مقومات بناء مجتمعات ما بعد الثورة

peshwazarabic8 نوفمبر، 20100

1. عملية التحـــول

إن ما سأطرحه في هذه الورقة سوف لن يكون لا أكثر ولا أقل ملخصا نموذجيا وصفيا للمرحلة الراهنة من عملية التحول في بلادي وفي كل مكان في أوروبا الوسطى والشرقية. لقد وجدت من المناسب أن أقوم بالدفاع عن النتائج التي تحققت، نظرا لان عملية التحول التاريخي هذه، بالرغم من كافة المشاكل القائمة، تعتبر عملية تحول ناجحة من الناحية المبدئية. ومن هنا، فإن من واجبنا أن نفهم بشكل أكثر عمقا الآلية الاجتماعية المذهلة التي تجعل من تحقيق مثل تلك العملية ممكنا وتصف التفاعل الدقيق بين العوامل السياسية والاجتماعية والاقتصادية أثناء التطبيق.
إن خلفيتي النظرية وخبرتي العملية تنبئاني بان التغير في النظام، والذي كنا قد خبرناه عندما كان يجري تفكيك الشيوعية في بلادنا، هو عملية تطورية وليس عبارة عن ممارسة في مجال الاقتصاديات التطبيقية أو في العلوم السياسية. فالتغير في النظام يعتمد على مزيج معقد جدا من الأحداث المخطط لها وغير المخطط لها والمقصودة وغير المقصودة، أو هو، عند صياغته بطريقة مختلفة، قائم على مزيج من النوايا المقصودة والعفوية. ومن خلال المشاركة في مثل هذه العملية قمنا بفتح فصل آخر من فصول كتاب لم يجر إكماله مطلقا مخصص لدراسة الدور النسبي للعمل الإنساني والتصميم الإنساني في تاريخ البشرية، وقد تم تكريس الكتاب لدراسة “الأنظمة الصنعية” و”نظريات المبادلات” (من الاقتصاد السياسي)، عند استخدام المصطلحات “الهايكية” الشهيرة (نسبة إلى عالم الاقتصاد هايك). وآمل أن نتمكن من إضافة شيء ما إلى تلك الدراسة. وربما يجوز لنا أن نؤكد بأن التحول الناجح لا يكون نتيجة برامج عمل إصلاحية تفصيلية موضوعة بين أيدي سياسيين إصلاحيين من ذوي السلطة المطلقة، والأصح هو أن النجاح يعتمد على نشاط غير مقيد تقوم به كائنات بشرية إضافة إلى “استدلالية متواضعة” في انتقاء قواعد أساسية وفي تشكيل سياسة تحولية.
إنني اعتقد بأن أي موقف سلبي تجاه أية استدلالية طموحة وتجاه كافة أشكال تنظيم مواطنين أحرار هو أحد إفشاءات الحقيقة الأساسية بالنسبة لنا جميعا. ولقد تعلمنا بأن لهذه الفكرة صلة وثيقة بموضوع توضيح التغيرات التي تطرأ داخل نظام قائم بقدر صلتها بالانتقال من نظام اجتماعي إلى نظام اجتماعي آخر. وبالنسبة لبلداننا التحولية، يجب عليها، مرة بعد مرة، أن تأخذ حذرها ضد محاولات إتباع قواعد تتابعية يتم إعدادها بطريقة علمية بهدف إعادة هيكلة وبناء مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية.
إن قدرتنا على التحكم بأحداث اجتماعية تعتبر قدرة مقيدة وأن من غير الممكن أن يتم القيام بإجراءات إصلاحية (أو انتقالية) بشكل مدبر. إنني أشدد على هذه الاستحالة لأننا، من الناحية التقليدية، كان لدينا “إقرار مسلم به” ضد كافة أشكال الاستدلالية السياسية والهندسة الاجتماعية. إضافة لذلك، لقد تعلمنا من الخبرة بأنها من الناحية العملية غير قابلة للتحقيق. ولكي تتم المساعدة في استحداث وسيلة نظام اجتماعي جديد فإن علينا أن نقوم بتنفيذ إجراءات لبرلة ورفع قيود التنظيم (وهي مساهمة غير فعالة تقريبا). ومع ذلك، يجب علينا أيضا أن نستنبط وأن نسن أحكاما جديدة تعمل على تحديد ملامح تلخيصية معينة للنظام الجديد (وهي أكثر من مساهمة إيجابية). وفي النهاية، يجب علينا أن نقبل وجود عملية تطورية عفوية تعمل على تأسيس ترتيبات سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة.
والسؤال الذي يتم طرحه هو هل يتوجب وكيف يتوجب على الآليات المتعددة أن تتفاعل وكيف يمكن للجانب العفوي من عملية التحول أن يكتمل بفضل العقل والإجراءات المقصودة التي تهدف إلى الابتعاد عن الفوضى وعن التكاليف الباهظة للتحول. إنني، قطعا، من خلال طرح هذا السؤال، لا ارغب في الدفاع عن مبدأ الاستدلالية الاجتماعية اليوتوبية بل بالأصح أرغب في التركيز على إجراءات مقصودة منتظمة تعمل على التقصير في عملية التحول والتقليل من تكاليف التحول.
إن التغير في النظام، الذي يبدأ عادة وبشكل غير متوقع بانفجار فجائي من عدم الرضى على المستوى الشعبي، عبارة عن مزيج معقد من النوايا المقصودة والعفوية. ويبدو لي بأن عملية التحول تنتقل عبر ثلاث مراحل أساسية حيث يوجد لكل مرحلة جانب عفوي وآخر مقصود.
2. المرحلــــة الأولى

الجــانب العفوي

تبدأ كامل العملية بانهيار يحدث في مؤسسات وقواعد قديمة بحيث يتم سحبها بعيدا أو جعلها غير فعالة. ولتحقيق هذه النتيجة في الأيام الأخيرة من الشيوعية، كان الوصول إليها بسيطا إلى حد ما ولم يكن الخطر الوشيك يكمن في احتمالية رجوعها بل كان بدلا من ذلك في المبادأة التي بدرت عن دائرة فاسدة من دوائر أنصاف الإجراءات ودوائر التغيرات التطورية المبتورة والتي أدت إلى عدم تحسن سواء في الخصائص الأخلاقية أو في خصائص الفعالية للنظام الجديد. وهذه اللحظة هي التي تمثل أول خطر من أخطار التحول الحاسم. والبديلان الكامنان لذلك هما: وجود عملية فوضوية طويلة، من جهة، والقيام بتشكيل سريع ومحدود تقريبا لنظام جديد متماسك، من جهة أخرى.
من الناحية السياسية، سيتوقف الحزب الشيوعي الحاكم عن السيطرة (حتى أنه في بعض الأحيان يتوقف عن الوجود) ويتم الوصول إلى موقف سياسي بسيط ومحبب جدا والذي هو عبارة عن وحدة مؤقتة على نطاق الوطن. ومع ذلك، سيكون وجود هذه الوحدة وجودا وفق إحساس سلبي فقط (أي أنها ستكون ضد النظام القديم).
عندئذ، سوف تسود غبطة نفسية فريدة جدا من نوعها لا تتكرر وسيكون هناك استعداد كبير للمشاركة الفعالة في السير عكس الماضي وفي التخلص من المؤسسات القديمة وغير الشعبية وحتى في “شد الحزام” وستكون هذه اللحظة هي اللحظة المناسبة من أجل التنفيذ السريع لإجراءات عديدة ومؤلمة.
من الناحية الاقتصادية، سوف يختفي التخطيط المركزي (وقد استخدمت هذا التعبير مع بعض التردد نظرا للغياب المطلق لشيء شبيه بحالة التخطيط المركزي التي تقررت دراسيا في بلادنا) وسيكون اختفاؤه بشكل عملي وفي ليلة وضحاها وستختفي معه الآلية الاقتصادية القديمة وغير الفعالة تماما، لكنها، بالرغم من ذلك، تنسيقية، فتبدأ الأسواق غير المعلنة بالعمل والتي ستكون ضعيفة جدا ومقيدة إلى درجة كبيرة. ومع ذلك، نظرا لعدم رفع قيود التنظيم بشكل رسمي ولعدم لبرلة الأسعار ولعدم التطبيق الواسع لحقوق الملكية المعلنة فسوف يتم منع الأسواق من أداء وظائفها بفعالية. ولكي يتم خلق أسواق حقيقية، يجب على المرء أن يتفاعل وان يطبق مجموعة متماسكة من إجراءات تغييرية للنظام.
الجانب المقصـــود

بالنسبة للنظام السياسي، إننا نفهم بأن اتخاذ إجراءات غير مباشرة ضد الحزب الشيوعي يعتبر غير ضروري أو حتى أنه سوف لن يكون مساعدا، لكن القيام بلبرلة البيئة السياسية يعتبر شيئا كافيا، أي بمعنى أن يتم تأمين دخول حر لأحزاب سياسية ناشئة حديثا. ونتيجة لذلك، فان الحزب الشيوعي، الذي لم يتم إصلاحه أساسا، سيبقى كيانا سياسيا غير هاما وفي المعارضة، في حين إذا تم منع الحزب الشيوعي الأصلي فإن الشيوعيين في الأحزاب التي تمت إعادة تسميتها سوف ينجحون في السيطرة على البرلمان في وقت لاحق كما حدث في في بولندا وهنغاريا.
تبدأ الأحزاب السياسية الجديدة التي يتم إنشاؤها بشكل عفوي في تشكيل رؤى إيجابية عن المستقبل وتحاول أن توضح هذه الرؤى أمام مواطنيها، وهذا يمثل الطريق الوحيد المتبع كي تتحول الوحدة الوطنية (والإجماع) من أمر سلبي إلى أمر إيجابي.
وفي المجال الاقتصادي، يعتبر إنهاء الطريقة الأبوية الاقتصادية القائمة والتي تم انتهاجها—كإجراء راديكالي جريء إلا أنه إجراء “غير بناء”—أمرا حاسما. فالتخلص السريع من الإعانات المالية بكافة أنواعها، والتي تجلب معها تغيرا صاعدا مفاجئا في الأسعار، يجب القيام به دون تردد حيث سيكون في وقت لاحق من الصعب أو من المستحيل القيام بذلك نظرا لأن مجموعات الضغط التي تشكلت حديثا سوف تحاول اعتراضه بطريقة ناجحة. ويجب على السلطات أن تقاوم الالتماسات الخاصة التي تطالب بإجراءات تكميلية “بناءة” بهدف مد يد المساعدة للمؤسسات التي تواجه مشاكل من خلال انتقاء فائزين وخاسرين مستقبليين. وستعمل مثل هذه الحركة المفاجئة على تغيير مناخ البلاد الكلي الذي سيعمل، من الناحية العملية، على تغيير النظام نظرا لأن السلع والخدمات وجميع أنواع الملكيات الاقتصادية سوف تحوز على القيم الحقيقية لها وبشكل فجائي، وسوف لن يكون في هذه العملية مكانا بالنسبة لأي شكل من أشكال النهج التدرجي وبهذا يتوجب القيام بهذا الإجراء الخاص وفق أسلوب “المعالجة الصدمية”. بعد ذلك، سوف تظهر النتيجة والتي هي عبارة عن نشوء طريقة تفكير مغايرة كليا والتي تكون بالضبط ما يعتبر ضروري لكسر السلوك والعادات القديمة، فليس هناك بديل عن ذلك، وليس من الممكن أن تؤدي أية “تعاليم” إلى إتباع سلوك جديد بل يمكن تحقيقها كنتيجة لضرورة محضة فقط.
ويجب، مع إزالة الإعانات المالية، أن يتم البدء باستقرار الاقتصاد الكلي لكونه شرطا مسبقا من شروط لبرلة الأسواق ورفع قيود الأنظمة عنها. وبعد عقود من اختلال التوازنات الاقتصادية الجسيمة على مستويي الاقتصاد الكلي والاقتصاد الجزئي كليهما، فإن السياسات المالية والنقدية يجب أن تكون تقييدية جدا، وإلا فان التضخم السريع سيبدأ بالسيطرة على الأمن الاقتصادي والاجتماعي. ففائض الموازنة (أو، على الأقل، الموازنة المتوازنة) والسياسة النقدية الحذرة جدا (بحيث يكون معدل نمو عرض النقد أكثر بطئا من الناتج المحلي الإجمالي الاسمي) ليس بالإمكان تجنبهما. وعلى النقيض من ذلك، يجب أن تكون الماليات العامة مستقلة بالكامل. وبدون اتخاذ مثل تلك الخطوات التمهيدية، فان إجراءات لبرلة الأسعار والتجارة الخارجية سوف تمثل حركة غير مسؤولة لا تحل شيئا بل تعمل على تفاقم الصعوبات الاقتصادية القائمة وتجعل من الإجراءات الإصلاحية الأخرى مستحيلة من ناحية التنفيذ.
إن خطوات اللبرلة ليس باستطاعتها الانتظار، ففتح أسواق محلية (عن طريق لبرلة الأسعار) وفتح أسواق خارجية (عن طريق لبرلة التجارة الخارجية) يجب أن تتبع هذه الخطوات. وبدون اللبرلة، لا يستطيع أفراد السوق أن يتصرفوا بعقلانية ولا تستطيع الحكومة أن تخطو خارج التدخل الاقتصادي وليس من الممكن أن تكون لأية آلية تنسيق جديدة فعالية. ويجب أن يصاحب اللبرلة قابلية تحويل عملات داخلي، وتنبئنا خبرتنا بأنه بالنسبة لأي اقتصاد صغير مفتوح، سيكون من المساعد جدا حينما يكون سعر الصرف ثابتا، وبموجب ذلك سوف يصبح ذلك هو المرتكز الإسمي الذي يرتكز عليه الاقتصاد كله والمتغير الثابت الوحيد في النظام. (هناك مرتكزات إسمية بديلة وهي أقل موثوقية وأكثر صعوبة بالنسبة لإدامتها).
وباختصار، تشتمل المهام الرئيسية للمرحلة الأولى على لبرلة سياسية؛ وإزالة الإعانات المالية القديمة؛ وسياسات استقرار مالي ونقدي؛ واستقلالية البنك المركزي؛ وموازنة متوازنة؛ ولبرلة الأسعار والتجارة الخارجية.
3. المرحلة الثانيـــة
رد الفعل العفوي على مرحلة اللبرلة ورفع قيود التنظيم

سوف تكون توقعات المواطنين هائلة لكن النتائج الإيجابية الملموسة سوف لن تكون ملحوظة. وبعد عقود من انعدام التضخم وانعدام البطالة ونمو اقتصادي بطيء ومختل، لكنه ممتاز، ومعيشة بسيطة وغير مجهدة إلى حد ما، فإنه يتوجب دفع تكاليف غياب انعدام التحول. فالتضخم والبطالة (اللذان تتوقف ضخامتهما على نجاح أو فشل خطوات إصلاحية سابقة) يظهران للعيان ويصبح الهبوط المفاجئ في الناتج المحلي الإجمالي وفي مستويات المعيشة شيئا حتميا لا يمكن تجنبه. ومن الصعب أن نقوم بالتوضيح لعامة الناس بأننا سوف لن نعاني من أزمة اقتصادية أو من ركود في نشاط اقتصادي ناجم عن سوء إدارة الاقتصاد الكلي، بل إننا سوف نعاني من غربلة تحولية صحية تتم في الأنشطة الاقتصادية غير القادرة على البقاء.
وكنتيجة لتكاليف التحول الباهظة وغير السارة، فان الغبطة التي تم الشعور بها في السابق سوف تتبخر وسيتم فقدان الوحدة على نطاق الوطن (في الغالب بحسب المفهوم السلبي لها) وستتم الهيمنة بشكل تدريجي على المشهد من قبل رؤى مستقبلية إيجابية متصارعة، وينتج عن هذا الصراع مدى هائل من التذرية السياسية وعدم الاستقرار السياسي المتزايد.
سوف تقوم مجموعات الضغط التي جرى تشكيلها بالبدء بإساءة استخدام الفراغ المؤسسي المتواجد والأسواق الضعيفة والفجوات والفراغات العديدة الموجودة في التشريع المتغير بسرعة وفي عملية الخصخصة التي تم الشروع بها (وخصوصا أثناء الخصخصة العفوية التي تتم لمؤسسات الدولة في لحظة معاناة خصخصتها). فالتباينات بين الثروة والدخل تنمو وتبقى الأسواق غير كاملة مفتقرة إلى شروط المنافسة الكاملة وتقوم الخصخصة بإحداث ثورة في كامل التركيبة الاجتماعية.
عند تلك اللحظة، تأتي نقطة التحول الثانية وهي: إما الالتزام باستراتيجية التحول الأصلية والموقف المنتصر الإيجابي اللاحق أو الفوضى ودائرة نصف الإجراءات الفاسدة والتنازلات التي سيتم تقديمها إلى جماعات الضغط مع خسارة “الكل” الحتمية.
الترتيبات المقصــودة
يجب أن تستقر قواعد النظام الجديد وأن يقوم تشريع جديد بإعادة تحديد قواعد اللعبة. ويجب على السياسيين مقاومة الإغراء بأن يحكموا عن طريق القوانين بدلا من صنع قوانين بشكل فردي خاصة بتحديد قواعد اللعبة.
ويجب أن يستمر استقرار الاقتصاد الكلي، فليس هناك على نحو جازم مكان خاص لسياسة نقدية توسعية أو مكان خاص لسياسة مالية نشطة. ويجب أن يمضي خفض معدل التضخم قدما وأن تتم المحافظة على سعر صرف ثابت.
ويجب أن لا يتم خلق أية اختلالات سوقية جديدة ويجب عدم التباطؤ في رفع قيود الأنظمة المتبقية عن كافة الأسعار وفي التخلص من الإعانات المالية المتبقية وفي الكفاح الضاري ضد كافة أشكال مبدأ الحمائية، كما يجب عدم تقديم تنازلات إلى مجموعات الضغط التي تضج بالأصوات.
هناك مؤسسات خاصة جديدة انبثقت بشكل عفوي لكن الخصخصة المنظمة المستندة إلى مزيج من أساليب نموذجية وغير نموذجية، ما تزال تمثل لب الجانب المقصود من المرحلة الثانية. ويوجد لخصخصة كامل البلاد نطاق وأسلوب ومعنى وهي مختلفة عن الخصخصة في بلاد تكون بها الخصخصة مجرد نشاط هامشي. ويجب أن تكون الخصخصة على نطاق البلاد سريعة وأن تكشف عن مالكين جدد وأن لا تحاول تضخيم إيرادات خصخصة الدولة وعليها أن لا تكون مربكة بحيث تختلط مع إعادة هيكلة (وتحديث) المؤسسات الفردية.
يجب على السياسيين عرض قواعد واضحة وعليهم أن يكونوا عرضة للمساءلة. ويجب عليهم عدم تقديم وعود زائفة. ويجب أن يكون هناك جهدا ناميا لشرح الدور الذي تلعبه الخصخصة بهدف إدامة أو حتى تقوية الإجماع السياسي الهش. وبدون توفر دعم واسع فإن عملية التحول لا يمكنها أن تستمر.
والأحزاب السياسية النموذجية (بدلا من المبادرات المدنية والجبهات الوطنية والمنتديات المدنية) سوف تبدأ بالسيادة، وستتحول، وبشكل بطيء، التذرية السياسية المفرطة إلى بنية سياسية عادية بوجود حفنة فقط من أحزاب سياسية محددة جيدا من الناحية الأيديولوجية (مع حمل أسماء نموذجية).
يجب على السياسة الاجتماعية المعقولة، والتي تتركز على مساعدة أولئك الذين هم فعلا بحاجة إلى المساعدة، أن تلازم التغيرات السياسة والاقتصادية التي تم ذكرها آنفا، ويجب الابتعاد عن برامج الإنعاش المستهدفة بطريقة خاطئة وذات التكلفة الكبيرة بحيث يتوجب إحلال نهج اجتماعي “يسلط عليه ضوء موضعي” محل نهج اجتماعي “تسلط عليه الشمس”، ويجب القيام بسياسة اجتماعية مع بذل الاحترام المطلوب لتلك المجموعات الاجتماعية التي تعتبر خاسرة على المدى القصير في عملية التحول.
يجب، على المستوى الفردي والوطني، أن تتوافق المكافآت مع الأداء، إلا أنه، وعلى المستوى الفردي، لا بد للأجور (وأشكال الدخل الأخرى) أن تكون دون معدل الإنتاجية لبعض الوقت، وأن يبقى، وبشكل مؤقت، سعر الصرف (الذي تم خفض قيمته بشكل مفاجئ قبل لبرلة التجارة الخارجية) دون مستوى تعادل القوة الشرائية. وهذان المبدءان يمثلان أساس “نظرية الفترتين الفاصلتين للتحول” التي قمت بصياغتها مؤخرا. فالأسواق الضعيفة وأصحاب الأملاك الخصوصيين الناشئين حديثا هم بحاجة إلى مثل تلك الفترة الفاصلة لبعض الوقت، فكلما كانت عملية التحول اكثر سرعة كلما كانت الفترة الفاصلة ضئيلة بشكل أكبر. ولتحقيق هذه المهمة، تعتبر الطرق غير المباشرة (سياسات الاقتصاد الكلي التقييدية) مع المقاومة التي تبذل أمام مطالب نقابة العمال المفرطة مهمة أكثر أهمية من الإجراءات المباشرة (تنظيم الأجور).
وباختصار، فان الخصخصة هي ما يميز المرحلتين الأولى والثانية، ويجب أن تتلازم مع استقرار اقتصاد كلي مستمر وترشيد في السياسة الاجتماعية.
4. المرحلة الثالثـــة

إذا كانت الترتيبات المقترحة في القسم السابق ستحقق النجاح فسوف يتم الوصول إلى مرحلة يمكن أن تسمى باسم “مرحلة التحول اللاحقة المبكرة”. والدور الاستثنائي والمؤقت والبناء الذي تلعبه الدولة سيكون قد انتهى وعليها أن تبدأ من جديد بلعب دور نموذجي، بحيث يكون تقريبا غير فعال وغير بناء.
وفي هذه المرحلة أي “مرحلة التحول اللاحقة المبكرة”، من الطبيعي أن تتصف البلاد بوجود أسواق وبنيات اقتصادية وسياسية ضعيفة، وأن تعمُّقها واتساعها (أي الأسواق والبنيات الاقتصادية والسياسية) سوف يعتبر بمثابة التحدي الرئيسي للدولة بما أن من غير الممكن القيام بهما مباشرة من قبل الدولة. ويجب على الحكومة أن تحاول فقط إزالة كافة العوائق أمام الحريات السياسية والاقتصادية قبل أن يستولي في النهاية الأبطال “الشومبيتريون” (نسبة إلى الاقتصادي شومبيتر) على هذه المرحلة وقبل بدء العملية التطورية النموذجية. لقد وصلت جمهورية التشيك إلى هذه المرحلة المبكرة اللاحقة للتحول، ومن الطبيعي أن تكون الأخطار والشراك المتأصلة في هذه المرحلة بحاجة إلى بذل انتباهنا وتدقيقنا بشكل محكم بقدر ما كانت المرحلة السابقة من عملية التحول بحاجة له.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 2 تشرين الأول 2006.

peshwazarabic6 نوفمبر، 20100

إذا كان النصف الأول من القرن العشرين، قد شهد حربين كونيتين، جلبتا للعالم كارثة إنسانية، ففي النصف الثاني من القرن نفسه، لاسيما العقود الأخيرة منه، شهدت  كثير من الدول الرأسمالية المتقدمة، ذات الاقتصاد الحر نموا مضطردا في الاقتصاد، كما شهدت هذه الدول تحسنا كبيرا في مستوى المعيشة، حيث ازدادت الأجور، وشهدت بلدان كثيرة كأمريكا، وكندا، ودول أوربا الغربية، واليابان في شرق آسيا، ثراء ورفاهية، كما اتسعت دائرة الديمقراطية، لتشمل دولا عديدة، بالترافق مع ازدياد الحريات الشخصية…
وكان أهم حصاد ـ بالمقابل ـ في العقدين الأخيرين من القرن المنصرم، هو تساقط الأنظمة الشمولية، في كل من الاتحاد السوفييتي وأوربا الشرقية، بعد أن دب فيها الوهن، وعانى الإنهاك، وما عادت الشعوب تسوغ لحكامها، أسباب الركود، واستمرار الصعوبات الاقتصادية، وغياب المؤسسات الديمقراطية؛ فقد تنعمت الشعوب بالثراء  في النظم الرأسمالية المتقدمة لدرجة كبيرة نسبيا..
فالأمريكيون عادوا إلى مفهوم سياسة الأمس البعيد نسبيا.. أن لا سبيل للعزلة والانغلاق على أنفسنا، فمثل هذه السياسة ستفضي بنا، إلى خفض في مستويات المعيشة لدى شعبنا الأمريكي، إذن، لابد من الانفتاح الاقتصادي على العالم، إذا أردنا لاقتصادنا النمو والازدهار، ولشعوبنا مزيدا من الرفاه، ولأوطاننا قصب السباق في التقدم؛ هكذا كان لسان حالهم …
تتعدد المدارس الفكرية في الاقتصاد العام، وتختلف في رؤاها، لكن في المحصلة، أن هذا الانقسام، والتنافس النظري، لا بد له أن يكون إغناء  للفكر الاقتصادي، ودفعا لمزيد من الإمعان، والتفكر، وأن هذا الاختلاف خير من إجماع خامل في التطابق والتوافق، يفتقد إلى روح الحماس والتقصي في البحث؛ هذا الأمر يذكرنا بمسألة إجماع أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي. في مسألة زراعية  جاء الإجماع  برفع الأيدي  بخمول دون بحث،  أو تقص  واستمزاج  الآراء، فسرعان ما بان خطؤها بعد ذلك؛ بل يرى كثير من العلماء والاقتصاديين ، من أن التنوع في المدارس الفكرية حتى في ميدان الاقتصاد، يغني ذهن الطالب مستقبلا في التحليل الاقتصادي لمشكلات العالم العديدة والمتنوعة، ويساعده في السعي للرقي والإعلاء من المستويات المعيشية للمجتمعات التي يعيش هو في كنفها..
إن حاجتنا للمعرفة الاقتصادية أمر مهم في حياتنا، فهي تحفز الذهن والفكر للوقوف على مسائل اقتصادية عديدة، منها استكشاف حالات السوق، من حيث تقلبات الأسعار، ومعدلات النمو، وتوزيع الدخل، والسبيل الأنسب في كيفية استغلال الموارد، فلا بد للتاجر، للإنسان المتعامل مع السوق، أن يكون على دراية،  بنوعية وكمية السلع التي ينبغي إنتاجها، ولمن يتم استهلاكها، وهنا يقتضي معرفة مستويات الدخول، والقدرة الشرائية، والاستهلاك عند طبقات الشعب وفئاته وشرائحه..
من المعلوم أنه في القرن التاسع عشر؛ أصبح الاقتصاد الحر، هو السائد، في أوربا وأمريكا، وتصدر مبدأ الاقتصاد الحر المعروف: دعه يعمل، دعه يمر.. وجاء مضمونه ملبيا لدعوة العاملين في الشؤون الاقتصادية….
اندارت المنظومة الاشتراكية، بدورها، بعد انهيارها، إلى الاقتصاد الحر، مفضلة اللامركزية، على المركزية المتشددة، التي كانت تتمسك بها الأحزاب الشيوعية في إدارتها لاقتصاد البلد؛ والتي أثبتت عدم فاعليتها ونجاعتها..
في النظم الرأسمالية ذات الاقتصاد الحر، غالبا ما  تؤخذ القرارات الاقتصادية، انطلاقا من استكشاف السوق، وهذه الواقعة تشغل اهتمام الملايين من السكان، وآلاف الشركات الإنتاجية، حيث تتدفق إلى السوق كميات من السلع والبضائع، فكيف تكون عليها الحال، لو انقطع ذلك التدفق ؟ فالسوق بهذي الحالة، هي الوسيط بين المنتج والمستهلك، ويتم على أساس ذلك ومن خلالهما، تحديد الأسعار، وعند زيادة كمية الاستهلاك، من قبل الفرد أو الأسرة، تزداد قيمة السلعة بسعرها، وفقا لمبدأ العرض والطلب، مما يدفع المنتج بالتالي إلى عرض المزيد من السلع، وبالمقابل، إذا ما خف الطلب على سلعة ما، تدنى سعرها، وخف عرضها، ومثل هذا ينسحب على عناصر أخرى عديدة، مثل الأرض، وأجور العاملين رفعا وانخفاضا؛ ويسبب هذا تنافسا بين المنتجين، فيعمد المنتج، بالتالي، للاستعانة بالآلة الأكثر كفاءة، والأغزر إنتاجا، وربما الأفضل جودة، للسلعة المنتجة..لتعالج هذه المعادلة.
لاشك، أنه في العقود الأخيرة الماضية، ومع نهاية الحرب الباردة، توسع نطاق السوق الرأسمالية بانضمام دول أوربا الشرقية إلى سوق الاقتصاد الحر، بعد تفكك المعسكر الشيوعي،  فهل تفلح هذه الدول في التنمية والتطور؟ وهل وصفة الاقتصاد الحر هي العلاج الوحيد للتنمية والتطور؟
في ظل هذا التناقض والتنافس، ظهرت دول جديدة على الساحة، وما زال أمامها المستقبل ينبئ بمزيد من التطور؛ فإلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، برزت كل من اليابان باقتصاد قوي، وتقانة متقدمة متطورة فالصناعة اليابانية هي التي أصبحت تغزو الأسواق دون منافسة قوية، والناس يقبلون على اقتناء منتجاتها على نطاق واسع لجودتها كما هو شائع ومتداول، وأيضا! غدت أوربا المشكّلة بحجمها الكبير، وسوقها الجديدة، وعلاقاتها الواسعة والمتشعبة، هي الأخرى منافسة قوية في السوق، وربما في غضون عقود قادمة، تظهر دول أخرى  جديدة كالصين والهند وسواهما  تتنافس على الساحة الدولية، ومن هنا ينجلي الواقع عن صراع سياسي بين هذه الدول المتطلعة للسيادة الاقتصادية، فالسياسة هو تعبير مكثف عن الاقتصاد بتعبير أحد كبار المفكرين، فمن يخفق اقتصاديا، لا يمكن له أن يكسب سياسيا، فكثير من الشعوب الفقيرة، ترى مستقبلها في صورة الدول المتقدمة اقتصاديا، وعلى هذا الأساس تناضل، لترقى ببلدانها إلى مصاف تلك الدول، والعائق أمام  ذلك هو طبيعة النظم القائمة على شمولية الحكم، لهذا فلا سبيل أمام تلك الشعوب إلا بتغيير تلك النظم، فبعض تلك النظم تنتبه للخطر المحدق بسلطتها فتبدأ بإصلاحات، وتصالح شعوبها، لكن بعضها الآخر يتشبث بالسلطة، ويستميت في الدفاع عن امتيازاته، هذا الفريق في طريقه إلى الزوال حتما..!
© منبر الحرية، 16 أغسطس/آب 2009

peshwazarabic6 نوفمبر، 20100

ينوء العراق تحت عبء تركة تاريخية ثقيلة ورثها عن حقبة الاستبداد العنصري، ليس من اليسير التخلص منها تماماً لمجرد الإدعاء بالحاجة إلى المصالحة، دون البحث في العلل والمعضلات الحقيقة، التي خلّفت أوضاعاً شاذة ومتطرفة من الغبن واللامساواة شملت شرائح واسعة وفئات كبيرة من العراقيين.
تتسم تلك الأوضاع- التي تتجسد اليوم في التركة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الشاملة للنهج العنصري والاستبدادي للنظام الآفل- بتعثر تأسيس دولة الحق والقانون، حتى هذا الوقت، وفشل تكريس دورها كدولة راعية للمساواة بين جميع مواطنيها وضامنة للعدالة السياسية بينهم. إذ لاتزال تلعب، إلى حدّ كبير، دور الوصي على النهج الاستبدادي والمواصل لذهنية الإقصاء والإنكار بحق الآخرين، انطلاقاً من مصادرات أيديولوجية، هي إما قوموية أو طائفية، كان النظام السابق يعمد، على الدوام، إلى استلهام شرعيته السياسية منها.
لقد عجزت الدولة العراقية عن أن تكون دولة دستورية بالفعل حتى هذا الوقت، ونكصت حكوماتها عن الالتزام الحقيقي بمواد الدستور الجديد ونصوصه، بل أن استمرار عدد منها كان قائماً أصلاً على عدم الاتساق مع روحه، وعلى عدم الإيفاء باستحقاقاته الشرعية والأخلاقية إلى حدّ بعيد. وهنا يلاحظ أن تلك الحكومات، التي توالت بعد سقوط بغداد، تمتاز بقاسم مشترك يتمثل في أنها جميعاً تنطلق من الذهنية الأيديولوجية ذاتها في ممارساتها السياسية لدى التعاطي مع استحقاقات المسألة الكوردية، وبخاصة تلك المعضلات التي تشكل وشكلت الجذر الحقيقي للمحنة الكوردية. وهذا ما يجعلها جميعاً مواصلة لنهج الاستبداد القديم، الذي يحول دون تحقيق الشروط الأساسية للمساواة بين المواطنين، وبالتالي تفاقم الغبن السياسي والقومي بحقهم واستمراره.
فضلاً عن ذلك، فشلت الدولة العراقية في إزالة التشويه الاجتماعي والديموغرافي الشاملين الذي خلّفه النظام السابق على جميع المستويات، وفي كل الأماكن، بغرض تكريس استبداده، ومصادرة الحياة الاجتماعية والهيمنة عليها. وهنا تبدو حالة التشظّي الاجتماعي والانقسام القائمة فعلياً بين مكونات المجتمع العراقي عقبة رئيسة أمام التأسيس لمواطنة جديدة وحقيقية ترتكز على المساواة والحرية.
ليس من المنطقي، وليس من العدل أيضاً، التشدق وإظهار الحماسة المجانية للمصالحة ما لم تنجز سيرورة المساواة بين المواطنين قبلاً. وهذه الأخيرة لن تنمو على أرض الواقع وتتم ما لم تتطلع السلطة الحاكمة في بغداد بحزم إلى الأمام، وتتخلص نهائياً من الإرث المادي والنظري للاستبداد القديم، وتنفصل عن الممارسات السياسية التي هيمنت على الحياة العراقية طوال العقود الماضية.
إن ولادة الدولة العراقية الجديدة، أو إعادة تأهيلها، بصفتها دولة الحق والمساواة، تعني نهاية حقبة القهر والتعسف والطغيان الفردي. لا أن تؤول بالنتيجة إلى أشكال جديدة من الاستبداد العرقي أو الديني بزعم المصالحة مع نموذج سياسي وأيديولوجي، استبدادي وعنصري، أدّى إلى الهلاك ودمار البلد وخرابه على أهله، وثبت أنه نموذج مضاد للتاريخ وللعقل ولمصالح البشر. وبعبارات تالية تعني الانعتاق من البنية السابقة للحكم، وتمكين الدولة من القيام بدور الراعية للمساواة والوصية على العدل.
إن ربط التحول إلى دولة الحق والمساواة بإزالة كل أشكال الغبن والقهر السياسي والتمييز والعنصري المتوارثة، يعدّ بداهة تفرض نفسها على عقل كل من يريد بداية صحيحة لبناء دولة حديثة في العراق ولنشوء مجتمع سياسي متقدم. وبدلاً من الارتكاس إلى الممارسات القديمة وإلى بنى الاستبداد التي مازالت تهيمن على سلوك السلطة السياسية وتستبد باتجاهات تفكيرها، يتعين على السلطة الحاكمة أن تنطلق من قيم سياسية ومبادئ أجمع عليها معظم العراقيين دستورياً، ومن ثم عليها أن تنجز تماماً سيرورة الحياة السياسية دستورياً دون الاكتراث بالنزق السياسي أو الزعيق الذي يبديه حفنة من ضيقي الأفق والمتعصبين، يريدون خلالها إخضاع الحياة مجدداً لمعاييرهم العرقية أو الطائفية الخاصة، ويعمدون، بكل الوسائل، إلى استعادة النموذج الشمولي البائد.
المصالحة غير ممكنة، وغير قابلة للتطبيق إن لم تكتسب مدلول الإنصاف والمساواة. وبخلاف ذلك تكون دعوى باطلة غايتها المساومة على حقوق الضحايا مع أقلية انتهازية من الأفراد، هم فضلاً عن شراكتهم العميقة مع نظام الاستبداد في إرهابه ومسؤوليتهم في جرائمه المروعة، لا يمكن الركون إلى قناعتهم بضرورة مستقبل سياسي جديد للعراق على أساس الشراكة الحقيقية والمساواة بين الجميع. وعليه فإن كل ادعاء بالمصالحة يستهدف التسوية معهم في مثل هذه الظروف، حيث لا تزال المسائل متشابكة بشدّة وعالقة، لا يعدو أن يكون استجداءاً مجانياً ونفاقاً يراد به المماطلة والتسويف والهروب من الاستحقاقات الدستورية والسياسية الأكثر أهمية.
المصالحة ممكنة فقط حينما تكف السلطة الحاكمة في بغداد عن التفكير بأنها قادرة على إلغاء حقائق التاريخ وحقوق البشر، وتضمن لنفسها الهيمنة والاستمرار دون الالتزام بشيء أو التقيد بمبدأ. وتتوقف عن تكريس بقاءها بإيغالها في إقصاء الآخر فلا تعبأ بحقوقه المستلبة، وتعدّ ذلك انتهاكاً صريحاً. وفي مثل هذه الحال ينبغي أن يكون المبدأ الحاسم لديها في تحديد طبيعة العلاقة بين الناس هو المساواة والحرية في تقرير مصائرهم، بدلاً من الاعتقاد أن المراوغات السياسية والمناورات هي السبيل الأمثل لممارسة السلطة. إذ ليس أسهل على من لايكترث بحقوق البشر من تحويل السياسة إلى مجرد مخاتلة ومكر، وخداع وتضليل، وبالتالي تغدو ممارسة السلطة لديه غاية بذاتها ولذاتها، مجردة تماماً من كل قانون سياسي أو مبدأ أخلاقي سام.
© منبر الحرية، 21 مايو 2009

