عزيز مشواط

عزيز مشواط1 فبراير، 20110

لم يتأخر أثر العدوى التونسية ليصل إلى دول الجوار. وصدقت نبوءات المراقبين حين رشحوا وبقوة مصر للحاق بالنموذج التونسي. وانطلقت شرارة التغيير بأيام للغضب. سقط العديد من القتلى وانكسر حاجز الخوف رغم نزول الجيش إلى الشوارع بعد أن انسحبت قوات الأمن في خطوة لا تزال محفوفة بالغموض. وإذا كان من الصعب الحكم على طبيعة التطورات الجارية فإن المراقبين يتفقون على أن ما يقع في مصر هو نتيجة طبيعية لتفاعل العديد من العوامل السياسية و السوسيولوجية والاقتصادية والثقافية. ولم تكن أيام الغضب سوى تعبير عن وصول الاحتباس السياسي إلى أوجه.
راكم النظام المصري على امتداد ثلاثين سنة من الحكم مجموعة من الخصائص أهمها غياب الحرية وسيادة الإكراه، كما زرعت المؤسسات الاستخباراتية والأمنية الشك محل الثقة، وانتشرت ثقافة الخنوع والاستسلام للأمر الواقع. وانتهجت الدولة منهجا سياسيا انبنى في أساسه على التفرقة التحكمية بين الناس على أساس الولاءات الحزبية والعشائرية والعائلية الضيقة. وبمقابل ذلك استغل النظام ورقة الإخوان المسلمين من أجل تهديد الداخل والخارج بخطورة المسار الديمقراطي الذي يمكن أن يوصل الإسلاميين إلى السلطة. وبالمقابل قدم نفسه كصمام أمان ضروري في المنطقة لوقف مد الإخوان المسلمين وحفظ التوازنات.
نشأت عن هذه المعطيات تراكمات سياسية ضاعفت من حدة الاحتقان السياسي والاجتماعي. لقد صار هدف النظام منذ بداياته الأولى إقناع المصريين باستحالة تغييره. يقول بحث سوسيولوجي أجراه محمد عوض يوسف حول الثقافة السياسية لطلاب جامعة القاهرة” أدرك الأفراد في تعاملهم مع السلطة ما تتمتع به من قوة ونفوذ وعدم إمكانية معارضتها، ومن ثم أدي ذلك إلى تطبيع الأفراد علي قيم معينة مثل الطاعة والإذعان والخضوع للسلطة والتشكيك والخوف منها، والإيمان بعدم جدوى معارضتها”
تصف هذه الفقرة بدقة كبيرة درجة السلبية السياسية التي وصل إليها قطاع واسع من الشعب المصري. وتكشفت هذه الحالة بوضوح بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة التي عرفت أدنى مستويات المشاركة بنسبة لم تتجاوز حسب العديد من الخبراء 25 في المائة. لقد شكلت الانتخابات التشريعية الأخيرة منعطفا خطيرا في الحياة السياسية المصرية ضاعفت من حدة الإحباط الشعبي من إمكانية دمقرطة النظام السائد من الداخل. ويعود الإحباط بالأساس إلى أن الانتخابات مكنت الحزب الحاكم من تكريس هيمنته المطلقة على البرلمان وحصد ما نسبته 93 في المئة أي 475مقعدا. كما كشفت أيضا حجم الجشع السياسي للحزب الحاكم الذي استولى على البرلمان. وعرت في الوقت ذاته مستوى الشكلية الذي وصلته التعددية الحزبية، فكانت الانتخابات الأسوأ على صعيد التمثيل السياسي للمعارضة المصرية منذ بدأت التجربة التعددية.
عقب هذه الانتخابات وما آلت إليه نتائجها تنبأ العديد من المراقبين بانفجار الوضع المصري.وهو ما تحقق فعلا بعد نزول الشباب المصري إلى الشوارع بعيدا عن كل وصاية حزبية أو تأطير تنظيمي. وبالرغم من محاولات حسني مبارك تهدئة الوضع من خلال إقالة الحكومة إلا أنه وأمام تحرك الشارع المصري لم يعد بالإمكان الوقوف في وجه رغبة المصريين العميقة في التغيير.
إن ما يجعل النظام السياسي في مصر غير قادر على التقاط أنفاسه هو تصميم الشارع على رفع سقف المطالب وصولا إلى المناداة بتنحية مبارك. ولم تعد المطالب ذات طبيعة اجتماعية أو اقتصادية فحسب. كما أن ما أذهل النظام فعلا هو سقوط المرتكزات الأساسية التي بنى على أساسها استجلاب دعم الغرب . فالإخوان المسلمين الذين طالما رفع النظام ورقتهم في وجه الغرب لم يبد لهم أثر واضح. و ارتفعت مطالب علمانية تقودها معارضة غير حزبية ممثلة في شباب الفايسبوك و جبهة التغيير وجماعة 6 نيسان (أبريل) من ناحية أخرى.
إن المآل الذي تسير فيه الأحداث على الساحة المصرية نتجت بالضرورة عن انسداد أفق التغيير من داخل النظام. وهو انسداد ترافق مع أزمات اقتصادية واجتماعية بفعل هشاشة الأسس الاقتصادية للدولة ممثلة في موارد ريعية غير مستقرة من قبيل السياحة وموارد قناة السويس وتحويلات المهاجرين المصريين.هذه العوامل مجتمعة دفعت بدينامية الشارع إلى ابتغاء التغيير بفعل تصاعد صعوبات الحياة وغلاء المعيشة لدى جل المصريين. لكن ما دفع حركية الشارع إلى مزيد من التشدد في المطالبة بتغيير جذري للنظام واختيار العصيان طريقا للتغيير هو مفعول النموذج التونسي. لقد شكلت التجربة التونسية وأصدائها الإعلامية المتفاعلة تجربة ملهمة للمصريين الذين تعاطفوا معها واستلهموا حتى شعاراتها.
ظل المسؤولون المصريون إلى وقت قريب يتهكمون على كل صوت محذر من تكرار التجربة التونسية بمصر. واعتمدوا في ذلك على ثقتهم بقوة النظام المؤسس على تجميد السياسة. وهو تجميد استمد قوته من الاستخدام المفرط لقانون الطوارئ، والتحكم الأمني في مجريات الواقع السياسي بدءاً من انتخابات اتحادات الطلاب الجامعية، وحتى النقابات المهنية، وصولاً إلى التغلغل العميق داخل الأحزاب السياسية بهدف شل حركتها.
إن الجمود السياسي الذي هيمن على مصر في العشر سنوات الأخيرة أنتج ركودا مجتمعيا عاما، وانتشرت مظاهر الانحطاط المجتمعي، التي تبدت بالخصوص في ظهور سلوكيات جديدة وغريبة من قبيل شيوع الفساد ونموه إلى درجة خانقة،تدهور قيم الانتماء، وارتفاع معدلات الجريمة وغيرها…
لكن ما لم يتنبه له النظام الحاكم هو أنه وأمام هذا الركود السياسي، كان حراك من نوع آخر في إطار التشكل. فقد انسحبت القوى الشبابية إلى مستويات أخرى من التأطير المدعوم بسهولة الاتصال عبر وسائل الاتصال الحديثة. وهكذا وفي مقابل الركود السياسي والسلبية الظاهرة عرفت المواقع الاجتماعية وشبكات الاتصال الأنترنيتية حراكا غير مسبوق من خلال مجموعات للنقاش وتبادل الآراء والمناداة بالتغيير.
وهكذا نشأ جيل جديد من الشباب مراكما الإحباطات والأزمات السياسية والاقتصادية. ولم يستطع النظام السياسي التعامل مع الوضع سوى عن طريق المهدئات في الوقت الذي شهدت مصر حراكا سياسيا مكثفا منذ عام 2004 حيث تأسست حركات تنادي بالتغيير بدءا من حركة كفاية وحركة ٦ أبريل وصولا إلى شباب من أجل التغيير. كما حرك بروز البرادعي كشخصية تحظى بالتقدير والإجماع من طرف أطياف سياسية مختلفة الوضع الآسن. فإلى أين يتجه الوضع الحالي بمصر بعد انطلاق أيام الغضب؟
نتيجة التطورات المتسارعة للوضع الميداني تبقى سيناريوهات كثيرة واردة من قبيل الهيمنة العسكرية أو الدينية على النظام والدولة خاصة مع تعقد البنيات التي تحمي النظام وخبرته التي راكمها على امتداد ثلاثين سنة من الحكم. من الصعب التكهن بسيناريوهات المرحلة المقبلة من الواقع المصري، إلا أن العديد من المعطيات تشير إلى أن العصيان المدني كخيار أخير ماض في فرض مطالب التغيير السياسي العميق. ومهما اختلفت السيناريوهات، سواء ظل مبارك في الحكم وهو احتمال ضئيل أو غادر السلطة نهائيا وهو الاحتمال الأكبر، أو نصب خلفا له للحفاظ على استمرار النظام ولو بدون رأسه، فإن الثابت هو دخول مصر والمنطقة العربية عموما فترة تاريخية جديدة مدعومة بمطالب التحرر من كل مظاهر الشمولية والاستبداد وما يرافق ذلك من فساد ومحسوبية وتفاوتات غير مبنية على أسس واقعية. أما السؤال الذي صار يؤرق المتتبعين فهو على من الدور خاصة وأن اليمن والأردن وبلدان عربية أخرى تعيش منذ مدة على صفيح سياسي واجتماعي ساخن.
‎© منبر الحرية،30 يناير/كانون الثاني 2011

عزيز مشواط18 يناير، 20110

غادر الرئيس التونسي زين العابدين بن علي منصبه الرئاسي على وقع حرائق تونس المشتعلة، ولهيب الشارع المنفجر على خلفية مطالب اجتماعية لبلدة سيدي بوزيد. تطورت الأوضاع بمنحى لم يكن متوقعا والتحقت أكثر من مدينة بانتفاضة لا يتوقع المراقبون أن تحليق بن علي بطائرته الخاصة بعيدا عن تونس سيوقفها.

