عزيز مشواط

عزيز مشواط15 نوفمبر، 20100

عشرات الكتب، ومئات المقالات، وعدد لا متناه من المحاضرات والمقابلات التلفزية والإذاعية، وتجربة تربوية في كبريات الجامعات العالمية كانت كفيلة بأن يسطع  نجم آخر من شمال إفريقيا في سماء الفلسفة العربية والإنسانية. إنه محمد أركون ابن منطقة القبائل الجزائرية الذي غادرنا أمس الثلاثاء عن سن يناهز 82 عاما بعد مرض عضال، كما يحلو لوسائل الإعلام أن تقول، مع وفاة كل قامة علمية شامخة.
محمد أركون الجزائري الولادة والفرنسي الجنسية انضاف أمس الثلاثاء  في العاصمة الفرنسية باريس  إلى قائمة التنويريين الذين غيبهم الموت في أقل من سنة. فبعد الخطيبي ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، هاهو مبدع المفاهيم الأصيلة يغادر ساحة الفكر العربي، ليقل ماء التنوير القليل أصلا. فعلا يستحق الراحل لقب مبدع المفاهيم الأصيلة. فمن الجهل المؤسس، إلى الجهل المقدس، وصولا إلى نقد العقل الشرعي والسياجات الدوغمائية، ظل أركون وفيا لآرائه غير المهادنة وهو يعيد قراءة التراث العربي الإسلامي.
وإذ كان انتماؤه إلى حقل الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية العربية قد شكل إضافة نوعية، فإن اجتراحه لمفاهيم جديدة بوأته مكانة خاصة ضمن صناع المفاهيم ومستحدثيها المبدعين، وتبقى دعوته لإعادة قراءة القرآن برؤية عصرية وتجريده من القداسة التي تعيق دراسته النقطة الفاصلة في مسار باحث لم يعرف المهادنة العلمية قط، وهو ما جعله عرضة لانتقادات التيارات الأصولية المتشدّدة.
لقد أعمل أركون معاول الهدم في بنية العقل العربي الإسلامي، مسلحا بمناهج علمية أمضى أكثر من أربعين سنة في اختبارها، جاعلا من حقل الإسلاميات حقل اشتغاله الأول، اشتغال جلب لأركون العديد من الأعداء على امتداد أكثر من أربعة عقود.
لقد تعرض لغارات الأصوليين بمختلف توجهاتهم الشرقية والغربية، فاتهمه أصوليو بني جلدته أنه مجرد صدى للمستشرقين، وأنه معادٍ في العمق للفكر الإسلامي بصورته المعروفة. وفي الجهة المقابلة هاجمه الغربيون بدعوى أنه مجرد مفكر إصلاحي لا أكثر، أو لنقل أنه مفكر وسطي، أو توفيقي يحاول التوفيق بين الدين والعقل، تماماً كما حاول الفلاسفة المسلمون من قبل.
يقول مترجمه خالد هاشم في هذا الصدد “بعد أن تركت محمد أركون رحت أفكر فـي حجم المعركة التي يخوضها بكل ملابساتها وتفاعلاتها، وهالني الأمر فكلما توهمت أن حدودها قد أصبحت واضحة محصورة، كلـما اكتشفت أنها متشابكة معقدة، شبه لا نهائية. هناك شيء واحد مؤكد على أي حال : هو أن محمد أركون يخوض المعركة على جبهتين جبهة الداخل، وجبهة الخارج، جبهة أًصوليي المسلمين، وجبهة أصوليي المستشرقين”
الأكيد أن لائحة الاتهامات التي تعرض لها أركون ثقيلة ومتعددة، لكن وبرغم كل ما قيل عنه وما سيقال سلباً أوإيجاباً سيبقى محمد أركون اسماً مرادفاً للقضايا التي أخذته إلى العالمية. وبعيدا عن تطرف أصوليي الداخل والخارج، رسم أركون لنفسه مسارا متميزا يتأسس على البحث المنهجي بأحدث ما وصلته العلوم الإنسانية من مناهج، ولم يقطع نهائيا مع الأسس الحداثية للتفكير، بل استخدم مقولاتها دون أن ينتهي إلى إقصاء الماضي. وبذلك ظل هدفه تنقية هذا الماضي من شوائب التخلف والأساطير والخرافة لملاءمته مع العصر دون تهميش نصوصه.
لقد أهله موقعه النقدي والعقلاني ليحتل موقعا هاما في تاريخ الفكر العربي إلى جانب الرواد الأوائل من قبيل محمد عبده وفرح أنطون وشبلي الشميل والأفغاني والكواكبي وطه حسين وصادق جلال العظم وعبدالكبير الخطيبي ومحمد عابد الحابري وناصر حامد أبو زيد.
إن إنسانية المذهب الذي انتمى إليه أركون، وعشقه للفلسفة وللفكر الإسلامي، جعلا منه مثيرا لزوابع فكرية صاخبة لن تهدأ طبعا بوفاته، مما جعله مؤهلا ليكون في مرمى سهام كل الأصوليين بمختلف مشاربهم الشرقية والغربية، غير أن هذه السهام انكسرت، بفعل استيعاب أركون للتراث بشكل استثنائي دون اغترابه عن الحضارات الحديثة.
صحيح أن الموت حتمية لابد منها، لكن بن القبائل على غرار كل المفكرين الكبار، لم يمض دون أن يترك أثره الواضح في الفكر العربي والإنساني المعاصر، بعد أن فرض على العالم إسما قادما من العالم الإسلامي، لكن بمرجعية علمية جعلته محترما في جميع الأوساط المستشرفة للمستقبل، احترام لم يصله جزافا، بل بالمكتبة الثرية من المؤلفات والكتب التي تركها.
