هل يسمع وولفوفيتز صوت الفقراء؟

peshwazarabic8 نوفمبر، 20100

من سوء حظ بول وولفوفيتز أنه يتسبب بمعضلة كلما حاول إجراء تغيير في نظام قائم. لقد ثارت كوادر البنك الدولي رداً على تسرب معلومات تفيد بقيام وولفوفيتز، الذي جعل الحملة العنيفة ضد الفساد سمة مميزة للفترة الوعرة لتوليه منصب رئيس البنك الدولي، بمنح صديقة له زيادة في الأجر مقدارها 60 ألف دولار. وطالب الموظفون الذين كانوا دائماً يكرهون العمل تحت إمرة منظّر الحرب على العراق باستقالته، وتُرك وولفوفيتز في عزلة تامة.
وإلى حد ما، كان السبب الأساس لهزيمته في البنك هو ذاته لفشله في العراق: العجرفة الفكرية في القمة التي تترفع عن الحقائق التي في القاع. لقد استسهل وولفوفيتز معالجة الحالة المرضية التي تعاني منها المعونات الأجنبية مثلما استسهل إنشاء الديمقراطية في الشرق الأوسط.
لقد جاء وولفوفيتز إلى البنك وهو عاقد العزم على محاربة الفساد، وربما تحرير نفسه وخلاصها بعد العراق، من خلال تقديم مساعدة ذات طابع رحيم ومحافظ لفقراء العالم. ولكن النجاح لم يكتب لبرنامجه أبداً.
لقد وضع وولفوفيتز حداً في أوزبكستان، حاجباً القروض عن إسلام كاريموف. وأعلن ان السبب في ذلك يعود إلى ان كاريموف سرق شعبه الفقير أصلاً وذبح المتظاهرين المدنيين. ولكن منتقدي وولفوفيتز يعترضون على ذلك ويزعمون ان السبب لهذا الموقف هو رفض كاريموف في تموز 2005 إعطاء إدارة بوش حق استخدام قاعدة عسكرية في أوزبكستان.
ولكن باستثناء حجب المعونة عن أوزبكستان وعن حالات قليلة أخرى، تعرض برنامج وولفوفيتز للخطر بسبب الأعمال الانتقائية. فوفقاً لمقاييس البنك، ينتشر الفساد في 54 دولة غير أوزبكستان أو ربما كان وضعها أسوأ. فهل يا ترى يتوجب على البنك حجب المعونة عنها كلها؟
لم يكن وولفوفيتز على استعداد للذهاب إلى هذا الحد، ما أوقع الجميع في حيرة حول معاييره الفعلية. فباكستان، وهي المحور الرئيس للحملة الأمريكية ضد “القاعدة” والتي لا تُعتبر نموذجاً للديمقراطية أو صلاح الحكم مثلها مثل أوزبكستان، استمرت في تلقي كميات كبيرة من أموال البنك الدولي. كذلك فتحت هذه الحملة العشوائية ضد الفساد المجال أمام مساعدي وولفوفيتز السيئي السمعة، روبن كليفلاند وكيفن كيليمز، وكانا يعملان سابقاً في إدارة بوش، لتهديد الموظفين المعارضين بوصفهم “متسامحين مع الفساد”. (هل يبدو هذا مألوفا؟)
لكن المشكلات المتعلقة بإدارة وولفوفيتز للبنك الدولي تجاوزت حملته الفاشلة لمكافحة الفساد وكانت أعمق. فقد تبنى أهداف سلفه جيمس وولفونسون الطوباوية الخيالية ووسّعها. فبينما كان وولفوفيتز أكثر صرامة مع “الحكومات السيئة” في أماكن مثل أوزبكستان، مثلاً، كان البنك يصر، في الوقت ذاته، على ان تُظهر برامج التنمية “ملكية الدولة”، ويعني هذا المصطلح ان تتولى الحكومة المستفيدة مسؤولية إدارة برامجها. ولكن كيف يمكن ان تكون صارماً مع الحكومات التي تسيء التصرف فيما تصر على ان تقوم هذه الحكومات بإدارة برامجك؟
هذه الحماقات ما هي إلا أحد أعراض الأزمة الفكرية العميقة حول ما إذا كان البنك يملك أدنى فكرة عن كيفية تحقيق أهدافه الطنانة الفخمة. وكانت الدروس المستفادة ازدهار الدول التي تجاهلت مبادئ البنك (الصين، فيتنام، الهند) في حين ضعف أداء الدول التي كانت تحت رعايته وإرشاده (روسيا، الأرجنتين، زامبيا).
كذلك استمر وولفوفيتز في الاتجاه المشؤوم ذاته الذي بدأه وولفونسون، والذي كان يرد على فشل البنك في تحقيق أحد أهدافه بإضافة ثلاثة أهداف جديدة أخرى. لقد وسع الإثنان الهدف الأصلي للبنك الذي يدور حول تعزيز النمو الاقتصادي بكل شيء بدءاً من ضمان حقوق الأطفال إلى تعزيز السلام العالمي. وفي هذه الأثناء، ضحى الإثنان بوضوح الاتجاه لصالح شعارات سخيفة وغير معقولة وملائمة فقط للعلاقات العامة مثل “تمكين الفقراء” و”تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية” (التي تغطي كل أوجه المعاناة الإنسانية).
وأدى هذا كله إلى زعزعة البنك وتداعيه. لقد ترك البنك العديد من أفضل الموظفين وأبرعهم بنزوح محبط مطرد، وبدأت الدول الفقيرة تهجر البنك وتسعى للحصول على قروض من أسواق رأس المال الخاصة أو منح من الجهات المانحة مثل الصين التي تسعى لتتبوأ المرتبة الأولى في ذلك. وفي هذه الأثناء، بدأت مؤسسات خاصة جديدة (مثل “مؤسسة بيل وميليندا غيتس”، و”غوغل دوت أورغ”، وغيرها) تستحوذ على المجالات التقليدية للبنك مثل الصحة والزراعة. وبإضافة الكارثة المتعلقة بصفقة صديقة وولفوفيتز إلى ذلك، يواجه البنك أخطر أزمة في تاريخه خلال العقود الستة الماضية.
يجب ان يتحمل البنك مسؤولية إطعام الجياع وتوفير المياه النظيفة الآمنة للعطشى ومعالجة المرضى. وقد حقق البنك تقدماً حقيقياً في كل هذه المجالات، وباستطاعته ان يحرز أكثر من ذلك إذا حُرر العديد من العاملين الموهوبين من جحيم البيروقراطية الحالية وسُمح لهم بأداء ما يحسنون عمله.
من المحزن ان هذه المبادئ الواضحة لم تُحتضن حتى الآن. ولا يسع المرء إلا ان يأمل في ان يكون الإصلاحيون، الذين يتميزون بمصدر قوة سياسية وحيد يتمثل في عطفهم على الفقراء، أقوياء بما فيه الكفاية في هذه الأزمة للتمكن من إنقاذ البنك لصالح أكثر الناس ضعفاً في العالم. وسيكون هذا مثابة تغيير لنظام يمكننا جميعاً ان نتعايش معه.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 7 أيار 2007.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.
جميع الحقول المشار إليها بعلامة * إلزامية

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018