلية. نموذجياً، استلزم التفاوض والتطبيق في المناطق الأجنبية من العالم تطور المقاييس والتدابير المعيارية، ووحدات للحساب، ووسيلة للتبادل، وكتّاب عدل، وقناصل، ومحاكم للقانون التجاري، ووجود مقاطعات لتجار أجانب محميين من جانب أمراء أجانب مقابل عائد معين. وبتخفيض تكاليف المعلومات، وتوفير حوافز للعقود فإن إنجاز هذا الشكل المعقد من المؤسسات، والمنظمات، والأدوات، جعل هذا التعامل وهذه المشاركة في التجارة بعيدة المسافة ممكناً. وعمل مزيج من الهيئات الطوعية وشبه القسرية، أو على الأقل الهيئات التي تستطيع بفاعلية أن تتسبب في نبذ التجار الذين لم يلتزموا بالاتفاقيات، على تمكين التجارة بعيدة المسافة من أن تحدث.
ويستلزم هذا التوسع للسوق مُنتِجين أكثر تخصصاً. نتج عن اقتصاديات الحجم بدايات المؤسسات المنتجة ذات التسلسل الهرمي، التي لديها عاملون بكامل الوقت، سواء في مكان مركزي، أو في خضم عملية إنتاجية متسلسلة. وتبرز البلدات وعدد من المدن المركزية، ويظهر الآن التوزيع الوظيفي للسكان، إضافة إلى ذلك، حصلت زيادة أساسية في نسبة القوى العاملة المشتركة في عملية التصنيع، وفي تقديم الخدمات، رغم استمرار التفوق التقليدي في الزراعة. وتعكس مراحل التطور هذه أيضاً تحولاً مهماً باتجاه تمدن المجتمع.
ومثل تلك المجتمعات تحتاج إلى تطبيق فعال وغير شخصي للعقود، لأن الروابط الشخصية، والقيود ذات الصفة الطوعية، وعمليات النبذ لن تعود فاعلة في الوقت الذي تبرز فيه أشكال أكثر تعقيداً وغير شخصية من التبادل. ليس الأمر أن هذه البدائل الشخصية والاجتماعية غير مهمة؛ إنها ما زالت مهمة حتى في عالم اليوم المتبادل الاعتماد. ولكن في غياب التعاقد غير الشخصي الفعال، فإن المكاسب من “الارتداد” كبيرة على نحو يكفي لإحباط تطور التبادل المعقد. وهناك مثالان يتعاملان مع تأسيس سوق لرأس المال، ومع التفاعل بين المؤسسات والتقنية المستخدمة.
ويستلزم سوق رأس المال وجود حماية لحقوق الملكية عبر الوقت، ولن يتطور ببساطة في الوقت الذي يستطيع فيه القادة السياسيون مصادرة الممتلكات اعتباطياً، أو تغيير قيمتها جذرياً. إن ترسيخ التزام ذي مصداقية لحماية حقوق الملكية على مر الزمن يقتضي إما حاكماً يمارس الليونة وتقييد استخدام القوة التعسفية، أو تقييد سلطات الحاكم لمنع المصادرة الاعتباطية للممتلكات. كان البديل للأول هو النجاح على نحو نادر لفترة طويلة في مواجهة الأزمات المالية الأزلية للحكام (كنتيجة إلى حد كبير للحروب المتكررة). بينما استلزم الأخير أزمات إعادة هيكلة جوهرية لحكومة الدولة، كما حدث في إنجلترا نتيجة الثورة العظيمة عام 1688، والتي تمخضت عن سيادة البرلمان على التاج.
واستلزمت التقنية المرتبطة بنمو التصنيع زيادة رأس المال الثابت في المصنع والمعدات، وإنتاجا غير متقطع، وقوة عمل منظمة، وشبكة مواصلات متطورة، وبشكل مختصر، اقتضت مصنعاً فاعلاً وأسواقا للمنتج. ويوجد تحت شبكة أسواق مثل تلك، حماية لحقوق الملكية، والتي تستلزم حكومة دولة، ونظاماً قضائياً يسمح بالتعاقد بتكاليف متدنية، وقوانين مرنة تتيح نطاقاً واسعاً من الهياكل المؤسسية، وتأسيس هياكل حوكمة معقدة للحد من مشاكل الوكالة في المؤسسات ذات التسلسل الهرمي.
وفي المرحلة الأخيرة، وهي المرحلة التي نلاحظها في المجتمعات الغربية المعاصرة، ازداد التخصص، وتطلبت الزراعة نسبة بسيطة من قوى العمل، وامتدت الأسواق لتشمل شتى أنحاء البلاد وشتى أرجاء العالم. وتنطوي اقتصاديات الحجم وجود مؤسسة كبيرة الحجم، ليس فقط في التصنيع، إنما أيضا في الزراعة. ويعيش كل فرد بتوليه وظيفة متخصصة، وبالاعتماد على شبكة واسعة من الأقسام المتشابكة الصلات لتوفير الكم الهائل من السلع والخدمات التي تلزمهم كأفراد. ويتحول التوزيع الوظيفي لقوى العمل تدريجياً من هيمنة التصنيع إلى هيمنة ما يطلق على أنها خدمات في النهاية. وأصبح المجتمع مدنياً بشكل ساحق.
وفي هذه المرحلة النهائية يقتضي التخصص زيادة نسبة موارد المجتمع التي يجب أن تشترك في التعامل، بحيث يتزايد قطاع التعامل ليشكل نسبة كبيرة من الناتج القومي الإجمالي. والواقع أن التخصص في التجارة، والتمويل، والأعمال المصرفية، والتأمين، فضلاً عن التنسيق البسيط للنشاط الاقتصادي ينطوي على نسبة متزايدة من قوى العمل.[3]
وتبرز من الحاجة، بناء على ذلك، أشكال عالية التخصص للمؤسسات التي تؤدي العملية. ويقتضي التخصص الدولي وتقسيم العمل مؤسسات ومنظمات لحماية حقوق الملكية عبر الحدود الوطنية بحيث يمكن أن تنشأ أسواق رأس المال (فضلاً عن أنواع أخرى من التبادل) مع الالتزام الجدير بالثقة من جانب اللاعبين.
يبدو وكأن هذه المراحل النظامية تندمج الواحدة في الأخرى في قصة متسلسلة من التعاون المتطور. ولكن هل هي كذلك فعلاً؟ وهل أن أي ترابط ضروري يعمل على نقل اللاعبين من أشكال التبادل الأقل تعقيداً إلى تلك الأكثر تعقيداً؟ إن ما يتعرض للخطر في خضم هذا التطور ليس فقط ما إذا كانت تكاليف المعلومات واقتصاديات الحجم، إلى جانب تطور التطبيق المحسن للعقود، ستتيح وتشجع بالفعل أشكال تبادل أكثر تعقيداً، إنما أيضاً ما إذا كانت المؤسسات تملك الحافز لامتلاك المعرفة والمعلومات التي ستحثها على التطور في اتجاهات أكثر إنتاجية من ناحية اجتماعية.
في الحقيقة، لا يوجد سبب ضروري عبر التاريخ لأن يحدث هذا التطور. وبالفعل، فإن معظم الأشكال الأولى للمؤسسات التي ذكرتها في هذه الأقسام ما زالت قائمة في يومنا هذا في مناطق من العالم. وما زالت هناك مجتمعات قبلية بدائية قائمة؛ إذ ما زالت السوق [The Suq] (اقتصادات السوق الخيرية التي تشترك في التجارة الإقليمية) تزدهر في مناطق عديدة من العالم، وفي حين أن تجارة القوافل قد اختفت، إلا أن زوالها (فضلاً عن التقليص التدريجي لأهمية الشكلين الآخرين من التبادل “البدائي”) عكس قوى خارجية وليس تطوراً داخلياً. وفي المقابل، أحدث تطور التجارة الأوروبية لمسافات بعيدة تطوراً تسلسلياً لأشكال أكثر تعقيداً من المؤسسات.
وسيبحث باقي هذا البحث أولاً فيما تبدو أشكالا بدائية للتبادل التي أخفقت في التطور، ومن ثم التطور المؤسسي الذي حدث في بداية أوروبا الحديثة. وسوف يحاول القسم الختامي للبحث أن يذكر سبب تطور بعض المجتمعات ومؤسسات التبادل، وعدم تطور بعضها الآخر، وأن يطبق إطار العمل ذلك في سياق التطور الاقتصادي في النصف الغربي من الكرة الأرضية خلال القرنين الثامن والتاسع عشر.
عندما لا تتطور المؤسسات
في كل نظام تبادل، يكون لدى ممثلي السوق حافزاً لاستثمار وقتهم، ومواردهم، وطاقتهم في المعرفة والمهارات التي ستعمل على تحسين مركزهم المادي. ولكن في عدد من الأوضاع المؤسسية البدائية، فإن نوع المعرفة والمهارات التي ستجدي نفعاً لن ينتج عنه تطور مؤسسي باتجاه اقتصادات أكثر إنتاجية. ولتوضيح هذه الحجة، أعتبر أن هناك ثلاثة أنواع بدائية من التبادل—المجتمع القبلي، واقتصاد إقليمي مع تجارة السوق الخيرية، وتجارة القوافل لمسافات بعيدة—التي من المحتمل أن تتطور.
وكما أشرنا سابقاً، فإن التبادل في مجتمع قبلي يعتمد على شبكة اجتماعية كثيفة. وتصف إليزابيث كولسون (1974: 59) الشبكة كالتالي:
إن المجتمعات التي يعيش فيها هؤلاء الأشخاص جميعاً كان يحكمها توازن دقيق للقوى، وهذه القوى معرضة دائماً للخطر، ولا يجب أن تؤخذ كأمر مسلم به: كان كل شخص مشتركاً باستمرار في حماية مركزه الخاص في الحالات التي توجب عليه فيها أن يثبت نواياه الحسنة. ويبدو أن الأعراف والعادات مرنة ومنسابة بالنظر إلى أن الحكم على ما إذا كان شخص ما قد فعل ما هو مناسب أم لا يختلف من حالة إلى أخرى… غير أن سبب ذلك كان أن الفرد هو الذي تجري محاكمته وليس الجريمة. وفي ظل هذه الشروط، فإن الاستهزاء بالمعايير المقبولة عموماً يعادل الادعاء بسلطة غير شرعية، ويصبح جزءاً من الدليل ضد المرء.
إن تأثيرات تحليل كولسون، فضلاً عن تحليل ريتشارد بوزنر في اعتباره للمؤسسات البدائية (1980)، هو أنه كان ينظر إلى الانحراف والابتكار على أنهما تهديداً لاستمرار بقاء المجموعة.
وهناك شكل آخر للتبادل كان قائماً لآلاف السنين، وما زال قائماً إلى يومنا هذا في شمال إفريقيا والشرق الأوسط وهو السوق [The Suq]، حيث توجد فيها تبادلات واسعة الانتشار وغير شخصية نسبياً، مع تكاليف تعامل عالية إلى حد ما. وتتمثل الخصائص الرئيسية للسوق في العدد الوافر من المؤسسات صغيرة الحجم، واشتراك ما نسبته 40 إلى 50 في المائة من قوى العمل في المدينة في عملية التبادل هذه؛ وفي التكاليف الثابتة المتدنية المتعلقة بالإيجار والآلات؛ وفي التقسيم الدقيق جداً للعمل؛ وفي العدد الذي لا يحصى من الصفقات الصغيرة التي تعتبر كل واحدة منها بشكل أو بآخر مستقلة عن اللاحقة؛ وفي الاتصال وجهاً لوجه؛ وفي السلع والخدمات غير المتجانسة.
لا توجد مؤسسات متخصصة لجمع وتوزيع المعلومات عن السوق، أي لا توجد مؤشرات أسعار، وتقارير إنتاج، ووكالات توظيف، وأدلة مستهلكين، وما إلى ذلك. أما أنظمة المواصفات والمقاييس فهي معقدة وموحدة المعايير بشكل غير تام. وتبدو مهارات التبادل متطورة بشكل مفصل ومدروس، وهي المحدد الرئيسي لمن يزدهر في السوق. كما أن المساومة حول الشروط المتعلقة بأية ناحية أو شرط من شروط التبادل فهي منتشرة، وعنيفة، ومتواصلة. فالشراء والبيع غير مميزين فعلياً، وهما في الأساس نشاط واحد؛ وينطوي التبادل التجاري على بحث مستمر عن شركاء معينين، وليس مجرد عرض السلع أمام الجمهور العام. واشتمل تنظيم النزاعات على شهادات من جانب شهود يعتمد عليهم كانوا شاهدين على القضايا الفعلية، وليس على ثقل قوانين المنافسة القضائية. وكانت الضوابط الحكومية على نشاط السوق هامشية، وغير مركزية، وعلى الأغلب خطابية.
وفي الملخص، فإن الملامح الرئيسية للسوق [The Suq] هي (1) تكاليف قياس عالية؛ (2) جهود متواصلة في التواصل مع الزبائن (تطور علاقات التبادل المتكررة مع الشركاء الآخرين، مهما كانوا غير مناسبين)؛ (3) المساومة المكثفة عند كل هامش. وفي جوهرها، فإن اللعبة هي في زيادة تكاليف التعامل على الطرف الآخر لعملية التبادل. ويجني المرء النقود بحصوله على معلومات أفضل من تلك التي حصل عليها خصمه.
ومن السهل إدراك سبب النظر إلى الابتكار على أنه يهدد استمرار البقاء في مجتمع قبلي، بيد أن الأصعب فهمه هو سبب استمرار هذه الأشكال “غير الفاعلة” من المساومة في السوق. وقد يتوقع المرء، في المجتمعات التي نعرفها، أن المنظمات الطوعية ستتطور للحماية من المخاطر ومستوى عدم اليقين المتعلقة بمثل هذه المعلومات غير المتسقة. ولكن، تلك هي المسألة تحديداً. إن ما تفتقد إليه السوق [The Suq] هي الأساسيات الجوهرية للمؤسسات التي ستجعل مثل تلك المؤسسات الطوعية قابلة للحياة ومربحة. وتتضمن هذه الأساسيات هيكلاً قانونياً فاعلاً، ونظام محاكم لتطبيق العقود التي بدورها تعتمد على تطور المؤسسات السياسية التي ستخلق مثل ذلك الإطار. وفي غيابها، لا يوجد حافز لتغيير النظام.
والشكل الثالث من التبادل، تجارة القوافل، يوضح القيود غير الرسمية التي جعلت التجارة ممكنة في عالم كانت الحماية فيه أساسية، ولم تكن هناك دولة منظمة قائمة. ويعطي كليفورد غيرتز (1979: 137) وصفاً لتجارة القوافل في المغرب في بداية القرن:
بالمعنى الضيق، فإن الزيتاتا (من الكلمة البربرية تازيتات [TAZETTAT]، وتعني قطعة صغيرة من القماش)، عبارة عن غرامة مرور، أي مبلغ يدفع للسلطة المحلية… من أجل الحماية عند عبور المواقع التي توجد فيها مثل هذه السلطات المحلية. ولكنها في الحقيقة، أو بالأحرى كانت، أكثر بقليل من مجرد دفع مبلغ. لقد كانت جزءاً من طقوس أخلاقية كاملة معقدة، أو عادات بقوة القانون، ووزن العقوبة—التي تمحورت حول علاقات الضيف-المضيف، الزبون-النصير، الملتمس-المقدم إليه الالتماس، المنفي-الحامي، المتضرع-الإله—والتي جميعها تشكل بطريقة أو بأخرى حزمة مجتمعة في الريف المغربي. إن دخول العالم القبلي جسدياً يفرض على التاجر الجوال (أو وكيله على الأقل) أن يدخله ثقافياً أيضاً.
ورغم التنوع الواسع لأشكال معينة تظهر من خلالها ذواتهم، فإن خصائص الحماية في المجتمع البربري في أعالي ووسط جبال أطلس واضحة وثابتة. إن الحماية شخصية، وغير مؤهلة، وصريحة، وينظر إليها على أنها إعطاء شخص معين شهرة رجل آخر. ربما تكون الشهرة سياسية، أو معنوية، أو روحية، أو حتى صفة شخصية خصوصية، أو على الأغلب الأربع نقاط التي ذكرت جميعها مرة واحدة. بيد أن العملية الأساسية هي أن الرجل الذي يعمل على ’قف وتكلم – قُم وقال، كما ورد في العنوان الكلاسيكي‘ لأولئك الأشخاص قائلاً: “هذا الرجل يخصني، فإذا أسأت إليه أهنتني، فإذا أهنتني فسوف تتحمل النتيجة.” ومنح البركة (البركة المشهورة)، وحسن الضيافة، والملجأ، والممر الآمن، هي متشابهة في هذا الأمر: فهي تقع على الأرجح، على الفكرة المتناقضة نوعاً ما بأنه رغم أن الهوية الشخصية هي فردية إلى حد بعيد في كلا من جذورها وتعبيراتها، إلا أنه بالإمكان دمغها على ذات شخص آخر.
وبينما يجد شيوخ القبائل أن الأمر مربحاً لدى حماية قوافل التجار، لكنهم لا يملكون القوة العسكرية ولا الهيكل السياسي لتمديد، وتطوير، وتطبيق حقوق ملكية اكثر استدامة.
التطور المؤسسي في بداية أوروبا الحديثة
على النقيض من العديد من أنظمة التبادل البدائية، كانت التجارة بعيدة المسافة في بداية أوروبا الحديثة من القرن الحادي عشر إلى القرن السادس عشر عبارة عن قصة مؤسسات أكثر تعقيداً بشكل تسلسلي، والتي أدت في النهاية إلى نهضة العالم الغربي. دعوني أولاً أصف بشكل مختصر الابتكارات، ثم استكشف بعض مصادرها المتضمنة.
فالابتكارات التي خفضت تكاليف العملية اشتملت على تغييرات مؤسسية، وأدوات، وأساليب معينة، وخصائص تطبيق عملت على تخفيض تكاليف المشاركة في التبادل عبر مسافات بعيدة. وقد حدثت هذه الابتكارات عند ثلاثة هوامش من التكاليف: (1) تلك التي زادت من حركة رأس المال؛ (2) تلك التي خفضت تكاليف المعلومات؛ (3) وتلك التي وزعت المخاطر. ومن الواضح أن الفئات متشابكة، ولكنها تزود وسيلة مفيدة لتمييز ملامح تخفيض تكلفة التعامل. إن لجميع هذه الابتكارات أصولها في الأزمنة الأولى، وتمت استعارة معظمها من مدن الدول الإيطالية في العصور الوسطى أو الإسلام، أو البيزنطينيين، ومن ثم التوسع فيها.
ومن بين الابتكارات التي عززت حركة رأس المال، الأساليب والوسائل التي تطورت لتجنب قوانين الربا. إن تنوع الوسائل البارعة عملت على تورية الفائدة في عقود القروض، وتراوحت من “جزاءات على السداد المتأخر” إلى التلاعب بأسعار التبادل (لوبيز وريموند 1955: 163)، إلى الأشكال الأولى من الرهن العقاري، لكنها كلها زادت من تكاليف التعاقد. إن تكلفة قوانين الربا لم تتمثل في كونها جعلت كتابة العقود لتورية الفوائد معقدة وتشكل عبئاً فقط، بل أيضاً في أن تطبيق مثل تلك العقود أصبح مشكلة على نحو أكثر. وعندما زاد الطلب على رأس المال، وأصبح التهرب أكثر عموماً، انهارت قوانين الربا تدريجياً، وتم السماح بمعدلات الفائدة. ونتيجة لذلك، تراجعت تكاليف كتابة العقود، وتكاليف تطبيقها.
والابتكار الثاني الذي حسن حركة رأس المال، والذي تلقى الاهتمام الأكبر، كان تطور ورقة التبادل (أمر بالدفع يحمل تاريخاً، لنفرض 120 يوماً بعد الإصدار، عادة ما كان يكتبه البائع ضد مشتري سلع مستلمة)، وبالتحديد تطور أساليب وأدوات تسمح بتفاوضها فضلاً عن تطور أساليب الخصم. قابلية التفاوض والخصم بدورهما اعتمدا على خلق مؤسسات تسمح باستخدامهما، وتطور مراكز يمكن أن تحدث فيها مثل هذه الفعاليات: أولاً في المعارض، مثل معرض شامبين الذي لعب دوراً مهيمناً في التبادل الاقتصادي في أوروبا القرنين الثاني والثالث عشر؛ ومن ثم بواسطة البنوك؛ وفي النهاية بواسطة بيوت المال التي يمكنها أن تتخصص في الخصم. ولم تكن هذه التطورات وظيفة مؤسسات معينة فقط، إنما أيضا مقياس لحجم النشاط الاقتصادي. ومن الواضح أن الحجم المتزايد جعل مثل تلك التطورات المؤسسية ممكناً. وإضافة إلى اقتصاديات الحجم اللازمة لتطور أوراق التبادل، فإن إمكانية التطبيق المحسن للعقود كانت مهمة، بالإضافة إلى العلاقة المتشابكة بين تطور أساليب المحاسبة والتدقيق واستخدامها كدليل في تحصيل الديون وفي تطبيق العقود (ياني 1949؛ واتس وزيمرمان 1983).
وهناك أيضاً ابتكار ثالث أثر في حركة رأس المال، نشأ من المشاكل التي ارتبطت بالمحافظة على سيطرة الوكلاء المشتركين في التجارة بعيدة المسافة. وكان القرار التقليدي لهذه المشكلة في العصور الوسطى وبدايات الأزمنة الحديثة استخدام روابط القربى والعائلة لإلزام الوكلاء بالقوانين. ولكن مع نمو حجم ونطاق إمبراطوريات التجارة وتمدد السلوك الحذر ليشمل آخرين غير القربى فيما يتعلق بالقوانين اقتضى تطور إجراءات محاسبية أكثر توسعاً لمراقبة سلوك الوكلاء.
وكانت التطورات الرئيسية في مجال تكاليف المعلومات هي طباعة أسعار السلع المتنوعة، فضلاً عن طباعة أدلة وفرت معلومات حول الأوزان والإجراءات، والجمارك، وأجور الوساطة، وأنظمة البريد، وعلى وجه الخصوص، أسعار التبادل المعقدة بين الأموال في أوروبا والعالم. ومن الواضح أن هذه التطورات كانت تعتمد بشكل رئيسي على حجم التجارة الدولية، وبناء عليه، نتيجة لاقتصاديات الحجم.
وكان الابتكار الحاسم في هذا السياق تحوّل عالم عدم اليقين إلى مبدأ المخاطر. وأعني بعدم اليقين هنا حالة لا يستطيع المرء فيها تأكيد احتمالية حدوث حدث ما، وبناء عليه، لا يستطيع الوصول إلى وسيلة للتأمين ضد هذا الحدوث. بينما تتضمن المخاطر، من ناحية أخرى، المقدرة على اتخاذ قرار تأميني لاحتمالية حدوث حدث ما، وبناء عليه التأمين ضد هذه النتيجة. وفي العالم المعاصر، فإن التأمين وتنويع المحفظة المالية هي أساليب لتحويل عدم اليقين إلى المخاطر، والتقليص، بناءً عليه، من تكاليف التعامل بواسطة تخصيص صندوق تحوط ضد المتغيرات. وفي العصور الوسطى وبداية العالم الحديث، حدث نفس التحول بالتحديد. فعلى سبيل المثال، تطور التأمين البحري من عقود فردية متشتتة تغطي دفعات جزئية مقابل خسائر العقود التي أصدرتها شركات متخصصة. وكما وصف دو روفر (1945: 198) قائلاً:
بحلول القرن الخامس عشر، تم تأسيس التأمين البحري على أسس متينة. وأصبحت صياغة السياسات نمطية فعلياً وتغيرت بشكل بسيط خلال الثلاث أو الأربع مائة عام التالية… وفي القرن السادس عشر، كانت الممارسة الشائعة فعلياً استخدام النماذج المطبوعة المزودة بمساحات بسيطة فارغة لكتابة اسم السفينة، واسم الربان، ومبلغ التأمين، والقسط، وعدد قليل من البنود الأخرى التي كانت تميل للتغير من عقد إلى آخر.
وكان المثال الآخر حول تطور المخاطر الاكتوارية القابلة للتحقق بشأنها، مؤسسة الأعمال التي وزعت المخاطر إما بواسطة تنويع المحفظة المالية، أو مؤسسات سمحت لأعداد كبيرة من المستثمرين المشاركة في الأنشطة المحفوفة بالمخاطر. فعلى سبيل المثال، كان “الأمر” عقداً يستخدم في التجارة بعيدة المسافة بين شريك مقيم وشريك فاعل رافق السلع. وتطور من أصوله اليهودية، والبيزنطية، والإسلامية (يودوفيتش، 1962)، وحتى من جانب الإيطاليين، إلى (إنجليش ريجيوليتيد كومباني)، وأخيراً (جوينت ستوك كومباني)، حيث قدم بذلك قصة ثورية حول تحويل المخاطر إلى عملية مؤسسية.
تطورت هذه الابتكارات بالتحديد، إلى جانب أدوات مؤسسية معينة، من التفاعل بين قوتين اقتصاديتين جوهريتين: اقتصاديات الحجم المرتبطة بنمو حجم التجارة، وتطور آليات محسنة لتطبيق العقود بتكلفة أقل. وتجري هذه العلاقة السببية في الاتجاهين. أي أن الحجم المتزايد للتجارة بعيدة المسافة زاد من معدل العائد للتجار من استنباط آليات فاعلة لتطبيق العقود. وفي المقابل، خفض تطور مثل تلك الآليات تكاليف التعاقد، وجعل التجارة أكثر ربحية، وبذلك زاد من حجمها.
كانت عملية تطوير آليات تطبيق جديدة عملية طويلة. ففي حين أن عدداً من المحاكم قد عالجت النزاعات التجارية، إلا أن تطور آليات التطبيق من جانب التجار أنفسهم هي التي تعتبر مهمة. ويبدو أن قابلية التطبيق كان لها بداياتها في تطور لوائح السلوك الداخلية في النظام الودي لتجار النقابات المهنية في العصور الوسطى، وكان يتم تهديد الأشخاص الذين لم يمتثلوا للوائح بنبذهم. وتمثلت الخطوة الأخرى بتطور القانون التجاري. لقد حمل التجار لدى القيام بالتجارة بعيدة المسافة لوائح سلوك تجارية، بحيث تم تمرير قوانين بيسان إلى اللوائح البحرية الخاصة بمرسيليا، وأعطت أوليرون ولوبيك القوانين إلى شمال أوروبا، وبرشلونة إلى جنوب أوروبا، ومن إيطاليا جاء المبدأ القانوني للتأمين وأوراق التبادل (ميتشل 1969: 156).
وزود تطور أساليب محاسبية أكثر تعقيداً والسجلات العدلية دليلاً لتأكيد الحقائق أثناء النزاعات. وشكل المزج التدريجي للهياكل الطوعية لتطبيق العقود بواسطة مؤسسات التاجر الداخلية مع التطبيق الذي فرضته الدولة جزءاً مهماً من قصة زيادة قابلية تطبيق العقود. كما أن التطور الطويل للقانون التجاري من بداياته الطوعية، والاختلافات في القرارات التي كانت موجودة في كلا من القانون العام والقانون الروماني، يشكلان جزءاً من القصة.
وكانت الدولة لاعباً رئيسياً في هذه العملية بأكملها، وكان هناك تفاعلاً مستمراً بين الحاجات المالية للدولة ومصداقيتها في علاقتها مع التجار والمواطنين بشكل عام. وعلى وجه الخصوص، تأثر تطور أسواق رأس المال بشكل مهم بسياسات الدولة، حيث أنها إلى حد ما كانت مقيدة بالتزامات بأنها لن تصادر الممتلكات، أو تستخدم القوة التعسفية لزيادة عدم اليقين، وبدلاً من ذلك، جعلت تطور المؤسسات المالية وخلق أسواق أكثر كفاءة لرأس المال ممكناً. وكانت عملية تقييد السلوك الاعتباطي للحكام، وتطور القوانين غير الشخصية التي ألزمت بشكل ناجح كل من الدولة والمؤسسات التطوعية، جزءاً رئيسياً من هذه العملية برمتها. وأصبح تطور العملية المؤسسية التي أصبح بالإمكان بواسطتها تدوير الدين الحكومي جزءاً من سوق رأس المال النظامي، كما أن إمكانية تمويله بمصدر منتظم من الضرائب شكلت جزءاً مهماً من ذلك (تريسي 1985؛ نورث ووينغاست 1989).
وتم ضم هذه الابتكارات المتنوعة والمؤسسات معاً في هولندا، في أمستردام تحديداً، لكي تخلق سَلَف مجموعة الأسواق الحديثة الفاعلة التي تتيح المجال أمام نمو التبادلات والتجارة. واجتذبت سياسة الهجرة المفتوحة المغامرين. وتم تطوير أساليب فاعلة لتمويل التجارة بعيدة المسافة، وأيضاً تطوير أسواق رأس المال وأساليب الخصم في بيوت المال والتي خفضت تكاليف سندات تأمين هذه التجارة. وكان تطوير الأساليب لتوزيع المخاطر وتحويل عدم اليقين إلى مخاطر تأمينية قابلة للتحقق بشأنها، فضلاً عن خلق أسواق الحجم الكبير التي أفسحت المجال أمام تخفيض تكاليف المعلومات، وتطوير مديونية حكومية قابلة للتفاوض، جميعها تشكل جزءاً من هذه القصة (باربر 1949).
قصص متناقضة للاستقرار والتغيير