إن أصالة الفقيد الحقيقية لا تكمن فقط في ثراء إنتاجه، وإنما تكمن أيضا في  قدرته على ابتكار مفاهيم ذات طبيعة إنسانية كونية، ولم يكن كتابه الأخير “الإنسانية والإسلام” سوى خاتمة رحلة إنتاجية جاوزت الأربعين سنة من الحفر في “ملامح الفكر الإسلامي” الكلاسيكي”، مرورا ب”دراسات الفكر الإسلامي”، ووصولا إلى” الإسلام أمس وغدا” ثم” من أجل نقد للعقل الإسلامي”، و”الإسلام أصالة وممارسة”، و”الفكر الإسلامي: قراءة علمية- الإسلام: الأخلاق والسياسة- الفكر الإسلامي: نقد وإجتهاد- العلمنة والدين: الإسلام، المسيحية، الغرب- من الإجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي- من فيصل التفرقة إلى فصل المقال: أين هو الفكر- الإسلامي المعاصر؟- الإسلام أوروبا الغرب، رهانات المعنى وإرادات الهيمنة.- نزعة الأنسنة في الفكر العربي- قضايا في نقد العقل الديني. كيف نفهم الإسلام اليوم؟- الفكر الأصولي واستحالة التأصيل. نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي- معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية… وغيرها.
هكذا برحيل محمد أركون يكون الموت قد غيب رابع مرجع فكري عربي من القامات الشامخة في سماء الفكر الإنساني، في أقل من أربعة أشهر. كما يصدق وصف  سنة2010 بسنة اختطاف الموت لرموز التنوير العربي. فبعد الخطيبي ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد يرحل أركون ليترك تجويفا آخر في الفراغات الكبيرة للفكر العربي الإسلامي، لتنضاف إلى الفراغات الجوفاء المتعصبة الدينية والطائفية، ليس في العالم العربي فحسب بل في العالم بأسره، وهنا لا يمكن سوى التحسر على فقدان شخصية علمية فذة، وبخاصة إذا استحضرنا مقولة الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز الذي يقول  في عبارات لاذعة: “كلما توفي مفكر عظيم، إلا وارتاح الأغبياء”.
© منبر الحرية،16 شتنبر/سبتمبر 2010

عزيز مشواط11 نوفمبر، 20101

“حاجتنا أكيدة إلى عقلانية بن رشد” و”عقلانية بن رشد مفقودة” و” أضعنا فكر بن رشد، فتخلفنا” مقولات لا يكف المثقفون والمفكرون العرب عن ترديدها بمناسبة أو بدونها. ولم يخرج لقاء ثقافي نظمته إحدى المنظمات الثقافية بالدار البيضاء المغربية حول فكر بن رشد عن المشهد نفسه، إذ بعد ترديد المقولات الجاهزة السالفة، انخرطت أصوات عديدة أخرى فيما يشبه جلد الذات التي فرطت في “عقلانية ما أحوجنا إليها اليوم”، قبل أن ينخرط الجميع في الإشادة بهذا الفيلسوف العظيم الذي ظلمه التطرف، فضاع بين دهاليز السياسة والمكر، قبل أن تتلقفه الأرض الأخرى فيزهر عقلانية غربية، أفرزت علما وحضارة و تنويرا .
من فرح أنطوان إلى عاطف العراقي مرورا بعبد الرحمن بدوي وزكي نجيب محمود وصولا إلى محمد عابد الجابري وغيرهم، يجري التأكيد على حاجتنا اليوم إلى روح العقل التي تختزنها فلسفة بن رشد. ورغم اختلاف المنطلقات والمرجعيات بين كل هؤلاء المفكرين، نكاد نجزم أنهم يشتركون، حين الحديث عن بن رشد، في ذلك الحنين المأساوي نحو “ماضينا المشرق” الذي تجسده عقلانيته الفذة. وهنا نتساءل هل فعلا بن رشد منتوج عربي مسلم، أم أن انتماءه لهذه الحضارة مجرد انتماء بيولوجي فيما انتماؤه الحقيقي إلى الحضارة التي تبنته وعانقت أفكاره؟ ثم لماذا لم تستطع كل هاته الدعوات المرتفعة من كل حدب وصوب المشيدة  بعقلانية بن رشد،  في استنبات عقلانية عربية يكون جذرها الأصيل بن رشد، الذي انتمى في تاريخ ما إلى هذه التربة؟
في العالم الإسلامي تعرض بن رشد للتكفير وحوكم وأحرقت مؤلفاته ونفي، بينما ترجمت أوروبا مؤلفاته ودارت معارك فلسفية حول آرائه، وانقسم الفلاسفة في أوروبا إلى فريقين: فريق مؤيد، وفريق معارض، وفي النهاية انتصر الفريق المؤيد لعقلانية بن رشد وسار في الطريق العقلاني لتأسيس التنوير.
إن هذا التمايز بين العالم الغربي والعالم الإسلامي في تبنى عقلانية بن رشد وترجتمها، سينتج نموذجين ثقافيين بمسارين مختلفين. الآخر الغربي منتج عصر النهضة وعصر التنوير اللذين يمثلان الأساس الثقافي الذي أفضى إلى بزوغ الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر والتي بدورها أفرزت الثورة العلمية والتكنولوجية في القرن العشرين، والعالم العربي الإسلامي الذي نفى بن رشد ويستمر في رفض المشاركة في المسيرة التي مثلت النهضة والتنوير منتوجهما.
لا شك أن هذه ملاحظة على قدر كبير من الأهمية، خاصة وأن  أعداء العقلانية الذين يرفضون مبدأ نسبية الحقيقة وتعددها،  فيما يختص بالاجتهادات البشرية في فهم النص الديني، والمتشبثون بحرفية النص الديني يستمرون في الوقت الحاضر في إدارة دفة
الأمور في اتجاه مزيد من التردي.
هناك نقطة أخرى لا تقل أهمية ينبهنا إليها التاريخ. لقد اتهم بن رشد بالزندقة والكفر وحاكمه الخليفة الموحدي علنا في جامع قرطبة، ولعنه الحاضرون، وأخرج مهانا وجمعت كتبه وأحرقت ووضعت قراءتها تحت طائلة العقاب الصارم. وبعد وفاته دفن في مراكش. وبعد أشهر ثلاثة نقل رفاته إلى مقبرة أجداده بقرطبة.