عزيز مشواط21 نوفمبر، 20100

ألقى الزعيم اللبناني حسن نصر الله في الآونة الأخيرة عددا من الخطابات، تناول فيها قضايا لبنان والعالم العربي وتطورات المنطقة وتعقيداتها السياسية في محيط إقليمي يظل منذ زمن بعيد محط أنظار العالم. وبحكم وضعية الحزب وتحالفاته الداخلية والخارجية وموقعه وتاريخ مواقفه، تحظى إطلالات الزعيم اللبناني بالكثير من الاهتمام الإعلامي، اهتمام تعززه قدرة الرجل الخطابية والبلاغية.
ويسجل جميع المراقبين، كما الأصدقاء والأعداء نجاح الإطلالات الإعلامية لحسن نصر الله في أكثر من مناسبة، إلى الحد الذي دفع جزءا كبيرا من القادة السياسيين والرأي العام في إسرائيل إلى أخذ تصريحات نصر الله بالجدية الاستثنائية. لكن خلف هذا النجاح توجد أكثر من كبوة لا بد من الالتفات إليها بعيدا عن العواطف والأحكام المسبقة.
في تجمع جماهيري إحياءا للذكرى الرابعة لحرب تموز قال حسن نصر الله”«كنا نطالب بإصدار أحكام الإعدام..والحمد لله صدرت العديد منها، واليوم نطالب بالإسراع بتنفيذ تلك الأحكام..» استغرق الخطاب أكثر  من ساعة، وحظي بتغطية إعلامية واسعة ونقلته على الهواء المباشر عدة قنوات تلفزيونية.. وبالتالي فإن الموقف من الإعدام المشار إليه أعلاه سيكون هو الآخر بالتأكيد حظي بنفس الانتشار.
بغض النظر عن السياقات التي صدر فيها الموقف، فإن صدوره من زعيم بحجم حسن نصر الله، يقتضي وقفة تأمل لم  تستطع المنظمات الحقوقية العربية أن تلتقطها، وهنا لا بد من الإشارة إلى مجموعة من النقاط.
إن هذا الخطاب يتناقض مع أبسط الحقوق التي ناضلت وتناضل الإنسانية من أجل إثبات الحق فيها:الحق في الحياة. إنه يضرب في العمق النضال من أجل إلغاء عقوبة الإعدام باعتبار أنها تصادر الحق في الحياة وأنها عقوبة لا إنسانية وحاطة بالكرامة الإنسانية.
إن المطالبة بإصدار عقوبة الإعدام وتسريع تنفيذه خطأ جسيم بكل المقاييس الحقوقية، مهما أخذنا بعين الاعتبار ملابسات التأهب التي يعيشها لبنان في مواجهة محيطه الخارجي، وضرورة ردع العملاء، ووضعية لبنان في مواجهة حكومات إسرائيلية متعنتة وذات نوايا عدوانية معادية.
يتمثل خطأ عقوبة الإعدام في أنها غير رادعة، كما أنها قد تصدر في حق أشخاص أبرياء في حالة عدم تطبيق شروط المحاكمة العادلة وضمان استقلالية القضاء، وحين تنفيذ حكم الإعدام، لا يمكن بعد ذلك تصحيح الخطأ، ونصبح آنذاك أمام جريمة فظيعة ارتكبت باسم القانون.
إن تصريحات حسن نصر الله غير الموفقة في هذا الشأن تستحق الكثير من التأمل، لأنها صادرة من زعيم تنظيم تبنى خيار المقاومة لإحقاق الحقوق الإنسانية ولاستعادة الكرامة في بعدها الإنساني، هذا على الأقل ما تحاول الشعارات والخطابات ترويجه. كما أنها، من جهة أخرى، توجيه قوي على المدى القريب والمتوسط والبعيد  للقضاء الذي يتم المطالبة باستقلاله، إذ كيف يمكن لقاض لبناني، كيفما كانت مصداقيته أن يظل طالبا للحقيقة في أي ملف يمس حزب الله، بشكل مباشر أو غير مباشر، بعد تصريحات حسن نصر الله. إنها تصريحات تختزن لهجة التهديد والوعيد لكل أجهزة الدولة بما فيها مؤسسة القضاء. ولا يمكن للقضاة بعد ذلك أن ينسوا أن صاحب التهديد ليس سوى زعيم حزب، استطاعت ميليشياته المسلحة في سبعة أيار أن تجتاح مناطق واسعة من لبنان في رمشة عين.
الكثير من التحليلات الواردة في الخطابات الأخيرة لحسن نصر الله، تحظى في العالم العربي بتعاطف كبير، لكن ذلك لا يمنع  من أنه  جانب الصواب بشكل كبير في مطالبته بالإعدام أولا وبتسريع تنفذ الأحكام ثانيا. وإذا كان مفهوما المنطلقات التي ارتكز عليه زعيم المقاومة اللبنانية في إطلاقه تصريحات من هذا القبيل، فإن غير المفهوم  فعلا  هو سكوت المنظمات الحقوقية العربية عن هذه المطالب الإعدامية. صحيح، قد تتخوف هذه المنظمات من انتقاد التصريحات بحكم الحساسية الشعبية اتجاه موضوع مرتبط  بالصراع العربي الإسرائيلي والتخوف من أن يتحول الموقف ليصب في خانة إسرائيل لكن أعتقد أن هذه التبريرات على “وجاهتها العاطفية” تبقى غير مقنعة للسكوت عن موقف يتنافى والتشريعات الكونية ومبادئ حقوق الإنسان في مفهومها الشمولي.
إن  إخضاع حقوق الإنسان للانتقائية يفتح الباب واسعا لمزيد من الانتهاكات الجسيمة التي عانت وتعاني منها الشعوب العربية، بدعوى الخصوصية ومواجهة الأعداء. وفي هذا السياق فإن الصراع مع إسرائيل ذاتها ليس سوى صراعا لإثبات خرقها لحقوق الإنسان وحقوق الشعب الفلسطيني في الحرية والحياة الكريمة وفي الملكية وفي الاستقرار والأمن.
بعيدا عن هذه التبريرات، يبقى على عاتق المنظمات الحقوقية وعلى الفعاليات السياسية والقوى الديمقراطية العربية  النظر إلى حقوق الإنسان بمنظار شمولي لضمان الحق الإنساني المقدس بعيدا عن التبريرات الضيقة. فيما يتحتم على زعيم  حزب بحجم  شعبية حزب الله على الصعيد العربي أن يكون حذرا أكثر عند التعاطي مع قضايا الشعوب العربية، وخاصة الحقوقية منها لأن تصريحاته المتعلقة بتسريع تطبيق عقوبة الإعدام لا تبعث على الاطمئنان.
إن مبعث عدم الاطمئنان التي خلفتها تصريحات نصر الله “غير الحقوقية” نابعة من قوة الحزب محليا ومن النفوذ الذي يتمتع به التنظيم إقليميا، فهذه التصريحات تعزز مواقف العديد من الفرقاء السياسيين اللبنانيين الذين ينظرون بالكثير من الحيطة والحذر إلى إستراتيجية الحزب ومخططاته البعيدة المدى. وهي مخططات يمكن أن تقوده في يوم من الأيام إلى الاستحواذ على السلطة، إن بشكل مباشر أو من خلال تحالفاته (نموذج التحالف مع التيار الوطني الحر) التي جعلت منه الآمر الناهي في لبنان، خاصة مع توفره على ترسانة عسكرية تتجاوز ما يتوفر عليه الجيش النظامي.
إن سيناريو تمكن حزب الله من السلطة في لبنان، تحت أي شكل من الأشكال، سيدخل حقوق الإنسان  في بلد الأرز في نفق أكثر ظلامية، إذ يسهل تبعا لمنطوق تصريحات نصر الله، العبث بها  تحت مسميات وذرائع شتى، لذلك فإن عدول نصر الله عن موقفه المؤيد للإعدام، سيكون عين الصواب، طمأنة للمحيط الحقوقي الدولي والعربي والمحلي، وتعزيزا للنضال والكفاح من أجل قضايا الإنسان العربي العادلة، التي يقول الحزب أنه يدافع عنها، وإشاعة لروح الاطمئنان المفقودة في لبنان، بفعل اضمحلال دور المؤسسات وتضخم دور الميليشيات.
‎© منبر الحرية،13 أكتوبر/تشرين الأول 2010