تمضي هذه القصص المتناقضة للاستقرار والتغيير إلى قلب الأحجية التي تعلل التغييرات في الظروف الاقتصادية الإنسانية. ففي الحالات السابقة، لن يحفز النشاط المتعاظم من جانب اللاعبين زيادة المعرفة والمهارات التي ستعدل الإطار المؤسسي لتحفيز إنتاجية أكبر؛ وفي الحالة الأخيرة، يشكل التطور قصة متناغمة للتغيير المتزايد الذي تم تحفيزه بواسطة المكاسب الشخصية، لكي تحققه التغييرات النظامية والمؤسسية التي زادت الإنتاجية. فما الذي ميز السياق المؤسسي لأوروبا الغربية عن الأمثلة الأخرى؟ لقد كانت الإجابة التقليدية من جانب المؤرخين الاقتصاديين هي المنافسة بين الوحدات السياسية الأوروبية المشتتة التي أبرزتها التقنية العسكرية المتغيرة والتي أجبرت الحكام على السعي للحصول إلى عوائد أكثر (بعمل مساومات مع الناخبين) من أجل الاستمرار في البقاء (نورث وثوماس 1973؛ جونز 1981؛ روزنبيرغ وبريدزيل 1986). لقد شكل ذلك بالتأكيد جزءاً من الإجابة؛ فالمنافسة السياسية من أجل البقاء في بداية أوروبا الحديثة كانت بدون شك أكثر حدة عنها في مناطق أخرى من العالم. ولكنها إجابة جزئية فقط. فلماذا جاءت النتائج متناقضة داخل أوروبا الغربية؟ ولماذا تراجعت إسبانيا، أعظم قوة في أوروبا القرن السادس عشر، في حين أن هولندا وانجلترا تطورتا؟
للبدء في الحصول على إجابة (وهذه بداية فقط)، علينا أن نبحث عميقاً في جزأين رئيسيين من الأحجية: العلاقة بين الإطار المؤسسي الأساسي، الذي جاء نتيجة الهيكل النظامي، والتغير المؤسسي، وبين الطريق الاعتمادي الطبيعة للتغير الاقتصادي الذي جاء نتيجة العوائد المتزايدة التي كانت سمة الإطار المؤسسي.
في الروايات المؤسسية التي ذكرت سابقاً، عكس اتجاه وشكل النشاط الاقتصادي من جانب الأفراد والمؤسسات الفرص التي أنتجها الإطار المؤسسي الأساسي للعادات، والمبادئ الدينية، والقوانين الرسمية (وفعالية التطبيق). وسواء ندرس إطار التجارة في السوق [The Suq] أو في معارض شامبين، ففي كل حالة كان التاجر مقيداً بالإطار المؤسسي، فضلاً عن القيود التقليدية الشائعة في النظرية الاقتصادية.
ففي كل حالة كان التاجر يستثمر في الحصول على المعرفة والمهارات التي تزيد من ثروته. ولكن في الحالة السابقة، كانت المعرفة والمهارات المحسنة تعني الحصول على معلومات أفضل حول الفرص، وامتلاك مهارات مساومة أكبر من تلك التي يملكها التجار الآخرون، حيث أن الفرص المربحة جاءت من كون المرء مطلع بشكل أفضل، وكونه مساوماً أكثر مهارة من التجار الآخرين. ولم يحفز أي من النشاطين التغيير في الإطار المؤسسي الأساسي. وفي المقابل، في حين أن التاجر في المعرض الأوروبي في العصور الوسطى كان سيربح من غير شك من الحصول على مثل هذه المعلومات والمهارات، إلا انه سيكسب أيضا من استنباط طرق لإلزام زملائه التجار، لتأسيس محاكم للتجار، لتحفيز الأمراء على حماية السلع من قطاع الطرق مقابل عائد ما، ولاستنباط طرق لخصم أوراق التبادل. واستثماره في المعرفة والمهارات كان سيعمل تدريجياً وبشكل متزايد على تغيير الإطار المؤسسي الأساسي.
لاحظ أن التطور المؤسسي لم يستلزم فقط وجود مؤسسات طوعية عملت على توسيع التجارة وجعلت التبادل أكثر إنتاجية، بل أيضا على تطور الدولة لتتولى حماية وتطبيق حقوق الملكية، في الوقت الذي جعل فيه التبادل غير الشخصي تطبيق العقود مكلفاً بشكل متزايد بالنسبة للمؤسسات الطوعية التي افتقرت إلى وجود قوة قسرية فعالة. واستتبع القسم الآخر من التطور المؤسسي تقييد السلوك الاعتباطي للدولة إزاء النشاط الاقتصادي.
إن اعتمادية الطريق هي أكثر من مجرد عملية متراكمة للتطور المؤسسي، والتي يوفر فيها الإطار المؤسسي ليوم أمس الفرصة المعدة لمؤسسات يومنا هذا وللمغامرين المختلفين (سياسياً أو اقتصادياً). وتتألف المصفوفة المؤسسية من شبكة متبادلة الاعتماد من المؤسسات، ومؤسسات سياسية واقتصادية تالية تتميز بعوائد هائلة متزايدة.[4] أي أن المؤسسات تدين بوجودها إلى الفرص التي وفرها الإطار المؤسسي. وينشأ الخروج عن الشبكة بسبب تكاليف الإنشاء المبدئية (مثل الإنشاء الجديد للدستور الأمريكي في عام 1787)، وتأثيرات التعلم الموصوفة سابقاً، وتأثيرات التنسيق بواسطة عقود مع مؤسسات أخرى، والتوقعات المقتبسة الناشئة عن انتشار التعاقد الذي اعتمد على المؤسسات القائمة.
عندما تتطور الاقتصادات فعلاً، بناء على ذلك، فلا شيء بشأن العملية يدعم النمو الاقتصادي. لقد كانت الحالة عموماً أن هيكل الحوافز الذي قدمه الإطار المؤسسي الأساسي يخلق فرصاً للمؤسسات التالية لكي تتطور، بيد أن اتجاه تطورها لم يكن لتعزيز الأنشطة التي تزيد الإنتاجية. بدلاً من ذلك، تمت زيادة الربحية الخاصة عن طريق خلق احتكارات، وبتقييد عملية الدخول وحركة عوامل الإنتاج، والمؤسسات السياسية التي رسخت حقوق الملكية التي أعادت توزيع الدخل بدلاً من زيادته.
والتواريخ المتناقضة لكل من هولندا وانجلترا من الجهة الأولى، وإسبانيا من الجهة الأخرى، عكست مجموعة الفرص المختلفة للاعبين في كل حالة. ولتقييم التأثير المنتشر لاعتمادية الطريق، دعنا نمدد الرواية التاريخية لإسبانيا وانجلترا لتشمل التاريخ الاقتصادي للعالم الجديد والتناقض المذهل في تاريخ المناطق شمال وجنوب نهر ريو العظيم.
ففي حالة شمال أمريكا، تم تشكيل المستعمرات الانجليزية في القرن الذي كان فيه الصراع بين البرلمان والتاج قد وصل إلى مرحلة الذروة. وتمت موازاة التنوع الديني والسياسي الموجود في البلد الأم بمثيله في المستعمرات. وكان التطور العام باتجاه السيطرة السياسية المحلية ونمو الجمعيات واضحاً كذلك. وبالمثل نقل سكان المستعمرات السيطرة على الأرض بطريقة الامتلاك الشائعة وغير المقيدة (رسوم بسيطة لحقوق الملكية) وحماية حقوق الملكية في أسواق عوامل الإنتاج والمنتجات.
وشكلت الحرب الفرنسية الهندية من عام 1755 إلى 1763 نقطة حاسمة مألوفة في التاريخ الأمريكي. وأحدثت الجهود البريطانية لفرض ضريبة متواضعة جداً على رعايا المستعمرات، فضلاً عن كبح لجام الهجرة باتجاه الغرب، رد فعل عنيف أدى بواسطة سلسلة من الخطوات، اتخذها أفراد ومؤسسات، إلى حدوث الثورة، وإعلان الاستقلال، وبنود الاتحاد الفيدرالي، والقانون الشمالي الغربي، والدستور، كلها سلسلة من التعبيرات المؤسسية التي شكلت نمطاً تطورياً متسقاً رغم عدم استقرار العملية. وبينما خلقت الثورة الأمريكية الولايات المتحدة، إلا أن تاريخ ما بعد الثورة جلي فقط بلغة استمرار القيود المؤسسية الرسمية وغير الرسمية التي تم نقلها قبل الثورة وتم تعديلها بشكل متزايد (هيوز 1989).
لنتحول الآن إلى الحالة الإسبانية (والبرتغالية) في أمريكا اللاتينية. ففي حالة الأنديز الأسبانية، جاء الغزو في نفس الوقت الذي بدأ فيه نفوذ البرلمان يتراجع، وكانت المَلَكية الإسبانية، والتي مثلت كرسي السلطة في إسبانيا، تُرسِّخ بثبات السيطرة البيروقراطية المركزية على إسبانيا والأنديز الإسبانية. وفرض الغزاة ديناً موحداً، وإدارة بيروقراطية موحدة على مجتمع زراعي قائم فعلياً. وفصّلت البيروقراطية كل ناحية من نواحي السياسة العامة، السياسية والاقتصادية. وكانت هناك أزمات متكررة بشأن مشكلة الوكالة. واستلزم سلوك زيادة الثروة من جانب المؤسسات والرياديين (سياسياً واقتصادياً) الحصول على السيطرة ، أو النفوذ، على الآلية البيروقراطية. وفي حين اتضح أن حروب القرن الثامن عشر من أجل الاستقلال في أمريكا اللاتينية كانت صراعاً للسيطرة على البيروقراطية والسياسة اللاحقة كما كان الحال بين سيطرة المستعمرات المحلية والسيطرة الإمبريالية، إلا أن الصراع كان مصبوغاً بالنغمة التوافقية الأيديولوجية التي نبعت من الثورات الأمريكية والفرنسية. وجلب الاستقلال دساتير مستوحاة من الولايات المتحدة، بيد أن النتائج كانت مختلفة جذرياً. وعلى النقيض من تلك الخاصة بالولايات المتحدة، كان للبرامج الفيدرالية لأمريكا اللاتينية، والجهود لحل المركزية أمراً مشتركاً فيما بينها بعد الثورات. غير أنه لم ينجح أي منها. وميزت العودة التدريجية لبلد تلو الآخر إلى السيطرة البيروقراطية المركزية أمريكا اللاتينية في القرن التاسع عشر.
إن الطرق المتشعبة التي أسستها بريطانيا وإسبانيا في العالم الجديد لم تتقارب رغم وساطة عوامل التأثيرات الأيديولوجية المشتركة. ففي الأولى، تطور إطار مؤسسي يسمح بالتبادل غير الشخصي المعقد اللازم للاستقرار السياسي، فضلاً عن التقاط المنافع الاقتصادية المحتملة من التقنية الحديثة. وفي الثانية، ما زالت العلاقات “ذات الصفة الشخصية” المفتاح الرئيسي للكثير من التبادل السياسي والاقتصادي. إنها عواقب إطار مؤسسي متطور أنتج نمواً اقتصادياً شاذاً في أمريكا اللاتينية، ولكن دون وجود استقرار سياسي أو اقتصادي، ولا تحقيق فرص التقنية الحديثة.
على الأرجح أن يثير مخطط المقارنة الجارية أسئلة أكثر من الإجابات حول المؤسسات والدور الذي تلعبه في أداء الاقتصادات. فتَحْتَ أية ظروف يصبح الطريق معكوساً، مثل انتعاش إسبانيا في الأزمنة الحديثة؟ وما هو الأمر المتعلق بالقيود غير الرسمية والذي يعطيها مثل هذا النفوذ المنتشر على خصائص الاقتصادات على المدى الطويل؟ وما هي العلاقة بين القيود الرسمية وغير الرسمية؟ وكيف يطور اقتصاد ما القيود غير الرسمية التي تجعل الأفراد يقيدون سلوكهم بحيث يجعلون الأنظمة السياسية والاقتصادية فعالة للتطبيق على الغير؟ من الواضح أن أمامنا شوط طويل نقطعه للحصول على إجابات كاملة، بيد أن الدراسة المعاصرة للمؤسسات توفر الأمل بالحصول على فهم جديد دراماتيكي حول أداء الاقتصاد والتغير الاقتصادي.
ملاحظات