الوقوف على مشهد طرد جثة بن رشد إلى “الضفة الأخرى” يحمل أكثر من دلالة.  إنه مأساة حقيقية، إذ لم يكن مجرد جنازة معزولة لفيلسوف عاش مضايقات فكرية ومعاناة كبيرة، بل كانت الجنازة لموكب الفلسفة العقلانية المهزومة في ديارها والمطرودة إلى الضفة الشمالية. رمزية المشهد المأساوي تتمثل في طرد جثمان الفلسفة العقلانية العربية وتوجهها غربا إلى البر الأوروبي حيث سيوارى التراب، قبل أن يزهر بعد أن تلقفته الجامعات الغربية نقدا وتمحيصا وشرحا.
كل المؤشرات إذن تفيد أن بن رشد يشكل أرقى ما وصلته الحضارة العربية الإسلامية”، لكن انتماءه الحقيقي يظل محل ريب. إنه ينتمي بيولوجيا إلى هذا العالم العربي الإسلامي، في حين يعود انتماؤه الثقافي إلى الغرب الذي ترعرعت فيه عقلانيته بعد أن تم طرده حقيقة ورمزا من سياقنا الثقافي والحضاري.ولكن إذا وافقنا على هذه التشخيص، ألا يطرح هذا إشكال حلقة جلد الذات المفرغة التي لا فكاك منها؟
الاعتراف في بعض الحالات يشكل نصف العلاج. أما الواقع فيعلمنا أن الموت الذي أصاب العقلانية العربية وحرية الفكر والنظر العقلي لا تزال تبعاته تشد أعناقنا لحد الآن وترخي بظلالها على اللحظة الراهنة، إذ تستمر آثارها ونتائجها السلبية في الفكر والسياسة والاجتماع.
مأزق العقلانية في العالم العربي الإسلامي ناتج في جزء كبير منه عن هذا الطرد الذي تعرض له “أرقى ما وصلته الحضارة العربية الإسلامية،” مما أفرز في الوقت الراهن تفاوتا شديدا بين نخبة مثقفة تحاول استعادة العقلانية المطرودة، ومجتمعات أكثر من نصفها أمي، ناهيك عن بؤس الناس وفقرها الشديد وتفشي الجهل، مما يسهل اختراقها وانجرافها مع توجهات قيم التطرف التي دفعت إلى طرد بن رشد .
هذه الازدواجية في المجتمعات العربية، تؤشر على وجود أزمة معنى مستفحلة. أزمة استفحلت في السنين الأخيرة ووصلت ذروتها مع تحول أحلام النهضة إلى انحطاط وتطرف ولاعقلانية تكاد تطيح بكل شئ، إذ تصطدم الدعوات إلى العقلانية بكثير من الأوهام العربية المسنودة بالأصوليات الحاضرة.
إن الرسالة الأساسية الكامنة وراء تذكر محنة عقلانية بن رشد يجب أن ترتكز على سبل استعادته من غربته القسرية، وسبل إعادة توطين فكره، ليس كما أنتجه إبان حياته فقط، بل كما طورته الإنسانية، بعيدا عن  قيود الفكر المتطرف الذي لم يكتف فقط بالتضييق على عقلانيته المتنورة، ولكن طرد حتى جثته في اتجاه الغرب، وحكم عليه بالمنفى فانحدر الوضع إلى استنبات تيارات متطرفة تستمر في إدارة العجلة إلى الخلف.
© منبر الحرية، 19 سبتمبر/أيلول 2009

عزيز مشواط11 نوفمبر، 20100

لا صوت يعلو من الجهات الأربع لهذا المسمى وطنا عربيا غير صوت الإذعان والخضوع. يقول محترفو الدين “لا تفكروا لأن العقل محدود” و” ارضوا دون أن تفهموا”، ويستلون سيف الفتوى مهددين بقطع رأس كل من تجرأ على استخدام عقله. أما رجل السياسة فلا يتردد في الإعلان عن هدر دم الجميع، إن لم ينظموا إلى حزبه ويبايعوه زعيما واحدا أوحدا. في حين ينفذ العسكر هواياتهم المفضلة ويأمرون “أطيعوا والتزموا بالأوامر”.
رجل الدين المتطرف ورجل السياسة المتزمت والعسكري المتسلط أعداء ثلاثة يقفون بالمرصاد أمام إحداث التغيير المنشود وانبثاق المجتمع الحر. لكن أين باقي القوى الحية في المجتمع وخاصة “قبيلة” المثقفين؟ وهل يلعب المثقف العربي دوره كاملا؟
لست من أصحاب البكاء على الماضي، ولست من الذين يعتبرون أنه ليس بالإمكان أن يكون أفضل مما كان، لكن ينبغي أن نسائل المثقفين رواد ومنتجي الأفكار، عن دورهم في إنجاز مهام التنوير والتحرر. بل هل يوجد لدينا مثقف بالأصل؟ أليس إما متمسحا بأعتاب السلطة الحاكمة وإما منعزلا ومحاصرا في برجه العاجي بعيدا عن قضايا الناس؟
يتحمل المثقف العربي جزءا كبيرا من المسؤولية عن غياب الحرية بفعل عدم قدرته على المشاكسة والنقد، وتمسح أغلب المشتغلين بالثقافة بالبحث عن الامتيازات الصغيرة، أو تطييب خاطر العامة خوفا من تكسير اليقينيات وما يجلبه من غضب.
لن نبالغ إذا اعتبرنا أن لفظ المثقف في عالمنا العربي مجرد وهم أو مجرد مجاز لفظي لايمت للحقيقة بصلة، إذ يعيش بين نارين حين تحرص الدولة على تحويله إلى بوق شرعيتها، وتطلب منه الجماهير مسايرة ميولاتها وعواطفها، وعندما يستسلم لضغوطات أحد الطرفين يفقد صوته أي تأثير ويفقد مكانته الاعتبارية.