عزيز مشواط21 نوفمبر، 20100

تحكم العالم منذ منتصف القرن الماضي مفارقات غريبة،  فمن جهة تجتاح العالم  رغبة أكيدة في فتح الحدود والتقاء الثقافات، ومن جهة أخرى تتسارع وثيرة تشكل الحركات المنبثقة عن مطالب الهوية الإثنية والقومية والدينية المنادية بالخصوصية. وفي الوقت الذي كانت تنتظر فيه الإنسانية مزيدا من الانفتاح والوئام، لم تؤد العولمة بكل أبعادها الاقتصادية والإعلامية، والثقافية إلى التخفيف من التوجهات الكبرى للهوية والمتمظهرة أساسا في مختلف أشكال التعصب الديني والإثني والعرقي.
لا يشذ العالم العربي الإسلامي كما يبدو للوهلة الأولى عن هذه المفارقات الغريبة، فالعقل العربي المعاصر، كما يبدو مصاب بحالة من التوهان أمام ثنائيتي الانفتاح والانغلاق، بفعل الألغام الكثيرة المزروعة في طريقه والأزقة المفخخة، التي كتب حراسها على بوابتها الرئيسية “ممنوع الاقتراب أو محاولة التفكير”، بل إن كل محاولة لاختراق “هويتنا المقدسة” تعرض صاحبها للمساءلة وربما التعذيب.
حراس هوية العقل العربي الإسلامي الحديث متجهمون جدا وشداد غلاظ. بعضهم يلبس اللباس الأفغاني الغريب، والبعض الآخر متخف في عمامة الإصلاح الديني المعتدل، أما هدفهم فاقتناص فرصة إهدار دم المتهمين بنشر الأفكار الدخيلة غير المنسجمة مع “تعاليم بيئتنا وخصوصيتنا”.
ميزة حراس الهوية الخصوصية وضعهم لكل الأفكار المتنورة في ثلاجة الزمن الماضي. وهكذا وإن اختلفت تسمياتهم بين إسلام معتدل وآخر سلفي، وثالث جهادي،  فإن المنطق الذي يحكم تصورهم العام للحياة وللوجود يبقى ثابتا، حيث يهاجم الأصوليون الجدد وبشكل منهجي أنواع الهويات المتواجدة على الصعيد المحلي، كما يهاجمون التقاليد حتى وإن كانت لا تمس المسائل المتعلقة بالعقيدة .
أمام هذا التصور المنغلق للوجود، يصبح البحث عن الهوية الطهرانية الخالصة متلائما مع سياق فكري لا يؤمن بالاختلاف، فيتم اللجوء إلى كل الأساليب الممكنة لنزع الشرعية عن الممارسات المخالفة للنص الديني كما تمت قراءته وتأويله خلال فترة تاريخية معينة.
يعتمد المطالبون بالهوية المقدسة في نزع الشرعية عن الممارسات المختلفة على عدد من التقنيات أهمها، كما يقول السوسيولوجي المغربي عبد الصمد الديالمي تبسيط الواقع إلى فعلين أساسيين: “تحويل الأفراد المكونيين لجماعة إلى وحدة متجانسة ومتميزة، أما التبسيط الثاني فيتمثل في  تحويل تلك الوحدة إلى ماهية ثابتة مستقلة عن التاريخ يفضي الفعل الأول إلى تهميش الفوارق الاجتماعية والثقافية والاجتماعية وذلك لصالح ما هو ثقافي وديني ”
وفي كل الحالات يظل الثابت غير المتحول، هو الاعتراض على كل أشكال الهويات المخالفة، فيتم تحريم الممارسات الفنية ومهاجمة الطقوس الدينية ونزع الشرعية عن الممارسات الاجتماعية غير المتوافقة مع التنميط والتوحيد، لكي تصبح ضلالا، مما يضفي على هذا الاعتراض بعدا دينيا يستهدف بالأساس الثقافة بمعناها الأنتروبولوجي، أي تدمير الأنسقة الرمزية التي يتشكل منها المجتمع وفرض بديل أحادي الرؤية.
إن المنطق الذي يوحد  “أنصار الهوية الخالصة من الشوائب” نابع من اعتبار أساسي يفيد تجاوز البعد الوطني للوصول إلى نوع من “الهوية الإسلامية العالمية “، بحثا عن وحدة افتراضية للأمة الإسلامية وبحثا عن بديل غائب على مستوى الواقع وحاضر على المستوى الاستيهامي والخيالي. غير أن مسعى البحث عن الوحدة لا يتم دون رغبة أكيدة في القضاء على كل أنواع الهويات الأخرى غير الدينية، ولا يتم أيضا دون السعي نحو القضاء على كل أنواع الهويات المختلفة، كما يتم رفض كل المقولات الحداثية من قبيل المواطنة.
إن  مقومات “الهوية المقدسة” كما يتصورها الأصوليون بمختلف اتجاهاتهم مستمدة من الماضي دون اعتبار لشرط التغيير أو التطور أوالنسبية. وهكذا يؤدي البحث عن أجوبة الحاضر انطلاقا من مقولات الماضي، إلى السقوط في تناقضات جوهرية من قبيل رفض الغرب واستعمال منتجاته، إدانة العولمة مع الاستفادة من منجزاتها خاصة ما يتعلق منها باستعمال الوسائل الحديثة للاتصال، في  نزوع برغماتي يلازم جميع التوجهات الأصولية مهما كانت درجة تشددها
.
ونتيجة هذا النزوع التبسيطي والإقصائي، تنتهي كل حركات الهوية المبنية على الدين مهما اختلفت درجات تطرفها، إلى تصورات قريبة من التوجهات الفاشية والنازية المؤمنة بصفاء ونقاء العرق. إن خطورة انبناء الهوية على عنصر واحد هو العقيدة الدينية نابعة من استغلال هاته العقيدة لإقصاء وتكفير المغاير “لأنه يعبد ما لا أعبد”. وتصبح الخطورة أشد عندما ينتقل منطق التكفير الديني إلى الحقل الاجتماعي والسياسي والثقافي، فيصير الآخر هو الجحيم لأنه مغاير ومختلف.
هاته التصورات المتكلسة تحمل في ثناياها  خطر اندلاع الحروب الدينية والعقائدية أو العرقية، بفعل التجييش الديني والعرقي وقوة التأثير العاطفي الذي تمارسه على الناس، وهنا لابد من استحضار الحرب العالمية الثانية، ورغم كل أسبابها المباشرة وغير المباشرة، فإن اندلاعها وقع بفعل الأطروحة النازية الباحثة عن ضمان استفراد الجنس الآري بالسيطرة والسطوة.
إن التقاء الهويات المتباينة،  لا يقود بالضرورة إلى التصادم،  إنه سنة من سنن التاريخ ومن سنن الوجود البشري،  بل إن الالتقاء ومهما كانت ظروفه وشروطه التاريخية، غالبا ما يكون دافعا إلى التقدم خاصة إذا كان اللقاء في إطار غير مغلق،  لكن طبيعة التحولات التي يشهدها العالم، وعدم القدرة على مسايرتها،أفرز سيطرة قيم الانغلاق مما قاد إلى الصدام المأساوي والتسليم الأعمى بأفضلية هاته الهوية على أخرى، اعتمادا على فهم “ثابت للتاريخ” ينطلق من تصوره كمعطى مقدس تشكل فيه الذات مصدر الحقيقة المطلقة، ومركز الكون في حين يمثل العالم وبقية الأجناس والأديان والثقافات مجرد توابع…وهنا يختلط الوهم بالحقيقة…وتحدث المآسي…
© منبر الحرية ، 21 يونيو / حزيران 2010

عزيز مشواط21 نوفمبر، 20100

تشكل شعوب العالم العربي الاسلامي في الوقت الراهن احدى الشعوب الاكثر التصاقا بماضيها، في نفس الوقت الذي تواجه فيه تحدي التحديث والتقدم والذي يمثل الغرب نموذجهما. يقول عبد الله العروي في كتابه (الإيديولوجيا العربية المعاصرة): “منذ 75 سنة والعرب يطرحون نفس السؤال: من هو الآخر؟ ومن هو الأنا؟” وإذا كان صاحب مفهوم العقل قد طرح السؤال أواخر الستينيات، فإن الملاحِظ لحركية المشهد العربي الفكري والثقافي لا بد أن يكتشف استمرار حضور نفس الهواجس وإن اختلفت صيغها، ما بين حافر في العقل العربي وناقد له.

يقدم العالم العربي للملاحِظ الأجنبي صورة حية لمجموعة من التناقضات أمام عنف التغيير المفروض بقوة تكنولوجية وحضارية واقتصادية تروج لنموذج النجاح الغربي المدعوم بايمان عميق بالتفوق. ولعل مأثورة عصام العطار التالية خير معبر عن هواجس جيل بأكمله. يقول “كيف نقبل الجمود، بل كيف يمكن الجمود في عالم تتجدد معلوماته ومعطياته ومطالبه ووسائله… باستمرار لا بد لنا من التجدد الدائم والإبداع المتواصل والجهاد المضني في كل مجال… وإلا فقدنا حياتنا ووجودنا الفاعل المؤثر وأزاحنا الركب البشري عن طريقه وقذف بنا إلى هامش الهامش أو هوة التاريخ. فذهبنا جفاء كما يذهب الزبد وغثاء السيل ومحينا من لوحة الحاضر والمستقبل وتحولنا إلى ذكرى من ذكريات الماضي البعيد”. فما بين انجذاب كلي الى ماض مجيد ورهانات التحديث تختلط الدعوات بالصراخ، بالعواطف اللاعقلانية وغليان اجتماعي وسياسي. إنها ملامح أزمة هوية عميقة.

لا بد من العودة إلى الانفجار الحداثي الذي رافق الاستعمار ابتداء من القرن التاسع عشر حيث واجه المسلمون أسئلة هوياتية عميقة. فأصبح  مفهوم الخصوصية المؤسس على قدسية اللغة والتاريخ والدين المشتركين موضع نقاش منذ النصف الثاني من القرن وتعمم بعد ذلك على امتداد العالم العربي الاسلامي. وقد أفرز هذا الاختلال مجموعة من الاستتباعات أهمها على الاطلاق العداء الذي انتصب بين الوطنيين والاسلاميين عند بداية القرن العشرين حيث اعتبرت النزعة الوطنية نقيضا لروح الدين، ولم تتردد في وصفها بالمؤامرة الغربية التي تمس وحدة الأمة. غير أن المسافة الموضوعية بين المثالي والواقعي افرزت فكرة الاصلاح. ومن ثم دعا مفكرو الاصلاح الى العودة الى السلف الصالح والى التقاليد الصافية للدين.

كما لم يحدث قط على امتداد تاريخ الدولة الاسلامية، تطبيق الليبرالية السياسية حيث ظلت السلطة تقريبا في يد حاكم مطلق وهو ما يناقض جذريا الصورة المثالية لأسطورة دين يدعو إلى العدالة والمساواة. وحيث ما وجدت مصلحة الجماعة فثمة شرع الله. والمسلمون باجمعهم لم يستطيعوا التخلص من ذلك.

أما الملاحظة الثالثة فهي غرابة مدى الحيوية الحاسمة للانتماء الى الأمة الاسلامية المتصورة كوحدة في حين أن الحقيقة التاريخية تكذب هذه الاطروحة بشكل سافر. مبدئيا كل المسلمين اخوة في الدين، مهما كان انتماؤهم الاثني، لان منهج الاسلام العالمي يتجاهل الحدود الوطنية.