[1] في مقال كتب منذ عدة سنوات (نورث 1995)، أشرت إلى أن العديد من الاقتصادات الإقليمية تطورت منذ البداية كاقتصادات للتصدير، وبنت تطورها حول قطاع التصدير. إن هذا الأمر يقارن وعلى نقيض من نظرية المرحلة القديمة للتاريخ المستنبط من المدرسة الألمانية التاريخية، والذي كان فيه التطور يحدث دائماً من مرحلة الاكتفاء الذاتي المحلي إلى مرحلة التطور التدريجي للتخصص وتقسيم العمل. لقد حصل هذا في ظل هذا النمط الأخير المذكور هنا، رغم أنه ربما لن يصف التطور المحدد الذي حصل في الحقيقة.
[2] لقد “حلّ” التجار اليهود في حوض البحر الأبيض المتوسط إبان القرن الحادي عشر مشكلة الوكالة نتيجة للعلاقات المجتمعية الوثيقة فيما بينهم، والتي قللت من تكاليف المعلومات، ومكنتهم من العمل كمجموعة من أجل نبذ والثأر من الوكلاء الذين انتهكوا لوائحهم التجارية.
[3] إن قطاع التعامل (تلك نسبة من تكاليف التعامل التي تدخل السوق وبناء عليه تصبح قابلة للقياس) الخاص باقتصاد الولايات المتحدة كان 25 في المائة من الناتج القومي الإجمالي في عام 1870 و45 في المائة من الناتج القومي الإجمالي في عام 1970.
[4] طوّر مفهوم اعتمادية الطريق بريان آرثر (1988، 1989) وبول ديفيد (1985) لاستكشاف طريق التغير التقني. وأعتقد شخصياً أن للمفهوم قوة توضيحية مكافئة في مساعدتنا على فهم التغير المؤسسي. وفي كلتا الحالتين، تعتبر العوائد المتزايدة المفتاح الرئيسي لاعتمادية الطريق، ولكن في حالة التغير المؤسسي، فإن العملية أكثر تعقيداً بسبب الدور الرئيسي للمؤسسات السياسية في العملية.
مجلة المفاهيم الاقتصادية، المجلد 5، العدد 1 (شتاء 1991)، الصفحات 97-112.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 18 تشرين الأول 2006.

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100
1. الجماعية الجديدة
كان ماركس محقاً على الأقل في مسألة واحدة: “التاريخ يعيد نفسه، مرة كمأساة، ومرة ثانية كمهزلة”. لقد أصبح القرن الحادي والعشرون نسخة هزلية من التهيؤات اليوتوبية الجماعية التي أدت إلى مثل تلك الكوارث التي وقعت في القرن العشرين. الجماعية الجديدة، لحسن الحظ، أقل اندفاعاً—أقل تطرفاً وأقل قوة وأقل جبرية—من الأيديولوجيات التي كانت سبباً في وقوع الكثير من المآسي في الكتلة الشيوعية في القرن العشرين. انهيار الشيوعية في أوروبا مع سقوط جدار برلين والنجاح الهائل لحركة الابتعاد عن التخطيط المركزي والتوجه نحو حرية السوق في أماكن أخرى مثل الصين وفيتنام اللتين بقيتا شيوعيتين (إضافة إلى فقر الدول غير المرتدة عن الشيوعية في كوبا وكوريا الشمالية)، كل ذلك أدى إلى نبذ الفكرة الشيوعية الداعية للتخطيط المركزي مرة واحدة وإلى الأبد. مع ذلك فإن الجماعية الهزلية الجديدة، وفي مفارقة تخلو من الظرافة بالنسبة للمستفيدين المقصودين بها، لا تزال حية في الأماكن الأقل قدرة على ممارستها—وهي الدول الأفقر في العالم التي تتلقى مساعدات أجنبية. بدلاً من جدار برلين لدينا اليوم “جدار مساعدات” يفترض أن الدول الفقيرة التي تقف خلفه ستتمكن من الخلاص من الفقر عن طريق خطة جماعية من الأعلى إلى الأسفل.[1] وبدلاً من إتاحة الفرصة للحرية الفردية لتحقيق الرخاء في الأسواق، وهو الأسلوب الناجح الذي سلكته الأمم الغنية الآن، يتعين على الشعوب الفقيرة جعل الخبراء الدوليين يبتكرون حلولاً جماعية لتعاساتهم.
جيفري ساكس و”نهاية الفقر”

أود، خشية من اتهامي بالمبالغة، أن تتأملوا في بعض أقوال أبرز دعاة الجماعية الجديدة للشعوب الفقيرة والناطق المتطرف باسمها وهو جيفري ساكس. فهو يقول في الصفحات الأولى من كتابه، نهاية الفقر، الصادر عام 2005:
“لقد تسنى لي أن أفهم تدريجياً، ومن خلال بحثي العلمي وعلى أساس العمل الاستشاري القوة العظيمة التي يملكها جيلنا بين يديه لوضع حد للمعاناة الهائلة لأولئك الأكثر فقراً… ورغم أن الكتب الأكاديمية التي تشكل المدخل إلى علم الاقتصاد تدعو إلى الفردية والأسواق الحرة فإن سلامتنا ورخاءنا يعتمدان، بنفس القدر على الأقل، على القرارات الجماعية لمكافحة المرض وتشجيع البحث العلمي الجيد والتعليم على نطاق واسع، وتوفير البنى التحتية الحيوية والعمل بصورة منسقة لمساعدة أشد الفقراء فقراً… العمل الجماعي الذي يتم من خلال إجراءات حكومية رشيدة في مجالات الصحة والتعليم والبنية التحتية، إضافة للمساعدات الخارجية عند الحاجة، هو ما يشكل الأساس لاقتصاد ناجح” (ص 2-3).
يقول ساكس بأنه يتعين أن يكون لكل بلد فقير خمس خطط، مثل “خطة استثمار تبين حجم وزمن وتكلفة الاستثمارات المطلوبة”، و”خطة مالية لتمويل خطة الاستثمار بما في ذلك حسابات ثغرة تمويل أهداف التنمية الألفية والتي يتعين على المانحين تغطية جانب الاحتياجات المالية فيها” (ص 273). وسيتم دعم هذه الخطط بمساعدة من “المجتمع الدولي”:
“ينبغي أن يتوفر لكل بلد متدني الدخل فريق قطري فعال تابع للأمم المتحدة يقوم بتنسيق أعمال وكالات الأمم المتحدة المتخصصة في البلد الواحد، وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ينبغي أن تسند قيادة فريق الأمم المتحدة في كل بلد إلى منسق مقيم للأمم المتحدة في ذلك البلد يكون مسؤولاً أمام برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة المسؤول بدوره أمام الأمين العام للأمم المتحدة” (ص 285).
يأخذ كل شيء وضعه المناسب في خطة عالمية كبيرة واحدة يديرها “الأمين العام للأمم المتحدة الذي يتعين عليه أن يتأكد من أن الخطة العالمية قد بدأت بالعمل” (ص 269).
ساكس، شأنه شأن أسلافه الجماعيين، يرى بأن تحقيق الرخاء مسألة فنية في الغالب: “أعتقد أن أهم سبب لانتشار الرخاء واستمرار انتشاره هو نقل التقنيات والأفكار الأساسية لها… أفكار ذات قواعد علمية لتنظيم الإنتاج” (ص 41)… مشاكل أفريقيا “قابلة للحل باستخدام تقنيات عملية ومجربة” (ص 208).
وهو لا يرى سوى نوع واحد من الخبراء العلميين—الطبيب—باعتباره النموذج لكيفية حل مشاكل الفقر:
“التنمية الاقتصادية هذه الأيام ليست كالطب العصري، ولكن عليها أن تسعى جاهدة لتكون كذلك، وهي قد تحقق تحسناً دراماتيكياً إذا استفاد اقتصاديو التنمية من الدروس الرئيسية للطب العصري سواءً في تطوير العلوم الأساسية أو في منهجية الممارسة السريرية، وهي النقطة التي يؤثر عندها العلم بصورة فعالة على مريض ما” (ص 75).[2]
هناك بالطبع أشياء مثل سلع عامة تستدعي حل مشكلة عمل جماعية لتوفيرها. هناك دور للحكومة لتوفير سلع كهذه، إلا أن ساكس (ومقاربات جماعية أخرى موصوفة بأدناه) لا يبدو أنهم يدركون كثيراً الفرق بين نقص السلع العامة ونقص السلع الخاصة، وهو ما يسمى بالفقر.
أهداف التنمية الألفية للأمم المتحدة

الأمم المتحدة هي الراعي الرسمي الرئيسي للتخيلات الجماعية هذه الأيام، وهي ما تسمى أهداف التنمية الألفية والتي يصفها موقع للأمم المتحدة على الشبكة كما يلي:
“أهداف التنمية الألفية الثمانية والتي تتراوح من خفض مستويات الفقر الشديد إلى النصف إلى وقف انتشار مرض الإيدز وتوفير تعليم أساسي للجميع، وكل ذلك في موعد مستهدف بحلول العام 2015—على أساس خطة وافقت عليها جميع دول العالم وجميع مؤسسات التنمية الرئيسية في العالم. لقد حفزوا بذلك جهوداً غير مسبوقة لتلبية احتياجات الأكثر فقراً في العالم.”
ويستخدم كوفي عنان، الأمين العام للأمم المتحدة، المصطلح الجماعي (نحن):
“سيتوفر لدينا وقت لتحقيق أهداف التنمية الألفية—في سائر أنحاء العالم وفي معظم، بل في كل، البلدان—ولكن فقط إذا تخلينا عن الممارسات التقليدية. لن نستطيع النجاح بين عشية وضحاها، وسيقتضي النجاح بذل جهود مستدامة طيلة العقد الذي يفصلنا عن الموعد النهائي. نحتاج لوقت يتم فيه تدريب المعلمين والممرضين والمهندسين، ولبناء الطرق والمدارس والمستشفيات، وأن ننمي مشاريع أعمال صغيرة وكبيرة قادرة على إيجاد فرص العمل والدخل المطلوبة. لذا يتعين علينا البدء الآن ويجب علينا أن نزيد لما فوق الضعف حجم مساعداتنا في التنمية العالمية خلال السنوات القليلة القادمة. دون ذلك لا يمكن المساعدة في تحقيق الأهداف.”
يستخدم الأمين العام فعل “ننمي” في وصف إنشاء وإدارة مشاريع الأعمال، وأن ذلك شيء “يجب أن نبدأ به الآن”. أي أن العمل الجماعي سيولّد على نحو ما أعمالاً ودخولاً مقابل الجهود غير المركزية التي يقوم بها أفراد وشركات استثمارية تعمل في أسواق حرة.
وتصف حملة أهداف التنمية الألفية المستثمرين في مشاريع خاصة بأنهم “شركاء” يخضعون “لقرارنا”:
“نقرر، إضافة إلى ذلك، تطوير وتطبيق استراتيجيات توفر للشباب في كل مكان فرصة للعثور على عمل جيد ومنتج… ولتطوير شراكات قوية مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني سعياً لتحقيق التنمية والقضاء على الفقر.”[3]
يعود جزء من دوافع هذه الحملة ليس فقط لمساعدة فقراء العالم ولكن لمساعدة الأمم المتحدة كما أوضح كوفي عنان في كلمته أمام مؤتمر القمة العالمي في أيلول 2005 حول أهداف التنمية الألفية: “وهي أيضاً فرصة لإعادة تنشيط الأمم المتحدة ذاتها”. في هذه الناحية نجحت الأمم المتحدة، وعلى الأقل فيما يتعلق بالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فمنذ زمن طويل وهاتان المؤسستان تزينان فضائل الأسواق الحرة وتتجاهلان بيروقراطيي الأمم المتحدة الذين يستخدمون لغة تروج لهيمنة الدول. إلا أنه ومنذ عام 2000 ولسبب غير واضح تبنى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي أهداف التنمية الألفية وقسماً كبيراً من التخطيط لذلك. وتوضح وثيقة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية هذا الانقلاب المفاجئ لصالح التخطيط الجماعي على النحو التالي:
“دخل حقل التنمية الدولي في تسعينات القرن الماضي حقبة من الإصلاح وإعادة التشكيل في ضوء زيادة الهوة بين البلدان الغنية والفقيرة. وقد أدرك قادة العالم، بالتعاون مع الأمم المتحدة والمؤسسات التعددية الأخرى الحاجة لاتخاذ إجراءات شديدة لضمان استفادة الدول النامية من العولمة وأن مخصصات المساعدة في التنمية تستخدم بصورة عادلة وفعالة لتحقيق أهداف التنمية العالمية الواردة ضمن أهداف التنمية الألفية وأهداف التنمية الوطنية الأخرى.”
في تقرير المراقبة العالمي: أهداف التنمية الألفية: تعزيز المسائلة المتبادلة، والمساعدات، والتجارة، والحكم الرشيد، يوضح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تبنيهما لكل ما يتعلق بمسألة إدارة تخطيط أهداف التنمية الألفية: “يتوجب على المانحين والمؤسسات المالية الدولية زيادة تدفق المساعدات، وتحسين نوعية المساعدات وتحقيق توافق أفضل بين ما تقدمه من دعم وأنظمة واستراتيجيات للبلدان المعنية” (ص 1). كيف يمكن القيام بذلك؟ يعيد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي تأكيد التزامهما “بالمساءلة لتحقيق النتائج”، والذي لفتا إلى أنه كان قد تم تأكيده قبل أربع سنوات من ذلك في قمة مونتيري للأمم المتحدة. ويذكر التقرير في الصفحة نفسها، دون الإشارة إلى أي مفارقة، بأن “المؤسسات المالية الدولية [مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي] لا تزال تؤكد على القروض والتقارير بدلاً من التركيز على نتائج التنمية” (ص 1). ولا زالت هذه المؤسسات تواجه بعض الصعوبات، حيث أنه بعد بضع صفحات في التقرير يتبين أنها لا تستطيع التخلص من مزيد من التأكيد على القروض معتذرة بأن “الإقراض عام 2005 عن طريق نوافذ الامتيازات المقررة وغير المقررة من قبل مصارف التنمية التعددية قد تراجع” (ص 9).
وتخطط هذه المؤسسات لتغيير وسائلها في “تطبيق برامج النتائج”:
“دعا مؤتمر المائدة المستديرة في مراكش عام 2004 لإنشاء نظام مراقبة لتقييم توجيه نتائج جهود مصارف التنمية التعددية؛ وقد أطلق على هذا النظام كلمة COMPAS اختصاراً لـ (النظام المشترك لتقييم الأداء) والذي يعتمد على أطر مصارف التنمية التعددية لتطبيق مبدأ إدارة تحقيق نتائج تنموية MfDR” (ص 9).
إدارة تحقيق نتائج تنموية

ما المقصود بالضبط بإدارة تحقيق نتائج تنموية؟ تم تلخيص الإجابة في تقرير: إدارة تحقيق نتائج تنموية: كتاب مرجعي حول ممارسات جيدة في طور النشوء، الذي أعدته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بالاشتراك مع البنك الدولي والذي يحوي المخطط المفيد المبين في نهاية هذه الورقة (الشكل 2.1). ومنعاً لأي التباس يلفت الكتاب النظر إلى أن “إدارة الأداء هي تغيير ثقافي كلي” (ص 8). عندما تصبح إدارة تحقيق النتائج التنموية أكثر رسوخاً فإنها تطلب، فيما يبدو، كثيراً من التخطيط المركزي وفقاً لما يلي:
على المستوى الوطني (انظر القسم 2)، تُستخدم إدارة تحقيق النتائج التنموية في تخطيط وتطبيق الخطط الوطنية والموازنات واستراتيجيات مكافحة الفقر التي تعتمد على النتائج، ويمكن للمؤسسات الدولية دعم هذه العملية بمساعدات فنية.
في المشاريع والبرامج القطاعية (انظر القسم 3): تستخدم البلدان المشاركة ومؤسسات التنمية إدارة تحقيق النتائج التنموية في تخطيط برامج المساعدات أو المشاريع الفردية القائمة على مجمل ناتج وأولويات بلد ما حسب تحديدها في خطط التنمية الوطنية أو القطاعية (ص 4).
لا يجدي كثيراً قراءة الكتاب المرجعي حول إدارة تحقيق نتائج التنمية. في الجدول المبين على الصفحة 134 من الكتاب نجد المبدأ المعقول: “اجعل قياس النتائج وصياغة التقارير عنها بسيطة وفعالة التكلفة وملائمة للمستخدِم بقدر الإمكان” (ص 134). بأدناه مقتطفات من الجدول تبين وصفة للبساطة والتكلفة الفعالة والملائمة للمستخدم في قياس النتائج وإعداد التقارير:

الجماعيون القديمون كانوا مهلكين، أما الجماعيون الجدد فإنهم يعمدون فقط إلى دفن قضايا الحياة والموت تحت ست طبقات من البيروقراطية.
يستخدم كافة مخططي أهداف التنمية الألفية كلمة “مساءلة” بكثرة ولكن دون فهم معنى “المساءلة”. فالمساءلة في مفهوم أهداف التنمية الألفية تختلف عنها في المساءلة الفردية التي يواجهها كل منتج في الأسواق الحرة والتي تقوم على (إرضاء المستثمر أو الإفلاس) من حيث أنها تتضمن ما يوصف “بالمساءلة المتبادلة”. هذه الفكرة الضبابية تنطوي ظاهرياً على المساءلة، ولكن ليس للمستفيدين المقصودين بها، بل لبيروقراطيات أخرى تشملها خطة أهداف التنمية الألفية لها جميعاً مصلحة في استمرار النظام الحالي بغض النظر عن النتائج. وبدلاً من المسائلة الفردية يوجد لدينا المسؤولية الجماعية: “تقوم وكالات التنمية بوضع استراتيجيات مساعدة للبلدان تستند إلى تحقيق نتائج وذلك من خلال حوار مباشر مع الحكومات الوطنية… خلال هذه العملية تقوم وكالات تعددية بالتفاوض حول العمل بصورة مشتركة لدعم الناتج الإجمالي للبلد”. إن نظاماً تكون فيه كل الأطراف (الوكالات التعددية والحكومات) مسؤولة بصورة جماعية يعادل نظاماً لا يكون فيه أي شخص مسؤولاً بصورة فردية. وإذا كان هناك نتائج مخيبة للآمال فبإمكانك دائماً أن تنحى باللوم على جهة أخرى. إن المسؤولية الجماعية في المساءلة تماثل المزارع الجماعية فيما يتعلق بحقوق الملكية الفردية.
2. الحرية مقابل الجماعية في التنمية الاقتصادية

سجل التجربة
إن سجل التجربة حول الفرق بين الأداء الاقتصادي الحر والأداء الاقتصادي الجماعي واضح تماماً لكل من تابع أهداف نصف قرن مضى. كانت هناك فترة بين عامي 1930 و1950 حار فيها المراقبون، وهم يشهدون النمو السريع لاقتصاد الاتحاد السوفييتي (تبين فيما بعد أنه مبالغ فيه)، حول أي النظامين حقق نتائج اقتصادية أفضل. كان ذلك، لسوء الحظ، في سنوات التكوين الأولي لاقتصاديات التنمية وسياسات المساعدات الخارجية والتي دفعت العديد من المتخصصين الأوائل في اقتصاديات التنمية إلى التوصية بأن تقوم البلدان الفقيرة بتقليد النموذج الجماعي والدفاع عن التخطيط الاقتصادي الوطني (الذي يقبع في مكان ما في العالم السفلي بين التخطيط المركزي والأسواق الحرة). ورغم أن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي كانا قد نبذا بحلول ثمانينات القرن الماضي التخطيط المركزي كمنهج مفضل تأخذ به البلدان الفقيرة، فإن المساعدات الخارجية لم تستطيع أبداً التخلص من أصولها الجماعية. من ناحية واحدة واصل كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي العمل كمنظمات تخطيط ضخمة وكل ما تغير الآن أن الخطط الواردة من الأعلى إلى الأسفل والتي وضعها الخبراء أخذت تتضمن تبني تحرير الأسواق (تحت مسمى “تعديلات هيكلية”). التخطيط النازل من الأعلى إلى الأسفل من قبل خبراء وبيروقراطيين أجانب حول كيفية تطبيق نظام الأسواق الحرة لم يؤد إلى نتائج جيدة في المناطق التي تمت فيها هذه الممارسة بشكل مكثف وهي إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية و(للمفارقة) الاتحاد السوفييتي السابق: أدى ذلك إلى الردة ضد الأسواق الحرة التي نشهدها اليوم في أنحاء عديدة من تلك المناطق. وتراجعت منظمات المساعدات حماية لنفسها إلى ممارسة تخطيط أهداف التنمية الألفية التي تحدثنا عنها في الفصل الأول.
ثمة مفارقة هنا لأن سقوط جدار برلين وانكشاف كثير من المعلومات عن الاتحاد السوفييتي والبلدان التابعة له أوضحت بجلاء مدى الفشل الذريع الذي نتج عن أشد حالات الجماعية تطرفاً. بل إنه حتى قبل ذلك، كان من الواضح بأن المجتمعات الحرة تتفوق بكثير في أدائها الاقتصادي على المجتمعات التي تعيش في ظل الجماعية، وكان ذلك واضحاً من عقد أي مقارنة مثلاً بين ألمانيا الشرقية والغربية، أو كوريا الشمالية والجنوبية، أو الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة.
العلاقة بين النجاح الاقتصادي والحرية الاقتصادية

اليوم، وبعد وقت طويل من انهيار الشيوعية، لا يزال هناك فروق كبيرة بين المجتمعات الحرة وغير الحرة. ولزيادة في الإيضاح يصح القول بأن النجاح الاقتصادي يرتبط بقوة بالحرية الاقتصادية كما يتضح في الشكل (2.2). وقد استخدمت قياسات عام 2002 المنشورة في الحرية الاقتصادية في العالم: التقرير السنوي لعام 2004 وهي السنة الأخيرة التي توفرت فيها معلومات عن عينة كبيرة من الدخل.
هناك بالطبع مشكلة كبيرة تتعلق بسببيات محتملة عكسية—الأفراد الأكثر ثراءً الذين قد يطالبون بمزيد من الحرية الاقتصادية. كما أن نقّاد الإجراءات المنشورة في الحرية الاقتصادية في العالم قد يدّعون بأن هذه الإجراءات قد وضعت من قبل أشخاص لديهم قناعات مسبقة قوية بأن الحرية الاقتصادية ترتبط بالرخاء وتصبح المؤشرات، بالتالي، مشوهة بحيث تعطي نقاطاً أعلى لبلدان معروفة بتحقيقها لنجاحات. (ليس لدي أي سبب للشك في المؤشر المنشور في الحرية الاقتصادية في العالم والذي لا يستخدم سوى معلومات طرف ثالث ولا يتضمن أي أحكام متميزة، ولكني أنحني قليلاً للوراء تحسباً لانتقادات محتملة). إن أي تشوه من هذا النوع سينجم عنه نوع ثانٍ من المسببات العكسية. إزاء هذه الاعتراضات المحتملة أعرض قياساً في العوامل المتغيرة في الجدول (2.1). وحيث أن مؤسسات الحرية الاقتصادية قد تأسست أصلاً في أوروبا ثم انتشرت في المناطق المعتدلة مناخياً التي استقر فيها الأوروبيون (مع بعض الاستثناءات)، فإنني أستخدم البعد عن خط الاستواء كأداة لقياس الحرية. وحيث أن تقاليد قانونية مختلفة (خصوصاً البريطانية) قد حبذت الحرية الاقتصادية بينما نبذتها تقاليد أخرى (التقاليد القانونية الاشتراكية بالطبع)، فإني أستخدم الأصل القانوني كمجموعة أدوات أخرى لقياس الحرية. الإحصائيات الإخبارية حول صحة الأدوات مقبولة في معظمها ولا يزال بوسعنا إظهار علاقة قوية جداً بين الحرية الاقتصادية ومعدل حصة الفرد من الناتج الإجمالي.
“مصيدة الفقر” و”الدفعة الكبرى”

رغم أن الحرية الاقتصادية تبدو حقيقة راسخة كطريق للرخاء فإن المدافعين عن الحلول الجماعية للفقر في العالم يدعون بأن البلدان الفقيرة عالقة في “مصيدة فقر”. مصيدة الفقر تمنع الشعوب الفقيرة من تحقيق نمو اقتصادي حتى لو كان لديها حرية اقتصادية بحيث يحتاجون لعملية إنقاذ وفقاً للمبدأ الجماعي. ساكس، مرة أخرى، هو الذي يقوم بدور الشارح الرئيسي لنظرية “مصيدة الفقر”، وهو يقترح في كتابهنهاية الفقر ثلاث آليات رئيسية، الأولى منها أن الفقراء لا يوفرون بما فيه الكفاية:
“عندما يكون الناس… معدمين تماماً، فإنهم يحتاجون إلى كامل دخلهم أو أكثر منه لمجرد البقاء على قيد الحياة. ليس هناك هامش للدخل زيادة عن مستوى البقاء يمكن استثماره للمستقبل. هذا هو السبب الرئيسي في كون أفقر الفقراء معرضين جداً لأن يصبحوا عالقين في معدلات نمو اقتصادية متدنية أو سلبية. إنهم فقراء جداً بحيث لا يستطيعون التوفير للمستقبل وتجميع رأس مال يجعلهم قادرين على الخروج من تعاستهم الحالية (ص 56-57).”
السبب الثاني لمصيدة الفقر في رأي ساكس هو “المصيدة السكانية حيث تختار العائلات الفقيرة إنجاب عدد كبير من الأطفال” (ص 65). نسبة النمو السكاني مرتفعة جداً بحيث أنها تجاوز الادخارات (والتي هي متدنية جداً أصلاً في ضوء السبب الأول أعلاه).

العنصر الثالث هو زيادة العائد على رأس المال مقابل رأسمال أصلي منخفض للفرد الواحد (ودخل منخفض للفرد):
“الاقتصاد الذي تتضاعف فيه حصة الفرد من رأس المال يعني اقتصاداً تتوفر فيه طرق تعمل طيلة العام بدلاً من طرق تجرفها الأمطار في كل فصل شتاء، وطاقة كهربائية معتمدة طيلة اليوم والليلة وليست متقطعة ولا يمكن التنبؤ بها، وعمالاً أصحاء ومثابرين على أعمالهم وليس عمالاً غائبين معظم الوقت بسبب الأمراض. الاحتمال الأرجح هو أن مضاعفة قيمة رأس المال البشري والمادي سيؤدي فعلاً إلى زيادة مستوى الدخل بأكثر من الضعف، على الأقل عند مستويات منخفضة جداً من رأس المال للفرد الواحد” (ص 250).
يضرب ساكس مثالاً بطريق نصفها معبد والنصف الآخر لا يمكن المرور فوقه بسبب عدم وجود جسور أو انجراف أجزاء من الطريق. تصليح الأجزاء التي لا يمكن المرور منها سيضاعف مسافة الطريق ولكنه سيزيد بنسبة أكثر من الضعف الفائدة الناتجة عن استخدام الطريق. “هذا مثال حول تأثير نقطة البداية حيث لا يكون لرأس المال فائدة فعلية إلا إذا حقق حداً أدنى من المقاييس” (ص 250).
إن دور المساعدات الأجنبية هو زيادة رأس المال بما يكفي لاجتياز نقطة البداية فيما أصبح يعرف “بالدفعة الكبرى”: “إذا كانت المساعدة الأجنبية جوهرية بما فيه الكفاية ومستمرة بما فيه الكفاية فإن رأس المال سيزداد بما يكفي لرفع مستوى معيشة الناس إلى ما فوق الحد الأدنى… يصبح النمو ذاتي الدعم من خلال مدخرات الأسر والاستثمارات العامة المدعومة من الضرائب المفروضة على دخل الأسرة” (ص 246). ويمضي ساكس إلى القول بأنه: “إذا لم تتوفر مساعدات خارجية فإن كثيراً من البلدان التي تديرها حكومات رشيدة قد تكون فقيرة لدرجة لا تستطيع معها جعل الاستثمارات تصعد الخطوة الأولى من السلم.”
يجدر بنا أن نلاحظ، حتى قبل إخضاع هذه النظرية للاختبار، بأن هذه الأفكار ليست جديدة. الواقع أنها كانت جزءاً من اقتصاديات التنمية في أربعينات وخمسينات القرن الماضي واعتاد خبراء اقتصاديات التنمية على استخدام هذه النظريات لإثبات أن المساعدات الخارجية كانت ضرورية للتنمية الاقتصادية في ذلك الحين، تماماً كما يفعل ساكس الآن بعد نصف قرن من الزمن.[4] الواقع أنه وبعد صرف 568 بليون دولار من المساعدات لإفريقيا واقتران ذلك بالركود الاقتصادي في تلك القارة طيلة أربعة عقود، واقتران ذلك أيضاً بالنجاح الذي حققته بلدان فقيرة في شرق آسيا تحصل على مساعدات أقل بكثير نسبة إلى مستوى دخلها، كل ذلك يجعل المرء يشعر بأن قليلاً من التشكك في هذا المجال قد يكون مفيداً قبل إعادة العمل بأفكار خمسينات القرن الماضي.[5]

في ضوء الدعاية التي تحيط بهذه الأفكار القديمة حول المساعدات الخارجية التي تجري إعادة تنشيطها فلنختبر نظرية مصيدة الفقر وضرورة “الدفعة الكبرى” إزاء التفسيرات التي تقول بأن البلدان تزدهر بسبب الحرية الاقتصادية. تقول نظرية مصيدة الفقر بأن البلدان الفقيرة متدنية النمو والبلدان الغنية عالية النمو، لذا فلا بد من وجود علاقة موجبة بين الدخل الأساسي والنمو. هذه العلاقة الموجبة ينبغي أن تكون صحيحة إذا استطعنا ضمان ما إذا كانت البلد “تحكم بطريقة رشيدة” (مثل ما إذا كانت الحكومة تعزز الحرية الاقتصادية). لذا فإنني أنظر للمسائلة بطريقة عكسية أقرن فيها الحرية الاقتصادية بالدخل الأساسي كما احتجت أن أفعل من قبل لاستخدام أدوات للحرية الاقتصادية لمعالجة سببيات معاكسة محتملة. إن قيمة كبيرة (مستوى المعدل) للحرية الاقتصادية بالنسبة للدخل الأساسي تشير إلى أن إمكانيات الدخل ستكون كبيرة (إذا كانت نظرية الحرية الاقتصادية صحيحة) مقارنة بالدخل الفعلي وبذلك سيتم توقع نمو أسرع.
الجدول (2.2) يبين النتائج. نظرية مصيدة الفقر تتراجع بشكل حاسم أمام تفسير الحرية الاقتصادية حول من يحقق الازدهار. الواقع أن البلدان الفقيرة تنمو في البداية بسرعة أكبر من البلدان الغنية حالما تستطيع ضبط الحرية الاقتصادية.[6]
ماذا عن دور المساعدات الخارجية في إطلاق النمو من صلب الفقر؟ هل تؤدي “دفعة قوية” من المساعدات الخارجية إلى تحقيق نمو؟ هناك أدبيات هائلة تستند إلى تجارب حول المساعدات الخارجية والنمو كان آخر ما توصلت إليه هو أن المساعدات الخارجية ليس لها تأثير قابل للقياس على النمو. أعود ثانية إلى البئر لأرى كيف يؤثر تدفق المساعدات على اختبار النظرية البسيطة المبينة في الجدول (2.2).
أضفت في الجدول (2.3) المساعدات الخارجية المستلمة كنسبة من الدخل القومي الإجمالي للبلد المتلقي كمتغير إيضاحي. تبرز هنا مرة أخرى مشكلة السببية المعاكسة. استخدم لوغارثم الحجم السكاني كأداة في احتساب المساعدات مستغلاً خاصية غريبة في نظام المساعدات مفادها أن البلدان الصغيرة تحصل على جزء كبير من دخلها عن طريق المساعدات لا يتناسب مع أدائها الاقتصادي أو احتياجاتها. الإعداد لمتغيرين على الجانب الأيمن في وقت واحد يؤدي إلى مزيد من المشاكل المعقدة حول الهوية والأدوات الضعيفة، لذا لنتعامل مع هذا التمرين باعتباره توضيحاً وليس نهائياً.
من حيث التحكم إحصائياً بالدخل الأولي—وليس نحو الحرية الاقتصادية—نرى أنه ليس للمساعدات تأثير جوهري على النمو الاقتصادي، وما أن نتحكم إحصائياً بالحرية الاقتصادية حتى يصبح للمساعدات دور سلبي ومؤثر على النمو. لدي تردد في التأكيد على هذه النتيجة بشدة حيث أن الأدبيات السابقة قد أشارت بشكل عام إلى تأثير للمساعدات على النمو مقداره صفر وليس سالباً. هناك حاجة لاختبارات أكثر فعالية قبل أن تؤخذ مسألة التأثير السلبي بصورة جدية، كما أن مسألة الأدوات الضعيفة تحتاج أيضاً لمزيد من الاختبار. إلا أن هذا التمرين التوضيحي يتسق، على الأقل، مع الأدبيات السابقة التي تشير إلى عدم وجود تأثير إيجابي للمساعدات على النمو.