المثقفون العرب مصابون بأنفلونزا التملق المزمن، لذلك فهم لا يخرجون عن صنفين : صنف يتملق للسلطة صاحبة “الولائم الكريمة” وصنف متملق لعواطف الجماهير مهما كانت خاطئة ومجانبة للصواب. ومن نجا من هذا التصنيف منعزل في خطابات بعيدة عن قضايا الواقع. في حين تبقى قلة قليلة غير قادرة على تقديم خطابات لا تعتمد على مداهنة هذا الطرف أو ذاك.
لقد فشل “المثقفون” العرب في التعاطي مع المتغيرات والوقائع الجديدة بفعل، إما الوقوف الطويل أمام أبواب السلطة لحراسة شرعيتها، أو نتيجة التحول إلى مجرد حرس للأفكار الميتة المسايرة لعواطف الناس بحثا عن شعبية وهمية. وضعية تحول المثقففين إلى كائنات كاريكاتورية تثير الشفقة، يصدق فيها وصف علي حرب، الذي أطلق عليهم تسمية “أهل الكهف”، نظرا لعجزهم عن التكيف مع المتغيرات الجديدة في عالم متغير.
شهدت أوروبا في القرن الثامن عشر نموذجا للمثقفين الطلائعيين، مثقفون أدانوا الظلم وجلبوا التنوير. دافعوا عن الحرية وواجهوا سلطة رجال الدين. نشروا العلم وواجهوا الاعتقال. لقد أسهموا حقيقة في التحولات الكبيرة التي عاشتها مجتمعاتهم.
نماذج كثيرة لصلابة موقف المثقف شهدها العالم الغربي. ومن غاليلي إلى سارتر، ومن اسبينوزا إلى بييربورديو ومن إيميل زولا إلى ألبر كامو، ظل المثقف صوت من لاصوت لهم رغم الحصار ورغم العنف والتهديد. خاطر المثقف الغربي بحياته لكي يظل ضميرا في كامل اليقظة. وسواء تذكرنا قولة غاليلي الشهيرة “ومع ذلك تدور” وهو يقاد إلى مقصلة الكنيسة أومواقف سارتر المناهضة لمواقف بلاده من حرب الجزائر، فإن المبدأ ذاته ظل منتصبا وهو: استقلالية الموقف.
هل حدث شيء من ذلك في وطننا؟ بالتأكيد لا. لأن مجاملة الحكومات واستدرار عواطف الناس أفقد صوت المثقف مصداقيته… ومع كل ذلك يبقى الرهان ملحا على ولادة جيل جديد قادر على ممارسة دوره الخلاق، لأن حاجتنا اليوم ماسة، إلى مثقف يضطلع بدوره كاملا في النقد البناء، لكي يعلن متى لزم الأمر”ثورته” الهادئة على كل أعداء الحرية، سواء لبسوا معطف الدين أو قبعة سلطة الدولة، أو ركبوا على مشاعر الناس العاطفية والدينية.
إن ممارسة المثقف نقده البناء يعني أن يقول “لا” كلما لزم الأمر.”لا” لكل الذين يصادرون الحرية تحت أي شكل من المبررات، لا لكل الذين يمارسون القمع باسم المصلحة الوطنية، و”لا” لكل الذين يستغلون الدين للحفاظ على امتيازات أنانية، و”لا” لكل المستبدين مهما كانت مبرراتهم دينية أو قومية أو سياسية.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 30 ديسمبر 2008.

عزيز مشواط11 نوفمبر، 20100

تاريخ الحركات الإسلامية في العالم العربي ينضح بالدم والعنف، لكن التجربة المغربية نجحت في ترويض جزء منها. فتحولت إلى فاعل سياسي عاد. نتج عن هذا التحول إسلام سياسي معتدل. إسلام ليس رسميا، وليس متطرفا . إنه إسلام ثالث يؤمن، على مستوى الخطاب على الأٌقل، بالقيم الديمقراطية، من الانتخابات إلى ترشيح المرأة وصولا إلى العمل النقابي وغيرها.
يتعلق الأمر بحزب العدالة والتنمية ذي المرجعية الإسلامية الذي نجح قياديوه في الانتقال به من الفكر التكفيري الذي يتبنى العنف إلى مستوى التنظيم السياسي المشتغل في إطار القانون. كثيرون حاولوا تفسير هذا الصعود، لكن ومهما اختلفت التفسيرات فإن الإسلام السياسي أصبح يفرض نفسه بقوة. ورغم انحدار الحزب من رحم الإسلام المتطرف (الشبيبة الإسلامية التي تبنت العنف من أجل التغيير بقيادة عبد الكريم مطيع خلال ستينيات القرن الماضي)، فقد خضع لظروف جعلته يقبل باللعبة الديمقراطية. لكن مخاوف كثيرة تزعج المتتبعين، بسبب ماضي أعضاء الحزب الذين تكونوا في تنظيمات مارست العنف.
في الوقت الراهن، يشتغل حزب العدالة والتنمية كممثل للاتجاه الإسلامي في إطار الشرعية. فقد برهن عن قدرة كبيرة للتأقلم مع متغيرات العصر، بعد أن جدد هياكله وراجع خطابه. وتعزز ذلك بعد مؤتمره الأخير الذي عرف، بشهادة الأعداء والأصدقاء، مستوى كبيرا من النضج، وتداولا سلميا للقيادة بين زعيمه المغادر سعد الدين العثماني وقائده الجديد عبد الإله بنكيران، وبذلك صار نموذجا في الديمقراطية،على الأقل من حيث الشكل.