ولحماية الذات من كل تشرذم وانقسامات طالما لجأت الادبيات الإسلامية إلى اتهام الغير للرد على الواقع المتشرذم للامة الاسلامية، فتعزى الانقسامات الى عدو محتمل يكون سبب المؤامرة المحبوكة (الأعداء-الكفار) الذين يرمون إلى تقزيم الدين من الداخل، وهذا ما يمكن أن يفسر الحذر الذي تقابل به أية محاولة تجديدية، لأن “الاسلام فقد ثقافته الأصلية الى حد بعيد بفعل الافتراءات الكاذبة ذات الأصول الخارجية”.

ومن أجل الهدف نفسه، أي حماية الذات، يعتبر وضع وحدة الأمة في خطر خطيئة كبرى لا يمكن التساهل فيها، ويرمى هذا بالضرورة الى الحفاظ على الانسجام الاجتماعي، حيث يحتل العنصر العربي في الايديولوجية الاسلامية وضعية خاصة في العالم الاسلامي، فالخليفة يجب أن يكون عربيا، واللغة العربية تبقى مقدسة، لأنها لغة الوحي الذي لا يمكن قراءته في غير لغته الأصلية؛ إنها اللغة التي اختارها الله لمخاطبة الجنس البشري.

صحيح ان الساسة الليبراليين حاولوا أمام عجز الاصلاح الذي قاده رواد التقليدية ملئ الفراغ، حيث شكلوا المؤسسين الفعليين لاستقلال الدول العربية، فمزجوا بين ثنائية العروبة والاسلام مستعيرين جهازا مفاهيميا مستمدا من التراث، غير أن نموذجهم السياسي والاجتماعي ظل مستمدا من  النزعة اللائكية والعقلانية الاوروبية.

إلا ان الاضطرابات التي اعقبت الحرب العالمية الثانية، والحرب العربية الاسرائيلية اسهمت في إحداث تغيرات فجائية وجذرية في انبثاق حركات التحرر حيث شكل مفهوم الثورة إحدى المفاهيم العامة التي طبعت المرحلة.

وقد طرحت على النزعة العروبية مجموعة من التحديات تمثلت في هذا التحدي المزدوج الذي يمثله الغرب من جهة والبنيات التقليدية المهيمنة من جهة اخرى. فسادت نزعة مناوئة للنموذج الغربي باسم الأصالة والخصوصية والقيم المسماة أصيلة، كما شهدت المرحلة نوعا من التماهي بين العروبة والاسلام. وهو اتجاه شمل حتى بعض المنظرين المسيحيين الذين أكدوا على الأبعاد الاسلامية للشخصية العربية معتبرين بانها موروث مشترك بين افراد الامة.

يعرف العالم العربي الاسلامي حاليا العديد من التغيرات تمس العقلية السائدة يرافقها قلق حاسم ناتج عن تعدد الاجابات المقترحة للرد على اكراهات وضعية فقدان الهوية، ويمكن تلخيص ذلك في التناقض بين الاصالة والمعاصرة الثورية. ولقد حاول التيار الاصولي تحقيق هذه الاجابة من خلال الدعوة الى عودة الامة العربية الى تطبيق الشرع الاسلامي مستمدا من السلف الصالح نموذج العمل والتأهيل.

تلك هي بعض سمات المجتمعات العربية الاسلامية الباحثة عن استقرار هوياتي تأوي اليه عندما تضيع كل النماذج المسماة مرجعية وهي السمات التي لا يمكن فهمها في انفصال عن بنية شديدة التعقيد من العوامل التاريخية والسياسية والدينية.

© منبرالحرية، 4 أيلول 2008.

عزيز مشواط19 نوفمبر، 20100

تفجرت في الأشهر الأخيرة أزمة حادة بين إيران والمغرب انتهت بقطع البلدين لعلاقتهما الدبلوماسية، على خلفية مساندة المغرب للبحرين وإدانته لتصريحات مسؤولين إيرانيين اعتبروا البحريين محافظة إيرانية. ساند المغرب برسالة ملكية قوية مملكة البحرين، وهي المساندة التي جاءت على غرار مساندة مجموعة من الدول العربية للإمارة الخليجية. لم تحتج إيران على باقي الدول العربية، واستدعت خصيصا السفير المغربي بطهران وأبلغته احتجاجها، مما اعتبره المغرب إهانة له. لكن بعيدا عن هذه الأسباب المباشرة تختبئ علامات استفهام كبيرة من قبيل: هل يتعلق الأمر بمجرد توتر دبلوماسي عادي كغيره من الأزمات التي تشهدها العلاقات الدولية في أكثر من مناسبة، أم أن الأزمة المغربية- الإيرانية دليل على دخول إيران مرحلة التجسيد الفعلي لدور دركي منطقة الشرق الأوسط ؟
لتبرير قطع علاقاته مع إيران أكد المغرب أن” نشاطات ثابتة للسلطات الإيرانية وبخاصة من طرف البعثة الدبلوماسية بالرباط تستهدف الإساءة للمقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي”، فانتهت الأمور إلى قطع العلاقة الدبلوماسية بين البلدين.
يعرف كل المتتبعين أن العلاقات الإيرانية -المغربية منذ 1979، لم تكن على ما يُـرام، فالملك الراحل الحسن الثاني استضاف الشّـاه بعد الثورة على نظامه، كما أخذت إيران على المغرب فتوى كان العلماء المغاربة قد أصدروها تقضي بتكفِـير آية الله الخميني. فيما ظلت العلاقات الدبلوماسية متوجسة رغم  إعادة ربطها في سنة 1991.
هذا التوجس المغربي من التمدد الشيعي تقوى بفعل النوايا الإيرانية المعلنة من أجل تصدير الثورة ونشر مذهبِـها الشيعي. وجد المغرب إذن، الفرصة المواتية لإعلان استيائه من التدخل الإيراني في شؤونه الداخلية، لكن الأمر لا يقتصر فقط على المغرب لأن الأثر الإيراني بدأ يتمدد في كافة المنطقة العربية، بل إن الأذرع الشيعية “للأخطبوط الملالي” صار على مقربة من حدود دول عربية ظلت إلى عهد قريب بعيدة عن الاهتمام الشيعي.
تعززت هذه المعطيات بصراع هوية مذهبية، تمظهرت في ما تعرفه الساحة العربية واللبنانية خصوصا من صراعات طاحنة بين شيعة حزب الله وغيرهم من أتباع إيران من جهة، وموالاة السعودية من جهة ثانية، فلم تكن الأزمة الأخيرة سوى مظهر من مظاهر التدخل الإيراني على أساس مذهبي في المنطقة. لقد أدخلت إيران المنطقة العربية عامة في أزمة هوية صارخة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية، لأنها شكلت نموذجا شاذا في التاريخ المعاصر، إذ لم تكن ثورة الخميني عام 1979مجرد انقلاب أنهى الحكم السياسي للشاه، بل إن الأمر كان أعمق من ذلك بكثير مادامت الثورة الإسلامية الإيرانية، قدمت نموذجا مخالفا في الوقت ذاته للغرب وقيمه، كما هددت جيرانها العرب حينما تبنت شعار تصدير الثورة إلى الخارج.
وعلى هذا الأساس يمكن قراءة ردة الفعل المغربية، إذ لم تكن سوى انتفاضة لدق ناقوس الخطر، بعد أن قوت إيران نفوذها في كل بؤر التوتر التي تعاني من اللا استقرار. ففي العراق مثلا لا تخفي تنظيمات أساسية ولاءها للمرجع الأعلى في إيران. أما في لبنان وفلسطين فقد عملت إيران، عندما فشلت في استمالة الحكومات، على إحاطة نفسها بعدد من التنظيمات الجيدة التنظيم، من أجل تثبيت النفوذ وحماية نفسها من كل ضربة محتملة. وهكذا صار لها حلفاء ناطقين باسم مرشد الجمهورية الإيرانية في كل المنطقة، من قبيل حزب الله وبعض الأطراف العراقية وتنظيمات فلسطينية لا تخفي تبعيتها.
مؤشرات كثيرة تزكي خوفا كبيرا لدى الأوساط السياسية العربية من الخطر الشيعي القادم من بلاد فارس. فعلى خلفية الأزمة الأخيرة بين المغرب وإيران تحدثت الأوساط الأمنية المغربية أن هناك أكثر من 3000 مواطن مغربي اعتنقوا المذهَـب الشِّـيعي، مما جعل السلطات المغربية تنظُـر بكثير من القلق إلى النشاطات الإيرانية في أوساط الجالية المغربية في أوروبا واعتناق الآلاف منهم للمذهب الشيعي.
العديد من المهتمين رأوا في القلق المغربي وحدة التصريحات التي صدرت عن المسؤولين المغاربة تجسيدا لخوف كبير من تفكك الهوية وذوبانها بفعل الاختراق الشيعي المختلف الأشكال، وهو خوف لا يهم المغرب لوحده، بل ينسحب على مجموعة من الحالات المماثلة كمصر والسعودية والأردن ودول خليجية أخرى.
ويبدو أن إيران في أزمتها الأخيرة مع المغرب قد كشفت عن استرتيجية جديدة للتمدد، فبعد تقوية نفوذها بلبنان وفلسطين والعراق، تسعى إيران إلى توسيع نفوذها بكل الوسائل. ولم يكن قرار تصعيدها المواجهة مع المغرب سوى شكل من أشكال استعراض قوتها.
لتحقيق هذا التوسع وتثبيت نفوذها تعمد إيران إلى ثلاث تقنيات: أولا باستعراضها المستمر لقوتها من خلال الترويج الإعلامي لترسانتها النووية والصاروخية، لإرهاب الخصوم. وثانيا استغلال الصراعات والمآسي العربية للعب على حبل المشاعر الشعبية المعادية لإسرائيل والترويج لها بشكل واسع، من خلال ترسانة إعلامية تقوت كثيرا في السنين الأخيرة. أما المستوى الثالث، فيعتمد على ترويج التشيع ليس بمعناه الديني لكن في بعده الثقافي. ويشكل المستوى الأخير منفذا نبهت إليه أكثر من جهة، حيث تختفي وراء الأنشطة الجمعوية والخيرية الإيرانية مشاريع لاستقطاب الشباب ودعم تنظيمات طلابية ومدنية للتأسيس لأرضية التوغل الشيعي.
ضد هذه السياسة يمكن فهم الحركة المضادة التي قام بها المغرب من خلال قطع علاقاته مع الجمهورية الإسلامية الشيعية، رغم الخطورة التي تشكلها على قضاياه المصيرية، إذ لا يستبعد أن تلجأ إيران إلى معاودة دعمها لجبهة البوليساريو في قضية الصحراء. إن محاولة المغرب الوقوف في وجه الاختراق السياسي والرمزي والثقافي لإيران الشيعية يجب أن يقرأ من عدة زوايا. لكن الزاوية الجوهرية في الحادث كونه تنبيه جدي إلى خطورة التمدد الشيعي الذي وصل إلى حد لافت.
أثبتت إيران من خلال الأزمة الأخيرة مع المغرب كما في مناسبات أخرى أنها غير قادرة على نسيان “مجدها” الفارسي، وهو “المجد” الذي صار أكثر عنفا عندما تسلح بعقيدة شيعية. فمن احتلال الجزر الإماراتية، إلى التدخل الإيراني في العراق ولبنان وفلسطين، وصولا إلى الأزمة الأخيرة مع البحرين وما أعقبها من تطورات وصلت حد قطع المغرب علاقاته الدبلوماسية مع طهران، يختفي جبل من “أحلام توسعية” قد تدخل المنطقة في صراعات طاحنة بين الفرس الشيعة وأتباعهم من جهة من والعرب السنة من جهة أخرى حول هوية الخليج وهوية الشرق الأوسط عموما.
© منبر الحرية، 27 مايو 2009