peshwazarabic5 نوفمبر، 20100

طبقا لدراسات اقتصادية رياضية، فإن الحرية الاقتصادية، أو تطويراتها، تعمل على زيادة معدلات النمو الاقتصادي. إلا أن ظواهرها ستكون تحت سيطرة ظواهر مستوى التنمية الاقتصادية ورأس المال البشري. فهل تشير هذه النتائج، ضمنيا، إلى أن المناصرين أو المدافعين عن الرأسمالية وعن الحرية الاقتصادية يبالغون في قضيتهم؟ ليس ذلك على الإطلاق.
فكِّر في مستوى التنمية الاقتصادية التي تعمل على تحديد الفوائد الكامنة في الاسترجاعية. فعلماء الاقتصاد، في العادة، يقومون بمناقشة أسباب وجود هذه الفوائد كالتالي: يمكن للاقتصاد الأقل تطورا أن يستعير أو يستلف التقنيات التكنولوجية ونماذج الأعمال التجارية وإجراءات التسويق من الدول الأكثر تطورا، وقد يكون التقليد اكثر سهولة وسرعة من الابتكار الذي تعتمد عليه الاقتصاديات المتطورة الرائدة.
وهذه الفوائد تكون، من الناحية المعقولة ظاهريا، اضخم واعظم عندما تكون مسـتويات الاسترجاعية معتدلة بحيث يسمح مستوى تكوين رأس المال البشري أن يتم الاستفادة واستغلال فرص الاسترجاعية، أو، عندما يكون لدى الاقتصاديات الأقل تطورا نطاقا واسعا بالنسبة لإعادة توزيع العمالة بحيث يكون هذا النطاق اكبر من الأعمال الأقل إنتاجية في الزراعـــة ليصل إلى الأعمال الأكثر إنتاجية في مجال الصناعة أو في الخدمات، أو، على سبيل الاحتمال، عندما يكون من السهل أن يتم إيجاد استثمارات مربحة في الدول النامية، ولنفترض بأنها سوف تكون في مجال البنية التحية للنقل، بحيث يكون اكثر سهولة من إيجاد مثل تلك الاستثمارات المربحة في الاقتصاديات العالية التطور والتي تمت بها، وبشكل مسبق، تأسيس عدد كبير من الاستثمارات الهامة البارزة. وبالنسبة لي، فأنني ليس لدي الرغبة في أن أشارك في مناظرات تدور حول مدى جدارة هذه المناقشات النسبية. كما أنني ليس لدي الرغبة في إضافة أية حجج تؤخذ من علوم اجتماعية أخرى تشير عملية التنمية الاقتصادية من خلالها، وبشكل ضمني، إلى وجود تغييرات في القيمة تقوم بتغذية استرجاعية كي يتم تقويض الإمكانيات التي تدل على حدوث نمو اقتصادي مرتقب لاحق.
دور الدول المتقدمــة
وبدلا مما سبق ذكره، أود أن أؤكد على ما هو واضح والذي ينزع، بالرغم من ذلك، إلى أن يتم نسيانه، وهو: أن فوائد الاسترجاعية بالنسبة لبعض الدول النامية تستلزم وجود دول متقدمة. فإذا كانت الدول المتقدمة، ولنفترض بأنها الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية واليابان، غير موجودة، فان نمور شرق آسيا الأوائل (كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة) لا يمكن لها أن تنمو بالسرعة التي نمت بها مطلقا، كما أنه من غير الممكن للصين والهند أن تحققا ما تحققانه هذه الأيام. وقبل أن يحل منتصف القرن العشرين وتبايناته السابقة المجهولة في الدخل في تلك الفترة بين المجتمعات الصناعية الغربية والدول الأقل تطورا، فانه، في تلك الفترة، لن تجد، مطلقا، دولة كبرى يمكنها أن تحقق النمو الاقتصادي بشكل سريع كسرعة النمو الاقتصادي الذي حققته كوريا الجنوبية وتايوان خلال أعوام الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي أو كما تقوم الصين بتحقيقه منذ أعوام الثمانينيات من القرن الماضي وكما تقوم الهند وفيتنام بإنجازه في الوقت الحاضر. وهكذا، فان عدم المساواة العالمية (أو التفاوت بين دول العالم) يعتبر جزءا أساسيا من فوائد الاسترجاعية، وان هذا التفاوت سوف ينفع تلك الدول المتخلفة التي تعمل على الإمساك بالفرص المتاحة.
وتعتبر الدول المتقدمة والدول الحرة إلى حد ما دولا أساسية في استحداث الفرص الخاصة بالاسترجاعية. فهي تقدم أنموذجا ليتم تقليده وتوفر مصدرا للتكنولوجيا وسوقا خاصة بالمنتجات المنخفضة الأجور. فإذا أصبحت الدول المتقدمة غنية بشكل يسبق الدول الأخرى نظرا لأنها قامت بتأسيس وتثبيت حقوق ملكية سليمة خاصة بالتجار وبالمنتجين بوقت أبكر من الآخرين، ولأنها استفادت من حكومة محدودة بوقت أبكر من الآخرين وقامت باختراع الرأسمالية واستفادت من الحرية الاقتصادية منذ البداية، سوف تكون، عندئذ، فوائد الاسترجاعية إحدى ظواهر الحرية الاقتصادية أو الرأسمالية.
وللأسف، فان نقص البيانات الكمية تمنعنا من إجراء تحليل خاص بمدى تأثير الحرية الاقتصادية على معدلات النمو الاقتصادي على المدى الطويل. إلا انه من المقبول ظاهريا أن نقوم بإسناد ادعائنا إلى بيانات كيفية أو إلى روايات سوف يكون تأثير الحرية الاقتصادية بموجبها قويا. وفوائد الاسترجاعية لا بد وأن كانت صغيرة قبل أن يتم تأسيس الرأسمالية نظرا لان معظم الحضارات الكبرى (المكونة من عشرات الملايين من الأفراد) قد كان لديها آنذاك إيرادات متماثلة في الدخل لنصيب الفرد الواحد.[1]
وهكذا، فان فوائد الاسترجاعية تستحق أن يتم تفسيرها حسب تفسير عالم الاقتصاد فريدرك هايك، كما يلي:
“لا تنحصر منافع الحرية، إذن، في الحرية… فمما لا ريب فيه أن الاغلبيات غير الحرة على مدى التاريخ الماضي استفادت من وجود الاقليات الحرة وسوف تستفيد المجتمعات غير الحرة في الوقت الحاضر مما ستحصل عليه وتتعلمه من المجتمعات الحرة.”
هذه الإفادة تتفق مع العلاقة القائمة حاليا بين جمهورية الصين الشعبية والغرب كما لو أنها قد تمت كتابتها يوم أمس مع وجود هذا المثال تحديدا في الذاكرة. إن كون منافع الحرية الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب ممتدة لتشمل المجتمعات الدولانية قد تمت أيضا الإشارة إليها من قبل هنري ناو بخصوص اليابان والدول الآسيوية الأخرى التي تطورت بشكل مبكر كتايوان أو كوريا الجنوبية، كما يلي:
“سوف يعمل إنموذج التطور الآسيوي الذي تم تمجيده والإعلان عنه من قبل واضعي النظريات التجارية الاستراتيجية بنجاح فقط إذا تم وضعه ضمن سياق الانموذج الانجلو-أمريكي في التجارة الحرة. فليس هناك من قام بالإثبات بان اليابان أو أية دولة آسيوية أخرى ستكون قد حققت النجاح في تجارتها واستراتيجياتها الاقتصادية، مهما كانت درجات تدخل الحكومة، لو لم يكن لديها دخولا ووصولا إلى الأسواق العالمية، وعلى وجه الخصوص إلى السوق الأمريكي. ولو تم عزو مثل ذلك النجاح إلى انموذج التطور المتفوق في الصناعة المحلية فمن المرجح أن تشكل التكنولوجيا وتدخل السياسات التجارية، بناء على ذلك، نصف الحقيقة.”
وجهة نظر مختلفة للتفاوت العالمي
وهكذا، فان الأمر يبدو وكأن للحرية الاقتصادية في الاقتصاد العالمي—والذي يعني وجود اقتصاديات حرة مهيمنة ورائدة—أهمية عليا في تحسين معدلات النمو الاقتصادي وفي التغلب على الفقر الجماعي في كل مكان آخر غير دول الغرب. إضافة إلى ذلك، فان الحرية الاقتصادية داخل الأمم، أو تطويراتها، ستساعد أولئك الذين يقومون بممارستها وتطبيقها.
إن الاعتراف بحقيقة التفاوت الدولي أيضا قد أدى إلى وجود تقييمات متباينة تماما. فقد قام البنك الدولي، مؤخرا، بإبداء تحسره بقوله بان “هناك تفاوتات هائلة في العالم. حتى المواطنين الأكثر غنى في معظم الدول النامية يواجهون فرصا أسوأ من الفقراء في الدول الغنية. والحقيقة القائلة بان الدولة التي يلد بها الشخص تعتبر إحدى المحددات الرئيسية للفرص الخاصة بالأشخاص تسير بشكل مضاد لوجهة نظرنا عن المساواة.”
ومهما تكن فكرة البنك الدولي عن المساواة، فان ذلك سوف يكون، على ابعد تقدير، تقييما منقوصا للتأثير الذي يحدثه التفاوت بين الأمم، والذي نشأ بسبب تأسيس وتثبيت حقوق الملكية والحرية الاقتصادية والرأسمالية في الغرب قبل تلك الإنجازات التي تحققت ببطء في كل مكان آخر غير بلدان الغرب. فلو لم يقم تأسيس وتثبيت الحرية الاقتصادية المبكر بإثراء الغرب قبل الآخرين، فانه عندئذ سوف لن يكون هناك مصالح وفوائد كامنة في الاسترجاعية بالنسبة للدول الفقيرة كي تقوم بالاستفادة منها واستغلالها. وهكذا، فان الحرية الاقتصادية الغربية لم تقم فقط باستحداث متطلب أساسي لتحقيق الازدهار الغربي، بل قامت أيضا وبشكل تزامني بتثبيت شرطا خاصا كي يتم التغلب على الفقر الجماعي بشكل سريع في كل مكان آخر غير البلدان الغربية.
ملاحظات:
[1] مع أن أسيموغلو وجونسون وروبنسون لم يقوموا بالتركيز الصريح على الحكومة المحدودة والحرية الاقتصادية، فقد جادلوا محاججين بان المؤسسات—وليس الجغرافيا—هي محددات النمو الاقتصادي على مدى قرون من السنوات وأنها تقدم نوعا من الدليل الكمي تم أخذه من القرون الخمسة الأخيرة كي يتم دعم وجهة نظرهم.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 21 شباط 2007.

peshwazarabic5 نوفمبر، 20101

ربما كان الإيمان بالمستقبل أكثر القيم أهمية بالنسبة لمجتمع حر. وهذا ما يجعل الكثيرين يرغبون في الحصول على التعليم، أو الاستثمار في مشروع ما، أو حتى أن يكونوا لطفاء مع جيرانهم. وإذا كنا نعتقد أنه ليس هنالك ما يمكن تحسينه أو إذا كنا نعتقد أن العالم قد شارف على نهايته، فإننا والحال كذلك لا نعمل بجد من أجل مستقبل أفضل وأكثر تحضراً. وسنكون كلنا تعساء.
لقد قام فلاسفة حركة التنوير بخلق الإيمان في المستقبل في القرنين السابع عشر والثامن عشر عن طريق جعلنا نعرف أن بإمكان قوانا العقلانية فهم العالم، وأنه يمكن لنا أن نعمل على تحسينه مع الحرية، وقد أثبتت الليبرالية الاقتصادية صحة ذلك. فعندما وضح آدم سميث أننا لا نحصل على اللحم من العمل الخيري للجزار، ولكن من مصلحته الذاتية، فقد كان ذلك أكثر من مجرد عبارة، بل كان نظرة عالمية. لقد شكل ذلك طريقة للقول بأن الجزار ليس عدواً لي. فكلانا يستفيد عن طريق التعاون والتبادل الطوعي ونجعل من العالم مكاناً أفضل خطوةًَ فخطوة.
ومنذ تلك الأيام، فقد حقق الجنس البشري تقدماً غير مسبوق، ولكن ما يبعث على الدهشة أن معظمنا لا يرى ذلك، وذلك بسبب الآليات الفكرية القديمة التي تم وضعها في أشد الأوقات خطورةً، عندما غالباً ما عنى انتصار شخص خسارة للآخر. والليلة سأناقش ماهيتها وكيفية التعامل معها، وأعتقد أنه من الجيد أن نبدأ بالايديولوجية التي أوجدت معظم هذه الآليات الفكرية: الاشتراكية.
لقد أوضح كارل ماركس أن الرأسمالية تجعل من الغني أكثر غنى وتزيد الفقير فقراً. فإذا كان لشخص أن يحصل على ربح، كان لا بد لشخص آخر أن يخسر في السوق الحرة. وستتحول الطبقة الوسطى إلى طبقة العمال) البروليتاريا)، وستعاني البروليتاريا من الجوع. يا له من زمن مشؤوم للخروج بهذه النبوءة! لقد منحت الثورة الصناعية الحرية للابتكار والإنتاج والتجارة، وخلقت ثروة هائلة الكم، وقد وصلت إلى الطبقة العاملة حيث جعلتهم التكنولوجيا أكثر إنتاجيةً وأكثر أهمية لدى أرباب العمل، وبلغت دخولهم مقداراً ضخماً.
الذي حدث أن العمال قد تحولوا إلى طبقة وسطى، وبدأت الطبقة الوسطى العيش مثل الطبقة الأعلى منها. وقد قادت هذا الطريق أكثرُ البلدان ليبراليةً: إنجلترا. ووفقاً لتوجهات الجنس البشري حتى ذلك الحين، فسيستغرق الأمر 2000 سنة لمضاعفة متوسط الدخل. وفي منتصف القرن التاسع عشر، حقق البريطانيون ذلك في 30 عاماً. وعندما مات ماركس في 1883، كان الرجل الإنجليزي العادي أغنى بثلاث مرات عما كان عليه لدى ولادة ماركس في 1818.
يعيش الفقراء في المجتمعات الغربية اليوم حياة أطول، ويتمتعون بإمكانية أفضل للوصول إلى التكنولوجيا والسلع، ويحظون بفرص أكبر من فرص الملوك في زمن ماركس.
حسناً، قال لينين، الغلام الشرير لماركس. ربما نكون مخطئين في ذلك. لكن الطبقة العاملة في الغرب استطاعت أن تصبح أكثر غنى لأنها مرتشية من قبل الرأسماليين. ويجب أن يدفع شخص آخر ثمن تلك الرشوة—البلدان الفقيرة. لقد عنى لينين أن الإمبريالية هي الخطوة الطبيعية التالية للرأسمالية، حيث كان على البلدان الفقيرة أن تتخلى عن عملها ومواردها من أجل إطعام الغرب.
تكمن مشكلة هذه الحجة في أن كافة القارات أصبحت أكثر ثروة، بالرغم من تفاوت سرعة ذلك. بالطبع، فإن الشخص الأوروبي الغربي أو الأمريكي العادي أغنى بتسعة عشر مرة مما كان عليه في 1820، ولكن الأمريكي اللاتيني أغنى بتسع مرات والآسيوي بست مرات والأفريقي بثلاث مرات. إذاً، ممن سرقت الثروة؟ إن الوسيلة الوحيدة للإبقاء على هذه النظرية الجوفاء هي العثور على حطام مركبة فضائية متقدمة بشكل مذهل قمنا بإفراغها قبل 200 عاماً. ولكن حتى هذا لا يمكن أن يبقي على النظرية لأنه ما زال علينا أن نبين الجهة التي قامت المخلوقات الفضائية بسرقة مواردها.
من الصحيح أن الاستعمار غالباً ما كان جريمة، وفي بعض الحالات أدى إلى أفعال شنيعة، ولكن العولمة في العقود الماضية تبين أن وجود بلدان رأسمالية غنية يسهل من تطور البلدان الفقيرة إذا ما شاركت في تبادل حر وطوعي للأفكار والبضائع. تعني العولمة أن التقنيات التي كلفت الدول الغنية مليارات الدولارات وانهمكت الأجيال في تطويرها يمكن استخدامها بشكل مباشر في البلدان الأفقر، حيث بإمكانها أن تبيع للأسواق الأغنى وأن تقترض رأس المال من أجل الاستثمار. فإذا كنت تعمل لدى شركة أمريكية في بلد منخفض الدخل، فإنك ستحصل على دخل أكثر بثمان أضعاف من متوسط الدخل في ذلك البلد. ليس لأن الشركات متعددة الجنسيات أكثر كرماً، ولكن لأنها معولمة، وتقوم بجلب آلات وإدارة ترفع من إنتاجية العمال وبالتالي من أجورهم.
لذلك فإن فرص بلد فقير يمتلك مؤسسات ترحب بالسوق الحر تتزايد كلما أصبح العالم أكثر تطوراً. لقد استغرق الأمر من إنجلترا 60 عاماً لمضاعفة دخلها عما كان في 1780، وبعد 100 عاماً، تمكنت السويد من القيام بذلك خلال 40 سنة فقط. وبعد 100 عاماً آخر، تمكنت بلدان مثل تايوان وكوريا الجنوبية والصين وفييتنام من ذلك في ما لا يزيد عن 10 سنوات.
خلال التسعينيات، تمكنت البلدان الفقيرة التي يبلغ عدد سكانها 3 مليارات نسمة من الإندماج في الاقتصاد العالمي، وقد شهدت زيادة في معدلات نموها السنوي بمقدار 5% لكل نسمة. وهذا يعني أن متوسط الدخل سيتضاعف في أقل من 15 سنة. فلنقارن ذلك مع النمو الأبطأ في البلدان الغنية، والنمو السلبي في البلدان النامية حيث يعيش مليار شخص. إن هذه البلدان، وتحديداً في شبه الصحراء الأفريقية، هي الأقل ليبرالية والأقل رأسمالية والأقل اتباعاً للعولمة. يبدو أن لينين قد قلب الأمور رأساً على عقب؛ فالبلدان الفقيرة المرتبطة في التجارة والاستثمار مع البلدان الرأسمالية تنمو بشكل أسرع من تلك البلدان التي لا تزداد فقراً.
دعونا نلقي نظرة سريعة على الإحصائيات لنطلع على أعظم القصص التي لم تروى أبداً. لقد انخفضت نسبة الفقر في الدول النامية من 40% إلى 21% منذ عام 1981. فقد ابتعد ما يقارب من 400 مليون نسمة عن الفقر، وهذه أكبر نسبة لانخفاض الفقر في تاريخ البشرية. وفي السنوات الثلاثين الأخيرة، انخفضت نسبة الجوع المزمن إلى النصف، وكذلك حجم عمالة الأطفال. ومنذ عام 1950، انخفضت نسبة الأمية من 70% إلى 23% مع انخفاض معدل وفيات الأطفال بنسبة الثلثين.
وهكذا يصبح الثري أكثر ثراءً والفقير أغنى بشكل أسرع من الثري. لقد كان كل من ماركس ولينين مخطئين. لنرى ما يقوله اشتراكي معاصر مثل الاقتصادي روبرت هيلبرونر، الذي أقر عام 1989 على الملئ بأن:
“بعد أقل من 75 عاماً على بدء المنافسة رسمياً بين الرأسمالية والاشتراكية، انتهت هذه المنافسة: فقد انتصرت الرأسمالية. فالتغييرات الصاخبة التي تجري في الاتحاد السوفييتي والصين وأوروبا الشرقية قدمت أوضح الأدلة الممكنة على أن الرأسمالية تنظم الشؤون المادية للبشرية بشكل أكثر قبولاً من الاشتراكية.” (دورية المفاهيم الجديدة، شتاء 1989).
لكن هيلبرونر لم يتصالح مع الرأسمالية. فالعقول الجوفاء—التي تتمسك بمقولة أن ربح شخصٍ ما يعني خسارةً للآخر—لا تموت بسهولة. فلا بد لأحدهم أن يدفع ثمن هذا النجاح، أليس كذلك؟ حسناً، لقد قال هيلبرونر أنه ما زال معارضاً للرأسمالية، ولكن هذه المرة لأنها ستؤدي إلى كلفة باهظة على البيئة. فبعد أن كان معارضاً للرأسمالية لأنها “تخلق الضياع والعجز والفقر،” يمكن للاشتراكي الآن أن يعارض الرأسمالية لأنها عالية الكفاءة وتولد الكثير من الثروة، ولذلك فإنها تدمر الطبيعة!
إن هذا الجدل شائع جداً كما أنه مضلل. بدايةً، فإن المداخن العالية لا تمثل أسوأ المشاكل البيئية في العالم. فالأسوأ من ذلك أن الكثير من الأشخاص يقومون بحرق الخشب والفحم وبقايا المحاصيل والروث داخل المنازل للحصول على الدفء ومن أجل الطبخ. وتقتل الأمراض التنفسية حوالي 1.6 شخصاً سنوياً. بالطبع، إن الإنتاج الحديث للطاقة يخلف مشاكل بيئية، ولكنه لا يقتل شخصاً كل عشرين ثانية كما يفعل ذلك القاتل في المطبخ. وتقتل الأمراض المنتقلة من خلال الماء 5 ملايين شخص كل عام. إن عدد الأشخاص الذين يموتون من هاتين المشكلتين البيئيتين يصل إلى ثلاثمائة ضعف عدد القتلى في الحروب سنوياً. ويصدف أنه قد تم القضاء على هذه الأمراض في كل الدول الصناعية على وجه الأرض.
ولكن علاوةً على ذلك، عندما نزداد ثراءً يكون بمقدورنا أيضاً التعامل مع المشاكل البيئية الجديدة التي تخلقها الصناعات الجديدة. عندما تتوفر لدينا الموارد لإنقاذ أطفالنا وغاباتنا فإننا سنبدأ بالاهتمام بشأن إنقاذ الطبيعة، فالتقدم الاقتصادي والتكنولوجي يوفر لنا الوسائل لفعل ذلك. والحركة البيئية هي نتاج لهذا التغير في الاهتمامات.
لقد انخفض التلوث الجوي في أوروبا في السنوات الـ25 الأخيرة بنسبة 40% وبنسبة 30% في الولايات المتحدة. وتتوفر لدينا دراسات مفصلة حول نوعية الهواء في لندن منذ القرن السادس عشر، الذي فسد حتى عام 1890، ولكن منذ ذلك الحين وهو في تحسن مستمر، واليوم فإنه أنظف مما كان عليه الحال في العصور الوسطى. ونجد أن الغابات في نمو كل عقد في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي منذ السبعينيات. فالأنهار والبحيرات أصبحت أقل تلوثاً. ولقد انخفض معدل النفط المسكوب في محيطات العالم بنسبة تتجاوز 90% منذ عام 1980.
بالطبع فإننا نواجه مشاكل بيئية كبيرة. ولكن المشاكل الأكبر أصبحت جزءاً من الماضي، واستطعنا أن نتعامل معها بفضل المزيد من الثروة والمعرفة والتكنولوجيا، ولا أرى سبباً يمنعنا من أن نكون قادرين على الاستمرار في ذلك. وعليه، فهل رأينا أخيراً منافع الليبرالية والرأسمالية؟ حسناًَ، تقريباًَ. لقد كان المؤرخ الماركسي ايريك هوبسباوم أحد الاشتراكيين الذين اضطروا إلى النظر إلى رؤاهم وهي تتهاوى. ولقد أقر بامتعاض بأن الرأسمالية قد أثبتت قوتها في كل شيء تقريباً. ولكن لديه اعتراض أخير: هل تجعلنا الرأسمالية سعداء؟ ماذا بالنسبة لنوعية الحياة؟ يشكل هذا الأمر المعقل الأخير ضد الأسواق الحرة.
لقد قام الاقتصادي البريطاني ريتشارد لايارد بنشر هذا الجدل الذي يأخذ المنحى التالي:
لن يساهم النمو الاقتصادي في جلب المزيد من السعادة ذلك لاننا مهتمون على الاغلب بوضعنا النسبي (أي مستوى دخلنا عندما نقارنه بالآخرين). إن حقيقة كون أحدهم يجني دخلاً أكبر—مما يجعله أكثر سعادةً—تجعل الآخرين أقل سعادة، الأمر الذي يضطرهم إلى العمل بجد أكبر للحفاظ على وضعهم الحالي النسبي. في النهاية فإننا جميعاً أكثر ثراءً، ولكننا لسنا أسعد من ذي قبل، حيث أننا لا نستطيع جميعاً أن نصبح أكثر ثراءً من الآخرين. وهذا يعني أن المستقبل الأفضل لن يؤدي إلى مستقبل أفضل.
نحن نعي أن هنالك نقلة دراماتيكية في رفاهية المواطنين المبلّغ عنها عند انتقال البلدان من دخل وطني مقداره 5000 دولار أمريكي لكل نسمة إلى 15 ألف دولار أمريكي سنوياً لكل نسمة. ولكن عندها تتوقف مستويات الرضا، الأمر الذي يستخلص منه لايارد بعدم وجوب اهتمام كبير بمسألة النمو في البلدان الغنية. وفي الواقع فإنه يريد إعادة هيكلة وقابلية تحرك أقل، والتقليل من العمل الشاق المرتبط بدفع ضرائب عالية وتوفير وقت أكبر لنا إلى الأمور التي تجعلنا أكثر سعادةً، أي العائلة والأصدقاء.
ولكن هل هذا هو الاستنتاج الصحيح؟ تخيل بأنك مسرور لأن لديك حفل ممتع تتطلع إليه في الأسبوع المقبل. وبعد الحفل، يقوم لايارد بإجراء مقابلة معك ويكتشف أنك لست أكثر سروراً بعد الحفل مما كنت عليه قبله. وحينها فإنه سيقوم على الأرجح بتشجيعك على التوقف عن تخصيص الكثير من الوقت والجهد للحفلات، لأنه من الواضح أن ذلك لا يزيد من سعادتك.
يعد هذا استنتاجاً غريباً؛ فإنك لن تمتلك هذا الإحساس بالسعادة والابتهاج إذا لم يكن لديك أموراً جميلة تتطلع قدماً للقيام بها، مثل مآدب الغذاء الممتعة والحفلات الجميلة. أليس من الممكن أن ينطبق الأمر ذاته على الثروة؟ فإن حقيقة أن النمو لا يزيد من السعادة كثيراً لا تعني أنها عقيمة، فقد تكون الحقيقة استمرار النمو الأمر الذي يمكننا من الاستمرار في الإيمان في مستقبل أفضل، ومواصلة المرور بتلك المستويات العالية من السعادة.
نعرف من الأبحاث والاستبيانات أن الأمل يرتبط بالسعادة بصورة وثيقة. فإذا ما أردنا مقابلة رجل أوروبي سعيد، فلنجرب الشخص الذي يفكر في أن وضعه الشخصي سيتحسن في السنوات الخمس القادمة. ونرى الأمر ذاته حالياً لدى مقارنتنا بين الأمريكيين والأوروبيين. ووفقاً لاستطلاعات هاريس للرأي، فإن هنالك 65% في الولايات المتحدة مقابل 44% فقط في الاتحاد الأوروبي يعتقدون أن أوضاعهم ستتحسن في السنوات الخمس القادمة. وبناء على ذلك، فإن 58% من الأمريكيين راضون جداً عن حياتهم، مقارنةً بـ31% فقط من الأوروبيين.
تعاني مجتمعات كاملة في البلدان الفقيرة والموجهة بطريقة سيئة من اليأس. حيث هنالك القليل من الفرص وانعدام الأمل في أن يكون الغد أفضل من اليوم. ولكن الأمل في المستقبل يزداد عندما تبدأ البلدان الفقيرة بالنمو الاقتصادي، وعندما تصبح الأسواق منفتحة وتزداد المداخيل. يمكن أن يساعد ذلك في توضيح سبب وصول السعادة إلى مستويات عالية في الغرب بعد الحرب العالمية الثانية. وعندما يتسارع نمو الاقتصاديات، يبدأ الناس بالاعتقاد بأن أطفالهم سيتمتعون بحياة أفضل من تلك التي كانت لهم.
يمكن أن يكون رفع الضرائب للتثبيط عن العمل والحد من النمو الاقتصادي طريقةً لإيقاف ذلك التقدم. وتبين كافة الدراسات تقريباً أن فقدان الدخل والفرصة يحد من السعادة.
في الواقع، لم تتوقف السعادة عن الازدياد. فوفقاً لـ قاعدة بيانات السعادة العالمية والتي يديرها الباحث الهولندي البارز رووت فينهوفين، فقد ازداد الرضا في معظم البلدان الغربية التي تتوفر لدينا دراسات عنها منذ 1975. هنالك عوائد تقل أكثر فأكثر، ولكن حتى وفقاً لمقياس المعيشة لدينا، فإن الناس يزدادون سعادة كلما ازداد غنى المجتمعات. والأماكن الأكثر سعادة هي أكثرها فردانيةً، أي أمريكا الشمالية وشمال أوروبا وأستراليا.
من الأسباب الأخرى لتلك السعادة هي أن المجتمع الليبرالي والموجه نحو السوق يتيح للناس حرية الاختيار. وفي حال اعتدنا عليها فإننا سنصبح أفضل بصورة مطردة في اختيار الحياة والعمل بالطريقة التي نرغبها. وإذا كنت تعتقد أنك لا تصبح أكثر سعادة عن طريق العمل الجاد وقابلية التحرك، فقم بإهمال هذه النقطة. يبين أحد الاستقصاءات أن 48% من الأمريكيين قاموا بتقليص عدد ساعات العمل في السنوات الخمس الأخيرة ورفضوا الترقية وحدوا من توقعاتهم المادية أو انتقلوا إلى أماكن أكثر هدوءاً. أتريد وجبة سريعة أم عادية؟ في المجتمع الليبرالي، أنت من يقرر.
وهذه هي الحقيقة، طالما أننا أحرار في اتخاذ قراراتنا. ولكن أولئك الذين يستخدمون السعادة لوضع أجندة معادية للسوق سينكرون علينا تلك الحرية. فهم يريدون أن يملون علينا كيفية عيشنا وبالتالي فإنهم سيعملون على الحد من قدرتنا على اتخاذ القرارات في المستقبل.
وبالرغم من انتقاد لايارد الموجه إلى الفردانية والمادية فإنه يقر “بأننا في الغرب أكثر سعادة على الأرجح مما هو الحال في أي مجتمع سابق.” حسناً، في تلك الحالة، فالرجاء الرجاء ألا تقوضوا ذلك المجتمع.
إننا أغنى وأكثر ازدهاراً وسعادة مما كنا عليه أبداً. فنحن نعيش حياة أطول وأكثر أمناً وأكثر حرية من قبل. وقد تمكنا من نقل معرفة وتكنولوجيا وثروة الأجيال السابقة لكل جيل لاحق، وأن نضيف ما لدينا. فقد قللنا من الفقر وصنعنا ثروة أكبر وزدنا من متوسط العمر المتوقع في السنوات الخمسين الماضية بصورة أكبر مما فعلنا في الخمسة آلاف سنة الماضية.
أنا لا أقول أن الكأس نصف ممتلئة بدلاً من كونها نصف فارغة. ولكن ما أقوله إنها قد كانت فارغة. قبل مائتي عام فقط كانت العبودية والإقطاعية والاستبداد تحكم العالم. وبمقاييس أيامنا هذه فقد كانت أغنى البلدان شديدة الفقر. وكانت الفرصة في البقاء على قيد الحياة بعد عامك الأول أقل من الفرصة في البقاء على قيد الحياة إلى سن التقاعد اليوم. على الأقل فإن الكأس اليوم نصف ممتلئة، وتزداد امتلاء في الوقت الذي نتحدث فيه الآن. وإذا ما كانت أمامي الآن، فإنني سأقترح نخباً لإبداع ومثابرة الجنس البشري. بمعنى آخر: لا تقلق—كن سعيداً!
ولكن بالرغم من حقيقة أننا سعداء، يبدو أننا لا نلاحظ ذلك ونعاني القلق.
عندما نسأل الناس حول ما جرى في العالم، فإن الغالبية تقول أن الأمور تزداد سوءاً، فالفقر في ازدياد والطبيعة عرضة للدمار. قمت الأسبوع الماضي بنشر استقصاء يبين أن السويديين يعتقدون أن كافة مؤشرات معايير المعيشة والبيئة التي تتحسن بصورة متسارعة هي في الواقع في تراجع. فعند قراءتنا للصحف نرى المشاكل والفقر والكوارث. والحركات الدولية القوية تعارض العولمة والرأسمالية لأنها تعتقد أنهما تزيدان من التعاسة والجوع. ويضع الباحثون كتباً مفادها أننا جميعاً حزينون ومحبطون.
إذا كان هنالك شيء لم يتحسن في العالم فهو نظرتنا له. لماذا؟ إذا كانت مغامرة الجنس البشري نصراً، لماذا لا ندرك ذلك؟ لماذا لدينا نزعة للتفكير، مثل ماركس ولينين وهيلبرونر وهوبسباوم بأن التقدم الذي نشهده سيؤدي إلى شكل آخر من المشكلة؟ سأحاول أن أقدم بعض التفسيرات لهذه الحقيقة المذهلة والمشوشة.
مشكلة النزعة
أول وأسوأ مجرم في هذه القصة هو النشوء. لقد حول الانتقاء الطبيعي تركيز البشرية نحو المشاكل. من السهل إدراك أن البشر الأقدمين الذين جلسوا بعد تناول وجبة شهية واسترخوا واستمتعوا بحياتهم كانوا قد لا يجدون طعاماً كافياً يقيم أودهم في اليوم التالي، وأنهم كانوا يتعرضون لخطر أن يتم التهامهم من قبل أسد ما. وحيث أن أولئك الذين كانوا مجهدين دوماً ويبحثون عن المشاكل، والذين مارسوا الصيد وجمع طعام أكثر تحسباً لأي طارئ، والذين نظروا بتشكك إلى الأفق هم أولئك الذين وجدوا المأوى قبل العاصفة أو قبل هجوم الأسد. وبالتالي فقد تمكنوا من النجاة، ونقلوا إلينا جيناتهم المشبعة بالقلق والتوتر.
من الضروري أن نكون مدركين للمشاكل لأن المشاكل تعني أن علينا التحرك. فإذا كان منزلي يحترق، فإنني أحتاج لمعرفة ذلك الآن. وحقيقة أن منزلي جميل ليست على ذلك القدر من الأهمية. إذا بلغني معلومات أن هنالك شيء في الطعام قد يسبب مقتل أطفالي، فإنني أحتاج إلى تلك المعلومات الآن. وحقيقة أن هنالك أطباق لذيذة وجديدة في السوق ليست على ذلك القدر من الأهمية.
الجنس البشري هو نوع يقوم بحل المشاكل. فأولئك الذين تمكنوا من حل المشاكل ظلوا على قيد الحياة. وهذا يعني أن علينا الاستمرار في البحث عنهم. ليس علينا أن نتوقف ونستمتع بالنصر لحظة حلنا لمشكلة قديمة ولكن علينا البحث عن المشكلة السيئة القادمة والبدء في العمل على حلها. فليس لنا أن نسهر الليل متأملين في حقيقة أننا تمكنا من معالجة شلل الأطفال والسل، ولكننا نسهر الليل مفكرين في كيفية معالجة الإيدز، ونقلق بشأن ما قد تؤدي إليه انفلونزا الطيور في المستقبل. فنحن لا نفكر كم كان الأمر رائعاً أننا استأصلنا الملاريا من البلدان المتطورة، ولكن نفكر بهول أعداد الناس الذين يموتون من الملاريا يومياً في البلدان النامية.
أشار الكاتب الأمريكي جريغ إيستربروك إلى حقيقة أن المشاكل القديمة، والتي كانت رهيبة في زمانها، تبدو أقل تهديداً بالنظر إلى الوراء، لأننا نعرف أننا قد تمكنا من حلها. ولكن مشاكل العصر غامضة ولم يتم حلها ولذلك فإنها تظل حاضرة في أذهاننا.
قبل بضعة أسابيع، كان الخبر الأول في الأخبار الرئيسية على التلفاز يبين أن هنالك “خطراً بيئياً متنامياً” في أوروبا. وكانت المشكلة في السفن التي أصبحت أكبر باعث لثاني أوكسيد الكبريت في أوروبا.
من جانب آخر، إذا استمعت بانتباه إلى التقرير، فإنك ستدرك أن ذلك لم يحدث بسبب زيادة الانبعاثات من السفن—وهو أمر يحدث ولكن بصورة معتدلة—ولكن بسبب الانخفاض المتزايد للانبعاث من مصادر أخرى. تم تقليص انبعاثات ثاني أوكسيد الكبريت في أوروبا (بما في ذلك السفن) بنسبة تصل إلى 60% في خمس عشرة سنة. وبالتالي فإن الخبر الحقيقي لم يكن حول التحسن الدراماتيكي في الشروط البيئية ولكن في كون السفن أصبحت من الأمور التي ينبغي أن نعالجها، وبالتالي فقد شكلت خبراً.
أنا متفائل. وأعتقد أن هذا التحيز الإدراكي أمرٌ جيدٌ. وهذا ما يبقينا يقظين، وبالتالي نتمكن من حل المشاكل وتحسين العالم. ولكن علينا أن نفهم أن ذلك يعني أن عقولنا منشغلة دائماً بالمشاكل. ولذلك نعتقد أن العالم أسوأ مما هو عليه.
يخلق التقدم نوعاً من التحدي الجديد دائماً، ويفكر العاملون على حل المشاكل بشأن التحديات أكثر من التفكير في التقدم. نعيش حالياً أعماراً أطول من ذي قبل. أليس هذا أمراً رائعاً؟ لا، لأن ذلك يؤدي إلى تكاليف أعلى للتقاعد والرعاية الصحية. أخيراً، ها هي البلدان الفقيرة تحقق تقدماً اقتصادياً، أليس ذلك مدهشاً؟ لا، لأننا نخشى الآن من استيلاء السمكريين البولنديين والمبرمجين الهنود على أعمالنا. هنالك دائماً أمر نخشاه. في السبعينيات من القرن العشرين، عندما كانت درجات الحرارة في انخفاض، كنا قلقين بشأن عصر جليدي جديد. وها هي الآن ترتفع وها نحن نخشى من الانحباس الحراري العالمي. اعتدنا على أن نقلق بشأن كل شخص مصاب بالإحباط، والآن فإن العقاقير المضادة للإحباط قد قللت من الانتحار في البلدان الغنية بحوالي الخمس. وعليه فإننا نخشى الآن بشأن الأعداد الكبيرة من الناس الذين يتناولونها.
التحيز الإعلامي
تقوم وسائل الإعلام باستغلال الاهتمام في المشاكل والكوارث. فنحن نريد أن نسمع آخر الأخبار وأرهبها، لأن عقولنا العائدة إلى العصر الحجري تعتقد أن هذه معلومات هامة يجب علينا التصرف إزائها. بحلول الألفية، قام استقصاء أعدته جامعة نيويورك بإعداد قائمة لـ”أهم الضربات الصحافية”. هل تتوقع أخباراً صحفية حول اللقاحات الجديدة، أو الاختراعات الرائعة، أو زيادة معدلات المعيشة، أو انتشار الديمقراطية من نسبة 0% قبل 100 عام إلى نسبة 60% اليوم؟ ستصاب بخيبة أمل. كانت كافة الضربات حول الحروب والكوارث الطبيعية والمواد الكيماوية الخطرة والسيارات غير الآمنة.
من السهل تصوير المخاطر والحوادث الرهيبة والكوارث ويُعدّ إنتاجها رخيصاً. وذلك فإن الجريمة من المواضيع الشعبية في الأخبار. وتبين الدراسات الأمريكية أنه كلما ازداد الوقت الذي يمضيه الناس في مشاهدة أخبار التلفاز، فإنهم يزدادون مبالغة في مدى الجريمة في مدنهم. أظهرت دراسة مشوقة حول بالتيمور أن 84% من الناس يخافون من أن يقوم المجرمون بإلحاق الأذى بهم أو بمن يحبون، ولكن في ذات الوقت فإن كلاً منهم تقريباً، 92%، قالوا إنهم يشعرون بالأمان في أحيائهم التي يعرفونها بشكل مباشر. ويعتقد جميعهم أن هنالك الكثير من الجريمة في بالتيمور، ولكنهم يعتقدون جميعاً أنها تحدث في مكان آخر في المدينة، في أماكن يسمعون عنها في وسائل الإعلام فقط.
تبرز هذه النتائج مرة تلو الأخرى في الاستقصاءات. يعتقد الناس أنه يتم تدمير البيئة وأن الاقتصاد ينهار ويعتقد الألمان أن إعادة توحيد ألمانيا أمراً سيئاً لمعظم الناس. ولكنهم يعتقدون أيضاً أن بيئتهم المحلية جيدة وأن مواردهم المالية الشخصية في تحسن، وأن إعادة توحيد ألمانيا كان أمراً جيداً بالنسبة لوضعهم الشخصي. تحدث المشاكل والكوارث دائماً في مكان آخر، وإذا كنا جميعاً نعتقد ذلك، فإننا مخطئين جميعاً.
مشكلة العالم المعولَم أن هنالك دائماً فيضان في مكان آخر وأن هنالك دائماً سلسلة من جرائم القتل في مكان آخر، وأن هنالك دائماً جوع في مكان آخر. ولذلك فإن هنالك تزويد مستمر للأشياء المرعبة التي تملأ شاشات التلفاز. إذا كنت لا تعرف الخلفية أو دراسة الإحصائيات، فإن الاستنتاج بأن العالم يزداد سوءاً يعد أمراً مغرياً.
بطريقة ما، أعتقد أن الحركة المناهضة للعولمة هي نتاج لعولمة المعلومات هذه. في الوقت ذاته الذي تم فيه الحد من الفقر المدقع بمعدل النصف في البلدان النامية، يعتقد الكثير من الناس أن الفقر في ازدياد، لأنهم يشاهدون الفقر للمرة الأولى على شاشات التلفاز. ونهتم لأمره بصورة جزئية الآن لأن الفقراء الفيتناميين والصينيين يصنعون القمصان التي نرتديها. وإذا كنتم لا تفهمون هذا السياق، فإنكم ستعتقدون أن سبب فقرهم هو أنهم يصنعون القمصان لنا. وبالرغم—كما قلت—من حقيقة أن الناس الذين يعملون لدى شركة أمريكية متعددة الجنسيات في بلد منخفض الدخل يحصلون على دخل يزيد بثمان مرات عن متوسط الدخل في ذلك البلد.
الاستثناءات أكثر تشويقاً من القواعد
يعزز تحيّزٌ تصوريٌّ آخر على هذا التركيز على المشاكل، في أذهاننا وفي وسائل الإعلام. كل ما هو جديد يعد أخباراً. ونحن نهتم بالاستثناءات. ونحن لا نرى الأمور التي تحيط بنا كل يوم. نرى الأشياء الجديدة، الغريبة وغير المتوقعة. وهذا طبيعي. ليس علينا أن نفسر ونفهم الأمور العادية واليومية، ولكن علينا أن نفهم الاستثناءات. لا نخبر عائلتنا كيف عدنا من أعمالنا اليوم إلا إذا حدث أمر غريب حقاً في طريق العودة.
هذا يعني أن لدينا تحيز معرفي دائماً يشوه نظرتنا إلى العالم. نلاحظ الأمور الخارجة عن المألوف. وفي عالم ينزع إلى التحسن، نميل إلى التشديد على المشاكل المتبقية بصورة أكبر. لا نقرأ في الصحف أن القطار قد وصل بسلام وفي موعده المحدد. ولكننا نقرأ عنه عندما يكون هنالك تحطم للقطار. لا نسمع عن شخص عاد إلى منزله من الحانة، ولكن نسمع عنه إذا تمت مهاجمته وضربه.
لقد شكل هبوط طائرة بسلام عام 1903 خبراً، عندما نجح الأخوان رايت لأول مرة. ولكن منذ كانون الأول 1903، فقد شكل تحطم الطائرات الأخبار. ولذلك، فإننا نبالغ في تكرُّر حوادث التحطم. ومنذ الحرب العالمية الثانية لم نرَ عدداً أقل من حوادث تحطم الطائرات مما فعلنا في عام 2004، بالرغم من الزيادة الهائلة في أعداد الرحلات. كان عدد حوادث التحطم في السبيعينيات أكبر بأربع مرات مما هو عليه حالياً، بالرغم من حقيقة أن لدينا أعداد رحلات تزيد بأربع مرات عما كان عليه الحال آنذاك. ولكن لا تتوقعوا أن تسمعوا بذلك في وسائل الإعلام. ولكن توقعوا بدلاً من ذلك تقارير ضخمة كلما وقع حادث تحطم. إذا عض كلب شخصاً ما لا يشكل ذلك خبراً، ولكن أن يعض رجل كلباً فذلك هو الخبر!
لاحظ المفكر الفرنسي الليبرالي توكوفيل هذه الآلية العقلية في بداية القرن التاسع عشر عندما لاحظ أن الناس بدأوا بنقاش مشكلة الفقر خلال الثورة الصناعية. اعتقد في البداية أن ذلك أمر غريب، حيث أن نمو النظام التصنيعي يعني أجوراً أعلى وبضائع أرخص. كان الفقر في تناقص، ولكن في الوقت ذاته فقد بدا كمشكلة أسوأ من ذي قبل.
لقد استنتج أن ذلك لا يحدث بالرغم من ولكن لأنه تم الحد من الفقر. وفي عصور سابقة، كان الفقر يعتبر أمراً لا بد منه، فهو أمر كان منتشراً في كل مكان، وشيء علينا أن نتعلم كيف نتعايش معه. وقد قامت الديانات الناشئة بشرح فضائل الفقر. ولكن في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عمل التصنيع على إيجاد ثروة غير مسبوقة وتم انتشال الملايين من الفقر. وكانت النتيجة أنه تم النظر إلى الفقر المتبقي بصورة أسوأ من ذي قبل. والآن حيث بإمكان الناس أن يروا أن الفقراء ليسوا إلى جانبنا دائماً، فقد بدأوا بالتساؤل لماذا علينا تحمله. لم يكن ضرورياً، ولكن يمكن له—وينبغي—أن يتغير. لم يعد يُنظَر إلى الفقر كأمر مسلم به، ولكنه الآن مشكلة اجتماعية.
وقد ولّد ذلك انطباعاً لفترة طويلة بأن الثورة الصناعية أنتجت مشاكل اجتماعية أكبر. حسناً، لقد فعلت ذلك بطريقة ما: من خلال جعل الفقر استثناءً فقد أوجدت الفقر كمشكلة في عقول الناس.
والآن، لنطبق اكتشاف توكوفيل على حقيقة أنه يتم القضاء على الفقر بصورة متسارعة في البلدان النامية، وحقيقة أن الناس يخصصون اهتماماً كبيراً لمشكلة الفقر في البلدان النامية.
هل هذا أمرٌ جيد؟
بالطبع، فإن العديد من الجماعات والمؤسسات والمصالح الخاصة من كل من اليمين واليسار تستخدم تحيزنا العقلي لتعزيز برامجها. فإذا تمكنوا من إبراز وجود مشكلة أو كارثة محتملة في مكان ما، فإن بإمكانهم اجتذاب اهتمامنا وحثنا على التحرك الآن.
هل سيتحسن حال المدارس بوجود بعض المال الإضافي؟ من يكترث لذلك؟ هل سيخفق أطفالنا ويصبحون مجرمين دون تخصيص مال إضافي للمدارس؟ حسناً، فلنتحرك الآن! هل أن الضرائب الجديدة لتمويل هذه القضية ستؤدي إلى خفض الاستثمار وتهميش دافعي الضرائب؟ من يهتم لذلك؟ هل ستؤدي إلى تدمير الاقتصاد وطرد الناس من منازلها؟ فلنقم بإلغائها الآن!
لكافة الأطراف مصلحة في تهويل مشاكل عالمنا. وينطبق الأمر ذاته على العلماء والباحثين والسلطات العامة. فإذا أرادوا الحصول على المزيد من المال لأبحاثهم، فعليهم أن يبرزوا المخاطر الكبيرة في المجال الذي يقومون بدراسته، وأن العزوف عن دراسة المواضيع التي يعملون فيها تحديداً بصورة وثيقة يعد أمراً بالغ الخطورة.
كما ينطبق الأمر ذاته على المؤسسات العالمية. ففي أيلول 2005، قام برنامج الأمم المتحدة للتنمية بنشر تقرير التنمية البشرية. وتحدث البيان الصحفي حول المناطق التي تعاني من مشاكل متزايدة، وحول البلدان الثماني عشرة المتأخرة. ويلخص التقرير الحالة العالمية بتعابير مثل “بطاقة الإبلاغ الشاملة حول التقدم تشير إلى قراءة محبطة” و”يتجه العالم نحو كارثة تنموية بشرية.”
ولكن كيف نمت البلدان الفقيرة في المجمل؟ بصورة مخبَّئة في مكان آخر من التقرير، وبصياغة أقل دراماتيكية، يخلص برنامج الأمم المتحدة للتنمية إلى:
“بالرجوع إلى العقد المنصرم فقد تواصل التوجه طويل الأمد نحو التقدم في التنمية البشرية. كمعدل متوسط، فإنه من الممكن اليوم توقع أن يكون الناس الذين يولدون في أحد البلدان النامية أكثر صحة وغنى وأفضل تعليماً من جيل آبائهم.”
ويمضي التقرير في أن البلدان الفقيرة شهدت فقراً أقل في الخمس عشر سنة الأخيرة، وانخفاضاً في معدل وفيات الأطفال الرضع، وتحسناً في الحصول على مياه نظيفة، وأمية أقل، وعدد صراعات أقل، وديمقراطيات أكثر. أهذا ما يسمونه “كارثة تنموية بشرية”!
يمكنهم فعل ذلك لأن ذلك كارثة مقارنة بالآمال في تقدم أكثر سرعة في أماكن أخرى. ولكن إذا لم تكن قارئاً يقظاً، فإن ما ستفهمه هو أن كل شيء يزداد سوءاً، وبالطبع فإن هذا هو الانطباع الذي يريد برنامج الأمم المتحدة للتنمية توليده. لأنه يعتقد أن توقع كارثة عالمية هو الطريقة الوحيدة التي ستجبرنا على التحرك.
أعتقد أن العكس هو الصحيح. إذا استمرّينا في صرف المزيد من الوقت والموارد لمعالجة المشاكل العالمية وجاء برنامج الأمم المتحدة للتنمية ليخبرنا أنه لم يكن له أي تأثير يذكر، فإذن لماذا علينا أن نستمر؟
ولكن ليست هذه هي النقطة التي أريد الوقوف عليها، فالهدف هنا هو فهم نوع التهديدات والتحذيرات التي تشارك فيها الهيئات ذات المصالح الخاصة، وكيف يشوّه ذلك نظرتنا إلى العالم. ويكشف بعضها عن ذلك علانية، ففي مقابلة في مجلة ديسكوفر في تشرين الأول 1989، أوضح مختص البيئة العالم والخبير في التغير المناخي، الذي يتم الاستشهاد به كثيراً، البروفيسور ستيفن شنايدر:
“نحتاج [من أجل إنقاذ الكوكب] إلى الحصول على دعم واسع، للسيطرة على مخيلة الناس. وهذا بالطبع يعني الحصول على كم هائل من التغطية الإعلامية. ولذلك فإن علينا أن نقدم سيناريوهات مرعبة، والخروج ببيانات مبسطة ودراماتيكية وذكر القليل من أي شكوك قد تراودنا… على كل منا أن يقرر ما هو الميزان الصحيح بين أن تكون فعالاً وأن تكون نزيهاً.”
إليكم تجربة فكرية لتسليط الضوء على هذه العملية. تخيلوا أن استنتاجي في هذه المحاضرة هو أن هذا التحيز العقلي يشكل صعوبة إلى حد ما، ولكن بإمكاننا التعايش معه. هل تعتقدون أن محاضرتي هذه ستحظى بمزيد أو قليل من الاهتمام إذا كان الاستنتاج الذي توصلت إليه رهيباً، وسيودي بنا إلى كارثة؟
التدمير الخلاق يبدو هداماً
في حال لم يكن ذلك كافياً، فإن التحيز المعرفي إزاء المشاكل والاستثناءات—وفي حال كان الإعلام والجماعات المهتمة تستغله إلى أبعد الحدود—يشكل مشكلة أخرى: فنحن نركز على المدى القصير وعلى ما هو شخصي بدلاً من التركيز على المدى البعيد وما هو عام. هنالك أمور نراها وأخرى لا نراها، إذا استخدمنا عبارة الاقتصادي الفرنسي فريدريك باستيا من القرن التاسع عشر.
دعوني أبسط هذه المسألة بالرجوع إلى فيلم وثائقي أمريكي قمت بمناقشته مؤخراً في مناظرة تلفزيونية. تحدث الفيلم، الذي أنتجته شركة الإذاعة العامة، حول حقيقة قيام وول مارت بشراء معظم بضائعها من الصين. وقد تم تصوير ذلك ككارثة بالنسبة للولايات المتحدة، وأجري خلال الفيلم مقابلات لمدة ساعة تقريباً مع عمال وأصحاب مصانع فقدوا وظائفهم وأعمالهم بسبب المستوردات الصينية الرخيصة. ويشكل هذا نصراً (1-0) للمناهضين للعولمة.
من الصحيح أن عامل المصنع الأمريكي قد يفقد عمله بسبب ذلك، ولكن هنالك آثار أخرى لم يبرزها الفيلم. فالعامل الصيني يحصل على العمل، بالطبع، وفي حال كان أداؤه جيداً فإنه سينفق دخله الجديد بطريقة ما، الأمر الذي يعني المزيد من الوظائف لشركات التصدير و/أو الشركات الصينية. سيحصل المستهلكون الأمريكيون على أسعار أقل، وعندما يفعلون ذلك فإن بإمكانهم إنفاق القوة الشرائية الإضافية في بضائع وخدمات جديدة، وبالتالي يمكن للأمريكي العاطل عن العمل أن يحصل على وظيفة جديدة في قطاع جديد. وهكذا يستفيد كل من العامل الصيني، وشركات التصدير، والمستهلكون، والقطاعات الجديدة: أي أربع نتائج جيدة، وبمعنى آخر نصر (4-1) لأنصار العولمة والتجارة الحرة.
ولكننا ننزع إلى عدم رؤية هذه الآثار، لأنها شخصية وغير مباشرة. فنحن نرى إغلاق مصنع وعمال يفقدون أعمالهم، وهذه حقيقة واضحة، دماً ولحماً، ويمكن أن تكون ذات علاقة بنا. ولكن حصول عمال آخرين على وظائف جديدة وتحسن القوة الشرائية وإيجاد قطاعات جديدة هو أمر أكثر تجريداً ويحدث لاحقاً وذو تأثيرات واسعة الانتشار، وليس من السهل تصويره كخبر أو ربطه بحقيقة أن لدينا تجارة أكثر حرية.
تعمل الرأسمالية وفقاً لمبدأ التدمير الخلاق. فنحن نوجد بضائع وخدمات أفضل وطرقاً جديدة للإنتاج والتجارة. ولكن من أجل أن نكون قادرين على القيام بأمور جديدة بطرق جديدة، علينا أن نتوقف عن القيام بالأمور القديمة بالطرق القديمة. تكمن المشكلة في أننا ننزع إلى ملاحظة والإبلاغ عن الجانب الهدام وليس الجانب الخلاق لذلك. وقد تحدث الأمريكيون حول المليون وظيفة التي فقدوها في الصناعة منذ عام 1970 أكثر مما تحدثوا حول الستين مليون وظيفة ذات الأجر الأفضل التي حصلوا عليها في قطاعات أخرى في ذات الوقت.
تمثل هذه العقلية سبباً آخر لكون العالم يبدو أسوأ مما هو عليه، ولكون الرأسمالية تجد أعداء لها دائماً. فكلما أبدعتْ وعملتْ الرأسمالية على التحسين، كلما شهدنا المزيد من التقويض والدمار الذي تقوم به.
قام مناهض سويدي للعولمة قبل عدة سنوات بتوضيح أنه دخل في نقاش مع بعض أنصار الرأسمالية “الذين أشاروا إلى الحقائق بصورة مستمرة،” ولكن المناهضين للرأسمالية كانوا أكثر نجاحاً لأنهم “استخدموا أمثلة من الواقع.” الحقائق في مواجهة الأمثلة… الإحصائيات المتجمعة والحقائق المجردة في مواجهة اللحم والدم. ولكنني لست على يقين من سينتصر في مناظرة كهذه. فنحن البشر نفضل القصص والأمثلة التي نرتبط بها. فإذا سمع بعض المستمعين أن عدد الذين يعيشون في فقر مدقع قد أصبح أقل بـ400 مليون شخص مما كان عليه الحال في 1981، ولكن سمع قصة مثيرة حول شخص معين أصابه الفقر خلال هذه الفترة، فإنه ليس من المؤكد أنهم سيعتقدون أنه قد تم الحد من الفقر. وبسبب كافة الآليات والعقليات التي ناقشتها، فإننا لا نسمع بالأمر الأول بمقدار ما نسمع عن الأمر الثاني.
العلاج
بدراسة هذا التحيز العقلي والفكري، فإنني وجدت أن الليبرالية والأسواق الحرة تمكنت من الاستمرار في البقاء إلى الحد الذي هي عليه الآن. ويتوجب عليها أن تقدم فوائد أكبر مما نعتقد للتغلب على هذه المعارضة غير الواعية. ولكن من المؤكد أن هنالك عائق يجعل من التحرير الاقتصادي أمراً أكثر صعوبة. ما الذي يمكننا أن نفعله حيال ذلك؟ كيف يمكننا أن نتعلم العيش في عالم، وبعقلية، يعملان على تضخيم المشاكل والكوارث والمخاطر؟ أعتقد أن نصيرنا الأعظم هو المعرفة. يمكن لمعرفة تحيزنا العقلي أن تعلمنا كيفية تجنب ذلك. مثلاً، كلما سمعنا عن استفحال إحدى المشاكل، علينا أن نحاول معرفة التوجهات بعيدة الأمد لمعرفة إذا كان ذلك حقيقة، أو أنه مجرد مبالغة في انحراف قصير الأمد. وكلما سمعنا عن خطر أو كارثة محتملة فإنه من السيء تصديقها بالكامل كما هو الحال إذا ما تجاهلناها بالكامل.
ولكننا نحتاج أيضاً لمعرفة الأمور التي تعمل على تحسين العالم. وهنا نرى فشل حتى المفكرين الجيدين. وقد أشرت إلى جريغ إيستربروك. لقد قام بوضع كتاب رائع أسماه مفارقة التقدم، حول الحقيقة الغريبة بأن الناس يشعرون بالسوء حيال الأمور التي تتحسن. وقد تعلمت الكثير منه، بالرغم من بعض التحفظات التي لدي. أحد التفسيرات لهذا اللغز هو إحساس “قلق الانهيار” واسع الانتشار، وهو عبارة عن شعور سيء ينتج عن الانغماس في حياة جيدة، وخوف من عدم استمرار ثروتنا، وأن هنالك نوع من التحطم الاقتصادي والانهيار البيئي أو أي كارثة أخرى قد تؤدي إلى إنهائها في أي وقت. ربما كان كل من ماركس ولينين وهيلبرونر وهوبسباوم يعانون من قلق الانهيار؟
ولكنني لا أوافق على أن هذا يشكل مشكلة نفسية. أعتقد أنك إذا كنت لا تفهم مصدر هذه الثروة فإن ذلك يشكل استنتاجاً منطقياً. ولسوء الحظ، فإنني لا أعتقد أن كتاب إيستربروك يساعد القارئ في فهم ذلك. فالأمر برمته يبدو وكأنه تَصادَفَ أن نكون محظوظين، أو أننا سرقنا الثروة من شخص آخر. وإذا كان الأمر كذلك، فليس من المعقول أن نفكر في أنها ستختفي في أي يوم!
ومن أجل استعادة الإيمان في التقدم والمستقبل، علينا أن نفهم ما الذي يخلق هذه الثروة. بالتأكيد إنها ليست الصدفة، ولكنها الرأسمالية. فالحقيقة هي أن الناس الأحرار هم الذين يبدعون، وأننا نعمل على حل المشاكل وأنه كلما زاد عدد الناس الأحياء الذين يتمتعون بحرية التفكير والابتكار، كلما زادت الفرصة في أن يطور بعضهم معرفةً وتكنولوجيا وثروةً مفيدة، وإذا ما كانت الحوافز ملائمة—إذا كان الناس يحصلون على مكافآت على عملهم—فإنهم سيستخدمونها ويطبقونها من أجل تغيير عالمهم نحو الأفضل. وفي عالم يعيش فيه مليارات من الناس الذين لديهم حرية الإبداع، فإن الفرص في عالم أفضل تكون أكبر مما كانت عليه أبداً. ولذلك، علينا أن نؤمن بالمستقبل. ليس بصورة ساذجة وليس كما يعتقد الحتميون بأن الأمور قد تسوء. نحن نعي أن الصراعات والإرهاب والأمراض والكوارث الطبيعية قد تسبب ويمكن لها أن تؤدي إلى دمار هائل. ولكن اعترافاًَ منا بأن الجنس البشري يتمتع بالذكاء، وأن التدفق الحر للمعلومات والأسواق يجعلنا أكثر ذكاء، وأننا نعالج المشاكل بصورة أفضل إذا كنا أحراراً وأغنياء، وأن على كل جيل أن يبني على إنجازات من سبقه، وبالتالي فإن لدينا الكثير لما يمكن أن نبني عليه. ولذلك فإن التقدم الأعظم ما زال في الطريق.
تعدّ الفرص بعيدة الأمد مذهلة. واليوم فإن لدينا المزيد من الناس الذين يعيشون حياة أطول في مجتمعات أكثر حرية من ذي قبل، ولدينا علماء على قيد الحياة أكثر من الذين عاشوا في العصور السابقة مجتمعة، ويحصلون جميعهم على تعليم يعادل تقريباً طول الحياة برمتها في العصور السابقة. ستؤدي التكنولوجيا الحيوية، والتكنولوجيا الدقيقة، وعلم الإنسان الآلي إلى تحسينات هائلة. سنكون أكثر غنى وسنعيش أطول ونتمتع بصحة أفضل. والقارات التي حكم عليها بالتعاسة ستعيش قريباً الحياة التي نعيشها اليوم.
نعلم أن عالمنا سيتحسن في الطرق والتكنولوجيا التي لا يمكن التنبؤ بها بالنسبة لنا كما هو حال الحاسوب أو الطائرة بالنسبة لأسلافنا. لكن في نفس الوقت تعني هذه الآليات الفكرية والعقلية أن الكثير من الناس سيتذمرون باستمرار ويقولون أن الأمور تسوء، وكل مرة نحل فيها مشكلة فإنهم سوف يبحثون عن أخرى جديدة.
لكن لا يتوجب علينا أن نكون هكذا. يمكننا أن نفترض بثقة أنه عندما نقرأ في الصحف عن تحطم طائرة أو عن كارثة فإنه على الرغم من المخاوف من تلك القصة المحددة فحقيقة أن هذا خبر تعني أن هذه هي الاستثناءات وأن العالم ما يزال آمناً تماماً. عندما نرى الآخرين يتذمرون ويركزون على المصاعب فإنه يمكننا أن نستنتج بثقة أنها تعني أن هذه هي الاستثناءات في هذا العالم وأن تركيزهم وجهودهم تعني أن بعض المشاكل في طريقها لأن تحل.
وبما أنني متفائل، أريد أن أختم بتلك الفكرة التي تبعث على الراحة. إذ يُعدّ بعض هذا النوع من الاستياء شرطاً مسبقاً للتطور.
من الجدير أن نعزو الكلمة الأخيرة إلى واحد من المفكرين الأكثر نفاذاً للبصيرة في جميع الأوقات وهو المؤرخ الليبرالي والسياسي في القرن التاسع عشر اللورد ماكوليه والذي حُكم على تفسيره الليبرالي للتاريخ باعتباره ساذجاً؛ (الفكرة البانغلوسية) القائلة بأن الأمور في تحسن مستمر ولكن التي شكلت في الواقع اعترافاً بأنه يمكن للأفراد أن يكونوا مبدعين إذا كانوا أحراراً.
عندما كتب ماكوليه قصته عن إنجلترا لم يستطع أن يصدق لماذا اعتقد الانجليز أن الماضي كان هو الأيام القديمة الجيدة، وحذر الأجيال اللاحقة—نحن—من ألا نصور زمانه تصويراً رومانسياً رغم أنه أفضل من الماضي حيث أنه لا وجود لمدينة فاضلة. وكتب هذا: “يبدو أن تأثير الدليل الذي تم تقديمه للقارئ من الصعب الشك فيه [أن المقاييس الحية تتحسن]. على الرغم من الدليل فإن الكثيرين سيصورون لأنفسهم إنجلترا ستيوارت على أنها دولة أكثر إرضاء من إنجلترا التي نعيشها. قد يبدو للوهلة الأولى أنه من الغريب بالنسبة للمجتمع وبينما يمضي قدماً بسرعة فائقة أنه ينبغي أن ينظر باستمرار إلى الوراء بندم شديد. لكن هاتين النزعتين غير ثابتتين كما قد تظهران، ويمكن أن يتم حلهما بسهولة في نفس المبدأ. تنشأ كلتاهما من نفاد صبرنا بالنسبة لواقع حالنا. وبينما يحثنا نفاد الصبر ذاك على تجاوز الأجيال السابقة، فإنه يقنعنا بالمبالغة في سعادتهم. يعد هذا بمعنى ما غير عقلاني، وكريه فينا، لأن نكون باستمرار ساخطين على الحالة التي تتحسن باستمرار. لكن في الحقيقة هناك تحسن مستمر بدقة بسبب وجود تذمر متواصل. إذا كنا راضين تماماً عن الحاضر ينبغي علينا أن نتوقف عن الاختراع والعمل والادخار من أجل المستقبل.”
محاضرة جون بونيثون السنوية الثانية والعشرون، مركز الدراسات المستقلة، سيدني، الثلاثاء، 11 تشرين الأول 2005.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 22 كانون الأول 2006.