تعود قوة انتشار الحزب وسرعة صعوده، إلى قوة الإسلاميين في تعبئة الناس. إنهم يقدمون، لكل الأزمات حلولا بسيطة تبشر بالخلاص في الدنيا والآخرة. هذا البعد الساذج والبسيط، يجد قبولا كبيرا من طرف كل الفئات وخاصة المحرومة منها.
ومع ذلك لا تزال الحركة الإسلامية بالمغرب، حسب بعض منظريها، تعاني من بعض الضعف مقارنة بنظيرتيها الجزائرية والتونسية. يرجع ذلك بالخصوص إلى أصولية الدولة نفسها، بسبب احتكار الملك للحقل الديني باعتبار الدستور المغربي ينص على كون الملك “أمير المومنين وحامي حمى الملة والدين”، فالملك فاعل سياسي وزعيم ديني في الوقت ذاته.
يمنع في المغرب على غير المؤسسة الملكية التحدث باسم الدين، لكن إسلاميي المغرب يستغلون ذلك للتغلغل أكثر في الأوساط الاجتماعية المختلفة. إن الدولة، حسب تصورهم إسلامية من حيث المبدأ ، لذلك ينصب اهتمامهم نحو الضغط من أجل أسلمة المجتمع ومؤسساته. توجد إذن صعوبة في القول بضعف الحركة الإسلامية بالمغرب، كما أنه من غير الملائم حصر مكونات الحركة الإسلامية في حزب العدالة والتنمية. هناك مكونات أخرى تشتغل بقوة في السر، من قبيل جماعة العدل والإحسان الإسلامية التي ترفض الاعتراف بالنظام، وتتوفر على قاعدة شعبية جعلت الكثيرين يعتبرونها القوة السياسية الأولى في المغرب. بالإضافة إلى حركات جهادية لا يزال يلفها الغموض، ولا تزال تتبنى العنف، وتتهمها الدولة بالتورط في تفجيرات دموية، شهدتها مدينة الدار البيضاء عامي 2003 و 2007.
الأكيد أنه لا يمكن فصل توسع الإسلاميين بالمغرب، عن الحالة العربية عامة. فقد شكلت هزيمة العرب في يونيو من سنة 1967 أمام إسرائيل، صدمة للمشروع القومي. نتج عن ذلك إحباط عام بفعل نهاية أسطورة الوحدة العربية. فقد وجدت الحركات الإسلامية المتطرفة في الفراغ الذي خلفته هزيمة الناصرية وتراجع المد القومي مجالا خصبا، استثمرته لتحقيق التمرد الاجتماعي والسياسي.
بعض المتخصصين لا يوافقون على ذلك. ويعتبرون أن نشأة الحركة الإسلامية بالمغرب تعود، بالدرجة الأولى، إلى مناورة قلب نظام الحكم، وهو المسار الذي شجعته الملكية. شجعت الدولة هاته النشأة في سياق صراعها المرير ضد الحركات اليسارية والماركسية، التي عرفت أوج قوتها في الجامعات والمدارس الكبرى خلال ستينيات القرن الماضي.
لكن الإسلاميين الذين تقووا بدعم من الدولة سرعان ما اكتسبوا استقلاليتهم، فقطعوا كل صلة بها. بل صاروا يهددون النظام الذي قدم لهم العون، ليجدوا أنفسهم في مواجهة معه.اضطر النظام بعدها إلى احتواء التنظيمات المعارضة. فساعدها على الخروج من السر إلى العلن. هكذا تأسس حزب العدالة والتنمية، عبر وساطة الراحل عبد الكريم الخطيب، إحدى الشخصيات المقربة من القصر. سمحت هاته الوساطة باحتضان حزب الحركة الدستورية، الذي كان في حالة جمود، لجماعة من الإسلاميين يشكلون الآن حزب العدالة والتنمية، بأكثر من 44 ممثلا في البرلمان المغربي.
تختلف تجربة الإسلاميين المغاربة عن نظرائهم بكل من تونس والجزائر. لكن الحكم على هاته التجربة الآن، سابق لأوانه. فما بين الفينة والأخرى تخرج أصوات من داخل الإسلاميين المعتدلين أنفسهم تدافع عن العنف. قيادي سابق في صفوف العدالة والتنمية اعتبر أن “أكبر خطيئة وقعت فيها الحركة الإسلامية بالمغرب، هو اتخاذ “حزب سياسي”، ويقصد بذلك حزب “العدالة والتنمية” الذي يقوده عبد الإله بنكيران، ويقول بهذا الخصوص: “لقد صار الإسلاميون يشتغلون في الشك، وقد كانوا – من قبل – يشتغلون في اليقين! وكانوا إلى الإخلاص في الأعمال أقرب، ثم صاروا إلى خلط مبين!
الاعتدال والتسامح الذي تعول عليهما الدولة لم يكتملا بعد، بالرغم من نظرة الحزب الواقعية، وتطويره لغة سياسية جديدة من “قبيل التحجيم الذاتي” أي رفض الدخول في مواجهة مع الدولة ومع الخصوم السياسيين، ونبذ العنف، بل التحالف في بعض القضايا مع تيارات سياسية علمانية. لكن حوادث أخرى لا تدعو إلى الاطمئنان رغم أن التجربة تستحق المتابعة.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 02 ديسمبر 2008.

عزيز مشواط10 نوفمبر، 20100

في المستقبل القريب سيصبح عاديا أن نقرأ على منتوجات من قبيل دمى الأطفال العبارات التالية” تم تصميمها في الولايات المتحدة الأمريكية، وتم نسج شعرها في اليابان، وبفرنسا وقع إخراج ملابسها فنيا، أما حاسوبها الناطق فقد برمج في الهند، في حين أن صباغتها، المستخلصة من البترول السعودي، مصنوعة في التايوان، قبل أن يتم تجميعها النهائي بالصين”.