عزيز مشواط19 نوفمبر، 20100

أفادت دراسة تحليلية لانتماءات منفذي الهجمات على أهداف مختلفة في مجموعة من الدول الأوروبية والآسيوية أن المنفذين يتوفرون على الخصائص التالية: كلهم يتجاوزون الحدود الوطنية، ولا يعيشون في البلد الذي ولدوا فيه، بل لهم في بعض الأحيان جنسيات مختلفة، وكلهم قاموا بدراسات حديثة في الغالب من مستوى عال، وينتمون في معظمهم إلى مستوى اجتماعي متوسط، وعاشوا مرحلة الشباب على النمط الغربي، وكلهم قطعوا الصلة مع عائلتهم، قبل أن يتحولوا إلى قنابل بشرية تصرخ ” الدين..الدين…يا عباد الله” ! هل يتعلق الأمر بمجرد عمليات تخدير شديدة المفعول تعرضوا لها، أم أن الأزمة أعمق من ذلك، وترتبط بطبيعة الثقافة الرائجة في مجتمعات الانتحاريين؟
يتأرجح الانتحاريون بين ثقافتين مزدوجتين، ثقافة المجتمعات الغربية التي يعيشون فيها، حيث الحرية حق مقدس، وثقافتهم الأصلية حيث انعدام الحرية والديمقراطية، وانتشار البؤس. ينشأ عن هاته الازدواجية فراغ قاتل يستغله محترفو صناعة الموت لـ”زراعة” العنف والتطرف الناتج عن ضيق الأفق، إذ الانتحاريين، سواء عاشوا في مجتمعاتهم الأصلية أو الغربية، يرتبطون ارتباطا وثيقا بسلوكيات تعتبر فيها الطاعة هي القاعدة وما عداها استثناء.
نقصد بصناعة الطاعة، تلك الوسائل والأدوات المستعملة التي تسحق الفرد وتحوله إلى مجرد تابع، تحدد الجماعة مصيره على الرغم منه. إن ملاحظة بسيطة لثقافة المجتمعات العربية والإسلامية تجعلنا نستنتج اشتراكها في “صناعة الطاعة”، لأنها، تاريخيا على الأقل، لم تعرف المطلب الديمقراطي، ولم تتحول الحرية على امتداد تاريخنا الطويل إلى قيمة سامية، وبقيت حتى الآن عند مستوى الشعارات السياسية والخطب الرنانة. وكلما ارتفعت أصوات المنادين بها، إلا وتعرضت للتهميش والإقصاء، بل للإبادة بالعنف والقوة.
رغم اختلاف وسائل صناعة هاته الطاعة والحفاظ عليها، فإن استغلال الدين لتحقيق هذا الهدف يبقى واضحا. أما مصير الحركات التي تريد الخروج عن الطاعة، فغالبا ما انتهى إلى التنكيل والقتل وإحراق كتب الداعين إليها وتهجيرهم. لم تستطع كل محاولات الفلاسفة والمفكرين، عبر التاريخ زعزعة “نسق الطاعة”، حيث تواجههم دائما اتهامات جاهزة، أقلها الزندقة وإفساد عقول الناس.
ما تعرض له بن رشد في الماضي من تنكيل، وما يتعرض له نصر حامد أبو زيد، وسعد الدين إبراهيم من مضايقات في الوقت الراهن، شاهد على مصير دعاة التنوير في مجتمعات الطاعة. ويشترك في هذا المتطرفون الإسلاميون، كما بعض الأنظمة الأصولية، في قمع كل محاولة تحررية. أما الهدف المشترك وغير المعلن، فهو تكريس مفاهيم الطاعة العمياء في صفوف الأتباع بطرق ثقافية مختلفة وملتوية.
يقول عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتابه «وعّاظ السلاطين» : «كان كل سلطان جائر يجد دائماً من يدعو له بالتوفيق في جوره». في الوقت الراهن تستمر ممارسات “الوعاظ”، لكن هاته المرة باستخدام تقنيات أشد تأثيرا، حيث تصطف آلات إعلامية ضخمة وإمكانيات تربوية هائلة، ومؤسسات ثقافية بتمويلات خيالية من أجل هدف واحد : تكريس مجتمعات الطاعة، وتخدير الفرد بقتل روحه الإبداعية وتحويله إلى آلة صماء، تستجيب لنداء العاطفة الديني.
إن نسق الطاعة هذا يجعل من استقطاب الانتحاريين عملية بسيطة. وهكذا حينما يهتف “بن لادن” إلى الأمام، لا يتردد العشرات من المغفلين في الاستجابة الفورية، رغم أنهم بفعلتهم هاته، يرجعون بمجتمعاتهم مئات السنين إلى الوراء. إنهم مادة خام “قابلة للاشتعال” في كل وقت وحين، تقودهم فكرة لا تتوقف المواقع الالكترونية والفضائيات والكتب الرخيصة عن ترويجها. إنها ضرورة العودة إلى المنبع الصافي للحضارة العربية الإسلامية للإجابة عن كل أسئلة الحاضر.
تقوم صناعة الموت في مجتمعات الطاعة على تمجيد الماضي، والتضحية بالنفس من أجل استعادته. وهكذا كلما عرض حادث جديد أو قضية مستحدثة، يعود الإسلاميون المتطرفون إلى النص الديني (القرآن أو السنة) للإجابة عنه، بل إن كل أسئلة الحاضر تجد لها في الماضي السحيق جوابا مثاليا. إنهم يستعيرون كلمات الماضي لوصف أحداث الحاضر. وهكذا يصبح تفجير برجي التجارة العالمية “غزوة” وقتل الأبرياء في “مومباي” عمليات جهادية في “دار الكفار”. إنه سفر إلى الماضي بحثا عن أجوبة حاضر مأزوم.
يعود السبب الرئيسي لفشل المجتمعات العربية الإسلامية في تكسير سلوكيات الطاعة، إلى ذلك الإسلام كما تفهمه هاته الحركات، إسلام يقفل باب الاجتهاد، وينطلق من قراءة متزمتة وحرفية للرسالة القرآنية تعتمد على عنصرين:إغلاق باب الاجتهاد ومعاداة الغرب. وهكذا، يرجع المتطرفون كل شئ إلى القرآن وإلى الرسول وإلى الشريعة، كما تمت قراءتها في العصور الأولى للإسلام. وعلى هذا الأساس يتم رفض كل مظاهر الحداثة، فتصبح النقابة بدعة، والحزب ضرب من أعمال الشيطان، والديمقراطية مؤامرة غربية وجب محاربتها.
إن صناعة الموت وإنتاج الانتحاريين نتاج لنسق الطاعة والولاء الأعمى للماضي السحيق. من هنا، وجاهة طرح مشاريع تربوية وإعلامية وتثقيفية تجعل من الديمقراطية والحرية ثقافة يومية وليس مجرد شعارات للاستهلاك. إن الديمقراطية والحرية مطلبين متلازمين، مهمتهما الأساس تشجيع الحوار بين الثقافات المختلفة، لإعطاء أهمية أكبر للاعتراف بالآخر، وتكريس ثقافة تنطلق بالأساس من ” أومن بالاختلاف، إذن أنا موجود”
© منبر الحرية، 18 فبراير 2009