peshwazarabic5 نوفمبر، 20100

المقدمـة

منذ أربعين سنة الآن عرّف البروفيسور هايك بطريقة حاسمة الفهم الخاطىء الأساسي المتعلق باقتصاد الرفاه السائد. هذا الفهم الخاطئ، كما جادل هايك، كان مسؤولا عن الإخفاق في تقدير النقد لإمكانية التخطيط المركزي المستند إلى النظريات الاقتصادية العقلانية—وهو النقد الذي عبّر عنه بقوة ووضوح ميزس، والذي طوره أيضا هايك نفسه. وببساطة، وكما برهن البروفيسور لافوي (1985)، إن المضمون الحقيقي لدرس هايك وأهميته لم يتم استيعابهما من قبل اقتصاديي الرفاه الذين كتبوا حول جدال النظريات الاقتصادية الاشتراكية، بالرغم من أنه تم الإشارة إلى عمل هايك على نطاق واسع.
نحاول في هذا البحث أن نكرر عرض هايك ونطبق مفهومه فيما يتعلق بمشكلة المعرفة وتداعياتها بالنسبة إلى التخطيط الاقتصادي المركزي سواء كان شاملاً أو غير ذلك. وسنستشهد في الفقرات القادمة بصياغة هايك لمفهومه الخاص ونقدم بعض الملاحظات الخاصة به. في الأجزاء اللاحقة من هذا البحث سنبدأ من نقطة انطلاق مختلفة تماماً وبالتالي نصل إلى إعادة صياغة وتطبيق موقف هايك—بيان بعض الأبعاد الراديكالية نوعا ما لإعادة صياغتنا.
طبقاً لهايك (1945: 77-78):
يتم تحديد السمة الخاصة لمشكلة النظام الاقتصادي المستند إلى العقلانية بشكل دقيق من خلال حقيقة مفادها أن المعرفة المتعلقة بالظروف الواجب علينا استخدامها لا توجد أبدا في شكل متكامل أو مركز وإنما فقط كأجزاء متناثرة من المعرفة غير الكاملة والمتناقضة غالبا، والتي يمتلكها كل الأفراد على حدة. وبناءً على ذلك، فالمشكلة الاقتصادية للمجتمع لا تتمثل فقط في كيفية توزيع موارد معينة—إذا كان يقصد بـ”المعينة” أن تكون معطاة إلى فكر منفرد يقوم عمدا بحل المشكلة الناجمة عن هذه “المعطيات”—إنها مشكلة كيفية تأمين أفضل استخدام للموارد معروف لأي عضو في المجتمع، لغايات لا يعرف أهميتها النسبية إلا هؤلاء الأفراد. أو باختصار، إنها مشكلة الانتفاع من المعرفة التي لا تعطى لأي شخص بشكل كامل.
دعنا نسمي مشكلة المعرفة هذه (مشكلة المعرفة الخاصة بهايك). نلاحظ في هذه المرحلة الأولية من نقاشنا أن الموقف المحتمل بخصوص مشكلة المعرفة لهايك، وعلى الأقل للوهلة الأولى، أنها لا تجعل تفوق معيار الكفاءة الاجتماعي غير مقبول مباشرة. إنه من الصحيح، كما أوضح هايك، فإن طبيعة المعرفة التي تتميز بالانتشار تعني أن المشكلة الاقتصادية لا تكمن في توزيع “الموارد الموجودة”، حيث تعني “الموارد الموجودة” تلك الموارد الموجودة والمعروفة لفكر منفرد. في الواقع، فإن المعرفة بحد ذاتها هي مصدر شحيح. لذلك يمكن اعتبار مهمة المخطط المركزي في ظل مشكلة المعرفة الخاصة بهايك بأنها الاستخدام الأكثر كفاءة للمعرفة المتوفرة المنتشرة والموجودة في المجتمع في لحظة ما—مع تقييد إمكانية بلوغ هذا الاستخدام بالتكاليف المترتبة على الاتصال والبحث الضروري نظرا لانتشار المعلومات المتوفرة.
ولذلك قد يبدو أنه لا يوجد شيء يجعل مشكلة المعرفة الخاصة بهايك خارجة عن مجال التخطيط الاقتصادي. وكما يجادل البعض، فإن مشكلة المعرفة تقوم بتعقيد مهام التخطيط: إنها تقدم مصدرا جديدا ودقيقا ومعقدا (المعرفة)؛ وتثير الانتباه حول المميزات الخاصة لهذا المصدر (سمته المتشتتة)؛ وتستدعي الانتباه إلى نوع جديد من التكاليف المطلوبة للبحث والاتصال. ولكن كما قد يبدو، يمكن أن تندرج مشكلة المعرفة الخاصة بهايك تحت المشكلة العامة للاقتصاد المفهومة تقليديا بمصطلحات توزيع الموارد. إن الموضوع الأساسي لهذا البحث هو رفض هذا الفهم لنتائج مشكلة المعرفة الخاصة بهايك.[1]
سأناقش في هذا البحث أن مشكلة ضمان الاستخدام الأفضل للمعرفة المنتشرة لا يمكن في الواقع أن يترجم إلى قضية خاصة لمشكلة تأمين تخصيص أكثر فعالية لموارد المجتمع الأكثر شمولا. وسيلي ذلك أن التخطيط الاجتماعي، بميزاته الخاصة، غير قادر على توضيح مشكلة هايك—هذا التخطيط قادر فقط على أن يحبط ويعيق قوة السوق التلقائية القادرة على المشاركة في مشكلة المعرفة هذه. ومن المهم للتمكن من تطوير هذه المناقشات أن يتم تقديم “مشكلة معرفة” محددة لتبدو للوهلة الأولى أنها تختلف كلياً عن مشكلة المعرفة الخاصة بهايك.
الخطة الفردية ومشكلة المعرفة
في الحياة اليومية يستمر الإنسان بالتخطيط. وقد قام الاقتصاديون باستنباط أن الخطة الفردية تمثل البحث عن المزيد: فالمخطِّط مصمم على الوصول إلى الوضع الأمثل المحاط بالعوائق. هذا هو مفهوم القرار الاقتصادي الذي وضعه ليونيل روبنز بدقة متناهية في عام 1932، وتم تبنيه منذ ذلك الحين أساساً لنظرية الاقتصاد الجزئي. ونشير إلى أن هناك مشكلة حتمية محتملة للمعرفة التي تحيط بمفهوم الخطة الفردية.
تفترض فكرة الخطة مسبقا وجود كيان مُستهدَف—مثل منفعة أو ربح—يجب أن تتم زيادته للحد الأقصى. كما وتفترض وجود عوائق معروفة على الموارد. ووفقا لمصطلحات روبنز، فإنه يُفترض توفر كل من الغايات والوسائل. إنها المعرفة المفترضة من قبل المخطِّط لظروف التخطيط هذه التي تتيح للاقتصاديين فهم الخطة باعتبارها حل لمشكلة تحقيق الحد الأقصى المقيَّدة. يجب ملاحظة أن صلاحية الخطة تعتمد كليا على صلاحية الفرضية أن المخطِّط في الواقع يعرف الظروف المحيطة بقراراته المستقبلية بشكل دقيق. إذا لم يعرف المخطِّط ماذا يريد أن يحقق وما هي الموارد المتوفرة لديه أو ما مدى فعالية هذه الموارد بالنسبة للأهداف المبتغاة، فإن خططه لن تؤدي إلى أفضل النتائج مهما تمت صياغتها بشكل حذر.
يمكننا أن نعرِّف الآن مشكلة المعرفة المناسبة لكل خطة فردية: بسبب نقص في معلومات المخطِّط حول ظروفه الحقيقية يمكن أن تفشل خطته في تحقيق الهدف الأمثل. دعنا نسمي مشكلة المعرفة هذه بـ”مشكلة المعرفة الأساسية”. وهذا سوف يميزها عن ما أسميناه “مشكلة المعرفة الخاصة بهايك”. كما سيوضح ذلك ما نعنيه، حيث أن مشكلة المعرفة الخاصة بهايك يمكن أن تعتبر حالة خاصة لما أسميناه “مشكلة المعرفة الأساسية”.
بالتأكيد فإن ما أسميناه “مشكلة المعرفة الأساسية” تبدو للوهلة الأولى تتشابه بشكل طفيف مع “مشكلة المعرفة الخاصة بهايك”. فمشكلة المعرفة الخاصة بهايك تكمن في طبيعة المعلومات المتوفرة المنتشرة؛ وتكمن مشكلة المعرفة الأساسية في جهل الفرد بالظروف المتعلقة بحالته. علاوة على ذلك، سيُظهر المزيد من التمحيص لكل من مشكلة المعرفة الخاصة بهايك ومشكلة المعرفة الأساسية المعنى الهام الذي بسببه تُعتبر مشكلة هايك مشكلة أساسية. دعنا أولاً نوضح الفهم الخاطئ المحتمل المتعلق بمشكلة المعرفة الأساسية.
مشكلة المعرفة الأساسية واقتصاديات البحث