هكذا تصف الكاتبة الأمريكية “سوزان برغر” في كتابها Made in Monde  الأثر “السحري” لمفعول العولمة في تشتيت جغرافية التصنيع العالمية، بعد أن صار الإنتاج الإنساني، بمختلف تجلياته الثقافية والمادية، عابرا للقارات وللحدود. تنبع أهمية استحضار مقولة “برغر” من قيمة الكتاب الذي شارك فيه خبراء أمضوا أكثر من خمس سنوات في دراسة أثر العولمة على مناطق مختلفة من العالم.
لا أدري إن كانت “سوزان برغر” وهي تقوم بسرد الجنسيات المشاركة في إحدى عمليات الإنتاج المستقبلي، قد عمدت بوعي أو بدون وعي إلى حضور العرب فقط كمشاركين بالمادة الأولية، من خلال البترول السعودي. لكن لا يهم وعي “برغر” بالمسألة أم لا، مادام الواقع يثبت أن العالم العربي لا يزال مستهلكا بالدرجة الأولى، ولا تتعدى مشاركته في العملية الإنتاجية تزويد العالم بالمواد الأولية والخامة الطبيعية(البترول، الفوسفاط، الحديد…). أما المشاركة في الإنتاج والإبداع الإنسانيين فتبقى شبه منعدمة، إذ أشار أكثر من تقرير إلى انخفاض مستوى المشاركة العربية في الاختراع والإبداع إلى مستويات قريبة من المنعدمة.
ولم يكن تقرير صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجي التابع للأهرام (2008) بعيدا عن هذا التوصيف، حين أشار في إحدى فقراته إلى أن “العرب دخلوا القرن الواحد والعشرين بدون رؤية واضحة”. فـ”بعد أكثر من خمسين سنة على محاولات اللحاق بركب الحضارة الإنسانية لا تزال معظمها تقبع في المؤخرة، ليس فقط وراء البلدان الغربية بل وراء عدد من دول شرق آسيا” يقول أحمد ولد عبد الله الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لغرب إفريقيا في تقديمه لكتاب بعنوان “التحديث الإسلام والديمقراطية”.
بالتأكيد، هناك إجماع عام على حقيقة اتساع الهوة بين الدول العربية والدول الغربية. ففي منتصف السبعينيات، يقول تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2003، كان المستوى الاقتصادي والمعيشي لكوريا الجنوبية موازياً لحال دول عربية كمصر والمغرب، غير أن الهوة اليوم بين هذه البلدان وكوريا صارت ضخمة إلى درجة تستحيل معها كل المقارنات.
لقد فشل العالم العربي في التموقع الصحيح خلال العشرية الأولى من القرن الواحد والعشرين بفعل أسباب عديدة. أولها استمرار مقاربة المستجدات الإنسانية بمنطق إما أسود وإما أبيض. وتعود هذه الرؤية المستحكمة في الذهنية العربية إلى الثنائية التي تشكل صلب العقل العربي والمتمثلة في حلال /الحرام ومقدس /المدنس.
أما السبب الثاني والذي لا يقل تأثيرا عن الأول ويرتبط به ارتباطا عضويا، فيعود إلى استمرار حضور التقسيم الفقهي للعالم والقائم على تقسيمه إلى دار حرب ودار سلم مما يجعل من فرص الاستفادة من التقدم الإنساني شبه منعدمة. يساهم هذا التقسيم في تكريس العداء لكل ما هو حداثي بحجة انتمائه إلى الغرب. فلا تزال آثار العداء الناجم عن التجربة الاستعمارية، وحالة ما بعد الاستعمار ماثلة في المخيال الاجتماعي العربي.
يتفق الجميع إذن، على اتساع الهوة بين الدول المتقدمة والعالم العربي الإسلامي اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا. بفعل فشل استراتيجيات التنمية بكل أبعادها. غير أن الأزمة تصبح أعمق بفعل التوتر المستمر بين إكراهات الحفاظ على النظام السائد، الذي تتقاطع فيه مصالح مجموعة من القوى السياسية والدينية والنخب المستفيدة، والحرية التي تفرضها هجرة الأفكار والمنتوجات العابرة للحدود بفعل العولمة.
يتولد عن التخوف من التغيير وفقدان مصالح الجهات الدينية والسياسية والاقتصادية المستفيدة من الانغلاق، عداء مستحكم لكل جديد. هذا العداء غالبا ما تستثمره مجموعات مذهبية متطرفة في العالم العربي الإسلامي فتنتج  خطابا إسلامويا، يساهم بهذا القدر أو ذاك، في الحيلولة دون إمكانية استفادة المجتمعات العربية من الفرص الهائلة التي تقدمها العولمة للتحديث والعقلنة والتنمية.
وهكذا، تركز الخطابات الإسلاموية في نقدها للعولمة على أبعاد أخلاقية صرفة. فيتم  تفسير العولمة بطريقة تجعلها انحلالا أخلاقيا ميئوسا منه، يهدد الهوية بالتشتت. وتصبح العولمة بهذا المنظور “رجس من عمل الكفار” الراغبين في السيطرة على العالم. ينتج عن هذا الوضع استثمار القوى الحضارية الصاعدة كل إمكانيات العولمة من أجل فرض نفسها كفاعل اقتصادي وسياسي وككيان حضاري بالمنطقة، فيما يظل العالم العربي يقدم رجلا ويؤخر أخرى بل غائبا على كافة الجبهات.
وضعية التردد أمام العولمة، والعجز عن الانخراط في التنمية والإنتاج الإنساني، حذا بالبعض إلى اتهام الإسلام كدين بالمسؤولية عن هذه الأوضاع. لابد هنا من التنويه إلى ضرورة التفريق بين الإسلام كدين والخطابات الناتجة عن الإسلام كثقافة بمعناها الأنتروبوبوجي. يمكننا هذا الحذر من تفادي كل انزلاق نحو اتهام الإسلام/ الدين بالمسؤولية عن تقهقر العرب والمسلمين. بمعنى آخر إذا كان واقع حال العالم العربي الإسلامي مترديا، وتقبع جل دوله في مؤخرة الترتيب العالمي، فإن ذلك لا يعود بالضرورة إلى نقائص فطرية، بل يعود إلى القبضة الخانقة للذهنية المتشددة، التي عملت وتعمل جاهدة على تشويه الطبيعة الأصلية للإسلام.