عزيز مشواط18 نوفمبر، 20101

بادرني صديقي ونحن نهم بالخروج من إحدى الندوات الفكرية : لماذا يحتكر الغرب الفلسفة والعلم ونكتفي نحن منذ أزيد من مائة سنة بطرح الأسئلة المكرورة ذاتها : قضايا المرأة، والديمقراطية وحقوق الإنسان، وفصل الدين عن الدولة؟ ومضى صديقي في طرح السؤال: لماذا ندور في الحلقة المفرغة ذاتها و لماذا لم نستطع أن نحول كل الكلام الجميل عن الحرية والتقدم والحداثة إلى حقيقة؟
المنهج والظلمة
وفيما يشبه اليقين التام الذي لا يدخله الشك لا من داخله ولا من باطنه أسترسل صاحبي بوثوق عقائدي بالغ: إن السبب في ذلك هو ابتعادنا عن تعاليم ديننا الحنيف. كانت المحاضرة التي حركت هذه البركة الآسنة من الأسئلة تدور حول فلسفة ديكارت، وتأثيرها على المنتوج الفلسفي الغربي. سؤال المحاضرة الرئيسي انصب حول إمكانية استعادة روح المنهج الديكارتي بعد كل النقد الذي تعرض له بفعل موضات الحداثة وما بعد الحداثة.
حاولت جاهدا أن أتجاوز الإجابات التبريرية، لأني أعرف، على رأي حسن حنفي، أن الفلسفة ٍ تموت حين تصبح وظيفتها هي تبرير المعطيات سواء كانت دينية أو سياسية، والدفاع عنها دون أن تقوم بوظيفتها في التحليل والفهم، ثم النقد. وهنا عدت لصديقي قائلا بأن أبسط أبجديات الدرس الفلسفي الأول قالت لنا “إن طريقة وضع السؤال أهم من الإجابة عن السؤال”. وليس السؤال في الأصل سوى  ذلك البحث الدؤوب عن المنهج لأن التاريخ يعلمنا أن العقل يدخل في االظلمة عندما يغيب المنهج، ويتحول إلى معارف موروثة يتراكم بعضها فوق بعض دون طريقة للوصول إليها.
وجدت نفسي، مرغما على الخوض في وظيفة الفلسفة فقلت لصديقي المتحمس لأفكاره أن مواقفه تحكمها بنية ذهنية لم تستطع الانفكاك من تمجيد الماضي والعداء لكل جديد ومتجدد. ولأن قدر العقل عبر التاريخ أن يخضع باستمرار، ثراءا أو ضعفا، لوضعية الفلسفة ومكانتها، فإننا يمكن أن  نقول أن الفلسفة مرت بظروف صعبة عبر تاريخها بل إنها ماتت مرتين: الأولى في العصر الوسيط الأوروبي عندما تحولت إلى مجرد معارف موسوعية مخزنة في خزائن النخبة. وماتت مرة ثانية في تراثنا القديم، عندما صارت مجرد موسوعات ضخمة يغيب عنها المنهج. الفارق ما بين الحالتين نهوض الفلسفة الأوروبية من سباتها واستنهاضها لهمم العقل منذ ديكارت، واستمرار الفلسفة والعقل العربيين في الاستقالة منذ قرون عديدة.
العقل المستقيل…الحاجة إلى ديكارت.
ضرب صديقي يده كفا بكف وكأنه وجد السر المكنون متهما إياي بالتنقيص من قيمة التراث الفلسفي العربي الإسلامي، أما التهمة الجاهزة فهي “الارتماء في أحضان الغرب”. لا يهم كثيرا العودة هذه المرة للحديث عن نظرية المؤامرة وأصولها في الذهنية العربية، لكن ما يهم حقيقة أن الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط سرعان ما عادت إليها روحها المبادرة مع عصر النهضة ورواد الفلسفة الحديثة وخاصة مع روني ديكارت، في حين طال أمد حالة الصقيع في المنهج والرؤية بالنسبة لحالتنا، لأن العقل العربي الذي نجهد أنفسنا في البحث عن علاته صار خاضعا بفعل شروط موضوعية ما، إلى ما سماه الدكتور محمد عابد الجابري بالعقل المستقيل الذي مازال يخيم بظلاله على كثير من أنماط فكرنا ومسلكياتنا.
لقد افتقد العقل العربي المنهج فافتقد البوصلة التي توجهه نحو مسيرة التقدم الإنساني. فكيف يمكننا تحويل المنهج الديكارتي إلى أداة رئيسية للتغيير؟ وكيف يمكننا، انطلاقا من ذلك، إعادة صياغة النظام المعرفي للمجتمع بشكل يتجاوز المناهج الحالية؟ وكيف بالإمكان تحويل الشك إلى ممارسة نقدية بما ينسجم والرغبة في تأسيس نظام جديد للتفكير؟ هذان هما السؤالان الكبيران اللذان يجب أن تنبني عليهما كل قراءة جديدة للفكر العربي الإسلامي.
وبهذا المعنى أزعم أن العودة إلى روح الكوجيطو الديكارتي ما تزال تتوفر على شرعية عربية قوية. تنبع هذه الشرعية من  أن “أنا أفكر إذن أنا موجود” التي خلص إليها رائد الفلسفة الحديثة روني ديكارت في القرن السادس عشر، لم تتجسد كحقيقة في الواقع العربي رغم كل المحاولات الحثيثة التي قام بها رواد النهضة.
إن روح الفلسفة الديكارتية لا تزال غائبة عن الفكر العربي الإسلامي. إن جوهرها يتمثل في ربط الوجود بالفكر، إذ “متى انقطعت عن التفكير انقطعت عن الوجود” يقول ديكارت. لكن غالبا ما نتعاطى مع هذه المقولة الشهيرة بالكوجيطو بنوع من الاختزالية والسطحية تفرغها من دلالاتها المعرفية وعمقها المنهجي، رغم أن المقولة شكلت ثورة إنسانية شاملة بكل المقاييس.
سلطة العقل …سلطة الخرافة.
فعلا أسس ديكارت من خلال هذه الخلاصة وغيرها من تأملاته الفلسفية الأسس الصلبة لما ستعرفه الإنسانية من تحولات فكرية وسياسية وثقافية. كلمتان أساسيتان يقوم عليهما الكوجيطو الديكارتي…إنهما الأنا والفكر (العقل)…فتصبح الأنا المفكرة هي الحجر الأساس في هذه المقولة. إن حقيقة الذات المفكرة هي الحقيقة الوحيدة التي لم يستطع الشك أن يتسرب إليها بعد أن شك ديكارت في كل شئ.
صحيح أن الشك الديكارتي شك منهجي، وصحيح أيضا أنه شك قصدي، وصحيح أيضا أن نتيجته معروفة سلفا. لكن رغم الانتقادات الموجهة إليه يبقى  لحظة مفصلية في تاريخ الإنسانية ككل والغرب خصوصا. إن أهمية هذه اللحظة نابعة من استتباعاتها، ذلك أنها ستعمد إلى تأسيس الوجود الإنساني انطلاقا من “الأنا المفكرة” في استقلال عن أي تبعية، إذ لم يعد الوجود الإنساني تابعا لا لله ولا للكنيسة ولا لأي سلطة أخرى غير سلطة العقل.
ما يهمني كثيرا، هو تلك القدرة التي استطاع بواستطها الشك الديكارتي على تنحية العقل القروسطي. وبالمقابل ساعد ديكارت العقل الإنساني على الوصول إلى أقصى طاقاته لتقبل العلم واستخراج منطقه العام، فارتفع منسوب العقلنة والتنظيم في كل ما يحيط بالإنسان.
ديكارت…تمارين شاقة للعقل.
نعم لقد ربط ديكارت الوجود بالفكر واعتبره الشرط الوحيد لإنسانية الإنسان. إنها نقلة نوعية لعدة أسباب. أبرزها أن الشك الذي اعتمده ديكارت..كان هدفه الأول القضاء على كل تبعية، والبحث عن استقلالية الإنسان، عن سلطة الكنيسة أولا، وكل ما يتعلق بالميتافيزيقا والكهنوت، والأسطورة…لقد رفع ديكارت من خلال مقولته الشهيرة بالكوجيطو “أنا أفكر إذن أنا موجود” من شأن العقل والمواطن الحر في مقابل القدرة الإلهية ورجالات الدين.
لكن ومع ذلك، لا يجب  نسيان ربط أهمية الشك الديكارتي ودوره التاريخيّ بسياق تحوّل مجتمعيّ أوربي وعالميّ.  وبالتالي لا يمكن الانطلاق من فهم سبب التخلف أو التقدم للعقل أو لدولة ما أو لاتجاهات فكرية ما، من بنية العقل فقط، مع أهمية ذلك.
إن الوقوف عند هذه الملاحظة يحفظنا من الانزلاق عند مناقشة العقل العربي الذي لم يستطع حتى الآن التخلص من عباءة الرؤية الدينية، وتحديداً ما أسس له الغزالي. وابن تيمية، وصولاً إلى ابن حنبل، وبعدهما بمئات السنين محمد بن عبد الوهاب وانتهاء بفكر القاعدة وطالبان.
في ظل سيطرة هذه النظم المعرفية على عقل العرب في كل العالم العربي والإسلامي، بفعل مساهمتها في تشكيل الواقع الراهن منذ أربعينات القرن الماضي على أقل تقدير، فإن تفعيل الشك  الديكارتي إزاء هذه الحتميات تمرين عقلي شاق وصعب لتجدر المسلمات والبديهيات والأفكار القبلية. هنا نتسائل هل نستطيع كعرب تفعيل هذا الكوجيطو بكل ما نرزح تحته من تراكمات قهرية تعمل على تحويل كل خرافة أو أسطورة إلى حقيقة مقدسة تنتهك كل مجالات الوجود سواء الفردي أم الاجتماعي بكل ما نتمسك به من أوهام نعبدها وندافع عنها وننافح عن شرعنة وجودها واستمراريتها؟
بمعنى آخر هل نحن مؤهلون لولادة عقلانية جديدة؟هذا في نظري هو رهاننا أثناء مساءلة الطرح الديكارتي.
تشخيص العطب…
عودة إلى العقل المستقيل الذي تحدث عنه الدكتور محمد عابد الجابري، يمكن أن نسجل ذلك الهوس المنتشر بين مجموعة من أدعياء الثقافة العربية. أقول أدعياء لأنهم يتصيدون فرص الهجوم على كل فكر غربي بغض النظر عن وجاهته أو قيمته. لكن وبفعل الافتقاد إلى الإبداع يعمدون إلى اتباع أحدث الصيحات الانتقادية الصادرة من الغرب نفسه. فبخصوص ديكارت لن نعدم كتابات عربية تصرح جهرا بأن ديكارت تجاوزته النظريات الفلسفية المعاصرة وصار جزءا من الماضي..ولن نعدم أيضا كتابات تستعير كل العتاد النظري الغربي لتثبت تحول العقل الغربي إلى أداة مدمرة للإنسانية..يستشهدون بما أفرزه هذا العقل من تقدم أدى إلى كوارث إنسانية وإلى قيام حربين عالميتين وإلى صناعة القنبلة النووية وتدمير هيروشيما وناكازاكي وغيرها من الحجاج…
ليس هناك اختلاف على هذا التشخيص الإنساني لوضعية عقل يشتغل بمنطقه الخاص، لكن المسخرة تصير من طبيعة متضخمة حينما نتخذ هذه الذرائع لرفض كل ماهو عقلاني وغربي …باعتباره عنوان الفشل..ومن ثمة فإن الرجوع إلى قيمنا الدينية وإلى منهجنا في الاتباع كفيل، حسب هؤلاء الأدعياء، بتخليص الإنسانية من كل “أمراضها”..ليست هذه المنهجية العرجاء سوى دليل آخر على العجز عن الابتكار، خاصة وأن كل الانتقادات التي يتم استجلابها صاغها باستمرار العقل الغربي. إنه عقل قادر في كل مرة على إعادة النظر في نفسه وإعادة النظر في مسلماته. وكانت ولاتزال إحدى نقاط قوته الأساسية محاولة تجاوزه لكل الحتميات التي تأسس عليها. إن الفكر الديكارتي المقدس للعقل والمؤمن بإمكانيات العقل المطلقة لم يلبث أن تعرض لمجموعة من الهزات، بدأت من كانط الذي حصر حدود المعرفة العقلية في المعرفة العلمية وصولا إلى كل موجات الحداثة وما بعد الحداثة التي طالبت بعقل جديد متوائم مع التطورات الإنسانية وآمالها، وفيه يتصالح الإنسان مع الطبيعة، ولا يصير مسخرا لها فقط وإنما جزءا منها، لأنها جزء منه، كما يعلن في غير ما مرة المفكر الفرنسي إدغار موران..
يمكن أن نفهم هذه الانتقادات الغربية للعقل الغربي باعتبارها دينامية داخلية ودليل حيوية، أما أن يتم التعامل معها بانتقائية لاستعمالها كتهمة لمواجهة الآخر والطعن فيه والتنقيص من قيمته بل وإقصائه، فالأمر لا يعدو أن يكون محاولة انتقائية وتلفيقية تثبت العجز عن الإبداع، وتنتظر إنتاجات الآخر الفلسفية والنظرية والتعامل معها بانتقائية للتعويض، مما يثبت بالمنطق النفسي عجزا معرفيا وحضاريا صارخا…وعوض البحث عن السبل الكفيلة بإعادة تشغيل هذا العقل في انسجام مع المعطيات الإنسانية الجديدة والتركيز على روح الإبداع يتم التنحي جانبا والتقوقع بعيدا عن كل القيم الإنسانية..أما السلاح الأمضى في ذلك فهو الإتباع وتلك الذهنية التي لا تؤمن سوى بـ”لا وجود لأفضل مما كان”.
© منبر الحرية، 17 فبراير/شباط 2010