قد يبدو للوهلة الأولى أنه من الممكن الفرار تماما من مشكلة المعرفة الأساسية التي تحيط بكل خطة فردية عن طريق إضافة مراحل تخطيط جديدة. إذا كان هناك احتمال لإخفاق خطة ما بسبب عدم توفر أحد الموارد الضرورية، فإن هذا التهديد بالإخفاق لن يكون بالضرورة نهائيا؛ وقد يمكن تجنبه من خلال التخطيط التمهيدي الملائم للحصول على هذا المورد. وبدلاً من وضع خطة فردية موجهة إلى الإحراز الفوري للهدف النهائي، فإنه من الضروري أن نقدم أهدافا متوسطة نسعى إلى تحقيقها في سياق الخطط التمهيدية الإضافية. عندئذ، قد تتطلب مشكلة المعرفة الأساسية أيضا التخطيط التمهيدي الحكيم فحسب.
من هذا المنطلق، يبدو أن مشكلة المعرفة الأساسية تمثل النقص في الموارد المتاحة لمورد هام هو المعرفة. وقد يستدعي هذا النقص إجراء بحث مُنظَّم لاكتساب المعلومات المهمة. وقد يُعتقد أنه من الممكن الفرار من مشكلة المعرفة الأساسية على الأقل إلى نفس الدرجة التي يُمكن لأي مشكلة تنتج عن نقص في الموارد أن تجد مخرجاً منه. وللدرجة الجديرة بالاهتمام، قد تستطيع خطة بحث تمهيدية تغطية النقص في المعلومات الضرورية التخلص كليا من مشكلة المعرفة الأساسية. وللدرجة التي يُعتقد أن هذا البحث المكلف غير ذي قيمة، سيبدو أن مشكلة المعرفة الرئيسية تعبر فقط عن الصعوبات الشحيحة التي لا مفر منها والموجودة ضمن وضع المخطِّط. وبالنسبة لعالِم الاقتصاد، فإن مشكلة الشح التي لا مفر منها تعني أنه لا توجد أي مشكلة على الإطلاق بالمعنى المقصود.
وإذا كان من الممكن تجنب مشكلة المعرفة، فإنه سيتم (ومن المفترض أن يتم) الفرار منها؛ وعندما يكون من غير المجدي تجنبها، سيبدو أنه لا وجود لمشكلة المعرفة الأساسية على الإطلاق—حيث أننا قمنا بتعريف مشكلة المعرفة الأساسية على أنها الإخفاق في تحقيق الدرجة المثلى الممكن تحقيقها. إذا كان نقص المعرفة يجعل من غير الممكن تحقيق الدرجة الافتراضية المثلى، فإن ذلك لن يؤدي إلى إحداث مشكلة المعرفة الأساسية. وإذا كانت تكلفة اكتساب المعرفة مانعة، تكون عندها الدرجة الافتراضية المثلى، وإن كان يمكن تحقيقها، غير مثلى على الإطلاق.
لا يمكن لهذا الجدل أن يستديم. فمشكلة المعرفة الأساسية التي تحاصر بقوة كل خطة فردية بطبيعتها لا يمكن الفرار منها. ومن غير ريب، يمكن تصحيح العجز في المعرفة بواسطة البحث وأن المخطِّط المستقل سيأخذ بعين الاعتبار في تخطيطه التمهيدي ضرورة إجراء البحث أو عدمه. ولكن مشكلة المعرفة الأساسية—التي تشمل على إمكانية الإخفاق في إنجاز الأمثل الممكن تحقيقه—تبقى. في الواقع، إن إمكانية التخطيط التمهيدي لاكتساب المعرفة توسع فقط مجال مشكلة المعرفة الأساسية.
دعنا نأخذ بعين الاعتبار الفرد المشارك في خطة والذي يسعى لتحقيق هدف قيّم. دعنا نسمي هذه (الخطة أ). خلال وضع الخطوات المحددة اللازمة لمتابعة (الخطة أ)، يدرك الفرد بأنه يفتقد إلى أجزاء من المعلومات المطلوبة. وعليه، يُعِدّ خطة لتحقيق تلك الأهداف الأولية، ألا وهي أجزاء المعرفة المفقودة. دعنا نسمي خطة البحث هذه (الخطة ب). يمكن أن نعتبر أن (الخطة أ) قد توسعت (نتيجة الجهل) لتشمل التخطيط لإحراز الأهداف الأولية المطلوبة، وبذلك تكون (الخطة ب) مدمجة مع (الخطة أ) الموسعة. وقد نعرِّف الخطوات اللاحقة الواجب اتخاذها في سياق (الخطة أ) الموسعة—تلك الخطوات اللاحقة للحصول على المعلومات من (الخطة ب)—بـ(الخطة أ). ( تتألف (الخطة أ) من الخطوات التي من شأنها أن تشكل الخطة الأصلية (الخطة أ) التي تم تصورها لو كان المخطط لا يفتقد إلى المعلومات المطلوبة). ونلاحظ بأن مشكلة المعرفة الأساسية هي خطر محتمل لكل من (الخطة أ) و(الخطة ب). ومن المؤكد أن (الخطة أ) المشتملة على (الخطة ب) و(الخطة أ) عرضة لنفس نقاط الضعف لكل منهما.
حتى ولو نجحت (الخطة ب) في الحصول على المعلومات المطلوبة المثلى الممكن العثور عليها بالضبط (وكانت تستحق التكاليف المخصصة لهذا البحث)، فإن (الخطة أ) ستكون عرضة للمخاطر المتعلقة بمشكلة المعرفة الأساسية. وبالرغم من أن صانع القرار، وهو ينشد صياغة (الخطة أ)، أدرك أنه ينقصه بعض المعلومات المحددة، ولذلك شرع في وضع (الخطة ب) التمهيدية، قد يكون في الحقيقة يفتقر الى معلومات اكثر مما يعتقد. (الهام في الموضوع أن مثل هذه المعلومات التي لم تُحدد قد تكون على شكل شركة، ولكن من الخطأ أن نؤمن أو نعتقد بصلاحية المعلومات الخاطئة كليا). أضف إلى ذلك أن المخطِّط الفرد قد يكون مخطأ في اعتقاده بأن المعلومات الناقصة هي معلومات ضرورية لتطبيق (الخطة أ) . كما يمكن أن يكون مخطأ في اعتقاده بأنه يفتقد إلى تلك المعلومات، وفي الواقع، قد تكون هذه المعلومات في قبضته الآن.
على سبيل المثال، قد يعتقد المخطِّط بأن (الخطة أ)، وفي سياق اتصاله مع الشخص (س)، تتطلب معلومات متعلقة برقم هاتف (س)، وهي المعلومات التي يعتقد أنه يفتقدها، وعليه يقوم بتنفيذ (الخطة ب) للبحث عن رقم هاتف (س). ولكن الحقيقة يمكن أن تكون مختلفة جدا، وأن (س) هو الشخص الخطأ، أو قد تكون الحقيقة أن (س) هو الآن جالس مع المخطِّط، ولذلك لا حاجة لرقم هاتفه للخطة (أ). أو قد يكون المخطِّط لا يفتقد رقم هاتف (س) على الإطلاق، ويمكن أن يكون رقم الهاتف مكتوباً في قائمة معينة موجودة لديه قرب جهاز الهاتف الذي يستعمله. مع وجود احتمالات الخطأ المحض ضمن (الخطة أ) و/أو (الخطة ب)، حيث يكون المخطِّط غير مدرك بحجم جهله، فإن (الخطة أ) التي تحتوي على (الخطة أ) و(الخطة ب) قد تكون بعيدة عن الأمثل، وإن كانت (الخطة ب) ناجحة من حيث تحقيق أهدافها. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تغفل (الخطة ب) طرقا متاحة وأكثر فعالية لتحقيق أهدافها (فعلى سبيل المثال هناك طرق للبحث ذات تكلفة أقل لم يكن الباحث مدركا لها).
خلاصة القول، فإن احتمال التخطيط للبحث عن المعلومات الناقصة لا يُنهي مشكلة المعرفة. أولاً: يمكن أن يتم البحث بدون المعرفة بأن هناك أساليب متوفرة ذات فعالية أكبر. ثانياً: المعلومات التي يتم البحث عنها قد لا تبرر تكاليف البحث لأن الحقيقة التي يجهلها المخطِّط هي أن المعلومات غير مهمة للوصول إلى أهداف المخطِّط النهائية. وثالثاً: بغض النظر عن المعلومات التي يدرك المخطِّط أنه يفتقدها والتي سيحاول البحث عنها، فإنه قد يفتقد إلى معلومات هو غير مدرك لها ولا يأخذها بعين الاعتبار للقيام بالبحث عنها.
التخطيط المركزي ومشكلة المعرفة
نحن الآن نقدر مفهوم هايك لمشكلة المعرفة المتشتتة التي تُظهر مهمة التخطيط المركزي على أنها مرتبطة بعمق وتعقيد مع مشكلة المعرفة الأساسية. دعنا نضع أنفسنا في مكان المخطِّط المركزي الذي يبحث جديا وبفكر أحادي عن الطريقة المحتملة الأكثر كفاءة لتخصيص الموارد.
وكمخطِّط مركزي، فالمهمة هي صياغة خطة للمجتمع بأسلوب مشابه لذلك الذي يتبعه الفرد في التخطيط لسياق أعماله. نحن نعد خططنا الاجتماعية وفقا لبعض الأهداف الاجتماعية المحددة وفي ضوء تصور معين لمجموعات الموارد الاجتماعية المتاحة.[2] إن هذا الإطار مناسب للتخطيط المركزي لكل من التخطيط الاجتماعي الشامل والتخطيط المركزي المصمم خصيصا لتكميل أو تعديل النشاط الاقتصادي اللامركزي بدلا من إحلاله كليا. هذا التشابه بين الخطة الاجتماعية والخطة الفردية يدفعنا لأن ندرك علاقة مشكلة المعرفة الأساسية بالخطة الاجتماعية بنفس الطريقة التي وجدنا أنها خطر حتمي لا مفر منه بالنسبة للخطة الفردية. ومفهوم هايك يجعلنا ندرك بأن الخطة المركزية قد تكون معرضة للمخاطر (التي تنتج عن مشكلة المعرفة الأساسية) والتي يمكن أن يتم التهرب منها بواسطة التخطيط اللامركزي.
ومن البديهي استنتاج أن الخطة المركزية معرضة بشكل حتمي لمخاطر مشكلة المعرفة الأساسية بناء على مفهوم مشكلة المعرفة الأساسية نفسها. ونظرا لأن المخطِّط المستقل قد لا يكون مدركاً لظروفه الحقيقية وكذلك قد يكون غير مدرك بجهله، قد تفشل أفضل خططه المصاغة بشكل جيد في الحصول على الأمثل. وقد يكون القائمون على التخطيط المركزي أيضا غير مدركين بجهلهم فيما يتعلق بالظروف الحقيقية المناسبة للتخطيط الاجتماعي. ويعمِّق فهمنا للنتائج الخاصة بالمعرفة المتشتتة تقديرنا لجدية وخطورة مشكلة المعرفة الأساسية، ويكشف النقاب عن كيفية إمكانية تخطي مخاطر هذه المشكلة تماما في ظل غياب وجود الخطة المركزية.
إن إدراك حقيقة تشتت المعرفة—وخاصة فيما يتعلق بمعرفة الظروف الخاصة بالوقت والمكان (هايك، 1945: 80)—يوضح فورا فهمنا لمشكلة المعرفة الأساسية التي تهدد الأشخاص المعنيين بالتخطيط المركزي. فبالنسبة للمخطِّط المركزي، تُستمد مشكلة المعرفة الأساسية من الاحتمال بأن ما يعتقده المخطِّط بالنسبة لظروفه يمكن أن يختلف عما كان يمكن أن يعرفه لو كان أكثر يقظة أو إدراكا للبيئة الحقيقية (بدون الإنفاق الإضافي للموارد). ويعتبر الاحتمال نفسه وثيق الصلة بالنسبة للمخطِّط المركزي، ولكنه يزداد بسبب المأزق الخاص الذي يواجهه المخطِّط المركزي. إن ما يعتقده المخطِّط المركزي عن الظروف ذات العلاقة يجب أن يشابه ما يعتقده عن توفر أجزاء المعرفة المتشتتة التي يمكن حشدها، بطريقة ما ومقابل تكلفة، لصياغة وتطبيق الخطة الاجتماعية. وهناك فرصة ضئيلة لأن يعرف المخطِّط المركزي أين يجد أو يبحث عن جميع عناصر المعرفة المتشتتة المعروفة في النظام الاقتصادي. وإضافة إلى ذلك، فإنه يبدو أن هناك فرصة ضئيلة لأن يكون المخطِّط المركزي مدركا تماما لطبيعة مدى الفجوات المحددة في معرفته بهذا الخصوص. ويمكن أن يدرك بشكل عام أنه جاهل لبعض الأمور، ولكن هذا لا يُعطيه أي تلميح للمكان الذي يجب أن يبحث فيه. وفي النهاية، لا يستطيع المخطِّط استغلال كافة المعلومات المتوفرة لديه. وبشكل واضح، فإن انتشار المعلومات يعتبر مسؤولا عن بعد جديد في تطبيق مشكلة المعرفة الأساسية.
لقد ذكرنا سابقاً بأن مشكلة المعرفة الخاصة بهايك، وبالرغم من كونها شيئا جديدا، يمكن أن تندرج ضمن المشكلة الاقتصادية العامة، التي تُفهم تقليديا وفقا للإنجاز الفعال في تخصيص الموارد المتوفرة (وبشمول المعلومات المتاحة كمورد هام متوفر). ويمكن الآن أن نرى كيف أنه من غير المناسب اعتبار أنه بإمكان المخططين المركزيين أن يتفقوا مع مشكلة المعرفة الخاصة بهايك من حيث التخطيط التقليدي لتحقيق النمط الأمثل المحاط بالصعوبات بالنسبة لتخصيص الموارد. إن الجهل غير المعروف، وهو صُلب مشكلة المعرفة الناجمة عن تشتت المعلومات، يتحدى إمكانية المطابقة الصارمة لخطة التخصيص (معيار بروكرستيان). وكما أن المخطِّط الفردي غير قادر على التشبث بشكل متعمد مع مشكلة المعرفة الأساسية المحيطة بعمليات صنع القرار، كذلك الأمر بالنسبة للمخطِّط المركزي: فهو غير قادر على تنفيذ تقنيات للتخطيط ليتفق بشكل متعمد مع مشكلة المعرفة الخاصة بهايك.
الأمر الذي يجعل نقد مشكلة المعرفة الخاصة بهايك للتخطيط المركزي مدمرا هو أنه في حالة نظام إدارة السوق القائم على التخطيط اللامركزي، تُبدَّد مشكلة المعرفة غير الواضحة التي يواجهها المخططون المركزيون من خلال إجراءات الاكتشاف التنافسية لأصحاب المبادرة.
إجراءات الاكتشاف التنافسية لأصحاب المبادرة

هناك فهم خاطئ متكرر لمشكلة هايك الخاصة بصنع القرار اللامركزي. وفي حالات كثيرة، تُعرض هذه الحالة على أنها تجادل بأن اقتصاد السوق اللامركزي ينجو من مشكلة المعرفة المتشتتة لأن الأسعار تنقل المعلومات إلى صناع القرار المعنيين بشكل دقيق (بحيث يستبدل ذلك الحاجة لديهم لمعرفة المعلومات المفصلة المتشتتة خلال النظام). يجب التأكيد على أنه، وبالرغم من وجود هذا السياق من الاستنتاج بشكل واضح في أعمال هايك، إلا أنه لم يستوفه حقه فيما يتعلق بالمعاني الكاملة المتضمنة في ذلك العمل.
إن المجادلة بأن أسعار السوق تعطي وتنقل المعلومات، متغلبة بذلك على مشكلة المعرفة المتشتتة، توضح مسألة الأسواق التي تعتمد على الفرضية المشكوك فيها والتي تنص على أن الأسواق تكون دائما متوازنة أو قريبة من التوازن. ويمكن أن ندّعي أنه عند ذلك التوازن فقط يتم توجيه المشارك في السوق تلقائيا، وبالاسترشاد بأسعار السوق، باتجاه تلك الأعمال التي ستتنسّق بمرونة مع أعمال جميع مشاركي السوق الآخرين.
إضافة إلى ذلك، فإن وضع فرضية أن الأسواق قريبة من التوازن هو (وبمعزل عن الأسباب الأخرى لعدم الشعور بالارتياح المتعلق بواقعية هذه الفرضية) بمثابة الاستجداء من مشكلة هايك للمعرفة المتشتتة بدلا من التغلب عليها. في خضم ما تم ذكره سابقاً، وكما تقدم ظاهرة المعلومات المتشتتة التحدي للمخططين المركزيين، فإنها تقدم إلى الأسواق تحديا مماثلا ألا وهو الوصول إلى منظومات أسعار السوق التي ستخلق توازنا بين العرض والطلب.
لا يتسنى لأحد حل مشكلة المعرفة المتشتتة عن طريق افتراض الأسعار التي ستولد القرارات المرغوبة بلطف. إن المعرفة المتشتتة هي السبب الحقيقي بأن أسعار السوق الموجودة غير قادرة على خلق توازن بين العرض والطلب في الأسواق وضمان عدم هدر الموارد. الحقيقة أن السوق يمتلك أسلحة لمكافحة مشكلة المعرفة المتشتتة (وإن لم يكن قهرها تماما)، وهذه الأسلحة متضمنة في طريقة عمل نظام التسعير، وليست موجودة في النظام الافتراضي لأسعار التوازن. إن أهمية الأسعار فيما يتعلق ﺒمشكلة المعرفة الخاصة بهايك لا تقع ضمن نطاق دقة المعلومات التي ينقلها توازن الأسعار فيما يتعلق بأعمال الآخرين الذين حصلوا على معلومات مشابهة. بل تتمثل أهميتها في قدرة الأسعار غير المتوازنة على تقديم فرص للربح الصافي يمكنها أن تجذب انتباه أصحاب المبادرة المتيقظين الذين يسعون إلى تحقيق الأرباح. ويعبر إخفاق المشاركين في السوق عن نفسه في تنسيق نشاطاتهم بسبب المعرفة المتشتتة من خلال منظمونات الأسعار التي تنبه أصحاب المبادرة كيفية تحقيق أرباح صافية.
هناك معرفة قليلة للطرق المحددة لفرص الربح التي تجذب انتباه أصحاب المبادرة. ولكن، مما لا شك فيه أن لهذه الفرص قوة مغناطيسية جاذبة. إن القول بأن إمكانيات الربح الصافي تجذب الانتباه لا يعني أن إدراك هذه الإمكانيات مضمون بعملية البحث المتأني والمكلف من جانب أصحاب المبادرة. بل يجب إدراك أن إغراء الربح الصافي هو الذي يجعل صاحب القرار يتجاوز حدود إطار الخطة الموضوعة، وينجو من مشكلة المعرفة المتشتتة التي تحيط بصُنع القرار الفردي. إن يقظة أصحاب المبادرة موجودة دائماً لتحل محل تخطيطهم الضيق ضمن إطار الفعل الإنساني الأوسع. وفي نفس الوقت الذي يقوم به الإنسان بعملية احتساب التخصيص الأمثل للموارد المتوفرة آخذا بالاعتبار النتائج المتنافسة، يكون متحفزا لأي شيء قد يوحي بأن الموارد المتاحة مختلفة عن تلك التي تم افتراضها، أو ربما يجب وضع مجموعة أخرى من الأهداف والسعي لتحقيقها.
ويتم الاستجابة إلى إشارات الربح الصافي الناتج عن الأخطاء التي تنشأ عن المعرفة المتشتتة المتوفرة في المجتمع عبر العنصر الربحي في أعمال الإنسان. هذه هي الخميرة التي تخمر عملية الاكتشاف التنافسية لأصحاب المبادرة والتي تُكشف النقاب للمشاركين عن المعلومات ذات العلاقة المنتشرة في السوق. وعليه، فإن هذه العملية التنافسية لأصحاب المبادرة هي التي تتماسك مع مشكلة المعرفة الأساسية التي تواجه سلطات التخطيط المركزي. وللمدى الذي يمكن أن يحل التخطيط المركزي محل عملية الاكتشاف لأصحاب المبادرة، سواء على صعيد التخطيط الشامل للمجتمع أو على صعيد تدخلات الدولة التدريجية في نظام السوق الحر، يقوم المخططون بخنق قدرة السوق على تجاوز مشكلة المعرفة الأساسية معرضين أنفسهم إلى المشكلة ذاتها. إن مصدر المشكلة هو المعرفة المتشتتة الخاصة بهايك: لا توجد أدوات للتخطيط المركزي يمكنه من خلالها أن يتدخل في مشكلة المعرفة المتشتتة، كما إن طبيعته المركزية تعني أن عملية اكتشاف السوق تواجه صعوبات كثيرة، هذا إن لم تتوقف تماماً.
الأسواق والشركات والتخطيط المركزي

منذ بحث رونالد كوز (1937) حول نظرية الشركات، تم إدراك أن كل شركة في اقتصاد السوق هي عبارة عن جزيرة لـ”التخطيط المركزي” المحلي في بحر من قوى السوق التنافسية الهائجة. ففي داخل الشركة، نلاحظ تنسيق النشاطات بواسطة التوجيه المركزي وليس من قبل تنافس السوق عبر آلية الأسعار. يوضح نقاشنا في هذا البحث القوى التي تتحكم في موقع الحدود التي تفصل عالم “التخطيط المركزي” عن نظام الأسعار التنافسية.
لاحظنا أن استبدال اكتشاف السوق (يقظة أصحاب المبادرة لفرص الربح) بالتخطيط المركزي يولد نطاق نفوذ جديد لمشكلة المعرفة الأساسية الناشئة عن تشتت المعرفة. وعليه، وفي إطار نظام السوق الحر، يتم شراء أية ميزة مستمدة من التخطيط المركزي (على سبيل المثال، تجنب الازدواجية التي “تهدر” الموارد والموجودة غالبا في حالات التنافس في السوق) بثمن مشكلة معرفة مُعززة. يمكن أن نتوقع توسعا تلقائيا للشركات إلى الدرجة التي تتوازن فيها المميزات الإضافية للتخطيط المركزي مع الصعوبات المتزايدة للمعرفة التي تنشأ من المعلومات المتشتتة. فعلى نطاق ضيق، يمكن أن تكون هذه الصعوبات الأخيرة غير مهمة بالدرجة الكافية للتعامل معها للاستفادة من التنظيم المنسق بشكل واضح. وقد تعني المعرفة المتشتتة على منطقة جغرافية أو مؤسساتية صغيرة وجود مشكلة المعرفة الخاصة بهايك، والتي لا تشبه المشكلة المتعلقة بمؤسسات كبيرة ومعقدة، والتي يمكن حلها من خلال البحث المتأني. ومع ذلك، وبعد نقطة معينة، فإن صعوبات المعرفة يمكن أن تقلل من أرباح الشركات الكبيرة جداً. إن التنافس بين الشركات ذات الأحجام والمجالات المختلفة سيؤدي إلى كشف النقاب عن الحد الأقصى للتخطيط المركزي.
من جانب آخر، إذا تم فرض التخطيط المركزي على نظام السوق الحر، سواء كان ذلك لاعتبارات شاملة أم لا، فإن هذا التخطيط سيشتمل في الغالب على مشكلة المعرفة إلى حد لا يمكن تبريره بواسطة أي مميزات يمكن أن تمنحها الأنظمة المستندة على المركزية. إن التخطيط المركزي الذي تنفذه الحكومة يُبعد أسلحة السوق العفوية الدقيقة لمصارعة مشكلة المعرفة. وهذا التخطيط المركزي، استنادا إلى طبيعته الذاتية وكذلك طبيعة مشكلة المعرفة، غير قادر على أن يقدم أي أسلحة بديلة.
الخـاتمة

يجب أن نتذكر أنه نظرا لطبيعة مشكلة المعرفة، لا يمكن معرفة مداها وخطورتها سلفاً. إن جزءا من المأساة المتعلقة بمقترحات السياسة الصناعية والتخطيط الاقتصادي هو أن المدافعين عنهما جاهلون تماما بمشكلة المعرفة—المشكلة الناجمة عن عدم إدراك الشخص بجهله.
“التخطيط الاقتصادي ومشكلة المعرفة”: تعليق
ليونيد هورويتز[3]

ملاحظاتي موجهة إلى القضايا التي أثارها تحليل البروفيسور كيرزنر، وليس إلى الاقتراحات المختلفة المطروحة حالياً حول سياسة صناعية قومية، إلا أنني آمل أن تكون لها علاقة كخلفية لتحليل تلك الاقتراحات. كذلك، وما دام أنني أعتزم الإعراب عن مخالفتي لبعض من النقاط التي أثارها البروفيسور كيرزنر، دعوني أؤكد بأنني أتعاطف كلياً مع نقطته الأساسية، ألا وهي: تشتت المعلومات بين وحدات اتخاذ القرار الاقتصادية والتي يطلق عليها “مشكلة المعرفة المتعلقة بهايك”، والقضية الناتجة عنها والتي تتمثل في نقل المعلومات بين مختلف الوحدات.
كثير من الأبحاث التي قمت بها منذ خمسينات القرن الماضي كانت مركّزة حول قضايا اقتصاديات الرفاه، من منظور معلوماتي. إن نظريات هايك (وقد حضرت صفوفه في جامعة لندن للاقتصاد خلال العام الأكاديمي 1938-1939) قد لعبت دوراً رئيسياً في التأثير على تفكيري وقد اعترفت بذلك التأثير. بيد أن آرائي تأثرت أيضاً من قبل أسكار لانج (جامعة شيكاغو 1940-1942) وكذلك لودفيغ فون ميزس، والذي شاركت في ندواته في جنيف خلال الفترة 1938-1949.
والآن، توجد أبحاث كثيرة في هذا الميدان. إن دراسة متأنية لهذه الأبحاث سوف ترينا، في اعتقادي، بأن الفقرات الافتتاحية في بحث البروفيسور كيرزنر (والقائلة بأن درس هايك لم يُستوعَب قط من قبل علماء اقتصاد الرفاه) لا ينطبق على علماء الرفاه في مجموعهم في زمننا الحالي، بغض النظر عما إذا كان ذلك ينطبق أو لا ينطبق على الأبحاث السابقة في هذا الميدان.
دعوني أوضح ها هنا بأنني لا أعتزم أن أجادل حول مزايا أو مساوىء ما يمكن أن يشار إليه بـ”التخطيط المركزي” أو”السياسة الصناعية”. وبدلاً من ذلك، فإن هدفي من ذلك هو إدخال بعض من الشك فيما يتعلق بالحجج المبسطة التي تستخدم في بعض الأحيان في هذا الحقل. أود القول بأن الورقة التي أمامنا—وعلى الرغم من كثير من رؤاها الثمينة—لا تقدم أساساً كافياً لتكوين حكم حول المزايا المعزوة إلى “السوق الحرة”، أو “التخطيط المركزي”، أوغيرهما من أشكال التدخل الحكومي في العملية الاقتصادية. (هذا هو حكم على غرار الأحكام القضائية الاسكتلندية: ليس “مذنباً”، وليس “غير مذنب”، ولكن: “غير مثبت على أنه مذنب”)! الحالة هي كذلك لأسباب عدة، بما في ذلك غموض التعابير المستخدمة، والافتراضات الكامنة التي تصور “البيئة الاقتصادية الكلاسيكية” (والتي ستحدد أدناه)، ومسألة الحوافز، والأحكام القيمية التي تتجاوز معيار الكفاءة.
إن تعابير مثل “التخطيط المركزي” و”السوق الحرة” لهما تفسيرات كثيرة. وعند تحليل مزايا ونقاط ضعف عملية السوق، من الأمور المهمة التمييز بين الأسواق الحرة التامة، وبين الأسواق الاحتكارية أو مجموعة من قلة من الاحتكارات، وغيرهما من الأسواق غير الحرة بالمعنى التام للتعبير. وعلى سبيل المثال، ففي صناعة تتميز بتناقص التكاليف تدريجيا، لن يستطيع البقاء في السوق سوى قلة من الشركات، على الرغم من حرية الدخول للسوق. مثل هذا السوق يمكن تسميته بـ”الحرة”، ولكنه يُميِّلُ احتكار القلة وليس سوق منافسة حقيقية.
إن نظرية اقتصاد الرفاه المعروفة تؤكد نظرية باريتو بالنسبة للكفاءة الأمثل لتوازن قائم في سوق تنافسية كاملة. ولكن، ليست هنالك أسس نظرية للجزم بأن أسواق الاحتكار أو أسواق احتكار القلة تؤدي إلى تخصيص كفءٍ للموارد المتاحة. وفي الحقيقة، فإن التحليل الأولي يظهر بأن أسعار الاحتكار الموحدة أو الأسعار الموحدة في إطار احتكار القلة هما، بشكل عام، أسعار غير كفؤة بمعايير باريتو.[4] يضاف إلى ذلك أنه في ظل ظروف تتسم بالمردود المتزايد، فإن توازناً تنافسياً تاماً، هو بشكل عام مستحيل التحقيق، ذلك لأن تعظيم الربح في ظل سقف محدد للأسعار سوف يستدعي إنتاجاً يتراوح بين الصفر أو إنتاجاً غير محدود. لذا، فإن من الصعب رؤية كيفية تبرير كفاءة السوق الحرة بوجود مردود متعاظم، سواءً تم تفسير المصطلح الأخير بالمنافسة الكاملة، أو، مجرد حرية الدخول.
إن الصعوبات المصاحبة للمردود المتعاظم تشكل فقط حالة خاصة من بين مشكلة أكبر وأهم، إذ إن نظرية ضمان الكفاءة الأمثل لتوازن قائم في سوق تنافسية تفترض غياب العوامل الخارجية، وتستبعد كذلك السلع العامة.[5]
يضاف إلى ذلك، كما رأينا أعلاه، فإن هنالك ظروفاً (مثل المردودات المتزايدة) حيث لا يمكن لأية مجموعة من الأسعار أن تحقق توازناً بين العرض والطلب؛ يستدل من ذلك بأن تنافساً متوازناً تاماً هو أمر مستحيل المنال. وهكذا، ومن أجل ضمان إمكانية وجود أسعار متوازنة—وتعرف من الناحية التقنية الفنية بوجود توازن تنافسي كامل—وكذلك التوازن التنافسي الكامل والأمثل، فإن النظريات ذات العلاقة تقدم مجموعة من الفرضيات، مستبعدةً عوامل مثل الآثار الخارجية، والسلع العامة، والمردودات المتزايدة، وتلك الأصناف من السلع العامة غير القابلة للقسمة، وغير ذلك. وعندما تستوفى جميع هذه المعطيات (مع استبعاد العوامل المقلقة)، فإننا نتحدث عن اقتصاد كلاسيكي أو مناخ كلاسيكي. لذا، فإن النظريات التي تضمن تحقيق التوازن التنافسي الأمثل تفترض وجود بيئة كلاسيكية.
من الناحية العملية، مع ذلك، فإن المرء كثيراً ما يواجه بيئات غير كلاسيكية. التلوث هو مثال على عامل خارجي سلبي مهم، بينما المعلومات المستقاة من الاختراعات الجديدة أو السرور الذي ينشأ من المؤلَّفات الموسيقية تدلل على عوامل خارجية إيجابية أو سلع عامة. الدفاع الوطني هو مثال آخر على سلعة عامة بالغة الأهمية. الجسور والسدود تجسد عدم القابلية للقسمة، وهنالك أمثلة عديدة على اقتصاديات الحجم—والمعروفة بالمردود المتصاعد (للحجم). إنني لا أعرف أي أساس للادعاء بأنه، في مثل هذه الحالات، فإن عمليات السوق الحرة (بغض النظر عن كيفية وصفها) توفر تخصيصاً مثالياً للموارد.
لقد اتضح من عدد من الدراسات (ماونت وريتر 1974؛ أوسانا 1978؛ هورويتز 1977) بأنه في البيئات الكلاسيكية، فإن آلية التسعير التنافسية المثالية تستخدم حداً أدنى من المساحة لنقل رسالتها؛ أي أنها تستخدم الحد الأدنى من المتغيرات لنقل المعلومات بين الوحدات الاقتصادية. وهذا يؤكد نظرية هايك فيما يتعلق بالكفاءة الإعلامية لآلية الأسواق. ولكن، فقد تبين بالأمثلة (هورويتز 1977؛ كالساميليا 1977) بأنه في غياب التحدب لسلسلة احتمال الإنتاج،[6] فقد يكون مستحيلاً إيجاد أية آلية لامركزية ذات كفاءة عند استخدام مساحة ذات أبعاد محدودة لنقل رسالتها.
وبالإضافة إلى الصعوبات في تحقيق الكفاءة في البيئات غير الكلاسيكية، علينا أن نلاحظ بأن الكفاءة هي واحدة فقط من بين المعايير الممكنة، والتي تبنى على أساسها الأحكام التقييمية حول النظم الاقتصادية. بعض الناس قد يكونون مستعدين للتضحية بالكفاءة في سبيل المساواة؛ فبالنسبة لهم، فإن حقيقة أن عملية السوق تحقق الكفاءة، قد تكون غير كافية—حتى لو افترضنا وجود بيئة أو مناخ كلاسيكي. بطبيعة الحال، فإن هذا التوجه لا يحتاج بالضرورة إلى التخلي عن عملية السوق، بل ربما تعزيز ذلك بوسائل مثل الضرائب والدعم المالي. وهكذا، يمكن وضع دور للحكومة على أسس تقييمية، حتى لو تم الاعتراف بأن التدخل الحكومي سوف يؤدي إلى تخفيض كفاءة النظام الاقتصادي.
كما إنني أرى مشكلة في ترويج حجج البروفيسور كيرزنر حول النظرية أعلاه، فيما يتعلق بالتوازن التنافسي الأمثل. إن الورقة أمامنا جازمة في تجنب الاعتماد على الأسواق التي تكون بالفعل في حالة توازن. ولكن في الافتراضات الكلاسيكية، فقط يكون التوازن التنافسي هو الذي يضمن الوضع الأمثل. لذا، فإن أفضل ما يمكن قوله بالنسبة لحالات فقدان التوازن أنها قد تتجه نحو التوازن. وفي الحقيقة، فإن دراسة اشتركت في كتابتها مع أرو وبلوك عام 1959، حددتْ مجموعة من الحالات، حيث كان مثل هذا التوجه نحو التوازن قائماً. ولكن أبحاثاً لاحقة (على سبيل المثال بحث سكارف 1960) قد كشفت النقاب عن أن هذا التوجه ليس موجوداً دائماً، حتى في حالات السوق التنافسية المثالية. وفي جميع الأحوال، فإن من الصعب رؤية كيف يمكن في غياب قوى الاستقرار الادعاء نظرياً بأن الأسواق تؤدي إلى الكفاءة.[7]
إن التأكيد الأساسي في دراسة كيرزنر هو حول ما يسميه المؤلف “مشكلة المعرفة الأساسية.” وإلى الحد الذي يتجاوز فيه هذا القول تشتت المعرفة وفق هايك، فإن “قضية المعرفة الأساسية” هذه تبدو، ببساطة، من منطلق أن معظم القرارات—سواءً من قبل المخططين أو الشركات أو الأفراد—لا بد أن تتم دون توافر معلومات كاملة ودقيقة. لا يوجد أي خلاف حول هذه النقطة. ولكن بعض المناقشات على ما يبدو توحي بأن مثل هذا الوضع من عدم اليقين يجعل اتخاذ أي سلوك عقلاني مستحيلاً منطقياً.
إنني لا أستطيع الاتفاق على ما تقدم. هنالك بالفعل نظريات متطورة حول السلوك العقلاني في حالات عدم اليقين، بما في ذلك نظرية البحث. إن نظرية القرار الإحصائية هي فقط واحدة من فروع هذا العلم. ولكن حتى إذا قبلنا بالصعوبات العملية لسلوكيات البحث الأمثل، فإن المرء يجد نفسه منساقاً إلى إطار ما يسمى بـ”العقلانية المقيدة” (سايمون 1972؛ رادنر 1975).
إنني، بطبيعة الحال، أوافق على أن الناس كثيراً ما يتصرفون من منطلق قناعات ليست صحيحة في الواقع. وفي أفضل الحالات، يكون أملنا أن يكون التصرف عقلانياً في ضوء التنبؤ بالمستقبل وليس من قبيل استرجاع الماضي. ولكن هذه المصاعب تواجه كل إنسان وليس القائمين على التخطيط وحدهم. صحيح أنه إذا كانت معلومات المخطِّط أو قناعاته مستندة إلى نقل غير كامل، فإن ذلك سوف يشكل مصدراً إضافياً للخطأ. ولكن تلك، مرة أخرى، هي مشكلة هايك!
وكما ذكر أعلاه، فإن آلية السوق تخفِّض بالفعل مساحة الرسالة المطلوبة، بيد أن ادعاءاتها قائمة على افتراض وجود بيئة كلاسيكية. ففي مناخات غير كلاسيكية، وحيث هنالك قيم مهمة غير قيمة الكفاءة في الأداء، فإن بالإمكان تقديم حجة بعدم كفاية عمليات السوق، وربما في صالح دور حكومي. ولكن لا يجوز أن يعتبر ذلك مرادفاً للتخطيط الحكومي. وفي الحقيقة، فإن هذا الدور يمكن أن يقتصر على تقدمة وتنفيذ ما يمكن تسميته بـ”قوانين اللعبة”. وبالأخص، قد يشمل ذلك خلق حقوق ملكية من خلال حقوق نشر أو براءة ملكية أو اختراع. إن خلق مثل هذه الحقوق يشكل تدخلاً حكومياً في عملية السوق الحر، ولكن لا يشكل ما أسميه بـ”التخطيط المركزي”. والصيغة الأخيرة ربما يجب أن تُخصَّص لنمط من التدخل الذي يمكن تسميته بـ”الاستهداف الجزئي”، والتي تكون السياسة الصناعية أو مراقبة الأسعار أو التقنين أمثلة عليها، والتي تتخذ الحكومات من خلالها قرارات تتصل بالإنتاج، والانفاق، وأسعار سلع معينة أو مجموعة من السلع.
ومع ذلك، فإن من المهم التمييز بين التخطيط المركزي الشمولي (الذي تجري محاولته في الاتحاد السوفييتي) من ناحية، وعناصر من تخطيط تلحق باقتصاديات السوق الحرة (كما نراه عادة في البلدان الغربية) من ناحية أخرى. هكذا، يجب أن نعترف بأن ما بين الاقتصاد الحر والاقتصاد المركزي الشمولي (الاستهداف الجزئي) مساحة من الاحتمالات الممكنة، بعضها يشمل استهدافاً جزئياً، وبعضها الآخر تدخلاً حكومياً بقوانين اللعبة (وبدون عنصر التخطيط أو الاستهداف الجزئي).
شخصياً، فإنني أتفق في الرأي مع البروفيسور كيرزنر بأن دولة كبيرة حديثة هي فوق الحجم الأمثل حتى تكون وحدة قابلة للاستهداف الجزئي. أسباب قناعتي—بالإضافة إلى حقل المعرفة الذي أشار إليه البروفيسور كيرزنر—لها علاقة بإحباط الحوافز الشخصية نحو الإبداع أو الكفاءة،[8] بسبب نمط تخطيط جزئي، كما هو الحال في الاتحاد السوفييتي أو الصين. ولكن ذلك لا يعني بأن النظام الحر يشكل حلاً عالمياً شاملاً.
وبالأخص، ما زال يتوجب تقديم الدليل (كما هو الادعاء في الصفحة 417) بأن “التنافس بين الشركات من أحكام ومجالات مختلفة تتجه نحو إظهار الحد الأمثل لمثل ذلك (التنظيم المركزي).”
ففي مناخ كلاسيكي ربما يكون ذلك صحيحاً، ولكن من حق المرء أن يتساءل، على سبيل المثال، عما إذا كان التوجه نحو الاندماج الذي يجري حالياً في الولايات المتحدة من شأنه منطقياً أن يدفع الاقتصاد إلى مزيد من الاقتراب من الأداء الأمثل. إذا كانت النتيجة هي الاحتكار، فإن عدم الكفاءة سوف تتبع.
دعوني أقدم اعتراضاً آخر حول الكلمة الختامية في دراسة كيرزنر، والقائلة بأن دعاة السياسة الصناعية أو التخطيط المركزي، إنما ينطلقون بالضرورة من انعدام الإدراك بمشكلة المعرفة (دعاتها المخلصون غير الواعين كلياً لمشكلة المعرفة). في رأيي، فإن انعدام تقدير أهمية الحوافز يشكل مسألة أكثر خطورة. (الصين هي مثل على اقتصاد يدار مركزياً، وقد اعترفَتْ بأهمية الحوافز وبمنافع الإدارة اللامركزية). إن بعض الدعاة يرون السياسة الصناعية كحل يأتي في المرتبة الثانية، بالنظر للعيوب القائمة في الأسواق المحلية والدولية، وعلى الرغم من الصعوبات الناشئة عن مشكلة المعرفة. يستطيع المرء أن يختلف مع الرأي القائل بأن هذه قضية تأتي في المرتبة الثانية، ولكن دون أن يُتهم دعاتها بعدم الوعي بمثالبها.
إن قضية الدور المناسب للأسواق وللتدخل الحكومي هي قضية معقدة، ومن وجهة نظري، فإن الحل لا يكمن في أيّ من الطرفين المتعارضين. التحليل الموضوعي، والذي تُعتبر دراسة البروفيسور كيرزنر مساهمة مهمة لها، يُظهر المزايا والنواقص للحلول القائمة على طرفي نقيض؛ إنه يشير إلى نقاط القوة في اقتصاد السوق، مثلما يشير إلى تلك النواقص التي تبرر البحث عن وسائل مؤسسية إضافية تشمل تدخل القطاع العام. والأرجح بأن الأجوبة لن تسر الأيديولوجيين في كلا النقيضين.
ملاحظات
[1] لقد عمّق هايك (1979: 190) فهمنا لمشكلة المعرفة المتشتتة والتي تذهب إلى حد أبعد من “الاستفادة من المعلومات المتعلقة بالحقائق الراسخة التي يمتلكها الأفراد.” هو الآن يؤكد على مشكلة استخدام القدرات التي يمتلكها الأفراد لاكتشاف المعلومات الراسخة. وهذا يقود هايك إلى توضيح أنه لأن الشخص “سيكتشف ما يعرفه أو يمكنه أن يكتشف ذلك فقط عندما يواجه مشكلة حيث سيساعده ذلك،” فإنه قد لا يكون قادرا أبدا “على أن ينقل كل المعلومات التي يحصل عليها.” لقد قام البروفيسور لافوي أيضا من خلال عمل له لم يتم نشره، وبناء على أفكار من أعمال مايكل بولاني، بالتأكيد على الصلة المتعلقة بالحقيقة الضمنية للمشكلة الاجتماعية للانتفاع بالمعرفة المتشتتة. إن البحث الحالي يتوصل إلى استنتاجات مماثلة ولكن من بداية مختلفة إلى حد ما.
[2] نتجنب هنا شرح أي من الصعوبات المعروفة المحيطة بـِ: (أ) مفهوم التسلسل الهرمي للأهداف الاجتماعية المشابه بتصنيف الأهداف الفردية؛ و(ب) المفاهيم ذات العلاقة بالكفاءة الاجتماعية والاختيار الاجتماعي.
[3] أستاذ روجنتس للاقتصاد في جامعة مينيسوتا.
[4] نظرية كوز، كما أفهمها، فقط تقوم باستكشاف أبعاد طرح فرضية مفادها أن العناصر الاقتصادية التي تمتلك المعلومات وتعمل في السوق دون قيود اقتصادية ستصل إلى تخصيص باريتو الامثل. بيد أن الأسعار الموحدة في ظل الاحتكار أو احتكار القلة لا تلبي هذه الفرضية.
[5] حسب التعريف المعتاد، السلع العامة هي ذلك الصنف من السلع أو الخدمات التي تتواجد باستعمالها من قبل الشخص (أ) لا يتعارض مع احتمال استعمالها من قبل الشخص (ب) (ويمكن للحكومة أو القطاع الخاص تزويد هذا الصنف من السلع).
[6] العوائد المتزايدة هي حالة خاصة لعدم انحداب سلسلة احتمال الإنتاج.
[7] إني أؤكد كلمة “نظريا” لأنه لا البروفيسور كيرزنر ولا أنا نحاول معالجة البيّنات التجريبية فيما يتعلق بالاداء الحقيقي للأنظمة الاقتصادية المختلفة.
[8] البروفيسور كيرزنر يعترف بدور الحوافز في البحث عن المعرفة. وإني اشير ها هنا إلى حوافز السلوك الكفؤ على ضوء المعرفة المتوفرة.
مجلة كيتو، المجلد 4، رقم 2 (خريف 1984).
© معهد كيتو، منبر الحرية 12 تشرين الثاني 2006.