3. هايك والـ iPod: لماذا يحتاج عالم ذو اقتصاد غير متوازن وغير قابل للتنبؤ إلى حرية اقتصادية[7]
تنسى الرؤية الجمعية دائماً أن النجاح حالة نادرة والشائع هو الفشل. النجاح الاقتصادي دائماً يكون غير متوازن وغير قابل للتنبؤ وهذا ينطبق تقريباً على أية وحدة تحليل محتملة قد تخطر للمرء.[8] الحرية الاقتصادية تتيح الفرصة لبحث غير مركزي عن النجاح الذي هو سمة الأسواق الحرة. من النادر أن يُعرف مسبقاً ما الذي سينجح. هناك آلاف عدة من الباحثين يقومون بأبحاث لا حصر لها حول ما يمكن أن يكون ممتعاً للمستهلكين. أنظمة السوق الحرة تعطي تغذية راجعة سريعة حول المنتجات التي تحقق نجاحاً وتلك التي لا تحقق النجاح ويقوم الباحثون في ضوء ذلك بإجراء التعديلات المناسبة. النشاطات التي تنجح تجتذب مزيداً من التمويل ومزيداً من عوامل الإنتاج بحيث يصبح من الممكن رفع الإنتاج بدرجة هائلة، أما النشاطات التي تفشل في اجتذاب المستهلكين فيتم وقفها. ليس لدى المخططين ذهنية البحث والتعقيب بل إنهم يقومون بتطبيق فكرة لهم قناعة مسبقة بأنها ستنجح ويواصلون تطبيقها سواءً نجحت أم لا.
إن قصص النجاح الاقتصادي غالباً ما تكون غير متوقعة وغير قابلة للتنبؤ بها، فقد تم اختراع أجهزة الموسيقى MP3 منذ عدة سنوات وكان يبدو أنها تعد بنجاح كبير باعتبارها وسيلة جديدة ممتازة لعشاق الموسيقى تمكنهم من الاستماع لكميات كبيرة من موسيقاهم المفضلة. رغم ذلك لم تستحوذ أياً من أجهزة MP3 في مراحلها الأولية على إعجاب المستهلكين. (كنت أحد أوائل من اختاروا هذا الجهاز فاشتريت أحدها بسعر مرتفع لكي أستطيع رؤيتها وهي تتلاشى بسرعة). شركة آبل للكمبيوتر كانت معروفة بإخفاقاتها الغريبة في سوق الكمبيوترات الشخصية، وأدهشت أبل للكمبيوتر الجميع عندما حققت مفاجأة ضخمة في جهاز iPod الرقمي المحمول الذي استأثر حتى شهر آذار 2006 بنسبة 78% من سوق أجهزة MP3. حتى الآن باعت آبل 50 مليون جهاز iPod وتستأثر برامج تطبيقات iTunes لبيع الأغاني عبر الإنترنت عن طريق تنزيلها على iPod بحوالي 87% من حجم الأغاني والموسيقى التي يتم تنزيلها بصورة قانونية في الولايات المتحدة.[9]
ري كروك كان مندوب مبيعات في خمسينات القرن الماضي يبيع خلاطات متعددة الاستعمالات، وهي آلة تخلط ستة أنواع من منتجات الحليب في وقت واحد. كانت فكرته الأساسية تقوم على بيع كل ما يمكنه من هذه الخلاطات. وفي عام 1954 قام بزيارة مطعم يدعى ماكدونالدز في سان برنادينو، كاليفورنيا، ولاحظ أن الإخوان ماكدونالد يديمون تشغيل ثمان خلاطات متعددة الاستعمالات بطاقتها القصوى على مدار الساعة. في البداية كان يريد أن ينصح زبائنه الآخرين باستخدام أساليبهم هذه مما يزيد من الطلب على أجهزته. إلا أنه غير رأيه فيما بعد، فقد رأى أن إعداد شرائح الهمبرغر والبطاطا المقلية وخليط المشروبات بالحليب في خطوط إنتاج يمكن أن يكون وسيلة لإدارة سلسلة ناجحة من المطاعم السريعة. تخلى تماماً عن أجهزة الخلاطات وما تبقى هو أقواس ذهبية تمتد على مد البصر. كم فقدت المساعدات الخارجية من (ري كروكات) بتركيزها على الخطط؟
هناك العديد من الأسواق الاستهلاكية في الولايات المتحدة تخضع بصورة مماثلة لهيمنة عدد قليل من العلامات التجارية الناجحة، فشركتي كوكاكولا وبيبسي كولا يهيمنان على 75% من مبيعات المشروبات الغازية في السوق الأمريكية، وتأتي دكتور بيبر وسفن آب في الدرجة الثانية بنسبة 15%، والعشرة بالمئة الباقية يتوزعها عدد كبير من شركات أصغر حجما بكثير. الملاحظة العابرة توحي بالكثير من هيمنة العلامات التجارية: مايكروسوفت، ستاربكس، أمازون دوت كوم، بوردرز، بارنز آند نوبل… إلخ. وفي حين أن هيمنة العلامات التجارية قد يعكس عوامل عديدة تتعلق بالمنظومة الصناعية فإنها تظهر أيضاً عدم التوازن الذي يكاد لا يصدق لنجاح منتج بسبب ارتباطه بشركة معينة (كما سنرى بعد قليل) وربما كان ذلك يعكس نوع المفاجآت التي توضحها أمثلة iPod ومكدونالدز.
يرتبط النجاح غير المتوازن للمنتجات بصورة وثيقة مع النجاح غير المتوازن للشركات. 0.3% فقط من الشركات في الولايات المتحدة استأثرت بما يصل إلى 6% من مبيعات جميع الشركات عام 2002. من المعروف على نطاق واسع أن حجم الشركات يتبع لقانون زيف—الذي يعرف أيضاً بقانون القوة—حيث أن هناك علاقة خطية سالبة بين لوغارثم الحجم وتردد حدوث الحجم (بما يعرف بالتواتر). كما أن قوانين القوة قد ولّدت كثيراً من التضليل، ويكفي، لأغراض هذه الورقة، الإشارة إلى مدى ندرة النجاحات الكبيرة في حين أن الفشل حالة شائعة. بعبارة أخرى فإن توزيع تواتر الشركات (أو أي وحدات تهمنا) يتبعها ذيل غليظ وطويل على الجانب الأيمن، وهناك حالات خاصة عديدة منها مثل توزيع عادي-لوغارثمي وقانون قوة (توزيع باريتو). بعبارة أخرى فإن معظم التوزيع يتركز عند مستوى عادي، ثم هناك عدد قليل من الشركات تقع تماماً خارج نطاق المؤشرات البيانية، بعيداً عما يمكن أن يتنبأ به منحنى على شكل جرس.
حتى مع أن الشركات الكبرى تهيمن على الأسواق فليس من السهل أن تبقى الشركات كبرى. هناك من بين أكبر 100 شركة في العالم عام 1912 بضع شركات مثل بروكتر آند غامبل وبريتيش بتروليوم أصبحتا أكبر بعدة مرات عام 1995. بيد أن تلك حالة استثنائية حيث أن أكبر 100 شركة عام 1912 شملت شركات عملاقة (الديناصورات) مثل سنترال ليثر وكودهاي باكنغ في الولايات المتحدة. فقط 19 شركة من أصل أكبر 100 شركة عام 1912 بقيت في القمة عام 1995 و48 شركة منها اختفت تماماً بحلول عام 1995. وتعرض كتب الأعمال أسرار نجاح عدد قليل من الشركات الكبيرة التي يحتفي بها مؤلف الكتاب وما تلبث هذه الشركات أن تسقط في براثن ظروف صعبة بعد نشر الكتاب. لقد احتفى كتاب الأعمال بشركة إنرون لاستخدامها أساليب مبتكرة حتى آخر لحظة قبل انهيارها. بل إن أنجح أساطين الأعمال يواجهون لحظاتهم المحرجة: لقد احتفى توم بيتر في كتابه الأكثر رواجاً، بحثاً عن التميز، بعدد من الشركات تعرضت للإفلاس فيما بعد مثل شركة آتاري ومختبرات وانج ودلتا إيرلاينز.
ليست مسألة تحقيق النجاح والمحافظة عليه حالة غريبة في أوساط الشركات الكبرى، ففي كل عام تخرج 10% من الشركات العاملة من مختلف الأحجام من السوق. لا يعني هذا أن من السهل بدء عمل جديد ليحل محل العمل الذي توقف، فأكثر من نصف الشركات الجديدة في الولايات المتحدة تتوقف عن العمل خلال أربع سنوات.
ومن المعروف أيضاً أن النجاح والفشل الاقتصادي لدى الأفراد يسلك هذه الميول المضطربة ذاتها. كما يتبع توزيع الدخل الفردي في البلدان عموماً مساراً لوغارثمياً عادياً في معظم فئات الدخل (مغطياً 97-99 بالمئة من الأفراد) مع قانون قوة يغطي الشريحة العليا من أصحاب الدخول التي تبلغ 1-3 بالمئة.
وإذا انتقلنا إلى المعلومات الدولية سنجد أن التنمية الاقتصادية ليست متوازنة بالطبع وبصورة صارخة بين البلدان وعبر الزمان. تنحصر الملاحظات على الدخول ذات المعدلات العالية في عدد قليل من البلدان في العهود الأخيرة وتبقى أجزاء كبيرة من العالم وأجزاء كبيرة من التاريخ البشري محرومة من هذا النوع من النجاح. ولو تعاملنا مع الملاحظات في جميع البلدان لفترات الأعوام 1820 و1870 و1913 و1950 و2001 كتجارب تنمية منفصلة ورتبناها من الدخل الأعلى إلى الأدنى لحصلنا على المخطط المبين في الشكل (2.3). فأقلية ضئيلة من الحالات تحصل على دخول عالية جداً ولكن هذه الحالات تنخفض بشدة عندما نتحرك نحو المستويات الأدنى.
حصة الفرد من الصادرات الصناعية
إحدى مؤشرات التنمية التي تبين فروقاً أكبر بين البلدان هي حصة الفرد من الصادرات الصناعية، فهي تعكس عوامل مختلفة عديدة: التحول من الزراعة إلى الصناعة نتيجة لتطور البلدان، والعوامل العديدة التي تؤثر على الانفتاح على التجارة العالمية والمنافسة في الأسواق الدولية، والنموذج الجاذب في التدفقات التجارية، وما إلى ذلك. بيد أن الصادرات الصناعية تعكس، على المستويات الأساسية التي تتعدى المؤشرات التجارية، شيئاً تستطيع جميع البلدان القيام به وتتنافس عليه جميعها في السوق العالمي نفسه. وكمؤشر فإن للصادرات الصناعية أيضاً ميزة إتاحة الفرصة لها لتقييمها بسعر السوق العالمي، خلافاً للدخول الوطنية التي تستند إلى أسعار محلية مختلفة من الصعب إجراء مقارنة لها. إضافة لذلك فإن الصادرات الصناعية تخضع بصورة تامة للقطاع الخاص وتواجه اختباراً في الأسواق خلافاً لبعض المكونات من الناتج المحلي الإجمالي ينتجها قطاع عام كبير وتقاس قيمتها بتكلفتها وليس بقيمتها لدى الأفراد. إن مدى نجاح الصادرات الصناعية يتراوح بين حصة الفرد منها في سنغافورة البالغة 25000 دولاراً إلى بوروندي حيث تبلغ حصة الفرد 2 سنتاً (الجدول 2.4).[10]
أياً كانت حسنات وسيئات الصادرات الصناعية كمقياس للنجاح فإن حصة الفرد من الصادرات الصناعية ترتبط بشكل وثيق مع حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي طبقاً للشكل (2.4). ليس نجاح الصادرات الصناعية يتفاوت بصورة هائلة بين البلدان ولكنه يتفاوت أيضاً ضمن البلد الواحد بين مختلف السلع المنتجة. وهناك معلومات متوفرة حول الصادرات الصناعية بمستوى تصنيف المنتجات المكون من ستة أرقام. تصدر البلدان ما يصل إلى 2236 منتجاً صناعياً مختلفاً بمعدل في النموذج يبلغ 1177 (الجدول 2.5). تشكل المنتجات الثلاث الأعلى في هذه المنتجات 34% من قيمة الصادرات بينما تشكل نسبة 1% الأعلى من المنتجات ما يزيد عن نصف الصادرات. وتوزيع قيمة الصادرات على مجمل الصادرات يعتبر لوغارثمياً عادياً على أساس احتساب القيمة ضمن 20% من المنتجات (التي تشكل 94% من قيمة الصادرات) تبعاً لقانون القوة.
بعبارة أخرى، فإن الفرق الكبير بين إيرلندا وبوروندي (كلاهما بلد قليل السكان ولكن بوروندي أكثر سكاناً) ليس في أن أداء إيرلندا أفضل في كل شيء بل لأنها اعتمدت على ثلاثة منتجات صناعية للتصدير (قطع وإكسسوارات لأجهزة معالجة المعلومات، ودوائر مدمجة موحدة عدا عن الرقمية، وتسجيلات صوتية عدا عن منتجات التصوير) وقد كسبت من تصدير هذه المنتجات 15 بليون دولار، في حين أن أعلى ثلاثة منتجات في بوروندي (شمعات احتراق لتشغيل محركات السيارات قياس 1500-3000 سي سي وصفائح/بلاط ومواد اسمنتية سيلولوزية/اسبستوس، وصفائح متموجة من الإسمنت السيلولوزي/الإسسبتوس) وكسبت من ذلك 151000 دولاراً.
كيف تستطيع تحقيق نجاح واسع النطاق من منتجات قليلة؟ الحرية الاقتصادية، مرة أخرى، هي التي ترعى النجاح والتي توفر الفرصة للعثور على موضع محدد وملائم في الأسواق الدولية يستطيع من خلالها البلد المعني الوصول إلى مستويات تصدير هائلة. بوروندي تحتل أحد أسوأ المراكز في العالم من حيث مدى الحرية الاقتصادية في حين تحتل إيرلندا أحد أفضل المراكز. الحرية الاقتصادية ترتبط بصورة وثيقة بمعدل حصة الفرد من الصادرات الصناعية (الشكل 2.5). وعندما نتعامل مع السببية باستخدام نفس الأدوات كما بأعلاه في الحرية الاقتصادية، فسنبقى نجد أن الحرية الاقتصادية تتنبأ بالنجاح في تصدير المنتجات الصناعية.
لكن لماذا تساعد الحرية الاقتصادية في تصدير المنتجات الصناعية على نطاق واسع وفي التنمية بشكل عام؟ ولماذا يفشل المخططون فشلاً ذريعاً؟ في عالم من عدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ على نطاق واسع تنجح الحرية الاقتصادية للأسباب التالية:

1) هناك صعوبة بالغة في معرفة ما الذي سينجح. الحرية الاقتصادية ترعى المنافسة ومحاولات متعددة للتوصل إلى الأشياء التي تنجح وتقتلع حالات الفشل العديدة. بعد فترة يصبح الاقتصاد مكوناً بصورة رئيسية من نجاحات كبيرة وهذا ما يؤدي إلى ارتفاع مستوى المعيشة. ليس بوسع المخططين أن يعرفوا بما فيه الكفاية تعقيدات النجاح، وأكثر من ذلك فهم يعانون من وهم خادع بأنهم يعرفون الإجابات أصلاً.
2) الحرية الاقتصادية توفر الأسواق التي تشكل أجهزة تغذية راجعة ضخمة لمعرفة ما الذي ينجح والذي يفشل، أما التخطيط المركزي فيفتقر للتغذية الراجعة.
3) الحرية الاقتصادية تعيد بقسوة تخصيص الموارد بعيداً عما هو فاشل وباتجاه ما هو ناجح. أما بيروقراطيات التخطيط فلها دوائر تشكل كل منها مصالح خاصة ترفض إعادة التخصيص.
4) الحرية الاقتصادية تجعل من الممكن زيادة مستوى نجاح نشاط معين بسرعة كبيرة وحجم ضخم. تخصص الأسواق المالية أموالاً لتمويل التوسع في العمل ويسمح الهيكل التنظيمي للشركة إعادة تشكيل ذات النشاط الذي نجح على مستوى صغير ليعمل على مستوى أكبر بكثير. تحتاج الأسواق والمؤسسات المالية إلى الحرية الاقتصادية لتعمل جيداً، أما بيروقراطيات التخطيط فنادراً ما تبدي الكثير من المرونة في التوسع في النشاطات الناجحة على نطاق واسع.
5) الحرية الاقتصادية تجعل من الممكن إبرام عقود شديدة التعقيد تتيح للأفراد والشركات التعامل مع حالات عدم التأكد من بعض الجوانب. ففي ضوء ندرة حالات النجاح واحتمالات الفشل لا يقدم الأفراد والشركات على رهانات إلا إذا كانوا يتوقعون صفقة كبيرة لكي تكون لديهم قدرة على تنويع المخاطر وحماية أنفسهم من عواقب فشل كارثي. المسؤولية المحدودة للمؤسسات وقوانين الإفلاس والأسواق المالية كلها عوامل تساعد على تحقيق هذه المهمات في عالم تشكله الحرية الاقتصادية. أما بيروقراطيات التخطيط التي تتجنب المخاطرة فتختار القيام بالنشاطات ذات الحد الأدنى من المخاطرة والحد الأدنى من العوائد.

الحرية الفردية والتقدم

ليست الفكرة القائلة بأن الحرية الفردية تؤدي إلى تقدم أفضل من تخطيط الدولة فكرة جديدة، فهي جزء من تقليد فكري عريق يعارض التخطيط الجماعي من الأعلى إلى الأسفل ويدعو إلى بحث عن الحلول ينطلق من القاعدة إلى القمة وتعود هذه التقاليد إلى أيام آدم سميث وإدموند بيرك. وقد لاحظ إف. إي. هايك ببصيرة نفاذه قبل أكثر من 60 عاماً كيف أن تعقيدات المعرفة تستدعي حرية اقتصادية وتجعل التخطيط توجهاً مستحيلاً. وفيما يلي أورد هذا الاقتباس كنموذج:
“إن تفاعل الأفراد الذين لديهم معارف مختلفة هو ما يشكل الحياة للفكرة. نمو التفكير المنطقي عملية اجتماعية تستند إلى وجود هذه الاختلافات ولا يمكن بالضرورة التنبؤ بنتائج اختلافات كهذه، أي أننا لا نستطيع معرفة أي وجهات النظر ستساعد على تحقيق هذا النمو وأيها لن تستطيع—أي باختصار إن هذا النمو لا يمكن أن يكون محكوماً بأي وجهات نظر لدينا الآن دون أن نضع لها حداً في الوقت نفسه. إن السعي لـ”تخطيط” أو “تنظيم” نمو العقل أو، في هذا السياق، التقدم بشكل عام هو تناقض في المصطلحات… مأساة فكرة الجماعية هي أنها في الوقت الذي تشرع فيه بجعل المنطق هو المرجع الأعلى فإنها تنتهي بتدمير المنطق لأنها لا تستطيع فهم العملية التي يعتمد عليها نمو المنطق… الفردية إذن هي سلوك من التواضع إزاء هذه العملية الاجتماعية ومن التسامح مع وجهات النظر الأخرى وهي النقيض المباشر للغطرسة الفكرية التي تعتبر أساس مطلب التوجيه الشامل للعملية الاجتماعية.”
لا يعني هذا القول بأن الحرية الاقتصادية سهلة التحقيق. حتى لو كان من الممكن فهم مبادئ مثل الملكية الخاصة، وحرية اختيار العمل، والحماية ضد مصادرة الملكية من قبل الدولة، وحرية الدخول والمنافسة في الأسواق، وتحديد الأسعار وفقاً للسوق وليس بأوامر من الدولة، فإن من الصعب تطبيق هذه المبادئ عملياً. تستند هذه المبادئ إلى تشكيلة معقدة من العادات الاجتماعية وشبكات غير رسمية وقوانين رسمية ومؤسسات فعالة. وبقدر فهم المخططين لبعض هذه المبادئ فإن خطأهم الذي يتميزون به هو محاولتهم تقديم كل شيء دفعة واحدة من الأعلى إلى الأسفل في توليفة ذاتية التناقض تسمى “خطة السوق”. (ساكس في حياة سابقة، كان صاحب “العلاج بالصدمة” للبلدان الشيوعية السابقة التي كانت تحاول القيام بذلك بالضبط). الحرية الاقتصادية شيء لا يمكن له أن ينمو إلا بصورة تدريجية ضمن المجتمعات مصحوباً بالكثير من البحث والدراسة بدءاً من القاعدة وللأعلى سعياً لتحقيق إصلاحات تدريجية من قبل لاعبين سياسيين واقتصاديين—وهذا ما يفسر السبب في أن نجاح التنمية الاقتصادية ليس شائعاً نسبياً.
4. خاتمة
لم تستطع المساعدات الخارجية للأسف أن تهرب أبداً من أصولها الجماعية. إن التهيؤات الجماعية اليوم مثل “الدفعة الكبرى” لتحقيق أهداف التنمية الألفية ستفشل مثلما فشلت سابقاً أنواع مختلفة من الجماعية. الواقع أن الأمم المتحدة نفسها تقول بأنها آخذة بالفشل فعلاً (وهي إبداعياً ترى ذلك سبباً للبحث عن مزيد من التمويل للدفعة الكبرى). فمجرد إلقاء نظرة داخل أنماط النجاح الاقتصادي تظهر مدى تعقيدات المعرفة المطلوبة لتحقيق النجاح، والتي تدين جهود التخطيط وتوضح بجلاء أن الحرية الاقتصادية مرتبطة بصورة يعول عليها بالنجاح الاقتصادي.
يمكن للمساعدات الخارجية أن تخلق فرص جديدة لفقراء العالم، توفر لهم أساسيات مثل الدواء والتعليم والبنية التحتية ولكن فقط في حالة أن تعمد المساعدات الخارجية إلى تقليد الأسلوب الناجح للحرية الاقتصادية عن طريق تبني أسلوب البحث والتغذية الراجعة مصحوباً بالمسائلة الفردية بدلاً من انتهاج النموذج الحالي في التخطيط الجماعي. حتى مع إدخال هذه التغييرات فإن المساعدات الخارجية لا تستطيع تحقيق الهدف المبالغ فيه وهو تخليص المجتمعات الأخرى من الفقر وتحويلها إلى الرخاء. لا يمكن تحقيق ذلك لفقراء العالم إلا عن طريق حركات تدريجية تنبثق من المجتمعات ذاتها متبنية الحرية الاقتصادية. لحسن الحظ فإن هذا هو ما يحدث حالياً.
ظهرت هذه الورقة كفصل ثانٍ لتقرير الحرية الاقتصادية في العالم: التقرير السنوي 2006 عن معهد كيتو بواشنطن العاصمة وبالاشتراك مع معهد فريزر في كندا.




peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

“إن التقدم الاقتصادي في القرن العشرين أكد تماما أن اقتصاد السوق هو الوحيد القادر على تأمين فعالية عالية في الاقتصاد الوطني”—ليونيد أبالكين.