عزيز مشواط18 نوفمبر، 20100

لا يمكن للحرب الكروية التي اندلعت بين الجزائر ومصر على خلفية مباراة التصفيات النهائية لكأس العالم،  أن تمر دون أن تترك علامات استفهام واضحة حول دور كرة القدم في تجييش الجماهير وتعبئتها. لكن بعيدا عن هذه المناولات الصحفية العاطفية والسياسية، من هذا الجانب أو ذاك، دعنا نطرح سؤالا سوسيولوجيا يتجاوز البنية السطحية للظاهرة إلى مستوى أكثر عمقا، بهدف البحث عن البنيات الأشد خفاء بتعبير عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو.
ألا يمكن أن نتحدث عن كرة القدم، كما فعل السوسيولوجي بورديو نفسه، باعتبارها دينا جديدا له رسله وأنبياؤه وتعاليمه الجديدة؟ ألا تشبه حروب كرة القدم، في درجة العنف والتعصب الذي تنتجه، الحروب العقائدية والدينية التي يطلب فيها المرء الشهادة في سبيل فكرة التفوق على الأعداء والخصوم(الكفار)؟
إن المحلل اليقظ والملاحظ الدقيق للسلوك الشعبي والجماهيري على هامش المباراة سيكتشف أن الجميع انخرط بشكل عفوي في انفعالات وإحساسات متماثلة. فبين مثقف مشهور وصانع أحذية جزائري أومصري، توجد ربما هوة عميقة من حيث العلاقة الفكرية، ولكن الفرق بينهما صار منعدما أو ضئيلا بشكل كبير فيما يخص المزاج العام والانفعالات التي أعقبت المباراة.
إن الانخراط الجزائري المصري، الشعبي والرسمي، في لعبة شد الحبل وتبادل الاتهامات نتج بالأساس عن أفق التوقع الذي رسمه الإعلام. لقد صارت مباراة كرة القدم هاجسا مصيريا لشعبين، استطاعت مباراة لكرة القدم أن توحد جميع فئاتهما. يفيد هذا الانخراط أن اللعبة صارت فعلا ظاهرة اجتماعية بكل مواصفاتها السوسيولوجية وبكل خصائصها.
في سنة   1982 كتب عالم الإثنولوجيا  الفرنسي مارك أوجي Marc Augé في مقال معنون بـ ” كرة القدم من التاريخ الاجتماعي إلى الأنتروبولوجيا الدينية”  يقول “تشكل كرة القدم فعلا اجتماعيا شموليا، إنها تجمع كل شتات المجتمع وتتضمن ثنائية الممارسة والفرجة.وهي أيضا ممارسة واسعة الانتشار، الأمر الذي يجعل من وصفها ظاهرة اجتماعية أمرا ممكنا”
لقد ساهمت جماهيرية كرة القدم، الناتجة عن جذب اللعبة لعدد متزايد من الجمهور بفعل بساطة قواعدها وعدم نخبيوتها، في تعقيد المشكل بين الجزائر ومصر. إن هذه الجماهيرية دفعت السياسيين، ومن دون تردد، إلى الركوب على موجة العاطفة الشعبية لتحقيق مكاسب آنية.
إن العنف المتبادل بين جماهير البلدين يجعلنا نقف على بعض الملاحظات التي طورها مارك أوجي في هذا الصدد، إذ يعتبر أن ظاهرة كرة القدم صارت بالفعل ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد. إنها حسب نفس الكاتب شبيهة بالظواهر الدينية التي لا يمكن اختزالها إلى عدد من الأفكار والتمظهرات والتفسيرات البسيطة. إنها تشكل بالنسبة للبعض أفيونا جديدا للشعوب للتحريك والتجييش والتعبئة. غير أنها بالنسبة لكاتبنا تتجاوز ذلك بكثير. إنها تعبير عن علاقات اجتماعية ناتجة عن الطلب الاجتماعي المتزايد على الفرجة.
وبفعل هذه الحاجات الاجتماعية اتخذ الهوس صبغة جماعية تشابه في تمظهراتها كل أفراد المجتمع. انخرط الجزائريون والمصريون في ما يشبه هستيريا جماعية، فأصبحت الهوة ضئيلة جدا بين عامة الناس(الرأي الشائع) والمثقفين والكتاب والصحفيين، مع بعض الاستثناءات طبعا.
لقد  خلق الإعلام في البلدين حالة استهلاكية ابتلعها الجميع مع قهوته الصباحية، وهو يمسي ويصبح على آلة إعلامية تنفخ في جروح العزة والنصر والشجاعة كصفات تتميز بها الذات، في حين يتم أبلسة الآخر وتجريمه ودفعه إلى هاوية اعتباره جحيما. ولم تستطع “الأصوات المتعقلة” المنبعثة من هذا الطرف أو ذاك أن تصمد أمام قوة التدفق الإعلامي التهويلي. لم تستطع كل “النزعات العلمية” أن تقف في وجه  تسونامي الاستهلاك الإعلامي التحريضي، فصار ابتلاع  الكليشيهات الجاهزة فطيرا يوميا لشعبين ينتميان إلى مجال سياسي واقتصادي وثقافي متشابه.
لقد ابتلع الجميع منتوجا إعلاميا، ضخم بشكل كبير  صورة الشر في الآخر. لكن هذا الابتلاع صار غير قابل للكبح، لأنه مدفوع بكل الخيبات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي يعاني منها الشعبان. إن حالة الهياج الشديد التي أعقبت المباراة صارت غير قابلة للكبح لأنها مبنية على الحرمان. وهكذا صار التأهل إلى المونديال نوعا من الاستيهام الذي  تم إعداده إعلاميا من خلال اختراق الحقل العاطفي الاجتماعي بشكل مباشر.
وهنا لعبت كرة القدم دورا رمزيا في توحيد ما لا يوحد واقعيا. ففي المجتمعات التي تعاني تفاوتا صارخا بين المستويات المعيشية للساكنة، بين المهمشين المحرومين والممتلكين لوسائل الثراء، تشكل كرة القدم متنفسا اجتماعيا ونفسيا. إن سبب الفرجة التي تخلقها مباراة لكرة القدم ناتجة عن وجود فريقين متصارعين على رقعة الملعب يتوفران على “نفس الأسلحة” والوسائل. لكن كيف تحولت الفرجة المرجوة إلى عنف بين المشجعين، ثم إلى أزمة ديبلوماسية؟
إن درجة التعصب التي أعقبت المباراة تذكرنا بذلك السؤال السوسيولوجي الذي انتشر في الغرب خلال سنوات الثمانينات : هل تعتبر كرة القدم دينا جديدا؟ لقد استمد هذا السؤال مشروعيته من موجة الطوائف الدينية التي انتشرت بشكل كبير مطلع ثمانينيات القرن الماضي. لكن هذا التعميم يحتاج من الناحية الاجتماعية إلى الكثير من التريث في حالة المجتمعات الإسلامية المتخمة بالطقوس الدينية. إن هذا التريث ناتج بالأساس عن مفهوم الطقس الديني. هل في كرة القدم نحن بإزاء طقوس دينية؟ وهل أثر ذلك على درجة العنف التي سادت سواء رمزيا أو ماديا على خلفية مباراة الجزائر ومصر؟
بالتأكيد تجتمع العديد من العوامل و الخصائص لتجعل من كرة القدم شبيهة بطقس ديني. يجتمع العديد من الناس في نفس الفضاء الواحد بعيدا عن الروتين اليومي، من أجل ممارسة تخضع لبعض القواعد والرموز والإشارات وتراتيل/أناشيد حماسية ينخرط فيها الجميع بدون تفرقة بين الغني والفقير، الصغير والكبير، الذكر والأنثى…
في حالة مباراة الجزائر ومصر اجتمعت حزمة من العوامل لتشكل برميل بارود ملئ بالألغام. لقد اخترقت السياسة الحقل الاجتماعي وحاولت اللعب على الأشكال الأكثر قمعا واحتقانا، من خلال الاقتراب من المزاج العام للشعب، بل إن السياسي في البلدين اخضع المباراة لتفسير واحد هو: ضرورة إشباع الرغبات الوهمية في النصر. لكن هل يمكن أن نطمئن إلى هذا التفسير المنبني على اتهام الإعلامي والسياسي بالمسؤولية؟ ألا تعتبر العودة إلى ظاهرة كرة القدم كظاهرة اجتماعية خالصة، مقاربة يمكن أن تقدم بعض الإضاءة ؟
إن ظاهرة كرة القدم صارت بالفعل ظاهرة اجتماعية شديدة التعقيد. وليست تفاعلات مباراة الجزائر ومصر والمنحى الذي اتخذته سوى جبل الجليد الذي يخفي نزوعا مستمرا نحو الإقصاء. لقد صارت فعلا شبيهة بالظواهر الدينية، حيث يتجاور المادي والرمزي، الذاتي والموضوعي، السياسي والاقتصادي، الوهم والحقيقة، الفرجة والمتعة والاستغلال الإيديولوجي. صحيح قد تشكل بالنسبة للبعض أفيونا جديدا للشعوب للتحريك والتجييش والتعبئة. لكنها تبقى في نهاية المطاف تعبيرا عن حاجات اجتماعية خاضعة لقانون إنتاج الظاهرة الاجتماعية بكل تعقيداتها، وخاضعة لقانون العرض والطلب الاجتماعيين. وإذا كانت في الغرب تخضع باستمرار للمساءلة العلمية، كغيرها من الظواهر الاجتماعية،فإنها تظل خاضعة للتفسير العاطفي في المجتمعات الثالثية عموما والعربية خصوصا، مما يهدد في المستقبل بتحول فرجة كرة القدم إلى مآسي وكوارث قد تندلع على إثرها حروب طاحنة، تنضاف إلى كوارث الأمية والفقر والتخلف.
© منبر الحرية، 02 دجنبر/كانون الأول2009