peshwazarabic5 نوفمبر، 20101

ملخص تنفيذي

تعتبر التجارة الحرة أداة فعالة لتحسين صحة الإنسان، لسببين رئيسيين. الأول والأكثر أهمية، هو أن تحرير التجارة بين الأفراد والدول سبيل مثبّت لزيادة الرخاء الاقتصادي والثروة.
الثروة ضرورية للصحة لأنها تفسح المجال للناس لشراء التحسينات اللازمة لظروف معيشتهم. فالرخاء الاقتصادي يصطحب معه التّصحاح المقبول، والمياه الآمنة، والوقود المنزلي النظيف والكافي. إن الافتقار إلى هذه الضروريات مسؤول مباشرة عن نسبة كبيرة من الوفيات وانتشار المرض في أكثر الدول فقراً في العالم. في حين أن شعوب الدول الأكثر ثراء يملكون الموارد التي تكفل لهم التغذية الجيدة والعيش تحت ظروف صحية. ولهذا السبب بدأ متوسط العمر المتوقع بالارتفاع في هذه المناطق منذ بدء النمو الاقتصادي الحديث للثورة الصناعية.
السبب الثاني لاعتبار التجارة أداة فعالة لتحسين الصحة يتصل بما يسمى “نقل التكنولوجيا”. قبل القرن التاسع عشر، كانت التجارة عبر الحدود مقتصرة على عدد قليل من الدول. أما اليوم، فتقوم كافة الدول بالتجارة على الصعيد الدولي مع حدوث زيادة ملحوظة مؤخرا في نصيب الدول منخفضة الدخل في التجارة العالمية.
ونتيجة لهذا النمو في التبادل العالمي للسلع والخدمات، انتشرت المعلومات والتقنيات المتعلقة بالصحة والتي نشأت في الدول الغنية إلى باقي دول العالم. في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية، كان للانتشار العالمي للأدوية—مثل البنسيلين الذي تم اكتشافه وتطويره في بريطانيا—تأثير ضخم على معدل الوفيات في دول عديدة. وعلى نحو مماثل، أدى انتشار التقنيات الأخرى التي تم تطويرها في الدول الغنية، مثل مبيد الـ دي. دي. تي. (دايكلورو ديفينيل ترايكلورو إيثان)، إلى انخفاض حالات الملاريا في العالم بشكل بالغ. ويعتقد بعض الاقتصاديين أن انتشار التكنولوجيا، الذي يُسر بواسطة التجارة الحرة، هو السبب الرئيسي في الارتفاع المستمر لمتوسط العمر المتوقع في معظم أنحاء العالم في السنوات الخمسين الأخيرة.
ومع ذلك، إدعى البعض أن تحرير التجارة، وخصوصا الاتفاقيات مثل تلك المدارة من قبل منظمة التجارة العالمية، تؤذي الفقراء. هذه الإدعاءات غير مدعومة بالبراهين.
لقد اتُهِمت الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات (الجاتس)، وهي إحدى اتفاقيات منظمة التجارة العالمية، بتقويض السلطة وبفرضها خصخصة الخدمات الصحية، بينما الواقع أن الجات تمنح الموقعين درجة عالية من المرونة. إضافة إلى ذلك، وأسوة باتفاقيات التجارة الأخرى، فإن اتفاقية الجات طوعية وتعتمد على الاعتراف المتبادل وليس الإكراه. علاوة على ذلك، قد تعمل اتفاقية الجات على تحفيز نقل التكنولوجيا والمعرفة لأنها تشجع تبني الأشياء المفيدة مثل الطب عن بعد والسياحة العلاجية ومستويات مناسبة للتأمين الصحي. كما أنها قد تساعد على التغلب على ما يسمى “بتفريغ العقول” للكوادر الطبية من الجنوب للشمال عبر توفير فرص عمل محلية أفضل.
كما تم اتهام اتفاقية الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (تريبس)، وهي اتفاقية أخرى لمنظمة التجارة العالمية، ومن ضمن اتهامات أخرى، باحتجاز نقل المعرفة من “الشمال” إلى “الجنوب”. وفي الواقع، فإن العكس هو الصحيح. لقد جعلت الهند مؤخرا تشريعاتها المحلية متوافقة مع التريبس، وكانت النتيجة تدفقا هائلا من الخبرات ورؤوس الأموال الأجنبية في مجالات البحث والتنمية. وتدل المؤشرات الأولية على أن هذا القانون المتوافق مع اتفاقية التريبس سيُتيح بيئة تستطيع الهند من خلالها أن تطور مجموعة جديدة من أدوية الأمراض التي تُؤثر على سكانها.
وفي هذه الأثناء، تُتهم أيضا اتفاقيات التجارة الحرة المختلفة الموقعة بين الولايات المتحدة الأمريكية والشركاء الثنائيين بتأخير نقل التكنولوجيا عبر تعزيز حماية الملكية الفكرية. والحقيقة هي أن معظم اتفاقيات التجارة الحرة هذه تحتفظ بمرونة التريبس، كما ويوجد إلزام للآخرين. ستسمح هذه الاتفاقيات من خلال حماية الملكية الفكرية قيام المصنعين المحليين بتطوير منتجاتهم الخاصة تحت تهديد أقل بكثير لخطر القرصنة التي تتسبب في تناقص الربح. وكذلك، سيتم طمأنة الشركات متعددة الجنسيات من أن أملاكهم ستكون آمنة في أي بلد موقِّع على الاتفاقيات، مما يؤدي إلى زيادة الاستثمار الأجنبي ونقل التكنولوجيا.
للتجارة الحرة أثر إيجابي على الصحة، ولذلك، فإن استمرار الحكومات في فرض قيود على التجارة أمر يستحق الشجب. ومن المروع أن يستمر إخضاع الأدوية والأجهزة الطبية لمجموعة من رسوم الاستيراد في معظم البلدان ذات الدخول المنخفضة، مما ينتج عنه عدم تمكن العديد من المرضى توفير ثمن العلاج. يجب أن تكون إزالة هذه القيود غيرالمعقولة من الأمور ذات الأولوية بالنسبة للقائمين على المفاوضات التجارية القلقين إزاء صحة الفئة الأكثر فقرا.
إضافة إلى ذلك، هناك قضية معنوية قوية لإعطاء الأولوية لإزالة التعرفات المفروضة على التقنيات التي تُمكّن توفير المياه والطاقة النظيفتين. إن المياه والوقود غير النظيفين هما من أكبر مُسببات المرض في البلدان ذات الدخول المتدنية—مما يؤدي إلى حدوث أكثر من 4 ملايين حالة وفاة في السنة، معظمها من النساء والأطفال. فيجب أن يتم إلغاء هذه الرسوم بأسرع وقت ممكن. وإذا كان من غير المقبول سياسيا إزالة هذه الرسوم من جانب واحد، عندها ينبغي إزالتها في إطار مفاوضات الوصول إلى السلع والخدمات البيئية في جولة الدوحة متعددة الأطراف الحالية.
أخيراً، هناك ضرورة أخلاقية مطلقة لإزالة القيود المفروضة على الإتجار في الأغذية، لأن سوء التغذية لا يزال يمثل مشكلة رئيسية في أنحاء كثيرة من العالم. وينطبق هذا على العديد من الدول في إفريقيا التي تُبقي على التعرفات الضارة على المنتجات الزراعة من الدول المجاورة.
الثروة والتجارة والصحة

يُظهر تاريخ البشرية أن أضمن الطرق وأكثرها استدامة لتحسين صحة الإنسان يتمثل في زيادة ثروة ورخاء الفرد. ولقد أظهرت دراسة قام بها الاقتصادييْن لانت بريتشيت ولورانس سمرز في عام 1996 التأثيرَ الكبير على الصحة المترتبَ على زيادة الدخل حيث وجَدا تأثيراً سببياً قوياً للدخل على معدل وفيات الأطفال، وبيَّنا أنه لو ارتفع معدل النمو للعالم النامي في الثمانينيات بحوالي 1.5 نقطة مئوية، لكان من الممكن تفادي وفاة نصف مليون طفل.
في الواقع، تم تحسين صحة سكان العالم منذ بدء النمو الاقتصادي الحديث المتزامن مع الثورة الصناعية. فتحسن معدل وفيات الأطفال ومتوسط العمر المتوقع بشكل ملحوظ حول العالم، وأصبح هناك وفرة في الغذاء زهيد الثمن أكثر من أي وقت مضى. ولقد تحسنت هذه المؤشرات التي تدل على تحسن حياة الإنسان بشكل ملفت للنظر في البلدان الغنية منذ منتصف القرن التاسع عشر عندما بدأت الدول بتطهير إمدادات المياه ووضع التدابير الأساسية للصحة العامة، مثل التّصحاح والبسترة والتطعيم. وفي النصف الأول من القرن العشرين، أضيفت العديد من المواد إلى ترسانة الأسلحة ضد المرض مثل المضادات الحيوية والمبيدات مثل الـ دي. دي. تي ومجموعة من اللقاحات. وعندما تم قهر الأمراض المعدية والطفيلية التقليدية بشكل جوهري، قامت الدول الغنية بتحويل إبداعها وثروتها نحو التعامل مع ما يُسمّى بـ”أمراض الغنى”: السرطان وأمراض القلب والسكتات القلبية (إضافة إلى نقص المناعة المكتسبة/الإيدز وهو مرض معدٍ غير تقليدي). وبالرغم من أنه لم تتم هزيمة هذه الأمراض بعد، إلا أنه يوجد الآن مجموعة واسعة من العلاجات والأدوية والتكنولوجيات الجديدة لتخفيف آثارها.
خلال النصف الثاني من القرن العشرين، أدى انتشار التكنولوجيا من الدول الغنية إلى الدول منخفضة الدخل، وكذلك الزيادة في ثروة الدول منخفضة الدخل، إلى ما يوصف بثالث الثلاث موجات الكبرى لانخفاض معدل الوفيات (غواتكين، 1980). شهدت هذه الفترة زيادة في وسائل الحصول على المياه المأمونة وخدمات التِّصحاح في البلدان منخفضة الدخل؛ والتي كانت، وبالاقتران مع الزيادات الحاصلة في كل من نصيب الفرد من الغذاء وخدمات الصحة العامة الأساسية والمعرفة بأساسيات العادات الصحية والأدوية الحديثة (مثل المضادات الحيوية واختبارات التشخيص المبكر)، فعّالة في خفض معدلات الوفيات.
ونتيجة لهذه التطورات، طال متوسط العمر المتوقع في كافة أنحاء العالم، ولم يقتصر ذلك على الدول الغنية فقط. فازداد متوسط العمر المتوقع العالمي من 46.6 سنة في الفترة من 1950-1955 إلى 66.8 سنة بين 1950-1955 و2003، بانتشار المعرفة والتكنولوجيا حول العالم (البنك الدولي، 2005). يوضح الشكل 1 العلاقة بين الثروة والصحة، مبينا أن متوسط العمر المتوقع يزداد بزيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.[1]

التجارة والصحة

من الواضح أن الإنسانية تدين بالصحة الجيدة الحالية وغير المسبوقة إلى الرخاء المتزايد وانتشار التقدم في المعرفة. وستكون هذه المعرفة محدودة الأهمية من دون الموارد الاقتصادية اللازمة لتنفيذها؛ على سبيل المثال، فإن نظم الصرف الصحي مكلفة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى برامج التحصين الجماعية أو بناء مساكن صحية.
ولكن، لم يكن ليتحقق الكثير من هذا النمو الاقتصادي ونشرالمعرفة الصحية دون الزيادة الكبيرة في التجارة الدولية التي تُميِّز أواخر القرن التاسع عشر والنصف الثاني من القرن العشرين. قبل القرن التاسع عشر، كانت التجارة عبر الحدود محصورة بعدد قليل من الدول. أما اليوم، فإن جميع البلدان تتاجر دوليا كما أنها تتاجر بنسب متزايدة وهامة من دخلها القومي، مع بعض الاستثناءات مثل كوريا الشمالية. وبينما لا تزال الدول ذات الدخول المرتفعة تُمثل ثلاثة أرباع التجارة العالمية في عام 2000، شهدت الدول ذات الدخل المنخفض مؤخرا ارتفاع نصيبها بحوالي الثلث عندما قامت بتخفيض التعرفات الجمركية وإزالة الحواجز الأخرى أمام التجارة الحرة. ولقد انخفض متوسط التعرفة في البلدان المنخفضة الدخل من 25% في أواخر الثمانينات إلى 11% اليوم (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، 2005). ووفقا لمنظمة التجارة العالمية، فإن الدول ذات الدخل المنخفض تسيطر على 31% من تجارة السلع العالمية، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها منذ الخمسينات (منظمة التجارة العالمية، 2005).
الحواجز أمام فتح الأسواق

استطاعت البلدان منخفضة الدخل أن تبدأ بالمشاركة بنجاح في الأسواق العالمية إلى حد ما من خلال التخلي عن سياسات الحمائية القديمة لفترة ما بعد الحرب. وكانت سياسات تصنيع بدائل الاستيراد رئيسية من بين هذه السياسات، والذي جرى الترويج لها على نطاق واسع جداً بعد الحرب العالمية الثانية وطُبقت بشكل قوي وبحماس كبير في البلدان منخفضة الدخل، وخاصة في إفريقيا بعد الاستقلال.
كان تبرير سياسات تصنيع بدائل الاستيراد مزدوجا. أولاً، اتُّخذ كأمر مسلم به من أن التصنيع أمر ضروري للتنمية. ثانيا، افتُرِض أن باستطاعة الحكومات أن تُسرع هذه العملية بمنع استيراد السلع الصناعية، مشجعة بذلك تطوير الصناعة المحلية.
وباتباع النصيحة المقدمة من أنصار سياسات تصنيع بدائل الاستيراد، وضعت البرازيل واقتصادات أخرى في أمريكا اللاتينية قيودا ضخمة، مثل القيود الجمركية والحصص والحظر الكامل على استيراد السلع الصناعية. ونتيجة لذلك، حصل زيادة مؤقتة في الإنتاج الصناعي. هذا الأمر ليس مستغربا: فإذا تم تقييد استيراد البضائع التي يستوردها الناس عادة، عندها سيقوم الإنتاج المحلي بتعويض ذلك إلى حد ما.
كانت التكلفة الأولية انخفاضا في الإنتاج الزراعي بسبب انتقال العوامل المنتجة إلى الصناعة وبعيدا عن الزراعة، وهجرة الناس من الريف إلى المدن. وبعد فترة من الزمن، بدأ الإنتاج الصناعي بالانخفاض. ويعود هذا في الأساس إلى أن الإنتاج لم يعد تنافسيا. وأصبحت كفاءة المنتجات مقيدة لأنه لم يعد بالإمكان شراء مدخلات الإنتاج الأساسية من الخارج. وارتفعت تكاليف المدخلات مما أدى بدوره إلى أن أصبح إنجاز المنافسين الخارجيين أفضل.
بدأت الحكومات بتقديم الدعم المالي للصناعات التي كانت ترعاها بواسطة سياسات تصنيع بدائل الاستيراد بهدف إنقاذها. فقامت برفع الضرائب على قطاع الزراعة وسيّلت ديون الحكومة من خلال التضخم لتسديد هذا الدعم. وكانت النتيجة تضخما جامحا مشتركا مع البطالة ومعدلات نمو سلبية.


إضافة إلى ذلك، خُلقت فوضى اجتماعية. ويرجع ذلك إلى هجرة العديد من الناس إلى المدن والذين أصبحوا الآن عاطلين عن العمل. ولو كان هؤلاء عاطلين عن العمل في الريف، لكان لديهم دعم الشبكات الاجتماعية التي تم إنشاؤها على مدى العقود. ولكنّ المهاجرين الجدد إلى المدن لم يقوموا بتطوير هذه الشبكات.
التجارة المفتوحة تحسن الصحة

لحسن الحظ، اتفقت معظم الدول باختتام جولة أوروغواي من المفاوضات في عام 1994 على التحرك بعيدا عن هذه الاستراتيجية المضادة للإنتاج وكذلك على خفض تعرفات الحماية الجمركية بشكل كبير. في كثير من البلدان، أدى هذا إلى إرساء أسس النمو الاقتصادي السريع وتعميق الاندماج في الاقتصاد العالمي.
وفضلا عن كون النصف الثاني من القرن العشرين فترة زيادة التجارة العالمية والنشاط الاقتصادي، فلقد شهد أيضا تحسنا ملحوظا في الصحة في معظم البلدان منخفضة الدخل. فعلى سبيل المثال، انخفض معدل وفيات الأطفال في الهند بين أعوام 1950-55 وعام 2003 من 190 إلى 63 لكل 1000. في الواقع، ارتفع متوسط العمر المتوقع في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل باطّراد منذ منتصف القرن العشرين، مع استثناء دول جنوب صحراء إفريقيا الكبرى في التسعينات. وحدث هذا التقدم على خلفية تزايد التجارة الدولية.
هل يمكن تحديد أي علاقة بين زيادة الأهمية العالمية للتجارة وتحسين الصحة في دول العالم النامية؟ من الممكن أن تكون زيادة الثروة الوطنية التي تأتي من المشاركة في التجارة الدولية هي التي تجعل الأفراد والحكومات قادرين على شراء التكنولوجيات والبنية التحتية الأساسية الملائمة للصحة. وتظهر الكميات الكبيرة والواسعة من الكتابات أن زيادة حجم التجارة ترتبط بشكل مسبَّب مع النمو الاقتصادي القوي (مثلا، دولار، 1995، ودولار وكراي، 2001، وفرانكل ورومر، 1999، وساكس وورنر، 1995). وكما شاهدنا، يؤدي ارتفاع الدخل إلى صحة أفضل، وخاصة لأنه يتيح للناس المجال لشراء وسائل التّصحاح المحسنة والوقود الأنظف وتكنولوجيات الصحة الأكثر تقدما.
وبذلك، يعتبر فتح أبواب بلد ما للتجارة طريقة فعالة لتحسين صحة السكان. ويؤكد هذا الطرح الكتابات القليلة حول العلاقة بين تحرير التجارة والصحة. ولقد وجد أوين ووا (2004) في دراستهم حول 219 دولة، أن زيادة الانفتاح على التجارة ترتبط بمعدلات منخفضة لوفيات الأطفال وبارتفاع لمتوسط العمر المتوقع وخاصة في الدول منخفضة الدخل. وكذلك بيّن وي ووا (2002) أن زيادة الانفتاح على التجارة (وخاصة عندما تقاس مع انخفاض معدل التعرفة) ترتبط بمتوسط عمر متوقع أطول ومعدل وفيات أكثر انخفاضا. وتقدم التجارب الحديثة لدول مثل الصين والهند وفيتنام، والتي تحسنت المؤشرات الصحية لديها خلال سعيها نحو سياسات تجارية أكثر تحررا، تأكيدات قوية وملموسة لهذه النقطة.
إذا حُررت التجارة إلى مسافة أبعد من هذا، سينتج للأجيال المستقبلية في البلدان منخفضة الدخل عدد أكبر من المكاسب المالية والاجتماعية. وجاء في دراسة حديثة للبنك الدولي أن إلغاء التعرفات والمعونات المالية وبرامج الدعم المحلية سيؤدي إلى زيادة الرفاهية العالمية بحوالي 300 مليار دولار في العام بحلول عام 2015. وسيأتي ثلثا هذه المكاسب من إصلاح التجارة الزراعية لأن قطاع الزراعة هو الأكثر تشوها من القطاعات الأخرى. إضافة إلى ذلك، ستتلقى الدول ذات الدخل المنخفض 45% من المكاسب العالمية كنتيجة لتحرير تجارة جميع السلع تماما. وحيث أن للبلدان الفقيرة حصة صغيرة جدا من الثروة العالمية، فإن مكاسبها المحتملة من تحرير التجارة ستكون كبيرة بشكل غير متناسب، قد تصل إلى أكثر من ضعفيْ حصتها من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (مارتن وأندرسون، 2005).
إنتشار المعرفة: الآثار الجانبية الصحيّة للتجارة الحرة
وبالرغم من أن الفوائد الاقتصادية الناتجة عن التجارة الدولية ذات أهمية أساسية لفهم العلاقة بين التجارة الحرة والصحة، إلاّ أنه من الممكن أن تكون التجارة مفيدة أيضا للصحة بطرق أخرى. في الواقع، يعتقد بعض الاقتصاديين أن انتشار المعرفة المتصلة بالصحة المقترنة بتحرير التجارة عامل حاسم رئيسي للصحة في البلدان منخفضة الدخل (ديتون، 2004، أوين ووا، 2004، جيميسون وساندبو ووانج، 2001). ويعود ذلك إلى أن معظم المعرفة حول كيفية تحسين صحة الإنسان—من اللقاحات إلى نظرية الجراثيم المُسببة للأمراض—قد تم توزيعها على نطاق واسع إلى جميع أنحاء العالم من الدول الأكثر ثراء التي تم تطويرها فيها.
عند خفض تكاليف التجارة، يصبح من السهل نشر المعرفة والتقنيات والمنتجات الطبية من الدول المتقدمة التي طورتها إلى دول أخرى. فعلى سبيل المثال، كان لاكتشاف جون سنو في لندن عام 1854 حول انتشار الكوليرا عن طريق المياه الملوثة، آثارا هامة في الوقاية من الأمراض المعدية في العالم. انتشرت هذه المعرفة تدريجيا من لندن إلى أوروبا، دافعة السلطات في المدن نحو تحسين وتحديث أنظمة المياه والصرف الصحي لتفادي تلويث مصادر المياه بالنفايات الآدمية (وليامسون، 1990). إن نظرية الجراثيم المُسببة للأمراض مفهومة ومعترف بها اليوم على نطاق واسع من قبل السلطات المعنية بالصحة العامة في جميع انحاء العالم كأداة هامة لمكافحة الأمراض (حتى وإن كانت الموارد غير متاحة دائما لبناء وصيانة نظم فعّالة لإدارة المياه).
كذلك، يمكن أن يؤدي خفض تكاليف التجارة إلى الإسراع في معدل تبني التكنولوجيات الطبية المُثبتة من قبل بلدان أخرى. كانت الدول الغنية أول من طور بعض أنجع وأبسط الأدوية مثل المضادات الحيوية واللقاحات، ولكن الصناعة والتجارة الدولية لهذه التكنولوجيات سمحت لها بأن تُصبح متوفرة في معظم أنحاء العالم. ومن المحتمل أن يكون اعتماد هذه التكنولوجيات من جانب البلدان الفقيرة في آسيا في سنوات ما بعد الحرب مسؤولا إلى حد كبير عن الانخفاض الملحوظ في معدلات الوفيات الخام في هذه الفترة.
في الاربعينات، أنهت آسيا عدة عقود من العزلة الاقتصادية والثقافية النسبية وبدأت بالاندماج في الإقتصاد العالمي. تزامن مع هذا نشر ونقل مكثف لبرامج وتكنولوجيات وأساليب الصحة العامة التي نشأت في الدول الأكثر ثراء. ولقد شهد عقدا العشرينات والأربعينات تقدما هائلا في الاكتشافات الطبية مثل اكتشاف البنسيلين وأدوية السلفا والباستريسن والستربتوميسين والكلوروكوين. وبوصول هذه الأدوية وغيرها من العقاقير الفعالة إلى آسيا، أصبح علاج الأمراض التي قتلت في الماضي الملايين متاحا بتكلفة منخفضة. إضافة إلى ذلك، أعطى اختراع الـ دي. دي. تي. في عام 1943 السلطات سلاحا قويا جدا في المعركة ضد الملاريا والذي أدى إلى القضاء على المرض في كل من الولايات المتحدة وأوروبا، كمل أدى إلى خفض عدد الحالات بأكثر من 99% في أجزاء من سريلانكا والهند (غراميشيا وبيليس، 1988). وبسبب توفر هذه التدخلات على نطاق واسع وخفض تكلفتها—التي أصبحت ممكنة من خلال تجارة أكثر حرية—انخفضت معدلات الوفيات الخام بشكل حاد، خاصة في شرق آسيا في أواخر الأربعينات. وبحلول الخمسينات والستينات، قلّ عدد الأطفال والشباب الذين يموتون من هذه الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة والتي كانت مسؤولة عبر التاريخ عن هبوط المؤشرات الصحية في المنطقة، كما ارتفع متوسط العمر المتوقع في جميع أنحاء المنطقة (بلوم وويليامسون، 1988).
وتستمر هذه العملية اليوم، حيث تتوفر الأدوية الجديدة التي استُحدثت في مكان ما في الأسواق الدولية. وبالرغم من أن معظم الأدوية تقريبا تبدأ حياتها بحماية براءة الاختراع، إلاّ أنها في آخر الأمر تنتهي، وتنفتح الأسواق للمنافسة العامة. ونتيجة لذلك، فإن العديد من الأدوية التي لا تخضع لبراءات الاختراع متوفرة في جميع أنحاء العالم وبأسعار زهيدة للغاية، فاتحة المجال أمام سكان البلدان الفقيرة للاستفادة من معرفة وابتكار الدول الأوفر ثراء في العالم. وتشمل الأمثلة الأكثر حداثة على أدوية خفض الكولسترول (مجموعة ستاتين) وأدوية معالجة الالتهابات الناتجة عن الريتروفيروس وتحديدا فيروس نقص المناعة فضلا عن تلك البنود مثل وحدات الرعاية المكثفة لحديثي الولادة ووحدات غسيل الكلى ومعدات الفحص وعدد ضخم من المعدات الطبية الحديثة الأخرى. وبالطبع، يخضع الكثير من الأدوية التي لها براءات اختراع إلى منافسة الأدوية الأخرى المشابهة. وبسبب تنويع الأسعار، من الممكن أن تكون الأدوية المحمية ببراءات الاختراع في متناول الفقراء بأسعار قريبة من تكلفة الإنتاج.
الضرائب والتعرفات الجمركية تُؤخر نقل التكنولوجيا

ستكون الفوائد المرجوة من نقل التكنولوجيا أعظم إذا قامت الدول منخفضة الدخل بإلغاء التعرفات الجمركية والضرائب الكثيرة التي تفرضها على الأدوية. فغالبا ما تؤدي التعرفات إلى تضخيم سعر الأدوية للمستهلك في الدول منخفضة الدخل كما وتعمل كحاجز أمام التوزيع الفعّال للأدوية والتكنولوجيا الطبية. لقد وجدت دراسة أجريت في عام 2003 بإسم المفوضية الأوروبية لـ 57 دولة أن الدول منخفضة الدخل تفرض ضرائب وتعرفات جمركية كبيرة على الأدوية المستوردة، فتقوم الهند ونيجيريا والباكستان بفرض أسعار موحدة تبلغ 55% و34% و33%، على التوالي (المفوضية الأوروبية، 2003). وتدعي الحكومات غالبا أن هذه الضرائب ضرورية لحماية صناعة الأدوية المحلية، ولكنها في الواقع تعمل وببساطة على حرمان المرضى لأفضل نوعيات الأدوية وأقلها أسعارا.
تشير الأدلة إلى أن الشركات الأجنبية التي ترغب في تصدير أجهزة طبية مثل منظم نبضات القلب إلى الهند تواجه تعرفات جمركية بحوالي 50%، بالرغم من أن خُمس الوفيات في الهند تُعزى لأمراض القلب وأن منظمة الصحة العالمية تقدر أن 60% من مرضى القلب في العالم سيكونون من الهنود بحلول عام 2010. وبالرغم من ذلك، لا يوجد في الهند مصنعون محليون لأجهزة تنظيم نبضات القلب وتلك المستوردة تخضع لضرائب كبيرة. ونتيجة لذلك، يتوجب غالبا على المرضى في الهند اللجوء إلى أجهزة تنظيم النبضات الأقدم أو تلك المجددة، إذا توفرت لهم (أنيلكومار وبالاشاندر، 2004).
التكنولوجيات الأخرى

بالرغم من التأثير المحبط للتعرفات الجمركية على نشر الأدوية وغيرها من التكنولوجيات الصحية، كسبت حجة “انتشار المعرفة” مزيدا من الدعم على إثر دراسة أجراها عالميْ اقتصاد هما آنجس ديتون وكريستينا باكسون في عام 2004. لقد بينا أن اتجاهات وفيات الأطفال ومتوسطي العمر تظهر في الولايات المتحدة قبل ظهورها في المملكة المتحدة بنحو أربع إلى خمس سنوات. وقد يُعزى هذا إلى أن نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، الموجه إلى الأسواق بدرجة أعلى، يسمح باعتماد أسرع للتكنولوجيات الجديدة مقارنة مع النظام المدار من قبل الدولة في المملكة المتحدة، وإن لم تكن هذه التكنولوجيات قد اخترعت أصلا في الولايات المتحدة. تتيح التجارة الحرة المجال أمام مقدمي الخدمات الصحية في الولايات المتحدة إلى اعتماد تلك التكنولوجيات والأدوية الجديدة فور إمكانية ذلك للحفاظ على ميزة التنافسية. ومن الواضح أن هذا يعود بالفائدة على المرضى.
كذلك، أسفر خفض تكاليف التجارة إلى سعي الدول الغنية والفقيرة نحو تكنولوجيات الاتصالات مثل الراديو والتلفزيون والإنترنت بشكل كبير. ولقد ساعد هذا على تحسين الصحة العالمية عبر تسهيل انتشار الأفكار مثل الآثار الصحية للتدخين أو ممارسة الرياضة. وأخيرا، هناك بعض الأدلة التي تُشير إلى أن لزيادة التجارة أثرا إيجابيا على نوعية مؤسسات الحكم، مما يؤدي إلى وجود بيئة سياسية أكثر ملائمة تُفضي إلى تحسين الصحة (أوين ووا، 2004). ولقد أظهرت الدراسة أيضا أن نتائج تحسن الصحة الناجمة عن زيادة حجم التبادل التجاري ظهرت بشكل قوي في الدول الأكثر فقرا.
اتفاقيات التجارة والصحة
تدين عودة التجارة الحرة عقب التدمير الاقتصادي جراء “الكساد الكبير” في الولايات المتحدة والحرب العالمية الثانية بالكثير لوضع نظام عالمي للتجارة، وبشكل أكثر تحديدا، لخلق الاتفاقية العامة للتعريفـات والتجارة (الجات) في عام 1947. تأملت هذه المؤسسة بأن تقوم على تعزيز فكرة بسيطة تتلخص في أنه إذا قام شخص في بلد ما بإنتاج سلع أو خدمات يحتاجها أشخاص آخرون في بلدان أخرى، فلهم الحق في بيعها لهم من دون تدخل الدولة. من نقطة البداية هذه، تطور نظام التجارة العالمي اليوم إلى أبرز مثال للتعاون الدولي. فشهدت الجولات المتتالية لتحرير التجارة سقوط التعرفات الجمركية وتوحيد الممارسات التجارية ودخول عدد كبير من الدول إلى النظام التجاري العالمي.
لقد تم الآن استيعاب الجات ضمن منظمة التجارة العالمية التي تعمل على الافتراض المقبول على نطاق واسع بأن رفاه الإنسان سيزداد عن طريق النمو الاقتصادي المبني على أساس تحرير التجارة في سياق مبادىء عدم التمييز وتبادل الامتيازات والعدل والشفافية والنزاهة. وفي حين كان لهيئة تسوية المنازعات الأصلية للجات سلطات محدودة للتنفيذ، فإن قرارات هيئة تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية ملزمة تلقائيا ومطبقة من خلال العقوبات والروادع بشكل أساسي.
التجارة في الخدمات
ومع ذلك، واجه قيام النظام التجاري الأكثر إلزاما معارضة وانتقادا شديديْن وخاصة من طرف المنظمات غير الحكومية الناشطة التي ادعت أنها تمثل مصالح الصحة العامة. وهذا ينبع في معظمه من تفاصيل بعض اتفاقيات التجارة متعددة الأطراف. وعلى الرغم من أن اتفاقيات التجارة متعددة الأطراف تهدف إلى تسهيل التجارة الحرة ونقل المعرفة، فلقد نددها الناشطون على أنها تضر بالصحة العامة وخاصة في الدول منخفضة الدخل. وكانت اتفاقية الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (التريبس)، التي سيتم مناقشتها أدناه، من أبرز هذه الاتفاقيات بين هؤلاء الناشطين في حملاتهم، ولكن قد تكون الاتفاقية العامة للتجارة في الخدمات (الجاتس) ذات علاقة مساوية، إن لم تكن أكثر، بالصحة العامة.
بدأت فعالية الجاتس، التي نوقشت من قبل 120 دولة، في عام 1995 وتهدف إلى خلق مناخ موات للتجارة في الخدمات في ظل الشفافية والتحرير التصاعدي التدريجي. وتحقق الجاتس هذا من خلال السماح للدول تقديم تعهدات ملزمة لخفض الحواجز أمام التجارة. أما بالنسبة إلى الرعاية الصحية تحديدا، فتشمل الاتفاقية على المجالات الواردة في الجدول أدناه. ويفسر نقاد الجاتس ذلك على أنه يتطلب خصخصة الخدمات الصحية، مشكلا تحديا لقدرات الحكومات على تنظيم مقدمي الخدمات الصحية وتحديد شكل أنظمتها الصحية (سنكلير، 2000؛ بولوك وبرايس، 2003). على سبيل المثال، يطالب النقاد أن نصَّ الاتفاقية لا يعفي تحديدا جميع خدمات الرعاية الصحية المقدمة من الحكومة من إشراف الجاتس (كراجيفسكي، 2001). وهناك مجال آخر للخلاف حول الحد الذي تسمح به الجاتس للحكومات القيام بتنظيم الخدمات الصحية، مع جدل البعض في أن الاتفاقية “ستحظر استخدام آليات لا تستند إلى السوق مثل الدعم المالي ودمج المخاطر العالمية والتضامن والمساءلة العامة في تمويل وإنجاز الخدمات (بولوك وبرايس، 2000). وأخيرا، يؤكد النقاد على أن هذه الاتفاقية غير شرعية ديمقراطيا، لأنها تضحي، إلى حد ما، بملكية الأمم ذات السيادة لسياستها الصحية الإجمالية إلى نظام تجارة يخضع إلى قوى وجهات خارجية (سنكلير، 2000). ولقد أظهر تقييم الجاتس الذي قامت به ليا بيلسكي وآخرون في عام 2004 أن معظم هذه المخاوف لا أساس لها من الصحة. وبالرغم من وجود مخاوف من أن نظام الجاتس مبهم جدا بحيث لا يستثني تحديدا الخدمات الصحية المقدمة من القطاع العام (كراجيفسكي، 2001)، إلا أن هذا غير متصل بالموضوع لأن الدول لا تزال محتفظة بحق تنظيم جميع مقدمي الخدمات العامة والخاصة. ومع أن الدول محدَّدة في السياسات التي يسعون لها نحو القطاعات التي تم إلزامها بالجاتس، تستطيع الدول اختيار المشاركة أو عدمها ولها حرية انتقاء القطاعات التي ترغب في الالتزام بها. ولذلك، من الخطأ الإدعاء أن الجاتس تقوض السيادة الوطنية لأن الدولة تفرضها على نفسها طواعية. كما أنه من الصعب الجدل بأن الجاتس تُصور مثالا مهينا لعدم شرعية الديمقراطية—إن جدل ذلك يعني القول أن جميع القرارات الصادرة حول سياسات التجارة مشبوهة ديمقراطيا. وبما أن هذه الاتفاقيات ضمن منظمة التجارة العالمية لا تتم إلا بموافقة المشرعين في الدول الأعضاء، فهي في نواحي عديدة أكثر ديمقراطية من غيرها من الهيئات متعددة القوميات مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وبوضع هذه المخاوف جانبا، تجدر الإشارة إلى الآثار الإيجابية على الصحة العامة والتي تترتب على الالتزام بتحرير التجارة، مثل الآثار المترتبة على الجاتس. قد يكون للالتزام بالجاتس فوائد إجمالية كبيرة، وخاصة لأنه يساعد على الإسراع في “انتشار المعرفة” ونقل التكنولوجيا والتي سبق وأن رأينا أهميتهما في تحسين الصحة. كما قد يمثل الالتزام بالجاتس كوسيلة للدول للحصول على كميات كبيرة من إيرادات الصادرات، مما يُسهم في النمو الاقتصادي.

من الواضح أن البلدان التي تتمتع بميزة نسبية في تقديم الخدمات الصحية ستستفيد حتما من التحرير المذكور؛ وفي حين أن هذا ينطبق أساسا على الدول الأكثر ثراء، فإن بعض الدول منخفضة الدخل مثل الهند تقوم بتنمية تخصصات وقدرات بشكل سريع في مجالات طبية مختلفة.
الطب عن بعد

يعد الطب عن بعد أكثر مجالات الخدمات الطبية وضوحا التي يمكن أن تُقدَّم عبر الحدود. ومع أن الطب عن بعد لا يزال نسبيا في مراحله الأولى، إلا أن إمكاناته المستقبلية هائلة. إن خفض تكاليف الاتصالات يؤدي إلى توسيع النطاق للاطباء لفحص صور الأشعة أو حتى إلى أداء جراحة عن بعد لمريض في بلد مختلف تماما. من الممكن نشر المعلومات السريرية والرقابية والوبائية من خلال تكنولوجيات الاتصالات، مثل الإنترنت. لقد ساهمت هذه الابتكارات الحديثة في جعل مجاراة الأطباء لآخر الأخبار والمعرفة والمعلومات الطبية أكثر سهولة عنها في الماضي، حتى في أكثر المناطق النائية في العالم.
لدى تكنولوجيات الاتصالات القدرة على خفض التكاليف، حيث ستقوم المستشفيات بتفويض خدمات المزودين ذوي أكثر الأسعار تنافسية، ولن تكون خياراتهم محدودة حسب الموقع. ويمكن أن يساعد الطب عن بعد العاملين في المناطق النائية على التشاور مع المتخصصين في المراكز الحضرية، مما يؤدي إلى تقليل الحاجة للإحالات المكلفة. قد يساعد الطب عن بعد في توسيع نطاق التجارب السريرية مثل إمكانية شمول المناطق الريفية، أو نطاق أوسع من الأجناس والأعراق. وبالنسبة للمريض، فإن الطب عن بعد سيزيل الحاجة إلى السفر المُكلف المُضني ويقلل من التأخير بين الإحالة والعلاج (هيلي وروين وأوهينما، 2002).
هناك أدلة أيضا على أن الطب عن بعد قد يكون له فائدة مباشرة للدول ذات الدخل المنخفض. وجدت أحد الدراسات أن مشروعا لطب العيون عن بعد بين المملكة المتحدة وجنوب إفريقيا قد ساعد الأطباء على تحسين معرفتهم المحدودة في مجال طب العيون، كما أدى إلى خفض عبء مرض العيون (جونستون، 2004). بالطبع، من المتوقع أن تجني الدول منخفضة الدخل فوائد أكبر من الطب عن بعد من الدول الغنية. لقد تم إقرار خبراء الصحة العامة منذ زمن طويل على أن نقص سبل الحصول على العناية الطبية المؤهلة والخدمات التحتية الملائمة هما أحد أهم العوائق أمام الصحة الجيدة في البلدان الفقيرة. ويعتبر استقطاب المتخصصين إلى المناطق الريفية والضواحي مشكلة رئيسية متصلة بالموضوع. ولذلك، فإن بناء وصيانة الخدمات التحتية للاتصالات اللازمة لاستخدام الطب عن بعد يعدُّ أكثر سهولة من وضع الأطباء المتخصصين في المناطق الريفية.