إن العرب والمسلمين في حاجة لنبذ الفهم المتشدد للدين وتفادي القراءات الحرفية التي تمنعهم من الاستفادة من المنتوج الإنساني، لأن الترياق الضروري للعالم العربي الإسلامي للخروج من حالة التشرذم واللاتنمية يتمثل في استثمار كافة الإمكانيات التي تتيحها العولمة. ورغم أن الكثيرين ينظرون إلى مفعول العولمة باعتباره قد قلص من خيارات البشر في التصرف بحرية، وحكم عليهم بإتباع نموذج أحادي في التطوير، إلا أن العولمة، إلى جانب ما يمكن أن تشكله من صعوبات، توفر فرصا استثنائية للنجاح والاستفادة من المنتوج الإنساني بكل حرية.
إن الحيز الذي تتركه العولمة للاختيار والفعل الحر يفوق كثيرا ما تقترحه التصورات السائدة حول العولمة، غير أن استثمار هذه الوعود الكثيرة والفرص الهائلة، التي تقدمها العولمة يقتضي أولا الاعتراف بوجود هذه الإمكانيات، والتراجع عن تلك الفكرة التي تعتبر العولمة إقصاء وتدميرا لحرية الاختيار.
إن العولمة ليست فعلا طارئا على البشرية، بل تمتد جذورها العميقة إلى تأملات الفلاسفة اليونان حيث نجد زينون الرواقي يقول « إن الناس يجب أن لا يتفرقوا في مدن وشعوب لكل منها قوانينها الخاصة، لأن كل الناس مواطنون، ولأن لهم حياة واحدة ونظاماً واحداً للأشياء، كما هو حال القطيع الموحد في ظل قاعدة قانون مشترك»
إن الرغبة في التوحيد الذي تخلقه العولمة كما أشار إلى ذلك زينون الرواقي منذ ما قبل الميلاد، هي نفس الفكرة التي عبر عنها أنطوني جيدنز، في كتابه “بعيداً عن اليسار واليمين  مستقبل السياسيات الراديكالية” الذي ترجمه شوقي جلال، حين يقول “إن  العولمة تتعلق في حقيقتها بالتحول في الزمان والمكان، ويمكن تحديد معناها بأنها العمل أو التأثير عن بعد، ولشيوعها علاقة بالكثافة المتزايدة في السنوات الأخيرة لوسائل الاتصال الفوري وحركة الانتقال الجماعية الواسعة على نطاق الكوكب… وتأثير العولمة مَسَّ أيضاً أساليب الحياة المحلية بل والشخصية… بل يمكن الحديث عن نشوء نظام اجتماعي جديد –ما بعد تقليدي”
يعتقد أصحاب النظرة التبسيطية أن نشوء ما يسميه جيدنز بنظام اجتماعي ما بعد تقليدي، الذي تفرضه العولمة مضر، خاصة وأنه يمس أساليب الحياة. إلا أن سنة التطور تفيد أن المنافسة لا بد وأن تطور الأنساق الضعيفة لتصير أكثر تنافسية. لكن بعيدا عن هذه النزعة التشاؤمية، فإن الأنساق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية مطالبة في ظل العولمة بتقوية وجودها . وليست المنافسة التي تفرضها العولمة، سوى حافز على التطوير.
على عكس كل توقعات المتفائلين والمتشائمين بشأن تأثير العولمة، هناك سيناريوهات كثيرة متعددة وناجحة سواء في الدول المتقدمة أو تلك السائرة في طريق النمو. ففي العالم نماذج متعددة للاستجابة للعولمة كأرقى مراحل الحداثة فالنموذج الياباني والنموذج الصيني والنموذج الماليزي والنموذج الكوري الجنوبي، مؤشرات تثبت اختلاف المجتمعات في تعاطيها مع المنتوج الغربي.
إن دراسة هذه النماذج بعمق وبعيدا عن تضخيم الذات أو تقزيمها، مركزي في مسيرة البحث عن أسباب غياب العرب عن المساهمة في الحضارة الإنسانية الراهنة. يقتضي الأمر أيضا، كما يشير إلى ذلك الدكتور إبراهيم أبراش في مقالة عميقة حول العرب وتحديات العولمة، تعاملا عقلانيا وموضوعيا مع موضوع العولمة وغيرها من النظم الفكرية والاقتصادية المستوردة. يجب أن نتوقف عن تضخيم الذات بطريقة غير موضوعية وغير عقلانية. أما نقطة الانطلاق حسب “أبراش” فهو “الإقرار بأننا كمجتمعات عربية وإسلامية توقفنا عن المساهمة الحضارية منذ القرن الخامس عشر (سواء كانت الأسباب داخلية كخضوعنا لنظم استبدادية متسلطة أو خارجية كالاستعمار)، وإن غالبية مشتملات الحضارة الحديثة هي نتاج الآخر، العالم الغربي والمسيحي، والقول بأننا كنا أصحاب حضارة أو ساهمنا في وضع أسس الحضارة الإنسانية لا يفيد في شيء ما دمنا اليوم نعتمد في معيشتنا على منتجات الآخر الثقافية والاقتصادية والعلمية، وهذا القول لا يعني التقليل من شأن السلف الصالح، فهو سلف أولاً وكان صالحاً آنذاك ثانياً”.
© منبر الحرية،20 تموز/يوليو  2010

عزيز مشواط10 نوفمبر، 20100

بيدها اليمنى تحرك فأرة الحاسوب بأحد محلات الانترنيت الشعبية، وباليد الأخرى تحاول جاهدة إغلاق برقعها الشديد السواد، خوفا من ظهور خصلة شعرها الثائرة من تحت حجاب. هكذا بدت إحدى ساكنات حي سيدي مومن الصفيحي الذي خرج منه أغلب منفذي انفجارات الدار البيضاء الدموية لسنة 2003 بالمغرب. غير بعيد عن المشهد شخص آخر بلباسه الأفغاني الغريب ينزل من سيارة مرسيديس منهمكا في اتصال هاتفي مستعملا آخر صيحة من الجيل الجديد لماركة نوكيا العالمية.