مقدمة
إن المعنى الرئيسي لعبارة أبالكين التي استشهدت بها في الافتتاحية واضح. وكما بينت هذه النقطة في مكان آخر، فهناك الآن اتفاق عام على أن اقتصاد السوق يعمل بشكل أفضل من الخيار الاشتراكي أو خيار التخطيط المركزي. وذلك يجعلنا متفقين على ما يعني أن الاقتصاد “يعمل بشكل أفضل”. لأن مثل هذا الاقتصاد ينتج حزمات أكثر من السلع والخدمات حسب احتياجات الأشخاص الذين يستهلكونها. كما أن الاقتصاد الذي يستند الى مبادىء حرية السوق يستطيع أن يحقق معدلات إنتاجية ذات قيمة مضافة أعلى من تلك الناتجة عن اقتصاد يستند إلى مبادىء أخرى.
يشير أبالكين إلى “الكفاءة” في توليد القيمة. ويعزي ارتفاع الكفاءة النسبية لاقتصاد السوق إلى ثلاثة أسباب: كونه يجعل حوافز الأطراف المشاركة متوافقة مع القيمة الاقتصادية المولدة؛ كما أنه يوفر كافة المعلومات المحلية المتاحة للأطراف المشاركة في بيئة محايدة ولامركزية؛ وأخيرا يتيح اقتصاد السوق البيئة المواتية لبروز المواهب الخلاقة والمبدعة للأطراف المشاركة التي اختارت أن تكون من الرياديين المحتملين.
لن أقوم بالتطرق الى المزيد من الكلام بشأن الخصائص المتعارف عليها لاقتصاد السوق. إن الاهتمام الزائد والمبالغ فيه بميزات اقتصاد السوق المولدة للكفاءة قد يكون على حساب الميزة الطبيعية المرتبطة به والتي تُعتبر مساوية لها، إن لم تتجاوزها بالأهمية. وهذ الميزة التي تهمنا هنا هي أن الاقتصاد الذي يستند إلى مبادىء حرية السوق يقلل بشكل ملحوظ من عدد القرارات الاقتصادية التي يجب أن تؤخذ لاعتبارات سياسية من قبل مؤسسة ما تمثل الوحدات الجماعية. وبتعبير عملي آخر، فبالإمكان القول إن الاقتصاد الذي يستند الى مبادىء حرية السوق يقلص من حجم وأهمية البيروقراطية السياسية. ولو اختار أبالكين أن يؤكد على هذه الميزة أكثر من ميزة الكفاءة لقال: “إن المنطق يؤكد أن اقتصاد السوق هو الوحيد القادر على السماح بالتسييس الأدنى للإقتصاد الوطني.” وإذا أراد أيضا أن يوسع نطاق هذه العبارة، لأضاف قائلا: “وإنه من خلال هذا الحد الأدنى للتسييس—وتخفيض البيروقراطية—يمكن تحسين الوصول الى مختلف الأهداف الاجتماعية مهما كانت هذه الأهداف.”
في الجزء الثاني من هذه الورقة سوف أقوم بوصف العلاقة بين التسييس ونظام السوق بينما أقوم بإظهار الفارق بين التسعير السياسي وتسعير السوق. وفي الجزء الثالث سأقوم بمناقشة الآثار المترتبة على التسعير السياسي في اقتصاد ما من خلال العلاقات بين المواطنين وبين مجموعات من المواطنين. وسيتحدد من خلال هذا التحليل، الذي يستخدم المساهمات الحديثة لنظرية الخيار العام، المصادر المحتملة لهدر القيمة الاقتصادية، إضافة إلى تحديد الظروف التي يوضع فيها الأشخاص موضع التبعية وفي مجابهة مع الآخرين. إن التداعيات المعيارية الناجمة عن ذلك واضحة. وسيتناول الجزء الرابع الدور المحوري للعمل السياسي أو الجماعي في تصميم وبناء وتنفيذ ومتابعة الإطار الهيكلي الذي يُسمح فيه بتوظيف اقتصاد السوق. ومن بين الخيارات المطروحة، يفضل الخيار الجماعي. ولكن مثل هذا الخيار سيكون مقيدا بردود الأفعال من التدخلات المعنية بتوليد القيمة ومن التدخلات البيروقراطية. وفي الجزء الخامس، سأعود للتفريق بين السعر السياسي وسعر السوق لبيان كيفية إمكان تطوير أهداف “اجتماعية” متفق عليها بدون تسييس علني للأسواق. كما وسأقدم فكرة حول سعر السوق المتأثر بالناحية السياسية، وسأظهر حدود التطبيق. وسيحتوي الجزء الأخير على الخاتمة والنتائج.
السعر السياسي وسعر السوق

إن الخاصية المميزة للأنظمة الاشتراكية تشتمل على استخدام أسعار محددة سياسيا لبعض السلع والخدمات المختارة والتي يُفترض أنها تستند إلى اعتبارات توزيعية ورعائية. ويتم إتاحة السلع والخدمات المختارة بواسطة هذه الطريقة للمستهلكين وفق أسعار تعكس تقديرات سياسية بدلا من أسعار تستند الى آليات الطلب والعرض. تشمل هذه السلع والخدمات المختارة عادة: الخدمات الطبية والخدمات التعليمية ورعاية الطفل ووسائل المواصلات داخل المدن والإسكان والحليب والخبز وغيرها. ويتم توفير وإتاحة بعض أو جميع هذه السلع والخدمات للمستهلكين أو المستخدمين بأسعار دون تلك التي يتم تحديدها بواسطة قوى السوق.[1]
فلنأخذ بعين الاعتبار مثالا مبسطا. نفترض أنه قد تم اتخاذ قرار سياسي جماعي لتزويد الخبز للمستهلكين بسعر “صفر”، والذي يمكن تسميته “سعرا سياسيا” لأنه بمعزل عن أية علاقة بين تكلفة الإنتاج والطلب. وإذا اقتصر الفعل السياسي على الإعلان عن هذا السعر السياسي، فإنه يمكن التنبؤ برد الفعل مسبقا. حيث سيقوم المستهلكون المحتملون بطلب كميات كبيرة من الخبز بسعر الصفر، في حين لن يكون هناك موردون محتملون يرغبون بتوفير الخبز في السوق بهذا السعر. ويتوجب على صانعي القرار السياسيين، الذين يحاولون بداية تلبية طلب المستهلكين المحتملين، تخصيص كميات كبيرة من الموارد لإنتاج الخبز، إما بواسطة الأمر المباشر أو بواسطة مخطط محدد لدعم الموردين المحتملين. وهذا يعني أنه حتى إذا توفر ما يكفي من الخبز لتلبية جميع الطلبات بالسعر السياسي الزائف، فإنه يجب القيام بعمل سياسي إضافي علاوة على تحديد الأسعار نفسها، لجعلها قابلة للتطبيق. وهذا بدوره يعني ضرورة سحب الموارد من استخدامات أخرى وتخصيصها لإنتاج الخبز، مما سيشجع الإسراف في استهلاك الخبز نظرا للسعر الزائف المنخفض. (إن المثال التوضيحي من التجربة السوفييتية الذي يقدم غالبا هنا هو قصة الفلاحين الذين يطعمون الخبز للماشية).
ومع ذلك، وكما ذكرت آنفا، لا أريد أن أشدد على آثار التسعير السياسي المتمثلة في الإسراف وخفض الكفاءة. وعليه، دعونا نفترض أن صانعي القرار السياسيين الذين يخططون باسم الجماعة سيوجهون الموارد لإنتاج الخبز بالكميات المثلى للطلب تقريبا وبسعر السوق. بينما يتم العرض بسعر الصفر وينتج عن هذا المزيج من توافر أقصى درجات العرض مقابل سعر صفر للطلب نتيجتان: سيكون هناك فائض من الخبز، وسيتطلب تمويل تكلفة انتاج الخبز توفير موارد مالية من مصادر أخرى من غير مستهلكي الخبز. ويستدعي ذلك اتخاذ قرارات وافعال سياسية على مستوى مؤسستين اضافة الى اجراءات بشأن ضبط ضمان عدم تجاوز تحديد السعر.
من الممكن مقارنة هذا النظام من التسعير السياسي مع نظام تسعير السوق بافتراض عدم وجود تدخل مسيّس في سوق الخبز؛ وعليه، فان السعر يعكس نتيجة التفاعل فيما بين الطلب والعرض. وفي هذا الإطار، من الممكن أن يقدم الموردون والمنتجون الخبز للمشترين المحتملين بالشروط التي يختارونها، ومن الممكن أن يختار المستهلكون المحتملون الشراء أو عدمه وبالكميات التي يريدونها. وبالتالي من خلال ذلك يتم التوصل للوضع الكفؤ تقريبا لسوق الخبز (“الكفؤ” مقاسا من حيث جداول الطلب في الاقتصاد). وبالتالي تحت هذا النظام من تسعير السوق ستغيب النتيجتان الناجمتان عن التسعير السياسي. ولن يكون هناك فائض أو نقص في الطلب على الخبز؛ كما لن يكون هناك فائض أو نقص في العرض. ولن يكون هناك أي داعٍ لقيام أطراف أخرى في الاقتصاد، بخلاف مستهلكي الخبز، بوجوب تمويل إنتاج الخبز. ولذا تصبح القرارات السياسية المتعلقة بـ(أ) وضع السعر السياسي، (ب) تخصيص العرض المتاح بين المستهلكين المحتملين، و(ج) تمويل إنتاج العرض المتاح، غير ضرورية في ظل نظام تسعير السوق.
ويتوقع بالطبع أن يكون هناك فروقات بين النظامين في مجال التوزيع. وقد يكون أولئك المستهلكون، الذين نجحوا في الحصول على الخبز بسعر الصفر تحت نظام التسعير السياسي، في حال أفضل بكثير عما قد يكونوا عليه تحت نظام تسعير السوق. (بالرغم من أنهم قد لا يكونوا في وضع أفضل حقيقة عندما يتم الأخذ بالاعتبار السعر الكامل، بما في ذلك كلفة الوقت الضائع في انتظار الدور). ولكن مقابل هذه المكاسب المحتملة للمستهلكين ستكون هنالك خسائر واضحة يُمنى بها من توجب عليهم تمويل العرض المتاح. كما أنه في ظل نظام التسعير السياسي يتم نوع من تحويل القيمة بين مستهلكي السلع وغير المستهلكين. بينما في إطار نظام تسعير السوق لا يوجد مثل هذه التحويلات في القيمة.
التسعير السياسي، التحفظ البيروقراطي، والهدر الاجتماعي

يستند نظام تسعير السوق الى وظيفتين تنسيقيتين يفشل نظام التسعير السياسي في أدائهما. يتم تخصيص العرض المتاح بين المستهلكين المحتملين، كما يتم تقديم الكمية المعروضة لمواجهة الطلب المحتمل. وإذا تم وضع سعر سياسي أقل من سعر السوق، يتوجب عندها اللجوء لاستخدام بعض وسائل الترشيد غير السعر لضبط العملية إلا إذا تم تعديل العرض لمقابلة أي طلب يظهر. وفي هذه الحالة، سينجم عنه فاقد ضخم في القيمة الاقتصادية.
تحت ظروف الطلب المفرط، فان وسائل الترشيد اللاسعري قد تأخذ أي شكل من الأشكال المتعددة، إما منفردة أو مجتمعة. من الممكن تخصيص العرض المتاح بواسطة بعض آليات الترشيد الواضحة، على سبيل المثال بواسطة إصدار كوبونات حصص للتمكن من الشراء. أو من الممكن القيام بالتقنين بواسطة نظام آخر مختلف يأخذ بالاعتبار “من يأتِ أولا، يُخدم أولا” والتي تشمل على فترات انتظار وطوابير طويلة في المحلات. وأخيرا، يمكن ترشيد استهلاك السلع عبر وسائل التسعير الخاص. ويترتب على اختيار أي من وسائل الترشيد هذه إنشاء مؤسسة بيروقراطية لتنفيذ هذه الإجراءات، لن يكون هنالك حاجة إليها في ظل نظام تسعير السوق.
كما تبرز الحاجة إلى إقامة مؤسسات بيروقراطية أخرى عندما نتناول الموضوع من جانب تنسيق العرض. فإذا كان التعديل التلقائي لأسعار العرض كما في ظل نظام السوق غير مسموح به، يتوجب عندئذ على المنتجين، وبطريقة ما، أن يحفزوا على إنتاج كمية السلع التي تم تحديدها سياسيا. ويمكن تنظيم الإنتاج مباشرة عن طريق مؤسسات الدولة أو يمكن دعم الموردين الخاصين. وعلى أية حال، يتم تحصيل الإيرادات من مصادر أخرى في الاقتصاد وهذا التحصيل يعتمد مرة أخرى على المؤسسات البيروقراطية. أو من الممكن أن يطلب حجم الإنتاج مباشرة بالأمر، وفي هذه الحالة يخضع الموردون لضغوط بيروقراطية قسرية.
يتطلب التسعير السياسي انشاء مؤسسة بيروقراطية يكون دورها مكمل وصلاحياتها متسعة لتحقيق التنسيق المطلوب لتحقيق الأهداف. إن جميع الافراد ليس فقط بصفتهم طالبين أو مستخدمين للسلع المنتجة النهائية، ولكن أيضا بصفتهم موردين للمدخلات التي تدخل في إنتاج مثل هذه السلع، لا بد أن يخضعوا للمعاملة التمييزية للمؤسسات البيروقراطية، التي لا ضرورة لوجودها في ظل نظام السوق. وسيخلق ذلك اعتمادا كاملا من قبل المواطنين على البيروقراطية القائمة بغض النظر عن خصائص السلوك الفردي للبشر الذين يعيشون في ظل حكم البيروقراطية. وحتى لو كانت البيروقراطية في ظل هذا الوضع مثالية وعادلة، إلا أن علاقة التبعية ستستمر.
ومع ذلك، وكما تقترح نظرية الخيار العام الحديثة، فإنه من غير المحتمل أن يكون العملاء البيروقراطيون مختلفين عن الأشخاص الآخرين في المجتمع؛ ولا يتوقع بروز أنماط سلوك مغايرة. وسيسعى البيروقراطي، كما سيفعل غيره، لزيادة منفعته الخاصة للحد الأقصى، رهنا بالقيود التي تواجهه. ونظرا لأن الهيكل المؤسسي في نظام التسعير السياسي يضع الأشخاص الآخرين في علاقة التبعية، فمن غير المتوقع أن يرفض البيروقراطي عمدا أن يمارس هذه السلطة التحفظية لكي يُعظّم منفعته. إن المحسوبية، والمعامله التمييزية (الإيجابية والسلبية)، والتصنيفات التعسفية، جميعها خصائص تُميز أي نظام يضع الناس في علاقة التبعية مع بيروقراطيين بشر يتنفسون ويعيشون.
ستكون هذه الخصائص موجودة تحت نظام التسعير السياسي وإن كان لا يوجد فساد بالمعنى المفهوم للكلمة. وسيكون للبيروقراطيين الذين يمتلكون سلطة تحفظية لتخصيص أو توزيع القيمة الاقتصادية، بالتأكيد، فرصاً لتحقيق المنافع الربحية لأن السلطة التي تقوم بالتخصيص والتوزيع يصبح لها قيمة بحد ذاتها. وبالتالي سيكون هنالك علاقة طردية مباشرة بين السلطة وفرص الربح واستغلال المكاسب.
لكن مشاكل التمييز البيروقراطي لا تكمن حصرا، أو حتى أساسا، في الرشوة. فأولا، تتواجد هذه المشاكل بسبب التمييز البيروقراطي، والذي يعني أنه يجب أخذ الخيارات بين مختلف المطالبين على أسس أخرى غير القيمة المضافة. وفي هذا الصدد، يصبح إدخال التمييز البيروقراطي، الذي برز بسبب التسعير السياسي، مصدرا لعدم الكفاءة على كافة مستويات الاقتصاد. وثانيا، فإن علاقة التبعية القائمة بين هؤلاء الأشخاص الذين يمتلكون سلطة تمييزية وأولئك الواقعين تحت تلك السلطة تخلق تفرقة طبقية تعسفية. وثالثا، وربما الأكثر أهمية، فإن النقص المفتعل في ظل نظام التسعير السياسي يصبح النتيجة الطبيعية لاستثمارات مبددة اجتماعياً. ويجد الافراد أنه من المنطقي استثمار الموارد في محاولة لتأمين الوصول التفضيلي إلى مكامن القوة الاقتصادية المتأصلة في التمييز البيروقراطي. إن الارباح المتولدة من أنشطة غير منتجة والتي يحصلها أولئك الذين يتنافسون لضمان الوصول، رغم صعوبته وندرته، إلى السلع المقيّمة (مثل أولئك الذين يطلبون الخبز بسعر الصفر)، تمثل استثمارات مبددة لجمهور الأفراد غير القادرين على النجاح في الجهد التنافسي.
يجب أن يكون هناك القليل من الخلاف أو أن لا يكون هناك خلاف أصلا بخصوص التحليل الاقتصادي العلمي (القائم على الحقائق وعلاقات السببية) لتأثيرات التسعير السياسي على حجم ومجال والحدود التمييزية والنتائج السلوكية الثانوية للمؤسسة البيروقراطية. فلا يوجد نتائج معيارية موحدة يمكن الوصول إليها مباشرة من التحليل. ومع ذلك، وللدرجة التي يمكن أن يتفق عليها المحللون والمراقبون، فان الآثار الناجمة في حد ذاتها تعتبر خصائص غير مرغوبة لأنظمة التسعير السياسي، كما ان المنافع النسبية التي تدعيها مثل هذه الأنظمة مقارنة مع أنظمة تسعير السوق ليست بالأهمية. يجب الاعتراف بأن تقليل التسييس-البيروقراطية في التفاعل الاقتصادي، والذي يحققه نظام تسعير السوق، هو عامل هام في مفاضلة الحكم النهائي، علاوة على المناقشة المألوفة حول الكفاءة.
الدستور السياسي للنظام الاقتصادي