الاستهلاك في الخارج

يتزايد الاتجاه نحو سفر المرضى إلى الخارج من أجل الحصول على أفضل نوعية للرعاية الطبية، وبأقل التكاليف ومع الحد الأدنى من الانتظار. إذ يسافر حاليا عدد كبير من السياح الطبيين إلى الهند وجنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا، حيث يوجد العديد من المرافق الطبية عالية الجودة. ويأتي العديد من هؤلاء المرضى من مناطق من العالم لا يتوفر لديها المرافق الطبية الحديثة؛ بينما يأتي البعض الآخر من دول أخرى مثل المملكة المتحدة وكندا حيث أنظمة الرعاية الصحية العامة مثقلة لدرجة كبيرة يمكن معها أن يستغرق المريض سنوات للحصول على الرعاية اللازمة. وتعتبر التكلفة دافعا آخرا للسياحة الصحية: تقدر تكلفة إجراء عملية جراحية في الهند أو تايلندا أو جنوب إفريقيا عشر التكلفة في الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية، بل واحيانا اقل. وتساعد الجاتس على توفير الإطار الذي سيتم من خلاله وصول المرضى لهذه الخدمات.
لقد كان مستوى السياحة الطبية قبل عشر سنوات لا يُذكر. اليوم، يزور سنغافورة أكثر من 200000 مريض كل عام، نصفهم تقريبا من منطقة الشرق الأوسط. ويقدر أنه في عام 2005، سيسافر نحو نصف مليون مريض أجنبي إلى الهند للرعاية الطبية، بينما في عام 2002 بلغ العدد 150000 مريض فقط. سيُحقق هذا بطريقة ما تخفيف العبء عن النظم الصحية في الدول الغنية في العالم التي تعاني من قيود مالية متزايدة، وفي نفس الوقت، يخلق حوافز أكبر للكوادر الطبية المدربة للبقاء في بلدانهم بدلا من الخروج بخبراتهم إلى دول أخرى. إضافة إلى ذلك، تقدم الجاتس آلية تستطيع الدول من خلالها تبادل طلاب الطب، مما يزيد من معدل نقل المعرفة.
قد يكون جذب المرضى الأجانب أيضا مصدرا للعملة الأجنبية في الدول منخفضة الدخل. فباستطاعة السياحة الطبية تحقيق حوالي 2.2 مليار دولار بحلول عام 2012، وفقا لدراسة قام بها خبراء الإدارة ماكنزي آند كومباني واتحاد الصناعات الهندية. ولقد دخلت كل من الأرجنتين وكوستاريكا وكوبا وجامايكا والأردن وجنوب إفريقيا وماليزيا وهنغاريا ولاتفيا وإستونيا في هذا السوق، أو لا تزال تحاول أن تفعل ذلك، مع انضمام دول أخرى إلى القائمة كل عام.
الوجود التجاري
توفر الجاتس آلية مبنية على قواعد تمكِّن مقدمي الخدمات الصحية التجارية، مثل المستشفيات أو شركات التأمين، من العمل في الدول الأجنبية. وبينما تزداد بعض الدول مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة انفتاحا على الاستثمار الخارجي الخاص في القطاع الصحي، بدأت الدول الفقيرة مثل الهند وإندونيسيا ونيبال وسريلانكا وتايلندا أيضا تخطو طريقا حرا مشابها في هذا المجال (منظمة الصحة العالمية، 2002). هناك عدة أسباب لأهمية هذا النوع من التجارة في تسريع “انتشار المعرفة” التي قد رأينا أنها تؤدي إلى تحسين الصحة العامة.
أولا، سيؤدي وجود رأس المال الأجنبي الإضافي إلى تعجيل سرعة اعتماد التكنولوجيا الطبية الجديدة. سيحضر المزودون الأجانب أساليب إدارة متقدمة، والتي ستزيد من كفاءة المستشفيات المحلية.
ثانيا، سيقدم تطوير الخدمات الطبية عالية الجودة وظائف إضافية للكوادر الطبية، مما يساعد في الحفاظ عليهم في بلدهم. وغالبا ما يقوم الجراحون الاستشاريون بتقسيم وقتهم بين القطاعين العام والخاص. فإذا كانت خياراتهم الوظيفية محصورة في القطاع العام، لن يكون لديهم الحوافز الكافية لبقائهم في بلدهم. وعليه، فإن وجود المزودين التجاريين الأجانب سيساعد على التغلب على ما يُسمى “بهجرة الأدمغة” التي تؤثر على الخدمات الطبية في بعض الدول منخفضة الدخل.
ثالثا، سيكون بإمكان المزودين الأجانب ورأس المال الخاص في داخل بلد أجنبي المساهمة أيضا في التخفيف من واقع الخدمات العامة التي تعاني من قيود مالية، عبر تخفيض عدد المرضى الذين يحتاجون للعلاج.
وأخيرا، يمكن أيضا للجاتس أن تساهم في تسريع إدخال التأمين الصحي الخاص في الدول منخفضة الدخل والذي سيكون تطورا إيجابيا لأولئك المحرومين من الحصول على الرعاية بسبب الاحتكارات العامة غير الفعالة والجائرة. ويمكن لهذا تحسين الوصول الشامل فقط.
وجود الأشخاص الطبيعيين

توفر الجاتس إطارا قانونيا يستطيع الأفراد العاملون في المهن الطبية الانتقال من خلاله بين الدول لممارسة الطب. وهذه قضية خلافية لأن أكبر حركة انتقال للمهنيين العاملين في مجال الصحة تكون من الدول منخفضة الدخل إلى الدول الغنية، حيث الرواتب أعلى وظروف العمل أفضل. إذ يصعب على المهنيين العاملين في المجال الطبي العثور على وظيفة في مجال مهنتهم في العديد من الدول منخفضة الدخل، وينتهي بهم المطاف باللجوء إلى العمل في وظائف لا تتطلب مهارات عالية.
في الإعلام الشائع بين العامة، توصف هذه الظواهر بأنها “هجرة معاكسة تماما للأدمغة” تستنزف الأنظمة الصحية للدول ذات الدخل المنخفض من القدرات والموارد. وفي الواقع، قد يقدم ما يُسمى بـ “هجرة أدمغة” الكوادر الطبية بعض المساهمات الإيجابية لانتشار المعرفة ويساهم أيضا في العملة الأجنبية للدولة عبر التحويلات. وسيكتسب العديد من المهنيين العاملين في المجال الطبي المهارات التي لا يقدرون على اكتسابها في بلدهم، وفي كثير من الحالات يعود هؤلاء إلى بلادهم محملين بهذه المهارات. ففي مجال البحوث الصحية، يمكن للعلماء المهاجرين من الدول منخفضة الدخل تعزيز النشاط البحثي في المجالات ذات الأولوية بالنسبة لبلدهم، مما يُساعد على تحسين توزيع تمويل البحوث الصحية لهذه المناطق. علاوة على ذلك، فإن السماح بحرية حركة الشعوب يضمن استغلال الإمكانيات البشرية. فعلى سبيل المثال، لم يكن باستطاعة ألبرت أينشتاين وضع نظرياته لو بقي في ألمانيا النازية في الثلاثينات.
ومن منظور فلسفي أوسع، فإن الفكرة القائلة بوجوب تقييد حرية التنقل لبعض الفئات الخاصة من الأفراد من قبل الحكومات هي فكرة تسلطية مقيتة. أولئك الداعون بوقف الحركة الدولية للمهنيين العاملين في القطاع الصحي يلمحون أن هؤلاء الناس هم من الممتلكات المالية للحكومات. ويبدو هذا تعصب على نحو خطير لتقييد الناس من تحقيق طموحاتهم وإمكاناتهم بهذه الطريقة.
تريبس ونقل التكنولوجيا — حالة الهند

كان إدخال قضايا الملكية الفكرية الدولية في التجارة العالمية مثيرا للجدل منذ أن تم التوقيع على اتفاقية منظمة التجارة العالمية المتعلقة بالجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (تريبس) في عام 1994. ولقد تركز معظم النقاش اللاحق حول فيما إذا كان فرض براءات الاختراع على المنتجات الدوائية سَيَحول دون حصول الدول ذات الدخل المنخفض على الأدوية. تحاول هذه الاتفاقية أن توازن بين الحاجة لضمان الحصول على الأدوية وبين ضرورة حماية استثمارات المبتكرين. ومن غير المحتمل أن يستثمر القطاع الخاص المبالغ الكبيرة المطلوبة من أجل تطوير أدوية جديدة بدون هذه الحماية.
لا تنوي هذه الورقة أن تطيل الحديث عن هذه الجوانب للجدل حول التريبس، والتي هي الآن مألوفة لجميع المهتمين بالصحة العامة. سيكون جديرا بالأحرى النظر في تأثير اتفاقية التريبس على نقل التكنولوجيا والمعرفة.
الهند هي أحد الأمثلة التي تستحق الفحص والبحث. فلكي تُصبح الهند ممتثلة مع اتفاقية التريبس، سنَّت الهند قانون براءة اختراع في أوائل عام 2005. المؤشرات الأولى أن هذا القانون قد أدى إلى زيادة الاستثمار في مجال بحوث وتنمية الأدوية (البحث والتطوير) في الهند من قبل الشركات المحلية ومتعددة الجنسيات، والتي من المفترض أن تُنتج مع مرور الوقت أدوية أرخص مصممة خصيصا لتلبية احتياجات سكان الهند. بهذه الطريقة، لن تستفيد الهند من الخبرات الفنية في مجال الصناعات الدوائية التي تجلبها الشركات متعددة الجنسيات معها فحسب، وإنما ستستفيد أيضا من زيادة مستويات الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تساعد على تعزيزالاقتصاد. هناك أيضا بعض الأدلة التي تشير إلى أن القوانين الجديدة تخلق مناخا جذابا لعودة العلماء والباحثين الهنود إلى بلدهم من الولايات المتحدة وأوروبا.
ولكن، قوبل هذا التحرك من جانب الحكومة الهندية بالكثير من المعارضة من قبل جماعات “المصلحة العامة” وحملات المهتمين بالصحة الذين يرون أن امتثال الهند مع تريبس سيُغلق أكبر مصدر للأدوية الرخيصة في العالم لأنه لن يعود بمقدور الشركات الهندية المصنعة للأدوية العامة إنتاج ونسخ الأدوية الحيوية التي تحظى ببراءة اختراع في أماكن أخرى.
لكن هذا الادعاء كاذب. إن 97% من الأدوية التي تُنتجها شركات الأدوية العامة الهندية لا تخضع لبراءة اختراع، وبذلك سيؤثر القانون على 3% من جميع الأدوية التي تنتجها الدولة كأقصى حد. وعلاوة على ذلك، فإن أقل من 2% من الأدوية الأساسية المدرجة في قائمة منظمة الصحة العالمية تخضع حاليا لبراءة اختراع (أتاران، 2004)، وعليه، فإنه من غير المحتمل أن يكون لقانون براءة الاختراع الهندي الجديد اثر كبير في الوصول إلى الأدوية في أجزاء أخرى من آسيا وإفريقيا.
قبل تنفيذ اتفاقية تريبس كان هناك حوالي 20000 شركة لإنتاج الأدوية في الهند، لا يزال بعضها يخضع لبراءة اختراع في بلدان أخرى. وقُدّر في عام 1999 أن أقل من 40% من السكان يستطيعون الحصول على أي نوع من الأدوية (لانجاو، 1999). لا شك في أن تنفيذ قانون براءة الاختراع المتماثل مع تريبس قد أدى إلى تخفيض عدد الشركات التي تنتج نسخا من الأدوية—والتي يقدر عددها بحوالي 9000—ولكن لم يكن لهذا أثر ملحوظ على معدلات إمكانية الوصول للأدوية التي لا تزال منخفضة لدرجة تبعث على الأسى. والواقع أنه هناك مشاكل أكثر خطورة تؤثر في إمكانية الوصول إلى الأدوية إلى جانب حقوق الملكية الفكرية، مثل الخدمات الطبية الأساسية غير الملائمة تماما.
ومع ذلك، فإن التغييرات الأخيرة في قانون الملكية الفكرية في الهند تُحفز الآن الشركات الهندية لإجراء بحوث وتطوير لأدوية الأمراض التي تؤثر على السكان المحليين بشكل سائد. فعلى سبيل المثال، افتتحت مؤخرا شركة نيكولاس بيراميل مركزا للبحوث والتطوير في بومباي بتكلفة 20 مليون دولار لإجراء البحوث الأساسية على مجموعة واسعة من الاضطرابات، ابتداء من السرطان إلى الملاريا. فالملاريا مرض يصيب ما لا يقل عن 600 مليون شخص سنويا، غالبا في الدول الفقيرة بما فيها الهند. وتقوم كل من شركة رانباكسي، أكبر شركة أدوية في الهند، وشركة الدكتور ريدي بمتابعة مشاريع بحث وتطوير مماثلة. لدى الهند حاليا أكبر عدد من شركات تصنيع الأدويه الموافق عليها خارج الولايات المتحدة، كما زادت الانفاق على البحث والتطوير من 4% قبل خمس سنوات إلى 8% في الوقت الحاضر.
يجذب التغيير في قانون براءة الاختراع أيضا استثمارا أجنبيا ذا قيمة. فتنظر الشركات متعددة الجنسيات مثل شركة ميرك وبريستول مايرز سكويب الآن إلى الهند كموقع رئيس لإنشاء مرافقا للبحث. ولا تعود جاذبية الهند إلى قلة التكاليف الأساسية فحسب، بل أيضا إلى وجود العديد من الباحثين المثقفين الذين يستطيعون إجراء الاختبارات السريرية عالية التكاليف وأشكالا أخرى أكثر تعقيدا لمراحل تطوير الأدوية المتقدمة. ويقدر الخبراء الإداريون ماكنزي أنه بحلول عام 2010، ستنفق شركات الأدوية الأمريكية والأوروبية حوالي 1.5 مليار دولار سنويا في الهند على التجارب السريرية وحدها (بادما، 2005).
تسعى الكثير من الشركات الغربية أيضا للشراكة مع الخبرات المحلية. ومثال حديث على هذا هو التعاون القائم بين شركة دنماركية، نوفو نورديسك، وشركة الدكتور ريدي لإيجاد علاج جديد لمرض السكري. ولقد أعربت الشركات اليابانية عن رغبتها في استثمار مبالغ كبيرة في مشاريع البحث والتطوير الهندية. وبدلا من فرض حواجز مانعة، كما فعلت الهند في السابق، دأبت الحكومة الهندية على جذب هذه الاستثمارات الأجنبية بتوفير الحوافز، مثل منح إعفاء ضريبي لمدة عشر سنوات لشركات الأدوية التي تُشارك في البحوث والتنمية.
تعني هذه التطورات أنه بإمكان الشركات الهندية تطوير لقاح لمرض الملاريا أو تحسين علاجات السل المتوفرة حاليا والتي تساهم المقاومة لها في وفاة أكثر من 1000 شخص كل يوم في الهند وحدها. وتدخل الاستثمارات في مجالات البحث والتطوير في محاولة العثور عن لقاح لفيروس الإيدز. وتُجرى حاليا تجارب على الإنسان للّقاح الوقائي المرشح ضد فيروس الإيدز الثاني الذي أنتجته الهند.
في وقت قصير نسبيا، سرّع قانون براءة الاختراع الجديد في الهند التعاون بين قطاع تكنولوجيا المعلومات والصناعات الدوائية والتكنولوجيا الحيوية. وحتى وقت قريب، اعتمدت القطاعات النامية للتكنولوجيا الحيوية والأدوية المبنية على الأبحاث على تسجيل براءات الاختراع في أوروبا والولايات المتحدة. كما واجهت صعوبات في إنشاء مشاريع مشتركة مع شركات تكنولوجيا المعلومات بسبب ضعف قوانين براءة الاختراع المحلية وإحجام الشركات الأجنبية عن تقديم التزامات كبيرة وخطرة. الآن، وبدلا من تصدير المواد الخام والعناصر الفعالة الأساسية التي تدخل في إنتاج الأدوية العامة زهيدة الثمن، فإن الشركات في الهند قادرة الآن على المنافسة عالميا، منتجة أدوية منقذة للحياة ذات قيمة مضافة مرتفعة. وسوف يسهِم هذا أيضا في النمو الاقتصادي المستمر للهند الذي شهد ارتفاعا في متوسط العمر المتوقع من 36 سنة في عام 1951 إلى مستواه الحالي وهو 61 سنة.
اتفاقيات التجارة الحرة
لقد أدى الاتجاه المتزايد لدى الولايات المتحدة للتوقيع على اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية والإقليمية، أسوة بالتريبس، إلى الخوف من أن تكون اتفاقيات التجارة مضرة على الصحة من خلال إعطاء الأولوية لاعتبارات الملكية الفكرية بدلا من إمكانية الوصول إلى الأدوية. ولدى الولايات المتحدة حاليا اتفاقية تجارة حرة مع الأردن وتشيلي وسنغافورة وأستراليا والمغرب والبحرين ومجموعة من ستة بلدان من أمريكا الوسطى (منطقة التجارة الحرة للأمريكتين). وهناك مفاوضات متقدمة بين الولايات المتحدة وتايلندا ودول الأنديز وخمسة اتحادات جمركية لدول إفريقيا الجنوبية (ساكو) و34 دولة من أمريكا اللاتينية ودول الكاريبي. وعلى نحو مشابه للتريبس، يمكن لهذه الاتفاقيات أن تحسن الصحة عبر تشجيع نقل التكنولوجيا وإثراء الدول الموقعة.
هناك بعض الشكوك حول اتفاقيات التجارة الحرة. فعلى سبيل المثال، تؤكد بعض الجماعات الناشطة أن بعض أحكام الملكية الفكرية في هذه الاتفاقيات ستمنع الدول من استخدام الضمانات الواردة في إعلان الدوحة بشأن اتفاقية التريبس والصحة العامة. لقد صرح الإعلان الموقع من قبل جميع الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية ثانية بمرونة اتفاقية التريبس التي تسمح للدول اتخاذ التدابير اللازمة، بما في ذلك الترخيص الإجباري للأدوية، لحماية الصحة العامة. ولقد أكد توضيح آخر في آب 2003 أنه بإمكان دول ثالثة أيضا أن تجعل ترخيص الأدوية إلزاميا للتصدير للدول الفقيرة التي ينقصها القدرة على التصنيع.
ولكن ادعاء الناشطين أن اتفاقيات التجارة الحرة “تقتل” من خلال الميل بالتوازن بين “الصحة العامة مقابل الملكية الفكرية الخاصة” لصالح المصالح التجارية لشركات الأدوية الأمريكية هو ببساطة ادعاء غير صحيح. إذ تصرح جميع اتفاقيات التجارة الحرة بوضوح على أنها لن تُقيِّد أية مرونة مسموح بها في التريبس أو إعلان الدوحة لحماية الصحة العامة. وحيث لم يظهر هذا التصريح في الاتفاقية الرئيسية، قامت الولايات المتحدة والدولة الشريكة (الدول الشركاء) بتوقيع “رسائل جانبية” ملزمة بنفس المفعول.
عند القيام بحملات ضد اتفاقيات التجارة الحرة، يرفع الناشطون شبح فترات البراءة التي تتجاوز الحد الأدنى لسنوات التريبس العشرين، مقترحين بذلك حالة يتوجب فيها انتظار الفقراء 20 عاما أو أكثر قبل تمكنهم من الحصول على الأدوية العامة. ولكن، كما شاهدنا، فإن 95% من الأدوية الضرورية على قائمة منظمة الصحة العالمية لا تخضع لبراءة الاختراع وستبقى كذلك (أتاران، 2004). وبالمثل، فإن الأدوية المسجلة في الولايات المتحدة وليس في غيرها من البلدان، بما فيها الأدوية المضادة للفيروسات، لا يمكنها الآن أن تكتسب حماية براءة الاختراع. وفي أي حال لا يكون للأدوية بحكم الواقع 20 سنة مدة براءة الاختراع. ويتطلب الأمر، وبشكل نموذجي، مدة تتراوح من 10 إلى 12 سنة لإجراء تجارب على مادة ما وللحصول على الموافقات القانونية—ويحدث جميع هذا بعد منح براءة الاختراع—حيث لن تقوم أية شركة بالاستثمار في مادة غير مسجلة ببراءة اختراع. في هذه الأثناء، قد يتطلب تسجيل براءة الاختراع من سنة إلى ثلاث سنوات بعد تقديم الطلب. لذلك، فإن لمعظم الأدوية مدة براءة فعالة لمدة تتراوح من ست إلى عشر سنوات، وفي العادة أقل بكثير من ذلك. ووفقا لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية، فإن متوسط فترة البراءة المتبقية بعد الحصول على الموافقة على التسويق في عام 2001 كان 7.8 سنة من العشرين عاما الأصلية لحماية براءات الاختراع (إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، 2002). بالمقابل، تتمتع القطاعات الصناعية الأخرى بمتوسط عمر براءة اختراع تتجاوز 18 سنة. وتقدم بعض اتفاقيات التجارة الحرة تعويضا لمدة البراءة في حالة التأخير غير الضروري في الحصول على الموافقة التسويقية. وفي الولايات المتحدة، حيث توجد مثل هذه التشريعات، لا تتجاوز المدة الإضافية في العادة السنتين. وبعبارة أخرى، ستحصل معظم الأدوية على فترة تفرّد أقل بكثير من العشرين سنة المذكورة.
وفي حين تفتح اتفاقية التريبس المجال للحكومات لحماية الصحة العامة، فهي تهدف أيضا إلى تشجيع الدول على احترام الملكية الفكرية بالامتناع عن استنساخ الأدوية الموجودة، مثل الفياجرا وغيرها من “أدوية أساليب الحياة”. وبإجراء ذلك يتم استقطاب الاستثمار كما يساعد على نمو صناعاتهم المبتكرة الخاصة. سيُتيح هذا زيادة نقل المعرفة والتكنولوجيا، حيث ستشعر الشركات متعددة الجنسيات أن باستطاعتهم العمل في بلد بدون التعرض لاختلاس ممتلكاتهم. وبحماية الملكية الفكرية، تشجع اتفاقيات التجارة الحرة إطلاق المنتجات المبتكرة التي بواسطة الصناعات الدوائية المحلية. على سبيل المثال، منذ أن وُقعت اتفاقية التجارة الحرة بين الأردن والولايات المتحدة في عام 2000، تم إطلاق أكثر من 32 منتجا جديدا في الأردن (ممثلية التجارة الأمريكية، 2004).
وللتأكيد، فإن اتفاقيات التجارة الحرة تُمثل ثاني أفضل حلّ لتحرير التجارة. ومع ذلك، فهي تحسن للوضع القائم عبر تحرير التجارة وتحسين الرفاه الاقتصادي. هذا سيسمح للدول الإنفاق بشكل أكبر على الرعاية الصحية، فضلا عن تمكين الأفراد من تحسين ظروفهم المعيشية وبالتالي تحسين الصحة. إضافة إلى ذلك، فهي تشجيع نقل التكنولوجيا والمعرفة عن طريق تحسين بيئة العمل لشركات الأدوية المبتَكِرة.
الخاتمة

بالرغم من وضوح قيام التجارة الحرة بحثّ اثنين من أهم العوامل الصحية—النمو الاقتصادي ونقل التكنولوجيا—فهي لا تزال تواجه الكثير من الشك من قبل مجموعة متنوعة من الناس. وتشمل هذه المجموعة جماعات الضغط في قطاع الصناعة الخائفين من المنافسة الدولية، والناشطين الذين يسعون إلى الحد من حرية القطاع الخاص، والحكومات التي تُملي السياسات وفقا لرغبات مجموعات المصالح الخاصة. ويؤكد المعارضون أن التجارة الحرة شيء سيىء بسبب تصوُّر أنها ستخلق فائزين وخاسرين. وعلى الرغم من الأدلة الجديرة بالاعتبار والمبنية على التجربة التي تدل على عكس ذلك، فهناك أيضا شك شديد بقدرة النمو الاقتصادي على تحسين رفاهية الإنسان. وغالبا ما تبدو هذه الآراء المعارضة واضحة كآراء رسمية لبعض الهيئات مثل الأمم المتحدة ووكالاتها، والذي يبدو أنها تعتقد أن معالجة قضية اللامساواة ذات درجة أعلى من الأولوية عن تعزيز النمو الاقتصادي.
إن تقرير التنمية البشرية لعام 2005 لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية هو أحد الوثائق التي تتبنى هذا الموقف، والذي يناقش بضرورة تقديم المزيد من المساعدات الخارجية لمعالجة اتساع التفاوت الذي يعتبره البرنامج العائق الرئيسي أمام تحقيق أهداف التنمية للألفية. تشك الوثيقة أيضا بقوة التجارة الحرة في تحسين ظروف الإنسان. وتقترح أن التجارة الحرة قد تجعل التفاوت في الصحة والتعليم والدخل في الدول منخفضة الدخل أسوأ. وتشكل هذه النظرة الأساس لمفوضية المحددات الاجتماعية للصحة التابعة لمنظمة الصحة العالمية، كما تم مناقشتها أيضا في تقرير التنمية العالمية للبنك الدولي لعام 2006.
يغفل الهاجس العالمي للتخلص من “اللامساواة” النقاط التي تتعلق بالقضايا الصحية. كثيرا ما يصاحب النمو الاقتصادي ازدياد في التفاوت الصحي، ولكن من المهم أن نعترف بأن النمو الاقتصادي قلما يتسبب في الإضرار بصحة السكان الكلية. وفي الواقع، تظهر الأدلة المستقاة من التجربة أن ما يحدث هو العكس تماما. وجد آدم واجستاف (2002) في تحليله للبيانات المأخوذة من 42 دولة أن التفاوت الصحي يزداد فعلا مع ارتفاع دخل الفرد في كل من الدول الغنية والفقيرة. ويعود هذا جزئيا إلى تحسين توفر التكنولوجيا الصحية الجديدة التي تُرافق النمو الاقتصادي، الذي يمكن تبنيه بسرعة أكبر من قبل الأغنياء وليس الفقراء. ولكن من المهم أن نلاحظ أن أكثر الناس فقرا لا يصبحون أقل صحة بازدياد صحة عناصر المجتمع الأكثر ثراء، بل يصبحون أوفر صحة كذلك، ولكن بمعدل ابطأ قليلا من أولئك الأكثر ثراء نسبيا. ولكن إذا رغبت الدول منخفضة الدخل في التغلب على هذه التفاوتات من خلال إدارة التجارة بواسطة سياسات بدائل الاستيراد وما شابه ذلك، فمن المحتمل أن يتأخر النمو الاقتصادي وأن يدام الفقر، مما يجعل الناس غير قادرين على الحصول على الوقود النظيف والمرافق الصحية الملائمة والظروف المعيشية الصحية.
بالنسبة لأولئك المعنيين بالتفاوت من موقف معياري، يجدر التذكير أيضا أن الارتفاع المذهل للازدهار الفردي الذي حصل في السنوات الأخيرة في الهند والصين قد ساهم كثيرا في خفض التفاوتات العالمية في التعليم والصحة. وبالرغم من وجود تباين في الدخول العالمية (نتيجة لفشل إفريقيا في تشجيع النمو الاقتصادي)، تقاربت مؤشرات التنمية البشرية بسرعة في انحاء العالم خلال نصف القرن الأخير. وقد لاحظ الاقتصادي تشارلز كيني مؤخرا أنه بالرغم من اتساع الفجوات في الدخل بين أغنى الدول وأفقرها، فإن معظم الدول تتقارب بسرعة في مؤشرات التنمية مثل الصحة والتعليم (كيني، 2005). ويعود هذا جزئيا إلى أن عمليات التجارة الحرة والعولمة الاقتصادية أدت إلى انتقال أسرع للتكنولوجيا والمعرفة من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة مما كان ممكنا في القرون السابقة. وأظهرت دراسة نفذها الاقتصادي ديفيد دولار من البنك الدولي أن تسارع العولمة الاقتصادية وتدفقات التجارة في المراحل الأخيرة من القرن العشرين قد أتاح المجال لمعدل النمو الاقتصادي في الدول منخفضة الدخل أن يتجاوز معدل النمو للدول الغنية للمرة الأولى في التاريخ (أنظر الشكل 4). إضافة إلى ذلك، إن عدد الفقراء في العالم يتناقص بحوالي 375 مليون شخص منذ عام 1981 في حين ازداد عدد سكان العالم بحوالي 1.6 مليار في نفس الفترة.
في المقابل، لم يعترف معارضو التجارة الحرة بتأثيرها المفيد على الإنسانية. إنهم ينظرون إليها كلعبة “مجموع الصفر” حيث تستغل الدول ذات الدخل المرتفع والشركات متعددة الجنسيات الفقراء والمهمشين. ويدفع نشطاء مكافحة الفقر باستمرار الرسالة التي تدور حول أن تحرير التجارة سيىء بالنسبة للفقراء، لأنهم غير قادرين على منافسة التفوق المالي والتكنولوجي للمنتجين من الأسواق الأكثر ثراء.
يُلبس معارضو التجارة الحرة بمحض إرادتهم أحيانا “التجارة الحرة” بما هو في الواقع تجارة موجهة. لقد قدمت إحدى الحملات الأخيرة المناهضة للتجارة الحرة والتي تقودها منظمة العون المسيحية بمكر فكرة أن المزارعين الأفارقة يعانون بسبب التجارة الحرة مع الدول الغنية، بينما أن المعرفة السطحية بالحقائق كفيلة بأن تكشف أنهم يعانون من الدعم المالي السخي والحواجز الجمركية الواقية الممثلة من خلال السياسة الزراعية المشتركة. ومن الواضح أن هذا لا يمثل التجارة الحرة، وهو سيىء للمزارعين في الدول الفقيرة والمستهلكين في الدول الغنية. ولكن عندما يقاس تأثير التجارة الحرة الحقيقية على صحة السكان من قبل الاقتصاديين، تُشير الدلائل إلى أنها قوة للخير تُساعد على تحسين متوسط العمر المتوقع ووفيات الأطفال (وي ووا، 2004).

ستتحسن الصحة من خلال أداء اقتصادي أفضل للدول التي تقبل التجارة الحرة وترفض سياسات بدائل الاستيراد، كذلك ستجعل بإمكان المستهلكين الحصول على سلع تساهم في صحة الإنسان ذات جودة أعلى وتكلفة أقل. وعلى سبيل المثال، تزداد معدلات الوفيات وانتشار الأمراض في الدول منخفضة الدخل زيادة كبيرة نتيجة لتلوث الهواء الداخلي الذي ينشأ من احتراق الوقود الحيوي البدائي مثل روث البقر. ستجعل التجارة الحرة الوقود المستورد الأنظف مثل الكيروسين والغاز أرخص ثمنا وأكثر وفرة، كما وستضغظ بطريقة غير مباشرة على الحكومات من أجل إصلاح قطاع الطاقة. وبالمثل، فإن جزءا كبيرا من عبء المرض في أكثر الدول فقرا هو نتيجة مباشرة للمياه الملوثة، ولذلك ستكون التجارة الحرة في تنقية المياه والتكنولوجيات الأخرى ذات الصلة مفيدة جدا. وأخيرا، ستُتيح التجارة الحرة في المواد الغذائية توازنا أفضل بين العرض والطلب عما هو الحال حاليا في أجزاء كثيرة من العالم، وستساعد على مكافحة سوء التغذية—أحد أهم محددات الصحة. هذه الحالة صحيحة لعديد من الدول الإفريقية، التي تُقيم، وعلى نحو غير ضروري، حواجز جمركية صارمة بينها من أجل حماية قطاع الزراعة المحلية. وتكون النتيجة غذاء أغلى ونقصا في الأغذية وفي بعض الأحيان المجاعة.
ملاحظات:

[1] المنحنيات المصقولة في هذا الشكل مبنيّة على تحليل تراجعي خطي لوغارثمي. عدد القراءات = 268 لعام 1977 و2003 على نحو تراكمي؛ R2 المعدلة = 0.56. الزيادة في متوسط العمر المتوقع المترتبة على زيادة الدخل ومرور الوقت ذات أهمية على مستوى 99.9%.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 13 كانون الأول 2006.

peshwazarabic5 نوفمبر، 20100

هناك قول شائع، وقد يكون صحيحاً، مفاده أن الاقتصاد المؤسساتي الجديد بدأ بمقالي “طبيعة الشركة” (1937) مع مقدمتها الواضحة لتكاليف التعاملات في التحليل الاقتصادي. بيد أنه ينبغي التذكر أن منبع النهر العظيم هو جدول صغير وأنه يستمد قوته من الروافد التي تصب في مجراه. وهذا هو الحال في الموضوع الذي نحن بصدده. لست أفكر فقط في مساهمات اقتصاديين آخرين مثل أوليفر وليامسون وهارولد ديمسيتز وستيفن تشيونغ، على أهميتهم ولكن أيضاً في أعمال زملائنا في القانون والأنثروبولوجيا والاجتماع والسياسة والعلوم والتخصصات الأخرى.
إن عبارة “الاقتصاد المؤسساتي الجديد” هي من ابتكار أوليفر ويليامسون وكان القصد منها تمييزها عن “الاقتصاد المؤسساتي القديم”. كان جون آر. كومونز وويزلي ميتشل والمتعاونون معهما رجالاً ذوي مكانة فكرية كبيرة ولكنهم مضادين للنظريات، وإذا لم تكن هناك نظرية تربط مجموعة الحقائق التي توصلوا إليها فلن يكون لديهم الشيء الكثير مما يستطيعون إيصاله للناس. من المؤكد أن التيار السائد في علم الاقتصاد يمضي في طريقه دون أي تغيير ذي شأن، وهو لا زال مستمراً في ذلك. عندما أتحدث عن الاقتصاد كاتجاه سائد فإني أشير إلى الاقتصاد الجزئي، وأترك للآخرين تقدير ما إذا كانت انتقاداتي هذه تنطبق أيضاً على الاقتصاد الكلي.
اقتصاد التيار السائد، كما يراه المرء في المجلات المتخصصة وفي الكتب الدراسية والدورات التي تعقدها أقسام الاقتصاد في الجامعات أخذ سمة تجريدية بمرور الزمن، ورغم أنه يوحي بغير ذلك فإنه في الواقع لا يقيم وزناً كبيراً لما يحدث في عالم الواقع. وقد قدم ديمسيتز تفسيراً لسبب حدوث ذلك: لقد كرس الاقتصاديون منذ آدم سميث أنفسهم لوضع صياغة لمبدأه حول اليد الخفية—تنسيق النظام الاقتصادي بواسطة نظام التسعير. كان ذلك إنجازاً مثيراً للإعجاب ولكن، وكما أوضح ديمسيتز، فإنه تحليل لنظام شديد اللامركزية. إلا أنه يحوي أخطاءً أخرى.
وقد أشار آدم سميث أيضاً إلى أنه يتعين علينا أن نولي عناية لتدفق السلع والخدمات الحقيقية بمرور الوقت، وبما يحدد تنوعها وحجمها. والحال أن الاقتصاديين يدرسون كيف أن العرض والطلب يقرران الأسعار ولكن ليس بنفس العوامل التي تحدد ما هي السلع والخدمات التي يجري تداولها في السوق وبالتالي تسعيرها. إنها وجهة نظر تستهين بما يجري في العالم الحقيقي ولكن الاقتصاديين اعتادوا عليها واستمروا العيش في عالمهم دون إزعاج. إن نجاح اقتصاد التيار السائد رغم أوجه الخلل فيه هو إشادة بقدرة احتمال أسس نظرية حيث أنه قوي بالتأكيد من ناحية نظرية ولكنه ضعيف من الناحية الواقعية. من هنا، وعلى سبيل المثال، فإن بينغت هولمستورم وجان تيرول يشيران في كتابهما دليل المنظومة الصناعية(1989، ص 126) إلى أن “نظرية الشركة تلحظ أن نسبة الدليل/النظرية هي نسبة ضعيفة جداً في هذا المجال حالياً”.
هذه اللامبالاة بما يحدث عملياً في العالم الحقيقي تستمد القوة من الطريقة التي يفكر بها الاقتصاديون في موضوعهم. كان هناك، أيام شبابي، تعريف شائع جداً للاقتصاد وضعه ليونيل روبنز (1935، ص 15) في كتابه مقال في طبيعة وأهمية علم الاقتصاد: “الاقتصاد علم يدرس سلوك الإنسان كعلاقة بين أهداف ووسائل نادرة لها استخدامات بديلة”. إنه دراسة للسلوك الإنساني كعلاقة. اقتصاديو هذه الأيام يشيرون، على الأرجح، إلى موضوعهم باعتباره “علم الاختيار الإنساني” أو يتحدثون عن “مقاربة اقتصادية”. ليس هذا تطوراً جديداً، فقد سبق لجون مانيارد كينز أن قال بأن “نظرية الاقتصاد هي أسلوب وليست مبدأ… أدوات للعقل، أسلوب في التفكير، تساعد من يؤمن بها على التوصل إلى استنتاجات صحيحة (المقدمة، إتش. دي. هندرسون، 1922، ص5). أما جوان روبنسون (1933، ص 1) فتقول في مقدمة كتابهااقتصاديات المنافسة غير التامة بأن “نظرية الاقتصاد تعطى للمحلل الاقتصادي باعتبارها صندوق أدوات”. معنى هذا أن الاقتصاديين يفكرون بأنفسهم بأن لديهم صندوق عِدّة ولكن ليس مادة موضوع… (لقد نسيت القصيدة والشاعر ولكن الأبيات لا تُنسى):
“أرى الرسن واللجام بوضوح،
ولكن أين هي الفرس اللعينة؟”