في الدار البيضاء المغربية، كما في القاهرة المصرية، وفي عمان الأردنية، أوجكرتا الأندونيسية يتكرر المشهد ذاته. إقبال منقطع النظير على التكنولوجيا والوسائل الحديثة للاتصال ورفض لقيم منتجيها في ثنائية صعبة تعكس تمزقا داخليا. إنه صراع حضارات بصيغة مختلفة، ليس كما نظر له هنتنغنون، كصراع بين ثقافات وحضارات وإيديولوجيات متباعدة. بل صراع فرضته تطورات العولمة، ويعيشه المواطن الواحد والأسرة الواحدة والبلد الواحد.
من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق يعيش العالم العربي الإسلامي الصراع ذاته. إنه صراع حضارات مختزل في نفس الفرد، وفي نفس المدينة. في المدن واجهات حديثة وشاشات عملاقة تعرض إشهارات أسماء كبرى الشركات العالمية، وفي الهامش أنماط حياة تتعايش مع الفقر وتجد ساكنتها في الدين ملاذا للاحتماء. وفي الفرد الواحد ازدواجية في التفكير بين ممارسات مغرقة في الحداثة وأصولية تعكسها السلوكات اليومية.
صاحبة البرقع قبالة شاشة الحاسوب وممتطي المرسيديس بجهاز نوكيا في اليد، مشهدان يختزلان صراعا حضاريا بين رغبة أكيدة في الاستفادة من أحدث الإنتاجات العالمية من جهة، ونزوع آخر نحو تكفير الغرب وحضارته “المارقة” من جهة أخرى. إنها ازدواجية تلفيقية تنبع من ضرورة انتقاء ما “هو مفيد وصالح للأمة فقط ودرء ماهو فاسد” بتعبير السلفيين المتطرفين.
يتصارع في العالم العربي الإسلامي ثلاثة تصورات متناقضة :أنصار الارتماء في أحضان الغرب بدون تحفظ، والإسلاميون المتزمتون الحاقدون على الحداثة بمختلف مظاهرها، والأنظمة الحاكمة التي لا يهمها سوى الحفاظ على الكراسي والامتيازات. أما الشعوب فمعظمها غارق في أحزان الفقر والبؤس والحرمان، مع غير قليل من الأمية والجهل والتضليل. عوامل تساهم مجتمعة في إعداد التربة الخصبة للتطرف والعداء غير الخاضع لأي منطق.
يساعدنا هذا التقسيم للشعوب العربية الإسلامية في فهم أسباب انتشار مشاعر العداء في صفوف الفئات المحرومة اتجاه ما هو حديث. وهنا لا بد من عكس أحكامنا لفهم الحقد الذي تكنه هاته الأوساط للغرب. إنه ليس حقد الذين أخذ منهم كل شيء، بل حقد من توجد على مقربة منهم كل المنتجات الغربية دون أن يكون لهم الحق في الاستفادة منها .
إنه حقد مرتبط  بنظرة اختزالية تصور الغرب كثقافة شيطانية تحض على الاستغلال وتنشر الرذيلة والفاحشة والتفرقة. بل هي مسؤولة عن كل المآسي والشرور. إضافة إلى هاته النظرة الاختزالية، أسهمت مشكلات ثقافية دولية في تعزيز هذا التباعد رغم كل المجهودات من أجل تقريب الشعوب فيما بينها، وهنا نستحضر أزمة الرسوم الدانمركية، وأزمة تصريحات البابا بنديكت السادس عشر، وأزمة الحجاب بفرنسا، وتصريحات بعض القيادات الغربية الدينية السياسية المسيئة للمسلمين.
ورغم تنامي قوى العولمة والاتصالات وسهولة عملية التواصل مع الآخر، فإن هاته المشكلات تعزز مواقف المتطرفين من الجبهتين، فيتحول الخلاف الثقافي بين المسلمين والغرب إلى خلاف حتمي. إن مسؤولية الفهم المتبادل تقع على عاتق الطرفين، لأن المؤسسات الغربية وخاصة الإعلامية منها وهي تقدم صورة نمطية للمسلم المتطرف المتعطش للقتل والدماء، إنما تزيد في تعميق التباعد.
وبالمقابل فإن تقصيرا كبيرا يشوب عمل القوى المتنورة في المجتمعات العربية الإسلامية، لأنها تعفي  نفسها من  مسئولية فهم المجتمعات الغربية وتفاصيل ما يدور بهذه المجتمعات وسبل توعيتها بصورة الإسلام الصحيحة، خاصة في ظل تنامي أعداد المسلمين بالدول الغربية، وانفتاح أعداد متزايدة من أبناء تلك المجتمعات على فهم الإسلام والمسلمين.
إن الخوف المرضي المتبادل يجب أن يكافح على مستويين أساسيين، أولهما تبني بعض البرامج العلمية المنظمة لتوعية المواطن الغربي على نطاق واسع ومدى طويل نسبيا بصورة الإسلام والمسلمين الصحيحة، والواضح هنا أن العالم الإسلامي مازال يفتقر بوضوح لبرامج تقدم الإسلام كدِين سلام وليس دينا عدوانيا. أما المستوى الثاني فيهم الغرب نفسه الذي يحتاج إلى أدوات جديدة لبناء الثقة مع المسلمين من خلال حوار بلغة وأدوات يفهمها العقل الإسلامي. إذاك فقط يمكن للحضارات الإنسانية أن تعيش في سلام دائم تحقيقا لآمال فيلسوف التنوير الألماني الألماني إمانويل كانط.
© منبر الحرية، 22 مارس 2009

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018