لقد أشرت لغاية الآن إلى أنظمة التسعير السياسي وتسعير السوق بدون ذكر مباشر للبنية الدستورية التي تحدد الإطار الذي يعمل من خلاله أي نظام للتفاعل الاقتصادي. إنه في غاية الأهمية التأكيد على ضرورة العمل السياسي أو الجماعي في تأسيس وصيانة بنية النظام في جميع الأحوال. إن التقليل من مدى ونطاق التمييز البيروقراطي الذي تمت مناقشته في الجزئين السابقين يشير بشكل خاص إلى وضع التفاعل الاقتصادي داخل بنية النظام، أي داخل دستور النظام الاقتصادي. وكما اقترح التحليل، فإن أسعار السوق تميل إلى التقليل من التحفظ البيروقراطي بالنسبة إلى ذلك الذي يقتضيه التسعير السياسي. لكن أسعار السوق تعمل بفعالية فقط في إطار مجموعة من القواعد والذي يجب تأسيسها أو المحافظة عليها بشكل جماعي. ولا مفر من التسييس على مستوى الخيار الدستوري.
ساقصر مناقشتي علي مجمل هذه الملامح للبنية الدستورية التي ستسمح لاسعار السوق أن تبرز وأن تعمل. ولن أقوم بمناقشة كيف يتم أخذ الخيار الدستوري الأساسي ضمن مجموعات من القواعد. أولا، يجب أن يكون هناك توزيعا منتشرا ولامركزيا للقدرات لإنتاج القيمة الاقتصادية مع اعتراف سياسي وقانوني واضح لهذا التوزيع. يجب أن تنتشر الملكية أو حقوق الملكية على نطاق واسع في التملك، في كل من الموارد البشريه والأصول غير البشريه، كما أنه يجب توفر حماية قانونية صريحة لنمط الملكية نفسها. ثانيا، يجب السماح للملاك الخواص تبادل حقوق الملكية فيما بينهم، كما يجب أن يكون هناك إنفاذ سياسي وقانوني للعقود الطوعية المعتمدة لتبادل هذه الحقوق.
وفي ظل مثل هذا النمط من الملكية الخاصة المنتشرة واللامركزية، مع الاعتراف السياسي والقانوني وانفاذ العقود، ستكون العناصر الأساسية لدستور نظام السوق في مكانها. سيتم تخصيص مصادر الموارد بين عدة استخدامات منفصلة؛ وسيتم تنظيم الإنتاج من خلال مجموعة من المدخلات؛ وسيتم إنتاج السلع والخدمات وتوفيرها وتسعيرها للمستهلكين الذين يطلبونها. لا يُطلب من أي أحد مباشرة، سواء كفرد عادي أو في موقع سياسي، الاهتمام بتفاصيل الإنتاج، أو الأنماط المستخدمة للإنتاج، في ظل تشابك عمليات السوق. هذا الناتج، أو أنماط الانتاج، سيكون محصلة التفاعل المستقل بين العديد من الأشخاص. وبهذا لا تتم عمليات التخصيص أو التوزيع نتيجة لاختيار أي طرف.
وعند هذه النقطة بالتحديد قد تكون المبالغة في التركيز على معيار الكفاءة لتقييم أداء اقتصاد السوق مضللة. ومما لا شك فيه أن الكفاءة التي تم تحقيقها بواسطة تفاعل السوق تُعرّف بمثل هذا التفاعل. وتظهر جداول القيمة وفق خيارات السوق التي أخذها جميع المشاركين؛ ولكنها لا توجد بصورة مستقلة. ولا حاجة لأن يكون هناك علاقة بين أداء اقتصاد السوق والكفاءة لتحديد جداول القيمة من قبل المخطط أو صانع القرار السياسي. وفي حالة واحدة يمكن أن تكون عبارة أبالكين صحيحة، ألا وهي عندما يرغب صانعو القرار بالسماح للسوق تحديد الكفاءة.
سيظهر نظام السوق بأنواعه في اللحظة التي يتكامل فيها وجود العناصر الأساسية. بينما من الممكن أن تمتد البنية الدستورية لتشمل قواعد أخرى أو مؤسسات من المتوقع أن تيسر عملية التبادل الشاملة. ومن الممكن أن تأخذ المؤسسة السياسية، أي الدولة في هذه الحالة، مسؤولية تحديد الوحدة النقدية للنظام الاقتصادي، كما يمكن أن تسعى للحفاظ على استقرار قيمة هذه الوحدة. كما يمكن أن يكون هناك ترتيبات مؤسساتية متخصصة تهدف إلى تشجيع القوى التنافسية، وخاصة تلك التي تعزز حرية الدخول في الإنتاج والتي تحظر الترتيبات الاحتكارية. اما المرافق العامة والسلع الأخرى المستهلكة جماعيا (على سبيل المثال حماية البيئة) تبقى ضمن سلطة الدولة، كما أنه من الممكن إدخال التشريعات الدستورية التي تُحدد الوسائل التي يتم عبرها تمويل السلع والخدمات الموردة من قبل الدولة.
البيروقراطية الدنيا واقتصاد السوق الاجتماعي
يترتب على الاهتمام والتركيز على العلاقة بين الخصائص التنسيقية لسعر السوق ونطاق التمييز البيروقراطي تأثير على فعالية التدخل السياسي الذي يتم لتعزيز الأهداف الاجتماعية. وقد يرفض صناع القرار السياسي، الذين يعملون كوكلاء للنخبة الحاكمة أو أولئك الذين يدعون انهم يمثلون الدوائر الانتخابية في الديمقراطيات، معيار الكفاءة كما هو معرّف بإجراءات اقتصاد السوق حتى وإن تم توسيع القطاع الجماعي ليشمل تمويل السلع غير المستثناة والمستهلكة جماعيا. وقد يسعى هؤلاء الوكلاء، ولذات الأسباب التوزيعية والرعائية التي حفّزت العديد من التجارب الاشتراكية في الأنظمة التي تتحكم فيها الدولة بالأمور الاقتصادية والاجتماعية، إلى استخدام السلطة السياسية لتعديل نتائج نظام السوق، ولو بشكل جزئي.
في الوقت ذاته، يمكن قبول منافع نظام السوق من حيث إنتاج قيمة اقتصادية وتقليل دور التمييز البيروقراطي. والسؤال هو كيف يمكن الإبقاء على الخصائص التنسيقية للأسواق في ظل استخدام السلطة السياسية لتعديل الأنماط التوزيعية والحصصية في اتجاه تلك الأنماط المرغوبة بشكل أكبر من قبل صانعي القرار (والمخططين)؟
افترض أنه قد تم تأسيس القواعد الأساسية لاقتصاد السوق. عندها ستصبح حقوق الملكية لامركزية ويتم إنفاذ العقود الطوعية. استرجع مناقشتي السابقة في الجزئين الثاني والثالث. إذا تم توفير الإمدادات بشكل كاف لتلبية جميع المطالب بسعر الطلب المقرر سياسيا والذي يواجه المستهلكين والمستخدمين المحتملين، عندئذ، لا تستدعي الحاجة استخدام نظام مكمل للترشيد. وإذا قبلت جميع الإمدادات المعروضة بسعر العرض المقرر سياسيا، عندئذ لا تبرز الحاجة إلى استخدام نظام لترشيد البيع بين المزودين المحتملين. وعليه، يمكن استخدام السعر لترشيد الطلب ولتنشيط العرض. ولكن، في هذه الحالة، ستغيب خاصية توازن السوق. وقد لا يكون سعر طلب السلعة للمستهلكين معادلاً لسعر العرض للمزودين. وكما اشير سابقا، تتم تحويلات في القيمة في الأسواق في ظل نظام التسعير السياسي. وإذا شجع صناع القرار السياسي المشاركين في السوق على شراء المزيد من سلعة ما غير تلك التي تُمليها خياراتهم سيحدث خلل في هيكل الأسعار في السوق بين سعر الطلب الذي تعرض به السلعة إلى المستهلكين وسعر العرض الذي يقدم للمنتجين وبالتالي ينخفض سعر الطلب عن سعر العرض. وهنا يتوجب العثور على وسائل لتمويل الفارق حتى لو حققت هذه الأسعار هدف الترشيد المطلوب.
وفي هذه الحالة، يجب أن يرغب صانعو القرار السياسي بإحداث خلل في الاتجاه المعاكس في السوق لسلعة أو سلع أخرى. ويعني هذا جعل سعر الطلب أعلى من سعر العرض في سوق سلعة أخرى (أو عدة سلع) لتوليد العوائد اللازمة لتمويل الدعم المالي للسلعة أو الخدمة المفضلة. وأسوة بما حدث في السوق الأول، يمكن استخدام الأسعار لإلغاء الحاجة إلى التمييز البيروقراطي في آليات الترشيد التكميلية. لكن هذا الاعتراف بتحويلات القيمة عبر الأسواق يفترض توازن الموازنة. وهذا يعني أن العائدات المحصلة من السلع غير المفضلة يجب أن تساوي بالضبط الدعم المالي المدفوع للمنتجين والمستهلكين للسلع المفضلة. وبالتالي يمكن تشجيع إنتاج واستهلاك سلعة واحدة؛ ويمكن عدم تشجيع إنتاج واستهلاك سلعة أخرى. ويمكن تحقيق الهدف الاجتماعي المزعوم ضمن مجموعة من القيود التي تفرضها تفضيلات المشاركين في الاقتصاد من خلال دورهم كطالبين ومزودين للسلعتين (أو مجموعة السلع).
قصة الخبز والفودكا

يمكن هنا توضيح الفرق بواسطة مثال بسيط. افترض أن صانعي القرار السياسي، مهما كانوا، قد قاموا بتعديل نتائج اقتصاد السوق الحصصية والتوزيعية من خلال طريقة محددة. قد يكون الهدف الاجتماعي المعلن تشجيع إنتاج واستهلاك الخبز وعدم تشجيع إنتاج واستهلاك الفودكا، وفي الوقت ذاته، تقليل فقدان الكفاءة والتحفظ البيروقراطي.
يحدث التفاضل التمييزي من خلال دعم إنتاج الخبز بينما تفرض ضريبة على إنتاج الفودكا. وبموجب هذه الترتيبات، سيستمر تسويق السلعتين بأسعار تُحدد سياسيا رغم أنها لا تزال تعتبر من ناحية اخرى أسعار السوق. ولكي يعمل هذا المخطط بطريقة فعالة، يجب أن يتوازن جانبا الحساب. وكذلك، يجب أن يُعدّل النظام ليتوافق مع تغير جداول الطلب والعرض للسلعتين بتأثير تغير رغبات الطالبين والمزودين. ولا يمكن لصناع القرار السياسي أن يفرضوا وببساطة وحدة ضريبة على الفودكا بشكل مستقل عن وحدة الدعم للخبز. وبالنظر إلى سلوك طالبي الفودكا والموردين، فإن أية وحدة ضريبية على الفودكا ستولد إجمالي عائدات محددة ستكون متاحة لتمويل دعم الخبز. ولكن في هذه الحالة، سيعتمد حجم وحدة الدعم على سلوك طالبي ومزودي الخبز. ولا يمكن أن يقوم صانعو القرار السياسي ببساطة باختيار أي وحدة دعم للخبز إذا كانت رغبتهم تقليل الحاجة إلى التمييز البيروقراطي في توزيع الخبز. في المقابل، يجب تحديد حجم الإنفاق على أي وحدة دعم مختارة مسبقا للخبز، وفقا لسلوك طالبي وموردي الخبز. ويثبت حجم وحدة الدعم حتى يمكن تمويل الإنفاق عليه من وحدة الضريبة على الفودكا وفقا لسلوك طالبي الفودكا والموردين.
قد يرغب صانعو القرار السياسي باختيار حلول قد تتناقض بكل بساطة مع سلوك المشاركين في الاقتصاد. على سبيل المثال، قد تتجاوز العائدات المطلوبة لتمويل دعم كامل للخبز لكي يُقدم بسعر الصفر، كما ورد في العرض السابق، خارج الحدود التي يمكن توليدها عن طريق فرض ضريبة على الفودكا. وسيفرض سلوك العرض والطلب للمشاركين في جميع الأسواق، والذي يجب السماح به بدون أي ضغط بيروقراطي، قيودا على قدرة صانعي القرار السياسي لتعديل نتائج الأسواق. ضمن هذه الحدود، فإن هيكل أسعار السوق قد يحتاج الى تعديله بشكل ملحوظ ليحقق الأهداف الاجتماعية المتوخاة.
الخاتمة
يجب أن يتم تحديد الموارد وتجميعها في أي نظام اقتصادي لإنتاج مخرجات ذات منفعة والتي بدورها يجب أن توزع على المستهلكين. فالاقتصاد الذي يستند الى مبادىء حرية السوق يستطيع أن يحقق هذه المجموعة من المهمات بفعالية أعلى وكذلك سيولد معدلات انتاجية ذات قيمة مضافة أعلى مقارنة بالاقتصاد الذي يستند إلى خيار التخطيط المركزي. لقد كان هدفي هنا التأكيد على أهمية الميزة الطبيعية لاقتصاد السوق الحر، التي تربط نظام الاقتصاد مع الخيارات السياسية والبيروقراطية. وإذا لم يتم تخصيص الموارد وتوزيع المنتجات من خلال نظام للسوق، عندئذ يجب أن يتم إنجاز الوظائف التخصيصية والتوزيعية مباشرة بواسطة مؤسسة سياسية بيروقراطية. والنتيجة المباشرة والواضحة هنا أن السوق يحد من التدخل البيروقراطي في حياة المواطنين للدرجة الممكنة.
إلا أن هذه النتيجة لا تعني أن الأسواق أو منظومة السوق تستطيع إزالة المحددات الجوهرية المحكومة بنُدرة الموارد كمفعول السحر، إلا أنها تستطيع تقليص حدة هذه المحددات بواسطة زيادة كفاءة استخدام الموارد. ومع ذلك، ستبقى المحددات الأساسية على الموارد قائمة؛ ويكون مفعول الاسواق عليها من خلال هياكل الأسعار الموضوعية، عوضا عن التدخل التمييزي والقسري للبيروقراطية المشخصنة. أي يتم استبدال النفوذ الخاضع لتقدير أو سلطة البيروقراطية بالسلطة الموضوعية للأسعار، وما يصاحب ذلك من انعكاسات على طبيعة العلاقات بين الاشخاص.
يقلل نظام السوق من التمييز البيروقراطي، ولكنه يعمل فقط في إطار دستوري مستدام وفعال سياسيا. إن وجود العناصر الأساسية—توزع الملكية الخاصة وإنفاذ العقود—ضرورية للسماح بنشوء الأسواق وإنتاج أنماط من المخرجات تعكس أعلى قيمة لأفضليات المشاركين، كما يُعبَّر عنها من خلال سلوك السوق.
وقد لا تحصر السياسة، كيفما تعمل ومهما كانت آلية اتخاذ القرار وكيف يتم اختيار صانعي القرار، أنشطتها لتأسيس ومتابعة الإطار الدستوري بإرادتها. وقد يطلب السياسيون، بصفتهم الشخصية وكممثلين لدوائر المواطنين، تعديل بعض المخرجات التي تظهر نتيجة لتفاعلات السوق غير المسيطر عليها. قد يشارك العديد من المواطنين في تصنيف بعض السلع بأنها “تستحق التشجيع” (تسمى أحيانا “سلع الجدارة”) وأخرى بأنها “لا تستحق التشجيع” (تسمى أحيانا “سلع الإسراف”). وسيحاول أي نظام سياسي تعديل نتائج تفاعل السوق باتجاه تشجيع المجموعة الأولى من السلع ومنع المجموعة الثانية.
هناك وسائل أفضل من أخرى للتدخل في آلية عمل الأسواق إذا تم القبول بنتيجة تخفيض التمييز البيروقراطي وتحسين الكفاءة. وقد تُعزَّز أهداف اقتصاد السوق الاجتماعي بواسطة التخطيط لآليات الضرائب والدعم المنتقاة بطريقة متوازنة تستجيب لسلوك العرض والطلب للمشاركين.


الاقتصاد السياسي للتحول الى اقتصاد السوق
بوريس ميلنر[2]
القرارات السياسية وقرارات السوق
لقد قمت بقراءة ورقة جيمس بيوكانن بمزيد من الاهتمام. إن تحليله الواضح والاصيل والحيادي لآليات التخطيط المركزي واقتصاد السوق يفوق المقارنات المماثلة، ليس فقط لتعمقه في الموضوع، بل أيضا بسبب جدة فرضياته واستنتاجاته.
الفرضية الأساسية للورقة هي التفسير الموسع لكفاءة اقتصاد السوق. لقد تم توسيع نطاق المعايير المألوفة المتعلقة بإنتاج السلع (العوامل المحفزة للاطراف الاقتصادية الفاعلة، التوافر التام للمعلومات في ظل نظام لامركزي، والبيئة المواتية لتوليد القدرات الخلاقة والمبدعة) من قبل بيوكانن ليضيف عليها ويتناول بالتحليل تأثير عامل مهم آخر هو: العلاقة بين القرارات السياسية وقرارات السوق.
وأعتقد هنا أن المبدأ الذي صاغه في غاية الأهمية:
“إن الاقتصاد الذي يستند إلى مبادىء حرية السوق يقلل بشكل ملحوظ من عدد القرارات الاقتصادية التي يجب أن تؤخذ لاعتبارات سياسية من قبل مؤسسة ما تمثل الوحدات الجماعية. وبتعبير عملي آخر، فبالإمكان القول إن الاقتصاد الذي يستند الى مبادىء حرية السوق يقلص من حجم وأهمية البيروقراطية السياسية.”
إن هذه النتيجة المستخلصة صحيحة بوجه عام، عند تساوي المعطيات الأخرى، في الكيفية التي يعمل بها بشكل متواز نظامان اقتصاديان—نظام التخطيط المركزي ونظام السوق—وفق خصوصية كل منهما وحسب قواعد السلوك الخاصة بهما.
الانتقال من اقتصاد التخطيط المركزي إلى اقتصاد السوق