عزيز مشواط16 نوفمبر، 20100

رحل عنا المفكر المغربي محمد عابد الجابري يوم الاثنين 3 مايو 2010 بعد 75 عاما من حياة فكرية صاخبة، فجر فيها جدالات ونقاشات كبيرة، وأعمل معاول النقد في “العقل العربي المستقيل”، دون كلل أوملل.
حملته عصاميته الفريدة والمثيرة للإعجاب، من واحات مدينة “فكيك” المنسية على حدود المغرب الشرقية، إلى مدينة الدار البيضاء، حاضرة المغرب الاقتصادية، بداية الخمسينيات من القرن الماضي، يقوده طموح اكتساب المعرفة.
إنه الطموح نفسه الذي حوله من معلم بالصف الابتدائي في الخمسينيات من القرن الماضي، إلى أستاذ للفلسفة بالجامعة المغربية، وصولا إلى احتلال قمة الهرم الفكري العربي، والتي جعلت البعض يشبهه بابن رشد العصر الحديث أو ديكارت العربي.
وما بين التسميتين، ظل الجابري  يرى ما لا نراه، في الحياة الفكرية والاجتماعية السياسة وحتى في الناس، ويعبر عن كل هذه الأمور بلغة العلم، مستعملا أحدث المنهجيات التي وصل إليها المجهود الإنساني.
لن نقول بأن العقل العربي بعد الجابري بقي يتيما، لكن إسهامات الرجل وقوة الإنجاز العلمي التي مارسها كشفت للعالم العربي، الذي جعل من “عقله” موضوعا لدراسته، أن بنياتنا الذهنية والسلوكية والعقلية تحتاج إلى تشريح خاص.
لقد خاض الجابري مغامرته في تشريح العقل العربي ممتطيا أحدث وسائل الإبستيمولوجيا الحديثة، وعاد إلى عصر التدوين وعصر حروب الخلافة، ونزول القرآن، ونشأة الدولة الإسلامية وغيرها. لقد جعل  نقد العقل العربي مشروعه الفكري الرئيسي. و استطاع الراحل عبر سلسلة “نقد العقل العربي” القيام بتحليل العقل العربي عبر دراسة المكونات والبنى الثقافية واللغوية التي بدأت من عصر التدوين، ثم انتقل إلى دراسة العقل السياسي ثم الأخلاقي.
اتضحت معالم المشروع الفكري للراحل منذ صدور كتابه “نحن والتراث : قراءات معاصرة في تراثنا الفلسفي” (1980)، حيث سيتعرف العالم العربي على “الجابري” المثير للأسئلة الوجودية الكبرى للإنسان العربي. وسيتعرفون على وجه المثقف العربي القادم من أقصى المغرب.
من العسير جدا اختزال السيرة الفكرية والسياسية والحياتية للجابري في ورقة كهذه، لكن إقامة  الجابري الأكاديمية في المشرق العربي، وتحديدا في سورية، أثرت كثيرا على تصوراته، في زمن المد العروبي والقومي على يد  نجم ساطع الحصري وزكي الأرسوزي وميشل عفلق  .
ومع أن الجابري ظل وفيا لمجموعة من مبادئ المرحلة، إلا أنه  لم يكن مجرد صدى أو ناقل لأطروحات غيره، بل حافظ على صفاء وعيه  النقدي والوضوح في شرح الأفكار وتقريبها من ذهن المتلقي، قارئا كان أو مناضلا حزبيا، في قالب لغوي سلس تجنب دائما الحذلقة والغموض المفتعل.
لم يمر المشروع الفكري للجابري في العالم العربي دون “مشاحنات” واعتراضات. فقد كفرته أكثر من جهة دينية واحتج عليه أكثر من إسم محسوب على العلمانية. أما هو فقد التزم الصمت في انتظار نهاية مشروعه الفكري.
الاعتراضات التي قدمها منتقدو الجابري ظلت عند مستوى الجزئيات دون أن تستطيع هدم دعائم مشروعه الفكري. وهكذا انتقد فتحي التريكي فكرة وجود عقل عربي وآخر غربي، التي قال بها الجابري. وتوقف علي حرب عند بعض القضايا الاصطلاحية أهمها تفضيل “حرب” استخدام مصطلح الفكر على مصطلح العقل،لأن العقل واحد وإن اختلفت آلياته ومناهجه وتجلياته، كما يؤثره على مصطلح التراث. أما جورج طرابيشي فقد خصص جزءا كبيرا من إنتاجاته للتعليق والتعقيب على أفكار الجابري.
أكيد أن الوسط الثقافي العربي يتحسر على تغييب الموت لشخصية فكرية من حجم الجابري. أما في المغرب  فإن أكثر من متابع للحياة الثقافية والسياسية المغربية  يعترف أن “الجابري” سيظل حاضرا في المتن الفكري والسياسي المغربي كأحد الرموز التي لا يمكن تجاوزها.
صحيح أن “الجابري” استقال من موقعه في المكتب السياسي لقيادة حزب الاتحاد الاشتراكي الذي كان أحد المعارضين الأقوياء لنظام الملك الراحل الحسن الثاني، لكن ذلك  لم يمنعه من أن يظل مؤثرا، ليس فقط من خلال إسهاماته التنظيرية، بل بالمساهمة الفعلية في الحياة السياسية لبلاده. لقد ساند التوافقات التي أوصلت صديقه الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي إلى الوزارة الأولى، فيما يطلق عليه في المغرب بالتناوب التوافقي، الذي حكم فيه الاشتراكيون المغرب، بتسوية مدعومة من الملك الراحل الحسن الثاني.
لقد غادر الجابري  معترك السياسة المغربية بمعناها الشائع والبسيط، ليحلق بعيد عن الممارسة الحزبية حين استقال من حزب الاتحاد الاشتراكي وجمد جميع أنشطته السياسية فيه، رغم أن أدبيات الحزب وهويته لا تخلو من فكر الجابري وبصمته.
وقريبا من السياسة المغربية أيضا، انتبه الجابري مبكرا إلى تقليد سيء عانى منه المثقفون والسياسيون العرب والمغاربة بسبب عزوفهم عن تسجيل مذكراتهم وتجاربهم، فدون شريط حياته الفكرية والسياسية وخاصة تجربته في الخضم الحزبي.
وليس من المبالغة القول إن الجابري قد شق في ممارسته الثقافية هذه طريقا جديدة وبلور رؤية أصيلة لدور المثقف في عصرنا الراهن، عصر الاندماج العالمي وتحول العالم إلى قرية صغيرة • وقد جعل هذا من الجابري المثقف العربي بامتياز وأحد كبار رواد الثقافة العالمية الحرة.
تحية إلى الجابري في حياته وفي مماته هو الذي نقش اسمه بدأبه واجتهاده بين النابغين، حيث يسر للعرب كثيرا من المعارف الغربية التي يعتبر أحد القلائل الذين تمكنوا من استدماجها في فكره، دون أن تتمكن من ابتلاع خصوصيته النقدية وشخصيته الفكرية المستقلة.كما يحسب له نبشه في عدد من المواضيع التي ظلت من طابوهات العقل العربي المستقيل بلغة الجابري.
وداعا إذن، لأحد كبار رواد العقل العربي، لأن أمثاله هم الأقدر على وضع العرب على سكة التنمية الفكرية والسياسية السليمة، بعيدا عن الظلامية والتعصب.
© منبر الحرية، 4 ماي /أيار 2010

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018