وقد أسهمت من جانبي بتعبير مماثل قلت فيه بأننا ندرس الدورة الدموية دون وجود جسم.
لا أريد بقول هذا أن يُفهم بأن هذه الأدوات التحليلية ليست مهمة للغاية، وأسعد عندما يستخدمها زملاؤنا القانونيون في دراسة عمل النظام القانوني أو عندما يستخدمها أولئك العاملون في العلوم السياسية في دراسة عمل النظام السياسي. النقطة التي أتحدث عنها مختلفة، فأنا أعتقد بأنه ينبغي لنا أن نستخدم هذه الأدوات التحليلية لدراسة النظام الاقتصادي. أعتقد أنه يوجد لدى الاقتصاديين مادة موضوعية: دراسة عمل النظام الاقتصادي، وهو نظام نتقاضى فيه دخولنا ونصرفها. إن رفاه المجتمع الإنساني يعتمد على تدفق السلع والخدمات وهذا بدوره يعتمد على إنتاجية النظام الاقتصادي. وقد أوضح آدم سميث بأن إنتاجية النظام الاقتصادي تعتمد على التخصص (يسميه تقسيم العمل)، ولكن التخصص لا يكون ممكنا إلا إذا كان هناك تداول—وكلما كانت تكلفة التداول (تكلفة التعامل إذا شئت) أقل كلما أصبح هناك تخصص أكثر وزيادة في إنتاجية النظام. بيد أن تكلفة التداول تعتمد على المؤسسات في بلد ما: نظامه القانوني، نظامه السياسي، نظامه الاجتماعي، نظامه التعليمي، ثقافته، وما إلى ذلك. من ناحية فعلية، المؤسسات هي التي تحكم أداء الاقتصاد، وهذا ما يعطي “الاقتصاد المؤسساتي الجديد” أهميته بالنسبة للاقتصاديين.
ثمة جانب اقتصادي آخر يوضح أن هناك ضرورةً لعملٍ كهذا، فبصرف النظر عن صياغة النظرية فإن الطريقة التي ننظر بها إلى عمل النظام الاقتصادي ظلت ثابتة بصورة غير عادية عبر الزمن. ينحو الاقتصاديون غالباً بحقيقة أن شارلز داروين قد توصل إلى نظريته في التطور نتيجة لقراءته توماس مالثوس وآدم سميث. ولكن قارن التقدم الذي حصل في حقل علم الأحياء منذ داروين مع ما حصل في الاقتصاد منذ آدم سميث. لقد قفز علم الأحياء خطوات كبيرة وأصبح لدى علماء الأحياء الآن فهم مفصل للتركيب المعقد الذي يحكم أداء الكائنات العضوية. أعتقد أننا سنحقق ذات يوم انتصارات مماثلة في الاقتصاد. ولكن ذلك لن يكون سهلاً. حتى لو بدأنا بالتحليل البسيط نسبياً حول “طبيعة الشركة” فإن اكتشاف العوامل التي تحدد التكاليف النسبية للتنسيق عن طريق الإدارة في الشركة أو التعاملات في السوق لن يكون أمراً سهلاً. بيد أن ذلك ليس كل القصة بأي حال من الأحوال. ليس بوسعنا حصر تحليلنا بما يحدث في شركة واحدة، وهذا ما سبق أن قلته في محاضرة لي نشرت في حياة النوابغ (كوز 1995، ص 245): “تتأثر تكاليف التنسيق ومستوى تكلفة التعاملات في شركة ما بقدرتها على شراء المدخلات من شركات أخرى، وقدرة تلك الشركات على توريد هذه المدخلات تعتمد جزئياً بدورها على تكاليف التنسيق ومستوى تكلفة التعامل لديها وهذه تتأثر على نحو مماثل بما يحدث في شركات أخرى. ما نتعامل به هو بناء متشابك معقد”. أضف إلى ذلك تأثير القوانين والنظام الاجتماعي والثقافة إضافة إلى تأثير التغيرات التكنولوجية مثل الثورة الرقمية وما صاحبها من انهيار دراماتيكي في تكلفة المعلومات (وهي إحدى المكونات الرئيسية لكلفة التعاملات)، فتجد لديك مجموعة معقدة من العلاقات المتشابكة تحتاج لاكتشاف طبيعتها إلى عمل جاد لفترة طويلة من الزمن. بيد أنه عندما يحدث ذلك سيصبح كل الاقتصاد ما نطلق عليه الآن “الاقتصاد المؤسساتي الجديد”.
لن يحدث هذا التغيير، في رأيي، نتيجة لهجوم جبهوي مباشر على اقتصاد التيار السائد، بل ستحدث نتيجة لاعتماد الاقتصاديين في الفروع أو الأقسام الاقتصادية مقاربة مختلفة كما يحدث فعلاً حالياً. عندما يتغير معظم الاقتصاديين فسيعترف اقتصاديو التيار الرئيسي بأهمية فحص النظام الاقتصادي بهذه الطريقة وسيزعمون بأنهم كانوا يعرفون كل ذلك من قبل.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 4 تشرين الأول 2006.

peshwazarabic5 نوفمبر، 20100

حادث وقع معي خلال زيارة سابقة قمت بها إلى الصين، تركت داخلي أثراً قوياً بالنسبة للفجوة الواسعة من التفاهم التي تفصل الناس المنغمسين في مؤسسات اقتصادية مختلفة. تلك الفجوة تجعل الأهمية بمكان التأكيد، المرّة تلو المرّة، على المبادئ الأساسية التي نعتبرها جميعنا أمراً مسلماً به، بالنسبة للنظام الذي تعودنا عليه. لقد وقع الحادث المشار إليه عندما تناولت أنا وزوجتي طعام الغذاء مع نائب وزير إحدى الدوائر الحكومية، والذي كان على أهبة السفر إلى الولايات المتحدة ليطَّلع على الاقتصاد الأمريكي. أراد مُضيفُنا مساعدتنا له حول من يتوجب الاجتماع بهم.
كان السؤال الأول الذي وجهه في هذا الشأن هو “من في الولايات المتحدة هو المسؤول عن التوزيع المادي؟” لقد أثار هذا السؤال استغرابي واستغراب زوجتي؛ وإنني أشك بأن أي أحد في الولايات المتحدة، مهما كان ساذجاً في شؤون الاقتصاد، يمكن حتى مجرد التفكير بطرح مثل ذلك السؤال. ومع ذلك، فقد كان أمراً طبيعياً جداً لمواطن يعيش في اقتصاد مشترك، أن يسأل مثل هذا السؤال. إنه معتاد على وضع يقرر فيه شخص ما، من يأخذ من مَن ماذا، سواء كان ذلك من يأخذ المواد والأجور مِن مَن.
كان ردّي الأولي أن اقترحت عليه زيارة قاعة بورصة شيكاغو التجارية، حيث تتم التجارة في سلع مثل القمح والقطن والفضة والذهب. أثار هذا الجواب الحيرة لدى مُضيفي، لذا فقد استمررت في التوسع حول حقيقة أنه لا يوجد شخص واحد—أو حتى لجنة من الأشخاص—”تكون مسؤولة عن توزيع المواد.” هنالك دائرة التجارة، وهناك وزارة الداخلية، لهما اهتماماتهما بمواد الإنتاج والتوزيع ولكن من منظور مختلف كلياً. ولكنهما لا تقرران من سيحصل على أية كمية منها. وبالتالي، فقد وجدت نفسي مرغماً على إجابة مُضيفي بتعابير لم يكن من السهل على مضيفي استيعابها. لا حاجة إلى القول بأنني هنا لا أعني توجيه الانتقاد له. في ضوء خلفيته، فإن مما لا يمكن تصوره أنه كان يمكن أن يفهم كيف أن السوق يستطيع توزيع مجموعة مختلفة من السلع، بين ملايين من البشر المختلفين ولآلاف الاستعمالات، وبدون أن تمسها أيادي سياسية.
أعجوبة السوق تكمن على وجه التحديد في حقيقة أنه من خلال الفوضى والصراخ المتبادل بين الناس، والإشارات الغريبة بأيديهم والتضارب على ساحة بورصة السلع التجارية في شيكاغو، فبطريقة أو بأخرى يبدو أن المتجر القابع في الزاوية مليء على الدوام بكميات كافية من الخبز، والمخبز مليء بما يحتاج إليه من طحين، والمطحنة دائماً تحوي ما تحتاج إليه من قمح، وهكذا. هذه هي الأعجوبة التي يحقق السوق بموجبها تنسيق نشاطات ملايين البشر، ويفعل ذلك بطريقة غير شخصية كلياً، من خلال تسعيرة إذا ما تركت وشأنها دون تدخل، فإنها تكون خالية من الفساد والرشاوى، والنفوذ الخاص، أو الحاجة إلى آليات سياسية.
دعني الآن أتحول أكثر مباشرة إلى الموضوع. بمعاني معينة، فإن الإشارة إلى “السوق” يضع البحث على أسس خاطئة. السوق ليس بقرة تحلب؛ مثلما أنه ليس العلاج الشافي لجميع الأمراض. بتعبير لغوي حرفي، فإن السوق هو ببساطة الاجتماع، في مكان وزمان محددين، من أجل عقد صفقات. لا حاجة إلى القول بأن كلمة “الاجتماع” وكلمة “المكان” هما تسميات مجازية؛ إنها لا تعني الاجتماع الفعلي معاً. في الزمن الحالي، هنالك سوق في تبادل العملات يشمل العالم بأسره. الناس يجتمعون بواسطة الستلايت اللاقط، والهواتف وما إلى ذلك. يضاف إلى ذلك، أن الصفقات التي تتم في، أو من خلال السوق، ليست مقتصرة على تلك المتعلقة بالمال أو المشتريات أو المبيعات. العلماء الذين يتعاونون مع بعضهم بعضاً لتقدم حقول تخصصهم، سواءً أكانت الفيزياء أم الكيمياء، أو الاقتصاد أو علم الفلك، هم في الحقيقة والواقع يعقدون صفقات فيما بينهم. سوقهم يتكون من سلسلة متصلة من المجلات والمؤتمرات وما إلى ذلك.
السوق هو الآلية التي يمكن تجنيدها لأغراض عديدة. واعتماداً على طريقة استعمالها، فإنها قد تساهم في التطور الاجتماعي والاقتصادي، أو لجم مثل ذلك التطور. استخدام أو عدم استخدام السوق ليس التمييز المهم. كل مجتمع سواء كان شيوعياً أو اشتراكياً أو ديمقراطياً اشتراكياً أو رأسمالياً نقياً، أو أي نظام آخر، يستخدم السوق. وبدلاً من ذلك، فإن التمييز الأساسي هو وجود الملكية الخاصة أو عدم وجودها. من هم المشتركون في السوق، وبالنيابة عن من يتعاملون؟ هل المتعاملون بيروقراطيون حكوميون يتعاملون بالنيابة عن شيء اسمه الدولة؟ أم أنهم أفراد يتعاملون مباشرة أو بشكل غير مباشر بالنيابة عن أنفسهم؟ ولهذا السبب، وفي بحث سابق قدمته في الصين، فقد دعوت إلى أوسع استخدام ممكن ليس لتعبير السوق ولكن لتعبير “السوق الحر الخاص”. هذه الكلمات “الحر” و”الخاص” هي حتى أكثر أهمية من كلمة “السوق”.
تنشأ مشاكل عديدة محددة عندما يحاول مجتمع استبدال اقتصاد موجه بيد السوق الخفية، والتي سوف أبحث عدداً منها. هذه المشاكل لا تقتصر على المجتمعات التي حاولت استخدام التوجيه كآلية اقتصادية أساسية، كما هو الحال في الصين وروسيا؛ إنها تنشأ كذلك في الاقتصاديات الغربية مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا، والتي أصبح عامل الأمر والتوجيه فيها أكثر اتساعاً بمرور الوقت، والتي تجري فيها محاولات لعكس ذلك التوجه. إزالة العمليات الاقتصادية التي تملكها الحكومات في الغرب، مثل خدمات البريد في الولايات المتحدة، والسكك الحديدية والمنافع الخدماتية في بلدان أخرى، يثير قضايا مماثلة لتلك التي تنشأ، عند عملية استبدال الاقتصاد الموجه والملكية العامة بتعاون طوعي، وملكية خاصة في الصين وروسيا وغيرهما.
التحرير الجزئي مقابل التحرير الكلي
إن إدخال دور أكبر لآلية السوق الخاصة، في قطاع واحد من قطاعات الاقتصاد، قد يصاب بالفشل الجزئي أو الكلي نتيجة الأفق المحدود للتغيير. انظر إلى ما كان يعتبر خطوة رئيسية تجاه استخدام أوسع للسوق، والمتمثل في إنشاء السوق الأوروبية المشتركة، ومحاولة تحقيق تجارة حرة بين بلدان السوق المشتركة. لقد مضى حتى الآن ما يقارب الـ40 عاماً منذ مشروع شومان لإقامة مجموعة الفحم والفولاذ الأوروبية، ومع ذلك فلا أحد ينكر بأن التجارة الحرة داخل بلدان السوق ما زالت مثلاً أعلى أكثر منها حقيقة واقعة. آخر دليل على ذلك هو الاتفاق الأخير لإزالة جميع أشكال العوائق بحلول عام 1992. ولو كانت اتفاقية السوق المشتركة ناجحة منذ البداية، لكانت قد تحققت حرية التجارة قبل سنوات عديدة مضت.
ماذا كانت المشكلة؟ لماذا لا توجد ولايات متحدة أوروبية حقيقية في أوروبا؟ في رأيي، فإن الجواب هو أن إزالة القيود حتى من حيث المبدأ، قد أقر فقط للبضائع والخدمات، ولكن ليس لحرية تنقل المال. قد احتفظت البلدان المختلفة بسلطات كاملة على عملاتها الوطنية. وأكثر أهمية، فقد رفضت تلك الدول تطبيق نظام يضمن تعويم تبادل العملات بحرّية—أي التبادل الحر لعملة واحدة مع عملة أخرى بأي سعر تبادل يكون قد تم الاتفاق عليه طوعاً في أسواق خاصة حرة. إن رفض ترك السوق الخاص تقرير معدلات تبادل النقد بين البلدان المختلفة شكَّل ضعفاً مميتاً.
حالياً، تواجه الصين تحديداً مشكلة مماثلة. إن الهدف من بحثي لهذا الموضوع هنا ليس الترويج لنظام تبادل حر للعملات، ولكن إعطاء مثل صارخ يرينا كيف أن اقتصار نزع التوجيه أو التخصيص على منطقة واحدة، وعدم توسيعه بحيث يشمل مناطق متصلة بها عن قرب، من شأنه أن يفسد الهدف الأساسي.
مثل ثانٍ يأتي من الولايات المتحدة. فمع أن شركات الطيران هي شكلاً خاصة، فقد تم إخضاعها إلى رقابة حكومية واسعة، بالنسبة للأسعار التي يمكن فرضها، والأسواق التي تستطيع خدمتها. لقد أدى رفع الرقابة عن شركات الطيران عام 1978 إلى زيادة كبيرة جداً في التنافس، وتخفيض واسع وشامل للأسعار، وزيادة في آفاق الخدمات، وبالتالي توسع رئيسي في حجم التنقل الجوي. ولكن، وبينما تم تحرير شركات الطيران أو كما أُفضِّل أن أسميه تخصيص شركات الطيران، فإن المطارات ظلت على حالها. لقد ظلت المطارات مملوكة للحكومة وتدار من قبلها. لم يجد القطاع الخاص صعوبة في إنتاج جميع الطائرات التي ترى شركات الطيران أنها تستطيع تشغيلها بربحية. ولم تجد شركات الطيران الخاصة صعوبة في إيجاد الطيارين لقيادتها والمضيفين والمضيفات لخدمتها. ومن الناحية الأخرى، فإن الطائرات الملأى بالركاب كثيراً ما تواجه تأخيراً في خدمات المطارات لها بسبب عدم كفاءة التجهيزات والآليات التي تستخدم في عمليات هبوطها وطيرانها. بطبيعة الحال، تجيب الحكومة واضعة اللوم على شركات الطيران الخاصة؛ فقد بدأت تطلب من شركات الطيران تقديم تقارير عن أسباب تأخرها في الوصول بالمواعيد المقررة، ونشر تقارير موجزة حول تقيّد شركات الطيران المختلفة بمواعيد الوصول. لقد تم تقديم مقترحات عدة، حتى في ظل احتفاظ الحكومة بملكية وإدارة المطارات، على الأقل فيما يتعلق بحقوق إدارة البوابات، من حيث عدد البوابات وعدد مرات استخدامها، وأن يتم ذلك عن طريق المناقصة. ولكن لسوء الحظ، فإن معارضة شركات الطيران التي تملك مصالح خاصة في البوابات وأوقات استعمالاتها بتفويض من الحكومة، قد حال دون الأخذ حتى بأقل إجراءات الإصلاح. بطبيعة الحال، الحل الأفضل كثيراً، هو خصخصة المطارات.
مثل ثالث يتمثل في تخاصية بعض نواحي التصنيع، في وقت يتم فيه الإبقاء على الإنتاج أو على تسعيرة المواد الخام، تحت إشراف الحكومة. دعني أذكر بعض الأمثلة الواضحة بالنسبة للصين. إدخال درجة عالية من التخاصية في قطاع الزراعة قد أدى إلى زيادة كبيرة في الإنتاج الزراعي والإنتاجية—وهو أحد أكثر المظاهر الدراماتيكية في نجاح الصين، في توسيع استخدامات السوق الحرة الخاصة. ولكن من الواضح بأن النجاح ذاته قد خلق مشكلة حقيقية. الغالبية العظمى من الشعب الصيني تعمل في الزراعة. وحتى تحقيق تقدم قليل نسبياً في الإنتاجية الزراعية يعني بوضوح الاستغناء عن عمال زراعيين لم يعد مجدياً تشغيلهم. إن من مصلحة الصين استخدام هذه العمالة في ميادين أكثر إنتاجية، مثل الصناعة. ومع ذلك، فإن الجزء الأكبر من قطاع الصناعة، مازال تابعاً للاقتصاد الموجّه؛ إن هذا القطاع لم يخضع للخصخصة أو التحرير، أو الخضوع كليّةً لعوامل السوق.
لقد بذلت جهود حقيقية لتغيير الطريقة التي تدير فيها الحكومة الفعاليات التابعة لها. فقد أُبلغ المسؤولون في تلك الفعاليات باستخدام آليات السوق، كما بذلت جهود لإعطائهم الحوافز لعمل ذلك. ولكن، وما دام أن البيروقراطيين هم الذين يديرون الصناعات التابعة للدولة، فإن قدرتهم على الاستجابة بفعالية لضغوطات السوق سوف تظل محدودة بشكل حاد. بالنسبة للصين، فإن أكثر القيود خطورة هي قدرتهم على التصرف بمرونة، واستعدادهم أو قدرتهم على المغامرة للقيام بمشاريع تنطوي على المغامرة والتي تحمل في طياتها مخاطر الفشل، ولكن بعض النجاح الحقيقي والباهر، وإن يكن قليلاً. مرة أخرى، إن القضية ذات طابع عالمي. فكل دراسة أجريت في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة تظهر بأن المشاريع الصغيرة—وليست الشركات الضخمة التي هي ملء الأسماع هي وراء خلق معظم فرص العمل. في الصين، مجالات مثل هذه المشاريع الخاصة الصغيرة لهي قليلة جداً.
إن خصخصة أوسع كثيراً للنشاط الاقتصادي من شأنها تخفيض صعوبات استيعاب العمال الذين يستغني القطاع الزراعي عنهم. عندها، سوف تنشأ مشاريع خاصة في جميع الأماكن لامتصاص القوة العاملة.
مثل آخر للصين هو شبيه للمشكلة التي ذكرتها بالنسبة للسوق الأوروبية المشتركة؛ الفرق بين آفاق الحرية في إنتاج وتوزيع البضائع والخدمات، وبين إنتاج وتوزيع عملة النقد. التحرير الواسع الذي تم في أسعار العديد من السلع، وبالأخص السلع الزراعية وما شابهها، لم تصاحبه خصخصة النظام البنكي. وكما فهمت، فإن حكومة الصين تقرر بشكل غير مباشر ماذا يحدث لحجم العملة المتداولة، عن طريق المنح التي تعطيها للمشاريع الحكومية. النتيجة تشمل زيادة سريعة في كمية النقد المتداول، وليس—وهذا ما يدعو إلى الدهشة—ضغطاً متصاعداً على الأسعار، الأمر الذي أدَّى إلى تضخم علني ومُقنَّع، أخذ يُطل بوجهه القبيح.
متى يجب أن يأتي الإصلاح تدريجياً، ومتى يكون التغيير الراديكالي والفوري أمراً مناسباً؟ أحد البدائل يتبدى في قصة الأرنب والسلحفاة، عندما وصلت السلحفاة بمشيتها “البطيئة ولكن الثابتة” إلى خط النهاية، سابقة الأرنب الأسرع منها كثيراً، ولكنه كان الأقل استمرارية وثباتاً. المثل الثاني يتجسد في المقولة بأنه ليس من الفطنة قطع ذنب الكلب بالبوصات. وهنا تكمن إحدى أصعب المشاكل التي تُواجه نتيجة لتوسيع مجالات السوق. دعوني أُبين ذلك بالنسبة للتجارة الخارجية. لنفترض بأن بلداً كان يفرض مستويات مرتفعة من التعرفة الجمركية، يقرر الانتقال إلى وضع التجارة الحرّة. إن محاسن التحرر التدريجي واضحة. لقد استثمر رأس المال بطرق لم يعد من الممكن معها أن يمثل استخداماً فعالاً للثروة المتاحة ضمن الظروف الجديدة. معظم رأس المال آنذاك يكون في شكل آليات، ومباني، ومهارات إنسانية وما شابه ذلك. أليس واضحاً في مثل تلك الحالة أن يكون من الأجدى والأعدل تخفيض التعرفة تدريجياً؟ ذلك يعطي أرباب الثروات المتخصصة فرصة سحب رأسمالهم تدريجياً، وبالتالي تخفيض النفقات التي فرضها عليهم التغيير.
إن الدعوة إلى إزالة التعرفة بجرة قلم، أي بما يشبه المعالجة بالصدمة، هي أكثر دقة وتعقيداً، ومع ذلك، ومن منظور الكفاءة الاقتصادية، فإنها أكثر إقناعاً. فإلى المدى الذي تكون فيه الكفاءة الاقتصادية أعلى في استثمار الموارد في غياب التعرفة، يجب أن يتم ذلك، وإذا كان بالإمكان الحصول على أي مردود فوق الكلفة الهامشية، عن طريق مواصلة استخدام الموارد الإنسانية وغيرها، فإن من الأفضل الحصول على ذلك الهامش بدلاً من لا شيء. سوف يقع العبء على أرباب الموارد المتخصصة في الحال، ولكن استثماراً سلبياً سوف يتبع ذلك فقط، بالسرعة التي يتم بموجبها استخدام العمالة المتخصصة والموارد الأخرى، في مشاريع أخرى أكثر إنتاجية وجدوى. من الناحية الأخرى، فإن التخفيض التدريجي للتعرفة يتيح ربحاً فردياً نتيجة مواصلة استخدام الموارد الخاصة على مستوى أعلى، ولكن على حساب الكفاءة الاجتماعية، وبالتالي فرض كلف لا ضرورة لها على المجتمع.
إن إنهاء تضخم مستمر يخلق مشاكل مماثلة، وإنهاؤه بضربة واحدة، إذا لم يكن قد استشعر به قبل زمن طويل من ذلك، قد يتسبب في خسائر رأسمالية واسعة النطاق. وعقود طويلة الأجل كان قد تمّ التعاقد حولها بتوقعات معيّنة بالنسبة للتضخم قد تصبح فجأة غير مناسبة. فالدعوة من منظور العدالة لفترة انتقال تدريجية أقوى كثيراً بالنسبة لدرجة معتدلة من التضخم منها بالنسبة إلى التعرفة. إن النتائج المترتبة على كل من التضخم المسبق ونهايته غير المتوقعة، هي أكثر شمولاً، وتؤثر على أعداد أكبر من الناس الذين يكونون قد تضرروا أولاً من التضخم المسبق، ويتضررون مرة أخرى من إنهاء ذلك التضخم. إن تخفيض التضخم تدريجياً يسهل الفترة الانتقالية، كما يقلل من أكلاف تحقيق نموٍ حقيقي بمعزل عن التضخم.
ومع ذلك، فإن الكثير يتوقف على نسبة ارتفاع التضخم. فإذا كان التضخم عالياً جداً—على ارتفاع سنوي من ثلاث خانات—فإن الوضع يكون صعباً جداً. يكون جميع المشاركين في السوق قد عدَّلوا من ترتيباتهم بحيث يكونوا قد أخذوا كل التغييرات بالحسبان. إن زوال التضخم المفاجئ سوف يفرض كلفاً قليلة، لأن المؤسسات المالية وغيرها، تكون قد تأقلمت مع تغييرات حادة في نسبة التضخم—وبالحقيقة، فإن مثل هذا التأقلم يُمثل ثمناً رئيسياً نتيجة التضخم العالي والمتغيّر. والإزالة التدريجية في بعض الأحيان ليست مجدية، بسبب عدم توافر وقت كاف—يكون الكلب قد مات قبل أن يكون ذيله الطويل قد قُطِع بضع بوصات.
إن الرقابة المباشرة على الأسعار—سواءً كانت عامة أو محددة، أي على الإيجارات أو أسعار تبادل العملات—يجب أن يتم وضع حد لها في الحال. مارجريت ثاتشر وضعت حداً تاماً للرقابة على تبادل العملات وفي الحال. التأقلم التدريجي من شأنه فقط أن يطيل الضرر الذي تنزله الرقابة، ويعطي أرباحاً لا مبرر لها لمن يتعاملون فيها “من الداخل.” النقص في الإمدادات، والصفوف الطويلة وغيرهما من التشوهات التي تتأتى عن محاولات إبقاء الأسعار دون مستوى سعرها السوقي، سوف تستمر، مع أنها سوف تنخفض، وتنشأ مكانها مشاكل إضافية، ذلك لأن التدرج يُشجع على المضاربة ويشجع الخصوم على السعي لإعادة الوضع إلى ما كان عليه. حالة مماثلة تنطبق على محاولات الإبقاء على الأسعار حول معدلات أسعار السوق، كما يتبين بوضوح من السياسات الزراعية للولايات المتحدة واليابان والسوق الأوروبية المشتركة.
التغلب على المعيقات السياسية
لقد أقحَمَ هذا الموضوع نفسه بشكل حتمي في الأقسام السابقة. المشاكل العامة هنا هي حول كيفية تجاوز العقبات السياسية التي تقف في وجه توسيع السوق. إن الخطر ليس فقط أن تلك المعيقات من شأنها أن تُحبط السعي لتحرير السوق، ولكن، وبدرجة متساوية، أن يؤدي السعي للتغلب على الحواجز السياسية على تدمير فوائد تحرير السوق. التحدي هو في إيجاد وسائل للتغلب على تلك المعيقات دون خلق تلك الآثار الضارة. وتجارب الغرب في حقل الخصخصة يلقي ضوءً خاصاً على هذا الموضوع.
ربما تشكل التجربة البريطانية في الخصخصة أغنى مجموعات التجارب، وأكثرها تحليلاً، وإنني أوصي أصدقاءنا الصينيين الذين يسعون إلى توسيع السوق بدراسة العِبر المستفادة من تجربة الخصخصة البريطانية.
مثل بسيط من الولايات المتحدة يدلل على الموضوع هو خصخصة مصلحة البريد. إن خدمة البريد في أمريكا تملك احتكاراً في بريد الدرجة الأولى بسبب قوانين الإكسبرس الخاصة التي تحرم على الأفراد تحت طائلة التجريم تقديم خدمات نقل بريد الدرجة الأولى. ومحاولات عديدة جرت لممارسة ذلك ولكنها انتهت إلى المحاكم التي وضعت حداً لها. لقد أخذت الخصخصة في الزحف في تقديم خدمات على الهامش، أولاً في شكل خدمات نقل الطرود. لقد نجحت شركة (يونايتد بارسل سيرفس)، وغيرها من شركات نقل الطرود الأخرى، في أخذ معظم خدمات النقل التي كانت تتولاها مصلحة البريد سابقاً. يضاف إلى ذلك، خدمات المراسلين الفرديين وأكثرها شهرة (الفيديرال إكسبرس)، والتي كان نجاحها عظيماً لدرجة أن شركات عديدة أخرى دخلت إلى الميدان. التطورات التي كانت سوف تشجعها التقدمات التكنولوجية، بغض النظر عن وسيلة إبداء الخدمة، قد نمت بسرعة. والأمثلة على ذلك البريد الإلكتروني عبر الكومبيوتر والهاتف والفاكس، ومرة أخرى عن طريق الهاتف. هذه الأمثلة تُبين قوة الابتكار التي تملكها الأسواق الخاصة في الاستفادة من الفرص التي تتاح أمامها نتيجة عجز المؤسسات الحكومية.
لقد بُذلت محاولات متكررة سعياً وراء إلغاء قوانين الإكسبرس الخاص، بحيث تتمكن الشركات الخاصة من الدخول منافسة للخدمة البريدية الحكومية. ولكن جميع تلك المحاولات كانت تصطدم باحتجاجات عنيفة من قبل اتحادات موظفي البريد، ومن مديري خدمات البريد التنفيذيين، ومن المجتمعات الريفية التي تعتقد بأنها ستُحرم من الخدمات البريدية. ومن الناحية الأخرى، قليلون هم من يملكون اهتماماً قوياً ومركّزاً، يدفع بهم إلى تأييد إلغاء قوانين الإكسبرس التي تحمي الخدمة البريدية الحكومية. رجال الأعمال الذين يرغبون في دخول هذا الميدان، إذا كان متاحاً للقطاع الخاص، لا يعرفون مسبقاً بأنهم يستطيعون أن يفعلوا ذلك. مئات الآلاف من الناس، والذين سوف يحصلون على عمل دون شك، في حالة قيام خدمات بريدية خاصة، ليس لديهم أقل فكرة بأنهم سوف يحصلون على ذلك.
إحدى الطرق للتغلب على معارضة الخصخصة، وقد استخدمت على نطاق واسع في بريطانيا، وكما وصفها روبرت بوول، هي تحديد المعارضين المحتملين وإدخالهم في الصفقة، عن طريق تملك أسهم فيها. التطبيقات العملية لهذا المبدأ هي: (1) تملك الأسهم من قبل المستخدمين، و(2) الرأسمالية العامة.
إن فرصة تملك أسهم في المشروع من شأنها إحداث تغيير دراماتيكي على نظرة موظفي الخدمة العامة المنتظمين في نقابات، كما تبين في موضوع شركة الاتصالات البريطانية، فقد شجب موظفوا النقابات الخصخصة المقترحة للشركة، طالبين من أعضاء النقابات عدم شراء الأسهم المعروضة للبيع. ولكن في نهاية الأمر، وعندما شعروا بفرصة الربح المالي، ابتاع حوالي 96% من القوة العاملة أسهم الشركة.
ويستخدم بوول تجربة شركة الاتصالات البريطانية للتدليل على الآلية الثانية ألا وهي: الرأسمالية العامة.
لتشجيع عملاء الخدمات الهاتفية على شراء أسهم، قدمت لهم سندات تمنحهم فيها خصماً على فواتير هواتفهم، إذا ما احتفظوا بأسهمهم لمدة لا تقل عن ستة أشهر. ولكي يمنعوا المؤسسات والشركات الكبرى من ابتياع حصة الأسد، فقد حدد شراء الأسهم بـ800 سهم لكل راغب في الشراء.
أحد المطبات التي يتوجب الابتعاد عنها في السير بهذا الأسلوب هو تزيين الصفقة عن طريق تحويلها من احتكار حكومي إلى احتكار خاص—والذي قد يُشكل تقدماً ولكنه يقل كثيراً عن النتيجة المرجوّة. إن تجربة خدمة البريد الحكومية الأمريكية تُبيّن المطلب، وكذلك زيف محاولة تقليد الخصخصة وتوقع أن يؤدي ذلك إلى جوهرها. فقد أنشئت كشركة حكومية ذات استقلال، وغير خاضعة للنفوذ السياسي المباشر، وبحيث تعمل على قواعد عمليات السوق. ولم تكن النتيجة على ذلك النحو، ولأسباب مفهومة. لقد بقيت احتكاراً، ولكنها لم تطور اهتماماً خاصاً قوياً لرفع كفاءة أدائها.
إن أفضل شكل بالنسبة لي للخصخصة هو ليس في بيع الأسهم على الإطلاق ولكن، في إعطاء المؤسسات التي تملكها الحكومة للمواطنين. إنني أسأل المعارضين، من يملك الشركات الحكومية؟ الجواب المعتاد هو: “الجمهور.” حسناً إذن، لماذا لا نجعل ذلك حقيقة بدلاً من تركها شعاراً براقاً؟ أقم شركة خاصة وأعطي لكل مواطن سهماً أو مائة سهم فيها. اتركهم أحراراً في شراء أو بيع تلك الأسهم. وفي زمن قصير سوف تصبح تلك الأسهم في أيدي رجال الأعمال، إما أن يبقوا على الشركة كما هي، ولنفترض أنها الخدمة البريدية، إذا كان ذلك أربح وأجدى، أو يقسمونها إلى عدد من الكيانات إذا بدا ذلك هو الأربح.
مثال أخير يُبين وجهة النظر هذه بشكل آخر. لقد سمح الروس بقطع أراضٍ صغيرة في مجال الزراعة. وتقدر تلك القطع الخاصة بحوالي 3% من أراضي الاتحاد السوفييتي القابلة للزراعة؛ وثلث مجموع الإنتاج الزراعي الذي يباع في الاتحاد السوفييتي يأتي من هذه القطع الصغيرة الخاصة. لقد اخترت كلماتي بعناية، إنني لم أقل بأن ثلث الإنتاج جاء من تلك المزارع الصغيرة، لأنني أكون مخطئاً لو قلت ذلك. إن نسبة كبيرة من الإنتاج الآتي من المزارع الصغيرة هو حقاً من إنتاجها. ولكن يساورني شك قوي بأن قسماً كبيراً منه أيضاً قد تم تحويله من المزارع الجماعية.
على امتداد عقود، كان واضحاً لحكام الاتحاد السوفييتي بأن في مقدورهم زيادة الإنتاج الزراعي زيادة كبيرة، عن طريق زيادة حجم ودور المزارع الخاصة. لماذا لم يفعلوا ذلك؟ لم يكن ذلك بكل تأكيد بسبب الجهل. الجواب بوضوح هو أن الخصخصة سوف تؤدي إلى إقامة مراكز سلطة مستقلة، والتي بدورها سوف تنقص من سلطات البيروقراطية السياسية. لقد اعتبر الحكام الثمن السياسي الذي يتوجب عليهم دفعه، أعلى من الفائدة الاقتصادية التي سوف يجنونها. في هذه اللحظة، وتحت تأثير مثل هذه السياسة في الصين، كما أشك، فإن الرئيس غورباتشوف يتحدث عن توسيع كبير للمزارع الخاصة. وليس واضحاً أبداً إن كان سينجح في ذلك.
إستبداد الوضع القائم
إن قضايا التغلب على المصالح الذاتية الكامنة، وتفويت مساعي الإيجار، تنطبق تقريباً على جميع محاولات إحداث تغييرات في السياسات الحكومية، سواء أكان التغيير متصلاً بالخصخصة، أو إزالة قواعد عسكرية، أو تخفيض المعونات، أو أي شيء آخر. إن النتيجة المتمثلة في استبداد الوضع القائم، كما عنوَنتُ أنا وزوجتي كتاباً وضعناه مؤخراً، والذي يبحث أمثلة واسعة لمثل تلك الحالات في الولايات المتحدة، هو السبب الرئيسي الذي يجعل الآليات السياسية اقل فعالية كثيراً من آليات السوق الحر، في تشجيع التغييرات الديناميكية، وفي تحقيق النمو والرخاء الاقتصادي.
هنالك حِكَمٌ بسيطة للتغلب على استبداد الأوضاع القائمة. ولكن هنالك حكمة واحدة تنطبق أكثر من غيرها، على البحث الذي أجريناه سابقاً بشأن التغيير التدريجي مقابل التغيير المفاجئ. إذا كان الهدف خصخصة فعالية حكومية أو إلغاءها، فليتم ذلك بشكل كامل ودون تردد. لا تلجأ إلى الحل الوسط بتأميم جزئي، أو تخفيض جزئي. إن مثل ذلك سوف يترك المجال لمجموعة من المعارضين المصممين، للعمل بإصرار، وكثيراً ما يكون بنجاح، لإلغاء التغيير. لقد حاولت إدارة ريغان مراراً خصخصة أمتراك (خدمة السكك الحديدة للركاب)، وأن تلغي شركة الخدمات القانونية. وفي كل حالة، تمت تسوية الأمر بتخفيض في الموازنة وتحقيق نصر مرحلي مؤقت. ومن الناحية الأخرى، فإن الإلغاء التام لمجلس إدارة الطيران المدني يعطي أملاً أكبر كثيراً بأن تحرير النقل الجوي وشركات الطيران هو هنا ليبقى.
وفي الختام، هنالك وسائل أفضل، أو أسوأ، لخصخصة اقتصاد موجه؛ ولكن لا توجد صيغة سحرية للانتقال بسهولة ودون ألم من اقتصاد موجه إلى اقتصاد طوعي قائم على التبادل التجاري. ومع ذلك، فإن المكاسب المتوقعة كبيرة إلى حد أنه إذا كان بالإمكان تحقيق التحول، فإن الكلفة المرحلية سوف تكون باهتة بالنسبة للمكاسب. إن زعماء الصين الحاليين يستحقون الإشادة لإدراكهم بأن المكاسب المتوقعة تُقزِّم التكلفة المرحلية، ولأنهم يبذلون جهوداً جدّية حثيثة لإنجاز المرحلة الانتقالية. الشعب الصيني سيكون الكاسب الأكبر، ولكنه ليس الوحيد أبداً الذي سوف يستفيد من نجاح هذه الجهود. فجميع شعوب العالم سوف تستفيد من ذلك.
إن السلام والرخاء العميم المشترك هما الجائزة العليا للتعاون الطوعي على امتداد العالم، كوسيلة رئيسية لتنظيم النشاط الاقتصادي.
© معهد كيتو، منبر الحرية، 28 حزيران 2006.