تبرز الحاجة إلى مزيد من التحليل في حالة الأنظمة المتحولة التي تستبدل الآليات التوظيفية لنظام بنظام آخر. وهنا يجدر الأخذ بعين الاعتبار بعض الخصائص التي تُميز الفترة الانتقالية للتحول إلى السوق، والتي يمر بها حاليا اقتصادنا (أي اقتصاد الاتحاد السوفييتي السابق).
الخاصية الأولى هي تفرد ميزة التحول بحد ذاتها؛ ولذلك نعاني من نقص في النظريات والإجراءات الممكن للدولة اتباعها في المرحلة الانتقالية، واستحالة التعلم مباشرة من التجربة التاريخية المتاحة. إن هذه الفترة الانتقالية فريدة من نوعها نظرا لعدم إضطرار أي دولة أخرى في العالم أن تتوجه نحو السوق الحر من خلال تفكيك البنية الهرمية الاحتكارية الكبرى لمنتجي وموزعي السلع التجارية، تلك البنية التي أقيمت بجهد كبير وعلى مدى عقود عديدة. لا يوجد تجربة مماثلة لبلد في العالم اضطر أن يُغير قواعد السلوك لنظامه الاقتصادي، وهو في طريقه للتحول إلي اقتصاد السوق الحر، بتفكيك كافة الروابط الإدارية المتأصلة والعلاقات القائمة على أسس غير اقتصادية وفي وقت قصير. ولم يضطر أحد أثناء التحول نحو اقتصاد السوق الحر لأن يتغلب على عقلية الهيمنة والخضوع التي اخترقت عقول الملايين بعمق عبر ما لا يقل عن ثلاثة أجيال وأصبحت لهم بمثابة النمط الطبيعي. وعليه، نجد أن المهمة معقدة بدرجة يصعب تصديقها، كما أن الحاجة متواصلة للاختيار بين العديد من الاحتمالات، مع بروز مثبطات لا مفر منها تبطىء التغيير، وضرورة العمل للتغلب على العقبات. إضافة إلى ذلك، فان البحث عن حلول لهذا الوضع لا يمكن الوصول إليه من خلال وصفات جاهزة. كما أنه لا يمكن توقع جميع التفاصيل والعلم بكافة الخلفيات أو تجنب أي خطأ أو سوء تقدير غير متوقع.
وفي مثل هذا الوضع، لا يمكن الركون الى أن العلاقة بين الإدارة البيروقراطية (“التسعير السياسي”) وآليات السوق ستكون مستقرة في جميع الأوقات. إن تحرير الأسعار سيأخذ وقتا؛ وخاصة أننا نعتمد الاسلوب المتدرج (خطوة خطوة) لتحرير اسعار العديد من السلع.
لا يسع المرء إلاّ أن يلاحظ خاصية أخرى لهذه المرحلة: إن بناء العلاقات الاقتصادية الجديدة يتم إطلاقه وتنفيذه بدرجة أقل من خلال الاعتماد على آليات التطوير التلقائية المنبثقة “من الأسفل” من خلال الأطراف الاقتصادية الفاعلة الأساسية، وأكثر “من الأعلى”، إذ تقوم السلطات المركزية والجمهورية والإقليمية بدور مزدوج فهي تفكك التركيبة الإدارية القديمة وتأسس للتحول إلى اقتصاد السوق الجديد.
وباستعمال تعبير بيوكانن، يجب أن تؤدي هذه العملية إلى خلق “دستور سياسي اقتصادي”. ولهذا السبب يبدو لي، فيما يتعلق بالظروف الحالية التي تشهدها عملية التحول إلى اقتصاد السوق، أن الفقرة التالية من ورقة بيوكانن يجب اعتبارها بالغة الأهمية: “أسعار السوق تعمل بفعالية فقط في إطار مجموعة من القواعد والذي يجب تأسيسها أو المحافظة عليها بشكل جماعي. ولا مفر من التسييس على مستوى الخيار الدستوري.”
في هذا الإطار سيتم البحث عن أجوبة للأسئلة التالية: (أ) كيفية تقليل التأثير السياسي على الروابط والعلاقات الاقتصادية، (ب) كيف ستعمل مؤسسات الدولة التنظيمية في إطار اقتصاد السوق، و(ج) كيفية إجراء الانتقال من العلاقات الرأسية إلى الأفقية.
هناك طريقتان أساسيتان: (أ) أن تبرز المؤسسات السياسية وتحدد وظائفها من داخل اقتصاد السوق لخدمة مصالح القطاع الحر؛ (ب) أن تُغير الهياكل الحكومية طبيعتها المستندة إلى العلاقات غير المستمدة من السوق والتخصيص المركزي للموارد وتتحول إلى مؤسسات سياسية لخدمة مصالح السوق.
لا يمكن لهذه الطرق أن تنجح بمفردها، حيث أننا نتعامل مع نظام واسع ومعقد جدا ومتشعب من الارتباطات الإدارية والترتيبات الهيكلية التي تجذرت بشكل مدروس وثابت. ولهذا السبب بدأت عمليات الانتقال من خلال عدة قنوات للتحول إلى بنية حكومية جديدة مع ظهور الأطراف الاقتصادية العاملة في آن واحد والتي يجب أن تنمو معا.
إن أحد الأهداف هو إزالة تركيبة البنية المتكيفة مع “العلاقات غير المستندة إلى اقتصاد السوق” وخلق الحد الأدنى لبنية أخرى جديدة. ويمكن اللجوء إلى اتجاه آخر يتمثل في تأسيس بنية متوازية ويتم من خلالها الاستبدال التدريجي للمؤسسات القديمة بأخرى جديدة. وعلاوة على ذلك، هناك طريقة تحويل البنية الحكومية إلى الاطراف الاقتصادية العاملة التي تنشط في ظل سوق حر وتدار على أسس ديمقراطية.
هناك طرق أخرى ممكنة، ولكنه من الواضح مسبقا أن الفترة الانتقالية محتّمة، مع وجود كل من البنية القديمة والجديدة معا وجنبا إلى جنب مع قيام الجديدة بتهميش القديمة بتجذر علاقات السوق وتطورها وكذلك مع تجمع قوة كافة الاطراف الاقتصادية العاملة في اقتصاد السوق—الشركات، والمصالح المختلفة، والاتحادات، والجمعيات الاقتصادية، والشركات المساهمة، وبورصات الاسهم والسلع، والوسطاء التجاريين، والمشاريع الصغيرة العاملة في مختلف القطاعات.
إن عملية الانتقال تعني تطوير ظروف مختلفة من شأنها، كما يؤكد بيوكانن، إلغاء الحاجة إلى القرارات السياسية المتعلقة بتثبيت الأسعار السياسية وتخصيص الموارد المتاحة بين المستهلكين المحتملين و”تمويل” إنتاج السلع التي تم تخصيصها.
تحول الحكومة
يتم أثناء فترة التحول تقليص هيمنة ومهام الحكومة المركزية. وتصبح وظائفها منحصرة في المقام الأول على الإشراف على أنشطة السوق—ومثال ذلك، التنظيم الإداري المحدود؛ الرقابة على النظم المالية والائتمانية والضريبية؛ والحفاظ على شبكة الأمان الاجتماعي. وتصبح القوة الاقتصادية في المركز مجموع التفويضات المخولة لها من قبل بقية الجمهوريات.
وضمن إطار تجميع هذه القوة التي تم تأسيسها بالاتفاق، تمارس الحكومة المركزية سلطاتها في الإشراف على جميع أملاك اتحاد الجمهوريات وموارده المالية وبرامجه الاقتصادية، بما يضمن الدرجة القصوى من التنسيق في تنفيذ الإصلاح. وفي إطار هذه العمليات التي تستهدف مأسسة التحول إلى اقتصاد السوق، يصبح من الضروري التأكيد باستمرار على “أهمية الميزة الطبيعية لاقتصاد السوق الحر التي تربط نظام الاقتصاد مع الخيارات السياسية والبيروقراطية،” كما يفعل بيوكانن.
إن الصيغة التي قدمها بيوكانن متصلبة وتفيد بأنه: “إذا لم يتم تخصيص الموارد وتوزيع المنتجات من خلال نظام للسوق، عندئذ يجب أن يتم إنجاز الوظائف التخصيصية والتوزيعية مباشرة بواسطة مؤسسة سياسية بيروقراطية. والنتيجة المباشرة والواضحة هنا أن السوق يحد من التدخل البيروقراطي في حياة المواطنين للدرجة الممكنة.”
في المرحلة الانتقالية تخرج المؤسسات التي لها سلطة بيروقراطية مباشرة على المنشآت والمشاريع التجارية من المسرح؛ كما تنتهي مرحلة خضوع الاطراف الاقتصادية العاملة وتظهر مؤسسات مختلفة النوعية: خزينة للدولة، إدارة لمساعدة المشاريع الصغيرة، مجلس لمحاربة الاحتكار. وهنا تبدأ عملية واسعة لإعادة الهيكلة والتنسيق وتحول بُنية المؤسسات الحكومية ووظائفها. وهذه هي العمليات التي تفتح الطريق باتجاه تأسيس علاقة جديدة بين نظامي التسعير السياسي والاقتصادي، وكذلك باتجاه تقليص التدخل الحكومي في تحديد الأسعار. وعليه، إذا كنا نتحدث عن “أسعار سوق تتأثر سياسيا” فنحن ننطلق من الفرضية القائلة بأن الأسعار تتأثر بالسياسات الاقتصادية العامة وكذلك بسياسات الحكومة التي تؤثر على السعر: الاقتطاعات من الربح أو العوائد والضرائب والتعرفة والدعم وهكذا. ولكن كيف من الممكن أن ينتقل أحدنا إلى مثل هذا النظام في ظل الظروف الخانقة لأزمة اقتصادية صعبة؟
مشكلة التسعير
يتم حاليا تدارس ثلاثة طرق متباينة لمعالجة مشكلة التسعير اثناء عملية الانتقال الى اقتصاد السوق:
1. عملية الانتقال يجب أن تبدأ بإصلاح عام للأسعار (ترفع الأسعار لمرة واحدة مع تعويض دخول المواطنين على ذلك).
2. يتم إصلاح الأسعار بعد استقرار الأنظمة المالية والائتمانية والدورة النقدية وبعد إنهاء احتكارات الحكومة.
3. يتم التحول إلى نظام تحرير الأسعار تدريجيا بأسلوب الخطوة خطوة ومن غير قرارات إدارية تفرض رفع الأسعار.
وهكذا يجب أن تأخذ الفترة الانتقالية في الاعتبار هذه الطرق والتي تخضع لطبيعة ودرجة “التأثير السياسي على أسعار السوق”. ولقد أصبحت هذه المعايير متغيرة وديناميكية. وهناك خيارات عديدة ممكنة من ضمنها عدة حلول وسطية.
ولكن، ما هي العوامل المميزة والهامة لإحداث مثل هذا التأثير؟ من الممكن اعتبار الآتي:
 تنسيق السياسات المالية والائتمانية وسياسات العملة والضرائب؛
 التنظيم التشريعي للنشاطات الاقتصادية والمشاريع الخاصة وتشجيع التنافس وحماية المستهلك والبيئة؛
 خلق بنية تحتية لاقتصاد السوق؛
 تقليص عجز موازنة الحكومة بدرجة ملحوظة وربط الموارد المالية الفائضة؛
 الربط العضوي لعملية الانتقال إلى تسعير السوق بإزالة كافة الاحتكارات المسيطرة على نظم العلاقات الاقتصادية فيما بين المؤسسات والمنظمات والمواطنين.
مسألة الحماية الاجتماعية

تُصمم برامج موجهة خصيصا لتخفيف وطأة الإصلاح الاقتصادي وتوفير الحماية الاجتماعية للمواطنين. إن السكان شديدو الحساسية لبرامج الإصلاح مع قلقهم في مدى قدرتهم على ضمان الاحتفاظ بالحد الأدنى من مستوى المعيشة في ظل هذه البرامج.
في يومنا هذا، يتم التحول إلى اقتصاد السوق في خضم أزمة اقتصادية عميقة وروابط اقتصادية متحللة وعدم استقرار سياسي وتوترات عرقية إضافة إلى وجود بيئة اجتماعية ونفسية غير مواتية.
إذا كان الثمن المطلوب للإصلاح فوق طاقة احتمال المواطنين، فهناك احتمال كبير جدا بظهور حركات الاحتجاج بأشكال مختلفة وبروز مقاومة متنامية ضد إعادة هيكلة الاقتصاد. الأسعار والحوافز، الاسعار والبيئة الاجتماعية، تلك ستكون في مقدمة المشكلات طوال الفترة الانتقالية للتحول إلى اقتصاد السوق.
ملاحظات:

[1] من الممكن بالطبع أن تكون عدم الكفاءة الإدارية في التوزيع كبيرة جدا لتجعل الأسعار الشمولية لمثل هذه السلع أعلى من أسعار السوق الحرة وبالرغم عن قصد المخططين.
[2] نائب مدير المعهد الاقتصادي للأكاديمية الروسية للعلوم في موسكو.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 7 أيلول 2006.

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100
إن أحد أهم مواضيع النقاش العام في العديد من البلدان الغربية اليوم (بما في ذلك الولايات المتحدة، وألمانيا والمملكة المتحدة) يتعلق بإدخال نظام الضريبة المقطوعة بدلاً من النظم الضرائبية شديدة التعقيد والتشويه. ويمكن النظر إلى ذلك النقاش القائم على أنه جزء من التوافق الذي تم في مرحلة ما بعد كينز حول إدارة السياسة الاقتصادية. ومن المفيد دراسة هذه القضية، في هذا الإطار الأوسع، مع إظهار الأسباب التي تجعل من هذه القضية أمراً مهماً له اتصال بالبلدان النامية مثل الهند.
هنالك، على ما يبدو، إجماع واسع في دوائر اتخاذ القرار على أن انتهاج سياسة نقدية ناشطة، تستند إلى شكل من أشكال النظرية الكينزية، هو أمر له نتائج عكسية. هذا يعود إلى حد كبير إلى حقيقة أن نتائج تلك السياسة تكون خاضعة لفترة انتقالية طويلة لا يمكن التنبؤ بمداها، مع احتمالية إساءة استخدامها من قبل السياسيين من كل توجه، لدعم مصالحهم الخاصة، إبان دورة الاعمال المتزامنة مع السياسة. كما أن هنالك دلائل قوية على أن القطاع الخاص سوف يُطفئ أية تقلبات لا يمكن تفاديها في النشاط الاقتصادي، والعمل على استقرار الاقتصاد، ما لم تُشوِّشُ عليه تصرفات سياسية غير متوقعة. لذا، فإن هنالك اتفاق يتنامى بأن أفضل وسيلة لإدارة الشؤون النقدية هي تركها لبنك مركزي يتمتع باستقلالية، والذي يتبع قواعد بدلاً من التصرف باجتهاداته وأهوائه. قد تكون تلك القواعد أو الأحكام تأقلمية لا ثابتة محددة، وتستطيع التأقلم بوسيلة معروفة للتغيرات الدائمة التي تقع في النمو الحقيقي أو التدخل المالي. إن هذا الأسلوب يحرر السياسة النقدية من الاعتبارات السياسية. وعلى الرغم من أنه ليس مستقلاً من الناحية الرسمية، فإن البنك الاحتياطي الهندي، في تصرفاته الأخيرة، قد اتبع إلى حد كبير هذا التوجه.
هذا يبقي جانباً السياسة المالية التي تنتهجها الدولة. لقد تم النيل من أتباع سياسة كينزية نشطة من قِبل الدولة قبل النيل من قرينتها—السياسة النقدية—بعد أن تبين بأنها قد تقود إلى أخطاء فادحة أكبر وأقل مرونة من السياسة النقدية. وقد أدى ذلك إلى إيلاء السياسة المالية معالجة الاقتصاد الجزئي وليس الاقتصاد الكلي. فحالات استخدام السياسة المالية (والتي تشكل سياسة التعرفة جزءا منها) لتقديم حوافز متنوعة “للصناعات الناشئة”، أو لتعديل إخفاقات سوقية مفترضة، قد تم النيل منه بسبب الأثمان السياسية للتدخل. وهنالك إدراك يتعاظم بأن الهدف الوحيد من وراء السياسة المالية يجب أن يقتصر على تقديم التمويل، لتحقيق الحد الأعلى من السلع العامة وبأقل كلفة ممكنة في مقاييس الرفاه الاقتصادي. أما الأهداف المنبثقة عن إعادة توزيع المداخيل، كهدف من أهداف السياسة المالية، فقد تم النيل منها بدرجة مساوية، بعد أن ثبت بوجه قاطع من التجارب التي تمت في مختلف أرجاء العالم بأن الضرائب الهادفة إلى إعادة توزيع المداخيل هي عبارة عن آلة ضخمة تُزبد وتتحرك بعنف، والذي تتم في النهاية إعادة التوزيع (على الأقل في البلدان الديمقراطية) ليس لصالح الجهات المتوخاة من إعادة التوزيع، ولكن لصالح الطبقات الوسطى، حيث أن جميع الأحزاب السياسية تنشد ودها وتسعى لكسب أصواتها.
إن الجواب التكنوقراطي على موضوع تمويل النفقات العامة على السلع العامة وبأقل كلفة اقتصادية قد اُعطي من قبل مُنظري الاقتصاد العام. إنها نظام الضرائب الذي أوصى به فرانك رامزي (وهو زميل أصغر لكينز في جامعة كيمبردج). إنه نظام ينطوي على فرض الضرائب على البضائع الأقل استجابة لمقتضيات الطلب. أية ضريبة (ما عدا مبلغاً مقطوعاً، مثل ضريبة الرأس) تنطوي على خسارة يطلق عليها علماء الاقتصاد “فائض الاستهلاك”. هذه الخسارة تكون أعظم بالنسبة لأي سلم ضريبي كلما كان منحنى الطلب أكثر مرونة (كلما كان المستهلكون أكثر حساسية للسعر بالنسبة لكمية السلع التي يشترونها)، ذلك أن أي ارتفاع في السعر يواجهه المستهلك نتيجة الضريبة من شأنه أن يؤدي إلى تخفيض أكبر في كمية الشراء، مما لو كان الطلب أقل مرونة. ومن هنا جاء قانون رامزي حول الحد الضريبي الأمثل.
ولكن هذا القانون يفترض بأن الحكومة ذات نوايا طيبة. ولكن، لنفترض بدلاً من ذلك، بأن توجهها غير ودي، وأنها لا تكتفي فقط بمجرد تحصيل مداخيل معينة، ولكنها تسعى إلى إيصالها إلى الحد الأقصى بأقل كلفة ممكنة. ما هي الضرائب التي تختارها؟ وكما بيَّن جيفري برينان وجيمس بيوكانن، فإنها سوف تختار ضرائب رامزي! وقد أدى ذلك إلى إجراء أبحاث من أجل التوصل إلى نظام ضريبي يحد من النزعات العدوانية الشائعة لدى الحكومات. الضريبة المقطوعة، والتي كان أول دعاتها روبرت هول وألفن رابوشكا، هو الجواب.
في شكلها المجرد، فإن الضريبة المقطوعة تحل مكان نسب الضرائب المتعددة، بضريبة هامشية واحدة، وتلغي النظام المعقد للإعفاءات، التي تستخدمها الحكومة لأهداف الهندسة الاجتماعية أو لكسب الأصوات. إن سماحاً شخصياً عالياً من الضرائب يسمح بإخراج الفقير من شبكة الضرائب ويعطي تقدمية للنظام. جميع الضرائب—على المداخيل العليا للشركات، والضريبة الشخصية، والضرائب على السلع (كضريبة القيمة المضافة)—تحدَّد بنسب متساوية، تبلغ في الحقيقة إلى ضريبة الاستهلاك وتُلغي أي تعدد ضريبي مثل الضرائب على الأرباح.
إن مزايا الضريبة المقطوعة تتمثل في بساطتها وشفافيتها (وكما لاحظ ستيف فوريز، فإن كل إنسان يحتاج إلى بطاقة بريدية لإرسال كشف بما يستحق عليه) مما يؤدي إلى نمو اقتصادي أسرع، بسبب الحوافز الأكبر للعمل، وإزالة مختلف العوائق المثبطة التي تتأتى عن التشوهات الضريبية الحالية، بما في ذلك خلق سوق سوداء واسعة من أجل الهروب من الضريبة وتجنبها.
وقد تبينت مزايا مثل هذه الضريبة في العديد من بلدان أوروبا الشرقية (بما في ذلك روسيا وإستونيا ولاتفيا وأوكرانيا وجورجيا ورومانيا) وهي بلدان في غمرة انتقالها من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق. كما أن مثلهم شجع بلداناً أخرى على الأخذ بالضريبة المقطوعة (بولندا والتشيك وسلوفينيا).
ولكن وخلافاً للنظم الضريبية الجديدة في أوروبا الشرقية والتي حلّت مكان أنظمة قديمة متداعية، ففي معظم البلدان المتقدمة، حيث توجد نظم ضرائب ناضجة، والتي كانت نتيجة للعبة إعادة توزيع المداخيل على امتداد أجيال متعاقبة، فإن الاحتمال الأقرب هو أن الخاسرين من الضريبة المقطوعة هم المستفيدون في الماضي—أي الطبقات الوسطى—والذين سوف يستخدمون الإجراءات الديمقراطية لمقاومتها. إن مراجعة ردود الفعل على اقتراح الضريبة المقطوعة، في الولايات المتحدة وألمانيا وربما في المملكة المتحدة، تشير إلى أن فرض ضريبة مقطوعة تامة لن يكون مقبولاً في نظم ضرائبية ناضجة. لذا، فإن مستقبل الضريبة المقطوعة قد يكون في بلدان مثل أوروبا الشرقية، التي انتقلت من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق. ويقال بأن الصينيين ربما ينظرون في إقراره. وإذا ما طُبقت توصيات لجنة كلكار للإصلاح الضريبي بالكامل في الهند، فإنها تصبح على مدى خطوة قريبة من الانتقال إلى نظام ضرائبي مقطوع كامل في الهند. ومن شأن ذلك وضع حد للتعدي المالي التقليدي الذي تنتهجه الدولة—ومرادفاتها في السوق السوداء—وإعطاء تأثير حميد على النمو الاقتصادي في البلاد.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 23 آب 2006.

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018