peshwazarabic5 نوفمبر، 20100

إنه من السائد كثيراً بأن السياسة والاقتصاد أمران منفصلان ولا علاقة لأحدهما بالآخر؛ وأن الحرية الفردية مسألة سياسية بينما أن الرفاهية المادية مسألة اقتصادية، وبأنه من الممكن ضمّ أيّ نوع من الأنظمة السياسية إلى أي نوع من الأنظمة الاقتصادية، والتطبيق المعاصر الأوضح لهذه الفكرة هو الدفاع عن “الاشتراكية الديمقراطية” من قبل العديد من الذين يدينون في الوقت ذاته القيود التي تفرضها “الاشتراكية الديكتاتورية” على الحرية الفردية في روسيا، وكذلك هؤلاء المؤمنين بأنه من الممكن أن تقوم دولة بتبني الخصائص الأساسية للأنظمة الاقتصادية الروسية وفي الوقت ذاته ضمان الحرية الفردية من خلال تلك الأنظمة السياسية. إن الفكرة التي يتناولها هذا الفصل تتمثل في أن مثل تلك الرؤية مضللة، وبأن هناك علاقة جوهرية بين السياسة والاقتصاد بحيث أنه بالإمكان الجمع فقط بين أنظمة سياسية واقتصادية محددة دون غيرها، وأنه على وجه الخصوص لا يمكن لمجتمع اشتراكيّ أن يكون في الوقت ذاته ديمقراطياً ضمن مفهوم ضمان الحرية الفردية.
إن الأنظمة الاقتصادية تلعب دوراً مزدوجاً في تأسيس مجتمع حرّ؛ فمن ناحية، فإن الحرية في الأنظمة الاقتصادية هي بذاتها جزء من الحرية بمفهومها الأوسع، وهي هدف نهائي بحد ذاتها. أما في المرتبة الثانية فإن الحرية الاقتصادية كذلك وسيلة لا يستغنى عنها في سبيل تحقيق الحرية السياسية.
إن أولى تلك الأدوار للحرية الاقتصادية تتطلب تأكيداً خاصاً لأن للمفكرين على وجه الخصوص ميلٌ قوي لعدم اعتبار هذه السمة للحرية على أنها مهمّة؛ فهم ينزعون إلى التعبير عن ازدرائهم لما يعتبرونه مظاهر ماديّة للحياة، وإلى اعتبار سعيهم وراء قيمهم السامية المزعومة على أنه على مستوى أعلى من الأهمية، وعلى أنه يستحق اهتماماً خاصاً. ولكنه لمعظم مواطني الدولة—وإن لم يكن ذلك للمفكرين—فإن الأهمية المباشرة للحرية الاقتصادية هي على الأقل بمثل أهميتها غير المباشرة كوسيلة لتحقيق الحرية السياسية.
فالمواطن البريطاني الذي لم يسمح له بعد الحرب العالمية الثانية بقضاء إجازته في الولايات المتحدة بسبب نظام الرقابة على الصرف وتحويل العملات الأجنبية قد تم تجريده من حرية أساسية بما لا يقل عن المواطن الأمريكي الذي حُرم من فرصته في قضاء عطلته في روسيا بسبب آرائه السياسية. فالحالة الأولى كانت في الظاهر تقييداً اقتصادياً للحرية بينما كانت الثانية تقييداً سياسياً لها؛ ومع ذلك فإنه لا يوجد فرق جوهري بين كلتيهما.
إن المواطن الأمريكي الذي يجبره القانون على تخصيص ما يقارب 10% من دخله من أجل شراء نوع معين من عقود التقاعد الذي تقدمه الحكومة؛ فإنه يتم تجريده بالقدر ذاته من حريته الشخصية. إن شدة الشعور بهذا التجريد ومقدار شبهه بالتجريد من الحرية الدينية—والتي سيعتبرها الجميع كحرية “مدنية” أو “سياسية” بدلاً عن اقتصادية—قد تمثل من خلال حدث متعلق بجماعة من مزارعي طائفة أميش؛ فعلى أساس المبدأ، اعتبرت هذه الجماعة البرامج الفيدرالية الإجبارية للشيخوخة كانتهاك لحريتهم الشخصية الفردية ورفضوا دفع الضرائب أو قبول الإعانات؛ ونتيجة لذلك تم بيع بعض مواشيهم في مزاد علنيّ لدفع استحقاقات ضرائب الضمان الاجتماعيّ. إنه صحيح بأن أعداد المواطنين الذين يعتبرون ضمان الشيخوخة الإجباري كتجريد للحرية قد تكون قليلة؛ لكن المؤمن بالحرية لا يحصي الأنوف أبداً.
إن المواطن الأمريكي الذي لا يمتلك—ضمن تشريعات العديد من الولايات—حرية الالتحاق بالمهنة التي هي من اختياره الخاص إلا إذا حصل على ترخيص لذلك؛ هو كذلك يتم حرمانه من جزء أساسي من حريته. وكذلك الشخص الذي يريد استبدال بعضٍ من بضائعه بساعة سويسرية مثلاً لكنه يُمنع من ذلك بسبب حصة نسبية ما (كوتا). وهكذا أيضاً الرجل من كاليفورنيا الذي قد زجّ به في السجن لبيعه (ألكا سيلتزر) بسعر أقل من ذاك الذي فرضته الجهة الصانعة تحت ما يطلق عليه اسم قوانين “التجارة العادلة”. وأيضاً كذلك المزارع الذي لا يستطيع زراعة كمية القمح التي يرغب بها، وهكذا دواليك. إنه من الواضح بأن الحرية الاقتصادية وبحد ذاتها جزء مهم للغاية من الحرية بمفهومها الشامل.
باعتبارها وسيلة لتحقيق الحرية السياسية؛ فإن الأنظمة الاقتصادية مهمة بسبب تأثيرها على تركيز أو توزيع السلطة؛ فذاك النوع من النظام الاقتصادي الذي يوفر الحرية الاقتصادية بشكل مباشر، وأعني النظام الرأسمالي التنافسي، يشجع كذلك الحرية السياسية لأنه يفصل السلطة الاقتصادية عن السلطة السياسية وبذلك يمكن أحدهما من أن يوازن الآخر.
إن الدليل التاريخي يتحدث بصوت واحد عن العلاقة بين الحرية السياسية والسوق الحرة. فلا أعلم عن أي مثال في أي مكان أو زمان لمجتمع تميز بقدر كبير من الحرية السياسية، وفي الوقت ذاته لم يستخدم شيئاً شبيهاً بالسوق الحرة لتدبير معظم نشاطه الاقتصاديّ.
ولأننا نعيش في مجتمع يتمتع بحرية كبيرة فإننا نميل إلى نسيان كم هو محدودٌ الزمن والجزء من العالم الذي قد تواجد فيه مطلقاً شيء شبيه بالحرية السياسية، فغالباً ما كان حال البشر الاستبداد والعبودية والشقاء؛ إلا أنه قد أبرز القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في العالم الغربي استثناءات لافتة للنظر للمنحى العام للتطور التاريخي؛ فقد تحققت الحرية السياسية في هذه المرحلة بشكل واضح بمعية السوق الحرة وتطور المؤسسات الرأسمالية، كالذي حققته الحرية السياسية في العصور الذهبية لليونان وفي العهود الأولى للعصر الروماني.
ويقترح التاريخ بأن الرأسمالية تكفي كشرط أساسي للحرية السياسية؛ لكنه من الواضح بأن ذلك ليس كافياً؛ فإيطاليا الفاشية وإسبانيا الفاشية، وألمانيا خلال العديد من الفترات في السبعين سنة الماضية، واليابان قبل الحرب العالمية الأولى والثانية، وروسيا القيصرية في العقود التي سبقت الحرب العالمية الأولى؛ جميعها مجتمعات لا يمكن تصوّرها على أنها حرة سياسياً؛ ومع ذلك كانت المشاريع الخاصة هي الشكل السائد للنظام الاقتصادي في كل منها. ولذلك من الممكن وبشكل واضح أن تتواجد أنظمة اقتصادية والتي هي رأسمالية في الأساس مع أنظمة سياسية غير حرة.
حتى في تلك المجتمعات السالفة الذكر كان للمواطنين حرية أفضل من هؤلاء في دولة ديكتاتورية حديثة كروسيا أو ألمانيا النازية، والتي جمعت بين الديكتاتورية الاقتصادية والديكتاتورية السياسية. حتى في روسيا تحت الحكم القيصري كان ممكناً لبعض المواطنين في بعض الأحوال تغيير وظائفهم دون أخذ تصريح من السلطة السياسية بذلك حيث وفرت الرأسمالية ووجود الملكية الخاصة بعض الكبح على السلطة المركزية للدولة.
إن العلاقة ما بين الحريتين السياسية والاقتصادية معقدة وليست بأي شكل من الأشكال أحادية الجانب؛ ففي بدايات القرن التاسع عشر كان لبنثام والراديكاليين الفلسفيين ميلاً لاعتبار الحرية السياسية كوسيلة نحو الحرية الاقتصادية، وقد آمنوا بأنه يتم كبح الطبقة العاملة عن طريق القيود التي تفرض عليهم، وبأنه إن أعطى الإصلاح السياسي عامة الشعب حق التصويت لعملوا ما في صالحهم والذي كان التصويت لسياسة عدم التدخل (مبدأ يقاوم التدخل الحكومي في الشؤون الاقتصادية إلا بمقدار ما يكون ذلك ضرورياً لصيانة الأمن وحقوق الملكية الشخصية). وبتأمل الأحداث الماضية لا يستطيع أحد القول بأنهم قد كانوا مخطئين في ذلك. ولقد كانت هناك إجراءات عظيمة من الإصلاح السياسي والذي رافقه إصلاح اقتصادي في توجه نحو تحقيق سياسة عدم التدخل تلك. وقد تبع هذا التغيير في الأنظمة الاقتصادية زيادة هائلة في رفاهية الطبقة العاملة.
إن انتصار الليبرتارية البنثمايتية في بريطانيا القرن التاسع عشر تبعه ردة فعل نحو زيادة التدخل الحكومي في الشؤون الاقتصادية. وقد تسارعت هذه النزعة نحو الجماعيّة (مبدأ اشتراكي قائل بسيطرة الدولة—أو الشعب ككلّ—على جميع وسائل الانتاج أو النشاطات الاقتصادية) بشكل كبير في بريطانيا وغيرها خلال الحربين العالميتين، وأصبحت دولة الرفاه بدلاً عن الحرية السمة المميزة للدول الديمقراطية. وبإدراك الخطر الضمني على الفردانية (نظرية تنادي بأن المبادرة والمصالح الفردية يجب ألا تخضع لسيطرة الحكومة أو المجتمع أو رقابتهما) خشي المفكرون المنحدرون عن الراديكاليين الفلسفيين—على سبيل الذكر: دايسي وميزس وهايك وسايمنز—بأن التقدم المستمر نحو السيطرة المركزية على النشاط الاقتصادي سوف يثبت الطريق إلى الرق كما أطلق هايك على تحليله النافذ لهذه العملية، ولقد كان تركيزهم على الحرية الاقتصادية كوسيلة لتحقيق الحرية السياسية.
لقد أظهرت الأحداث منذ نهاية الحرب العالمية الثانية علاقة جديدة مختلفة بين الحريتين الاقتصادية والسياسية؛ حيث أن التخطيط الاقتصادي الجماعيّ قد تعارض فعلاً مع الحرية الفردية، لكنه في بعض الدول على الأقل لم ينتهِ الأمر بقمع الحرية بل بتحوّل السياسة الاقتصادية فيها. وتقدم بريطانيا مرة أخرى المثال الأبرز على ذلك: ولربما كانت نقطة التحوّل فيها تكمن في نظام “ضبط الالتزامات” الذي وجد حزب العمّال من الضروري فرضه—على الرغم من المخاوف الكبيرة—لتنفيذ سياسته الاقتصادية. وإن كان قد تم تنفيذه بالشكل الكامل لتضمن هذا القانون توزيعاً مركزياً للأفراد على المهن، الأمر الذي كان متعارضاً جداً مع الحرية الشخصية، بحيث أنه قد تم تنفيذه على عدد لا يذكر من الحالات، ثم تم إلغاؤه بعد أن كان ساري المفعول لمدة قصيرة فقط، وقد قاد إلغاؤه هذا نقلة واضحة في السياسة الاقتصادية تميزت باعتماد أقل على “الخطط” و”البرامج” المركزية من خلال تفكيك العديد من القيود، وعن طريق زيادة التركيز على السوق الخاصة. وقد حدث تحوّل مشابه في السياسة الاقتصادية في معظم الدول الديمقراطية الأخرى.
إن التفسير الأقرب لهذه النقلات في السياسة الاقتصادية هو النجاح المحدود للتخطيط المركزي أو فشله الكامل في تحقيق الأهداف المعلنة. ومن ناحية أخرى فإن هذا الفشل الذي يعزى في ذاته—لدرجة ما على الأقل—للمضامين السياسية للتخطيط المركزي ولانعدام الرغبة في متابعة منطقه عند تنفيذه، يتطلب وطئاً شديداً على الحقوق الخاصة المحفوظة. ومن المحتمل أن تكون هذه النقلة مجرد صدعاً مؤقتاً في الاتجاه الجماعيّ لهذا القرن؛ وحتى إن كان كذلك؛ فإنه يوضح العلاقة الوطيدة بين الحرية السياسية والأنظمة الاقتصادية.
إن الدليل التاريخي لوحده لن يكون مقنعاً بشكل كافٍ، ولربما كانت تلك صدفة محضة بأن حدث انتشار الحرية في الوقت ذاته مع نمو المؤسسات الرأسمالية والسوق الحر، فلماذا يجب أن تكون هناك علاقة بينهما؟ وما هي الروابط المنطقية بين الحريات الاقتصادية والسياسية؟ من خلال البحث في هذه التساؤلات سوف نمعن النظر أولاً في السوق كعنصر مباشر للحرية، ومن ثم سنتناول العلاقة غير المباشرة بين أنظمة السوق والحرية السياسية، وكنتيجة ثانوية لذلك ستكون بالتوصل إلى موجز للأنظمة الاقتصادية المثالية في مجتمع يتمتع بالحرية.
كليبراليين؛ إننا نتخذ حرية الفرد أو ربما العائلة كهدف نهائي لنا في الحكم على الأنظمة الاجتماعية. إن للحرية كقيمة ضمن هذا المفهوم علاقة بالروابط المتبادلة بين الناس، وليس لها أيّ معنىً مهماً كان لروبنسون كروزو على جزيرة معزولة—من دون غلامه فرايدي—حيث أن كروزو على جزيرته تلك عرضة ﻠـ “التقييد”، ويمتلك “سلطة” محدودة، ولديه فقط عدد محدود من الخيارات، لكن لا توجد عنده مشكلة الحرية بالمفهوم الذي نعنيه بنقاشنا هذا. وبشكل مماثل، في مجتمع ما ليس للحرية علاقة بما يفعله المرء بحريته، فهي ليست بصفة أخلاقية شاملة لكافة الجوانب. وبالفعل؛ فإن هدفاً أساسياً للليبرالي هو ترك المسألة الأخلاقية للفرد ليتصارع معها. إن المسائل الأخلاقية الهامّة “حقاً” هي تلك التي تواجه الفرد في مجتمع حرّ: ما الذي يجب عليه أن يفعله بحريته، وبالتالي فإن هنالك مجموعتان من القيم سيؤكد الليبرالي عليها: القيم المتعلقة بالعلاقات بين الناس، والذي هو السياق الذي يحدده من خلاله الأولوية الأولى للحرية، والقيم ذات الصلة بالفرد في ممارسته لحريته، والذي هو مجال الأخلاقيات والفلسفة الفردية.
يصوّر الليبرالي البشر على أنهم كائنات ناقصة، ويعتبر مسألة النظام الاجتماعي كونها مشكلة سلبية متمثلة في منع “الأشرار” من التسبب بالأذى بالقدر ذاته من تمكين “الأخيار” من عمل الخير، وبالطبع فإن “الأشرار” و”الأخيار” قد يكونوا الأشخاص ذاتهم وذلك اعتماداً على من يقوم بالحكم عليهم.
إن المشكلة الأساسية للنظام الاجتماعي هي كيفية تنسيق النشاطات الاقتصادية لأعداد كبيرة من الناس؛ فحتى في المجتمعات الرجعيّة نسبياً لا بدّ من تقسيم شامل للعمل والتخصص في الوظائف من أجل الاستغلال الفعّال للموارد المتوفرة. أمّا في المجتمعات المتقدمة فإن المعيار الذي يجب أن يكون عليه النظام من أجل الاستغلال الأمثل للفرص التي يقدمها العلم والتكنولوجيا الحديثة هو أكبر بكثير. ففي الواقع ينخرط الملايين من الناس في توفير الخبز اليومي لبعضهم البعض، ناهيك عن سياراتهم السنوية. إن التحدي الذي يواجهه المؤمن بالحرية هو التوفيق بين اعتماد الناس بعضهم على بعض بالشكل الكبير هذا وبين الحرية الفردية.
يوجد هنالك بشكل أساسي طريقتان للتنسيق بين النشاطات الاقتصادية لملايين الناس: إحداهما هي التوجيه المركزي المتضمن استخدام القهر أي تقنية القوة العسكرية والدولة الديكتاتورية الحديثة. أما الطريقة الثانية فهي التعاون الطوعيّ للأفراد، أي تقنية ميدان السوق.
إن إمكانية التنسيق من خلال التعاون الطوعي يعتمد على القضية الأساسية—والتي على الرغم من ذلك كثيراً ما لا تؤخذ بعين الاعتبار—بأن ينتفع كلا الطرفين في المعاملات الاقتصادية منها، شرط أن تكون الصفقة اختيارية من كلا الجانبين ومعلن عنها.
لذلك يمكن للتبادل التجاري إحداث ذاك التنسيق دون إجبار. وكنموذج عمليّ لمجتمع منظم من خلال التبادل الطوعيّ هو اقتصاد تبادل المشاريع الحرة الخاصّة والذي قد أطلقنا عليه اسم الرأسمالية التنافسية.
في أبسط أشكاله يتألف مثل ذاك المجتمع من عدد من الأسر المستقلة—مجموعة من عائلة روبنسون كروزو إن جاز التعبير—بحيث تستخدم كل أسرة منها الموارد التي تحت تصرفها لانتاج السلع والخدمات التي تقوم بمبادلتها بسلع وخدمات تنتجها أسرٌ أخرى، وفق شروط مقبولة بشكل تبادلي لكل من طرفي الصفقة؛ وبذلك تتمكن من تلبية احتياجاتها بشكل غير مباشر من خلال انتاج السلع والخدمات للآخرين بدلاً عن الطريقة المباشرة في انتاج البضائع لاستخدامها الفوري الخاص بها. إن الحافز من وراء تبني هذا المسلك غير المباشر هو بالطبع الانتاج الزائد الذي وفره تقسيم العمل والتخصص في الوظائف؛ فكون أن للأسرة دوماً الخيار في الانتاج المباشر لذاتها؛ فإنها لا تحتاج الدخول في أية عمليات مبادلة إلا إذا كانت منتفعة منها، وهكذا لن يحدث أي تبادل ما لم ينتفع كلا الطرفين منه، وبذلك يتحقق التعاون من دون إجبار.
إن التخصص في الوظائف وتقسيم العمل ما كان ليحقق نجاحاً عظيماً لو كانت الوحدات الانتاجية الأساسية مقتصرة على الأسر. ففي المجتمع الحديث قد ذهبنا إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث قمنا بإدخال المشاريع المتوسطة بين الأفراد، في قدراتهم كمزودين للخدمات، وكونهم المشترين للبضائع. وبشكل مماثل، ما كان للتخصص في الوظائف وتقسيم العمل ليحقق النجاح إذا كان علينا الاستمرار في الاعتماد على مقايضة منتجٍ ما مقابل آخر، ونتيجة لذلك تم إدخال النقود كوسيلة لتسهيل عمليات التبادل، وليصبح في الإمكان تقسيم عمليات الشراء والبيع إلى نوعين.
بالرغم من الدور المهم الذي تلعبه المشاريع والأموال في اقتصادنا الفعليّ، وبالرغم من المشاكل الكثيرة والمعقدة التي تثيرها تلك المشاريع والأموال؛ فإن السمة الرئيسية لتقنية السوق في تحقيق التنسيق تظهر بشكل تام في الاقتصاد التبادلي البسيط الذي لا يشتمل على مشاريع ولا على أموال؛ بحيث أنه في مثل ذاك النموذج البسيط—وكذلك في الاقتصاد المعقد لتبادل الأموال والمشاريع—يكون التعاون فردياً واختيارياً بشكل تام بشرط: (أ) أن تكون المشاريع خاصة بحيث تكون الأطراف النهائية المتعاقدة أفراداً؛ و(ب) أن يكون الأفراد أحراراً بشكل فعال في الدخول أو عدم الدخول في أية عمليات تبادلية بعينها، وبذلك تكون كل صفقة اختياريةً بشكل تامّ.
إنه من السهل بكثير وضع هذه الشروط بلغة عامة بدلاً عن شرحها بالتفصيل، أو بدلاً عن التخصيص بدقة تلك الأنظمة المؤسساتية الأكثر فاعلية في المحافظة عليها. وبالفعل، فإن الكثير مما كتب في الاقتصاد التطبيقي يهتم بهذه التساؤلات على وجه الخصوص. إن الضرورة الأساسية هي المحافظة على القانون والنظام لمنع القهر الجسدي على أي فرد من الأفراد من قبل آخر، وكذلك فرض تعاقدات يتم الدخول فيها اختيارياً؛ وبالتالي إعطاء حرية التصرف بالمال للخاصة. بالإضافة لذلك؛ فإنه لربما تظهر المشكلات الأكثر صعوبة بسبب الاحتكار—الذي يثبط الحرية الفعالة عن طريق حرمان الأفراد من خياراتهم في تبادلات تجارية بعينها—وبسبب “تأثيرات الجوار” والتي هي التأثيرات على الطرف الثالث الذي هو من غير المناسب تكليفه أو مكافأته.
طالما أنه تمت المحافظة على الحرية الفعالة في التبادل التجاري، فإن السمة الرئيسية لنظام السوق للنشاط الاقتصادي ستكون منع الفرد من التدخل بشؤون الآخر فيما يتعلق بمعظم نشاطاته: فيُصان المستهلك من القهر من قبل البائع بسبب وجود باعة آخرين يستطيع التعامل معهم، ويُصان البائع من الإجبار من قبل المستهلك بسبب وجود مستهلكين آخرين في إمكانه البيع لهم، ويُصان العامل من أن يقهره صاحب العمل بسبب توفر غيره يستطيع العمل عندهم، وهلم جرا، بحيث يحقق السوق ذلك بطريقة موضوعيّة وبدون سلطة مركزية.
وفي الحقيقة؛ فإن أحد الأسباب الأساسية لمعارضة الاقتصاد الحرّ هو على وجه الخصوص أداؤه لهذه المهمة بفاعلية؛ فهو يقدم للناس ما يرغبون به بدلاً عمّا تعتقده جماعة محددة بالذي يجب عليهم أن يرغبوا به، وإن معظم الآراء المعادية للسوق الحرة مبنية على عدم إيمان بالحرية ذاتها.
إن وجود السوق الحرة لا يلغي بالطبع الحاجة إلى الحكومة؛ بل على العكس من ذلك فإن للحكومة دور أساسيّ كمنبر يحدد “قواعد اللعبة” وكحكمٍ يفسّر ويفرض القواعد المتفق عليها. والذي يقوم به السوق هو تقليل مجال المسائل التي يجب البتّ فيها من خلال الوسائل السياسية؛ وبالتالي التقليل من مدى الحاجة إلى الحكومة للمشاركة بشكل مباشر في اللعبة. إن الصفة البارزة للعمل من خلال القنوات السياسية هي أنها تميل إلى الحاجة أو إلى فرض خضوع كبير. ومن جهة أخرى، تكمن الفائدة العظمى للسوق بأنها تسمح بتنوع كبير. إنها—بالمفهوم السياسي—نظام تمثيل نسبيّ، أي نظام انتخابي تمنح الجماعات والأحزاب السياسية بمقتضاه مقاعد في البرلمان تتناسب وقوتها الشعبية أو قوتها الاقتراعية الفعلية، بحيث يستطيع كل شخص بالتصويت للون رباط العنق الذي يريده والحصول عليه—إن جاز هذا التعبير—وليس عليه رؤية اللون الذي ترغب فيه الأغلبية ومن ثمّ إن كان من ضمن الأقلية فعليه الاستسلام.
إن هذه هي خاصية السوق التي نشير إليها عندما نقول بأن السوق يوفر حرية اقتصادية؛ لكن لهذه الصفة أيضاً مضامين تذهب إلى أبعد بكثير من المفهوم الضيق للاقتصاد. إن الحرية السياسية تعني انعدام قهر الفرد من قبل أنداده. والخطر الرئيسي على الحرية هو امتلاك القوة على القهر، وكونها في يد الملك أو الديكتاتور أو حكم الأقلية أو أغلبية آنية. وتتطلب حماية الحرية التخلص من مثل ذاك التمركز للسلطة على أكبر قدر ممكن، ونشر وتوزيع أية سلطة ليس بالإمكان إلغاؤها—أي إيجاد نظام من نقاط الضبط والتوازن. وبتخليص نظام النشاط الاقتصادي من سيطرة السلطة السياسية، سيتخلص السوق من هذا المصدر للسلطة القهرية، ويمكن ذلك على أن تشكل القوة الاقتصادية مصدر ضبطٍ على السلطة السياسية بدلاً من كونها تعزيزاً لها.
إنه من الممكن نشر السلطة الاقتصادية بشكل واسع، ولا يوجد قانون حماية يجبر على أن يكون نمو مراكز جديدة للقوة الاقتصادية على حساب المراكز القائمة. من جهة أخرى، فإن السلطة السياسية أكثر صعوبة في إبطال مركزيتها، بحيث أنه من الممكن أن تتواجد العديد من الحكومات الصغيرة المستقلة عن بعضها البعض، ولكنه يصعب جداً الابقاء على العديد من المراكز الصغيرة المتكافئة للسلطة السياسية ضمن حكومة واحدة كبيرة، أكثر منه من تواجد العديد من المراكز للقوة الاقتصادية ضمن اقتصاد واحد كبير. ومن الممكن أن يتواجد العديد من أصحاب الملايين ضمن اقتصاد واحد كبير، ولكن هل بالإمكان تواجد أكثر من قائد واحد فذ حقاً، أي شخص واحد تتوجه إليه طاقات وحماسة أبناء بلده؟ إن حصلت الحكومة المركزية على السلطة فمن الأرجح أن يكون ذلك على حساب الحكومات المحلية. يبدو أنه يوجد هناك شيء كمجموع ثابت للسلطة السياسية ليتم توزيعه، وبناء على ذلك، إن تم ضم السلطة الاقتصادية إلى السلطة السياسية فإن التمركز يبدو حتمياً على الأغلب. من جهة أخرى، إن تم الابقاء على السلطة الاقتصادية في أيدٍ غير تلك التي تمتلك السلطة السياسية، فإنها ستعمل كنقطة ضبط وفحص للسلطة السياسية.
إن قوة هذه المناقشة النظرية ربما يمكن توضيحها بالشكل الأفضل من خلال الأمثلة. دعنا نتناول أولاً مثالاً فرضياً قد يساعد في توضيح النقاط الأساسية للموضوع، ومن ثم سنتناول بعض الأمثلة الحقيقية من التجارب الراهنة والتي نوضح من خلالها الطريقة التي تقوم بها السوق بالمحافظة على الحرية السياسية.
إن أحد سمات المجتمع الحرّ هي بالتأكيد حرية الأفراد في تأييد ونشر أي تغيير جذري في بنية المجتمع بشكل صريح طالما كان هذا التأييد مقتصراً على الإقناع ولا يتضمن استخدام القوة أو أية أشكال أخرى من القهر. إنها من علامات الحرية السياسية لمجتمع رأسمالي بأن يستطيع الناس تأييد الاشتراكية بصراحة والعمل لصالحها. وبشكل مماثل، ستتطلب الحرية السياسية في مجتمع اشتراكي بأن يكون الناس أحراراً في تأييد إدخال النظام الرأسمالي إليه. فكيف بالإمكان حماية والمحافظة على حرية تأييد الرأسمالية في مجتمع اشتراكي؟
من أجل أن يقوم الناس بتأييد أي شيء لابد في المرتبة الأولى أن يكونوا قادرين على كسب عيشهم، وهذا يثير مقدماً مشكلة في المجتمع الاشتراكي، حيث أن جميع الوظائف هي تحت السيطرة المباشرة للسلطات السياسية. وسوف يتطلب الأمر نكراناً للذات—الذي برز صعوبته من خلال التجربة في الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية في مشكلة “الأمن” بين موظفي السلطة الفيدرالية—في سبيل أن تسمح حكومة اشتراكية لموظفيها تأييد سياساتٍ تتعارض مباشرة مع مذهب الدولة الرسمي.
لكن دعنا نفترض وقوع مثل هذا الفعل من نكران الذات، فمن أجل أن يكون تأييد الرأسمالية مؤثراً يجب أن يكون أنصاره قادرين على تمويل قضيتهم—لعقد اجتماعات عامة، وإصدار النشرات، وتمويل برامج إذاعية، وإصدار الصحف والمجلات وهلم جرا—فكيف باستطاعتهم جمع الموارد المالية لذلك؟ فلربما قد يكون في المجتمع الاشتراكي أناساً ذوي دخل مرتفع، وربما حتى مبالغ لرؤوس أموال ضخمة على شكل تعهدات حكومية وأمثالها، لكنه لابد أن يكون هؤلاء من كبار موظفي الدولة. إنه من الممكن تصوّر موظف اشتراكي صغير قادر على الاحتفاظ بعمله على الرغم من تأييده الصريح للرأسمالية؛ لكنه من السذاجة تصوّر كبار ضباط الاشتراكية يمولون مثل تلك النشاطات “الهدامة”.
إن الحلّ الوحيد للموارد المالية سيكون بجمع مبالغ صغيرة من عدد كبير من الموظفين الصغار، لكن هذا ليس بجواب واقعيّ؛ فلتحقيق هذا لابد مسبقاً من اقناع العديد من الأشخاص بذلك، ومشكلتنا بأكملها تكمن في كيفية البدء وتمويل الحملة من أجل هذا الهدف على الأخص. إنه لم يتم مطلقاً تمويل الحركات الراديكالية في المجتمعات الرأسمالية بهذه الطريقة؛ بل تم دعمهم بشكل نموذجي من قبل عدد قليل من الأغنياء الذين تم اقناعهم—من قبل فريدريك فاندربيلت فيلد، أو أنيتا مكورميك بلين، أو كورليس لامونت—في ذكر بعض الأسماء التي برزت مؤخراً، أو من قبل فريدريك إنجلز إذا عدنا إلى زمن أبعد من ذلك. إن هذا من دور عدم المساواة في الثراء في المحافظة على الحرية السياسية والذي قلما يتم الانتباه له، إنه دور الأنصار.
يتطلب الأمر في المجتمع الرأسمالي مجرد إقناع بعض الأغنياء للحصول على الأموال لترويج أية فكرةٍ كانت—بشكل مثير للاستغراب—ويوجد هنالك العديد من هؤلاء الناس الذين يشكلون بؤراً مستقلة للدعم. وبالفعل ليست هناك أية ضرورة حتى لإقناع الناس أو المؤسسات المالية التي تتوفر لديها الأموال الداعمة بوقع الأفكار التي سيتم ترويجها على الآذان، بل تكون الحاجة فقط بإقناعهم بأن ذاك الترويج قد يكون مثمراً مالياً، أي أن الصحيفة أو المجلة أو الكتاب أو أية وسيلة استثمار أخرى ستكون مربحة. فالناشر التنافسي—على سبيل المثال—لا يستطيع تحمّل تكاليف نشر نص بمجرد أنه مقتنع به شخصياً؛ بل يجب أن يكون مقياسه إمكانية أن يكون السوق كبيراً بالحد الكافي ليعود عليه بعائد مُرضٍ لاستثماره هذا.
وبهذه الطريقة يكسر السوق تلك الحلقة المفرغة ويجعل بالإمكان في النهاية تمويل مثل تلك المضاربات بأخذ مبالغ صغيرة من العديد من الأشخاص دون الحاجة في البداية إلى اقناعهم بذلك. ولا توجد مثل تلك الخيارات في المجتمع الاشتراكي؛ بل تكون الدولة فقط ممتلكة لكامل السلطة.
دعنا نتوسع في خيالنا ونفترض بأن الحكومة الاشتراكية على اضطلاع بهذه المسألة، وعلى أنها تتكون من أشخاص توّاقين لحماية الحرية؛ فهل من الممكن أن توفر الموارد المالية لذلك؟ ربما، لكنه من الصعب تخيل ذلك. إنها قد تشكل دائرة رسمية لتقديم العون المالي للدعاية الهدامة. ولكن كيف ستختار من ستقدم له العون؟ فإن تم دعم كل من يطلب ذلك ستجد نفسها سريعاً وقد نفذت منها الأموال، حيث الاشتراكية لا تستطيع إلغاء القانون الاقتصادي الأساسي بأن السعر المرتفع بقدر كافٍ يستدعي طلباً كبيراً. لو جعلنا تأييد القضايا الراديكالية مربحة بالقدر الكافي فسيكون دعم هذا التأييد غير محدود.
علاوة على ذلك، فإن حرية تأييد القضايا غير المرغوبة لا تتطلب بأن يكون مثل ذاك التأييد دون ثمن؛ بل على العكس من ذلك؛ لن يكون أي مجتمع مستقراً إن كان تأييد التغييرات الجذرية فيه غير مكلفٍ أو يلزمه الدعم القليل. إنه من المقبول تماماً بأن يقدم الأفراد تضحيات لتأييد القضايا التي يؤمنون فيها بإخلاص، وبالفعل، إنه من المهم أن تقتصر الحرية على هؤلاء الذين هم على استعداد لنكران ذاتهم، وإلا سوف تنحلّ الحرية إلى فجور وعدم مسؤولية. وإنه لأمر أساسي بأن تكون تكلفة تأييد القضايا غير المرغوبة مقدوراً عليها وليست ممنوعة.
إننا لم ننتهِ بعد، ففي مجتمع ذي سوق حرة يكفي توفر الدعم المالي، فمزوّدو الورق على استعداد لبيعه ﻠـ(ديلي ووركر) كاستعدادهم كذلك لبيعه ﻠصحيفة الوول ستريت جورنال. أمّا في مجتمع اشتراكي، لن يكون كافياً توفر الأموال؛ فعلى المؤيد الافتراضي للرأسمالية إقناع مصنع ورق حكوميّ ليبيعه له، وعليه اقناع المطبعة الحكومية لطباعة نشراته، ومكتب بريد حكومي لنشرها بين الناس، ووكالة حكومية ليستأجر منها قاعة يلقي فيها خطاباته، وهلمّ جرا.
ربما توجد هناك طريقة ما يستطيع المرء من خلالها التغلب على هذه الصعوبات وحماية الحرية في مجتمع اشتراكي، فلا يمكن أن نقول أن ذلك مستحيل تماماً. ولكنه من الواضح أنه توجد هنالك عقبات حقيقية لإقامة مؤسسات تحمي فرصة الانشقاق عن مذهب الدولة بفاعلية، وبالقدر الذي أعلمه فلا أحد من هؤلاء الذين كانوا متعاطفين مع الاشتراكية وفي الوقت ذاته مع الحرية قد كان حقاً على قدر هذه المواجهة، أو حتى قام ببداية جديرة بالاعتبار في تطوير الأنظمة المؤسساتية التي قد تسمح بتحقيق الحرية تحت لواء الاشتراكية؛ بل على النقيض من ذلك، فإنه من الواضح كيف أن المجتمع الرأسمالي ذي السوق الحرة يقوم برعاية الحرية.
إن مثالاً واقعياً بارزاً على هذه المبادئ النظرية هو تجربة ونستون تشيرشل: فمنذ عام 1933 حتى نشوب الحرب العالمية الثانية لم يُسمح له الحديث عبر الإذاعة البريطانية التي كانت بالطبع حكراً حكومياً تديرها هيئة الإذاعة البريطانية، على الرغم من أنه قد كان في هذه المرحلة شخصية قيادية بارزة في بلده، وعضواً في البرلمان، ووزيراً سابقاً في مجلس الوزراء، وكان يحاول جاهداً بكل وسيلة ممكنة إقناع أبناء بلده على أخذ خطوات جادة في وجه تهديدات ألمانيا الهتلريّة؛ إنه قد تم منعه من التحدث إلى الشعب البريطاني عبر الإذاعة لأن هيئة الإذاعة البريطانية كانت حكراً للحكومة وكان موقفه هذا “مثيراً للجدل”.
مثال بارز آخر ما ورد في اﻠتايم، عدد 26 كانون الثاني عام 1959، والذي كان يتعلق ﺒـ “تلاشي القائمة السوداء”. و تخبرنا قصة اﻠتايم:
[إن حفل تقديم جوائز الأوسكار هو أكبر احتفالية لهوليوود للكرامة الإنسانية، لكنه قد استبيحت تلك الكرامة قبل سنتين مضت عندما تم إعلان روبرت ريتش كأفضل كاتب عن فيلم “الشجاع”، ولم يتقدم أحد لاستلام الجائزة، حيث كان ذلك إسماً مستعاراً يخفي واحداً من بين 150 كاتب… قد دونت صناعة الأفلام أسماءهم على القائمة السوداء منذ عام 1947 للاشتباه بأنهم شيوعيون أو من رفاقهم المسافرين. لقد كانت تلك القضية مربكة بشكل خاص لأن أكاديمية الأفلام السينمائية كانت قد منعت أي شيوعيّ أو من أنصار التعديل الخامس من المشاركة في مسابقة أوسكار. وقد تم في الأسبوع الماضي وبشكل غير متوقع إعادة صياغة قانون الشيوعية ولغز هوية ريتش الحقيقية. لقد تبين بأن ريتش هو دالتون ترمبو، أحد العشر الأوائل من كتاب هوليوود، الذي رفض الشهادة في جلسات عام 1947 حول موقف صناعة الأفلام من الشيوعية. وقد صرّح المنتج فرانك كينج والذي أصرّ بشدة بأن روبرت ريتش كان “شاباً صغيراً ذا لحية من إسبانيا”: “إن علينا التزاماً تجاه مساهمينا بشراء أفضل النصوص التي نستطيع الحصول عليها، وقد جاءنا ترمبو بنص “الشجاع” وقد قمنا بشرائه.”… لقد كانت تلك في الواقع النهاية الرسمية لقائمة هوليوود السوداء، أمّا بالنسبة للكتاب الممنوعين من المشاركة فقد كانت النهاية غير الرسمية قبل ذلك بكثير. إن 15% على الأقل من أفلام هوليوود الحاليّة قد تم كتابتها وفق التقارير من قبل أفراد على القائمة السوداء. و قد ذكر المنتج كينج: “إنه توجد أشباح في هوليوود أكثر منها في مقبرة (فوريست لون)، ولقد استخدمت كل شركة في المدينة أعمال الأشخاص من على القائمة السوداء. إننا فقط أوّل من قام بتأكيد ما يعلمه الجميع.”]
قد يؤمن المرء—مثلما أفعل أنا—بأن الشيوعية ستدمر جميع حرّياتنا، وقد يعارض المرء هذا المذهب قدر استطاعته؛ ومع ذلك وفي الوقت ذاته، يؤمن كذلك بأنه في مجتمع حرّ لا يُحتمل منع فرد من عمل ترتيبات اختياريّة مع آخرين يبادلونه المنفعة بسبب أنه يؤمن أو يحاول ترويج الشيوعية، فحريته تشمل حريته في الدعوة إلى الشيوعية، وتشمل الحرية كذلك حرية الآخرين في عدم التعامل معه تحت تلك الظروف. لقد كانت قائمة هوليوود السوداء عملاً مناقضاً للحرية ويدمرها لأنه كان تآمراً يستخدم وسائل قسرية لمنع تبادلٍ اختياريّ. ولم ينجح ذلك لأن السوق على وجه الخصوص جعل الأمر مكلفاً في أن يحمي الناس مثل تلك القائمة. إن التشجيع التجاري—حقيقة أن للأشخاص الذين يديرون المشاريع حافزاً في كسب أكبر قدر ممكن من المال—قد قام بحماية حرية الأفراد الذين تم إدراجهم على القائمة السوداء بمنحهم شكلاً بديلاً لتوظيفهم، وكذلك بمنح الناس حافزاً لتوظيفهم.
لو كانت هوليوود وصناعة الأفلام مشاريع حكومية، أو لو كانت مسألة التوظيف في بريطانيا من شأن هيئة الإذاعة البريطانية لكان من الصعب تصديق بأن العشرة الأوائل من كتاب هوليوود أو أمثالهم قد وجدوا أماكن عمل لهم. وبشكل مماثل، فإنه من الصعب التصديق بأنه في ظل تلك الظروف لتمكن أشد أنصار الفردية أو المشاريع الخاصة—أو في الحقيقة أشد أنصار أية رؤية جديدة غير الرؤية السائدة—من إيجاد وظائف يعملون فيها.
مثال آخر على دور السوق في حماية الحرية السياسية ظهر من خلال تجربتنا مع مذهب المكارثية؛ فبعيداً كلياً عن ما تضمنه من مواضيع جوهرية، ووقائع التهم التي نسبت إليه، ما الحماية التي نالها الأفراد وعلى الأخص موظفو الدولة في وجه التهم غير المسؤولة والتحقيقات في شؤونٍ كان الكشف عنها مخالفاً لالتزاماتهم؟ إن لجوءهم للتعديل الخامس لكان مهزلة فارغة دون وجود بديل للتوظيف الحكومي لهم.
إن حمايتهم الأساسية كانت وجود اقتصاد السوق الخاصة التي استطاعوا من خلالها تحصيل عيشهم. وهنا أيضاً لم تكن الحماية مطلقة، فقد كان العديد من أصحاب العمل المحتملين من القطاع الخاص—سواء كانوا على خطأ أو صواب—غير راغبين في توظيف هؤلاء المُشهَّر بهم. وقد يكون السبب في ذلك بأنه كان هناك تبريراً قليلاً جداً للتكاليف المفروضة على العديد من الناس الذين لهم صلة بالموضوع أكثر منه للتكاليف المفروضة بشكل عام على الأشخاص الذين يؤيدون القضايا غير المرغوبة. لكن النقطة الأساسية هي بأن التكاليف كانت محدودة لكنها لم تكن ممنوعة، كما كان من الممكن أن تكون فيما لو كان التوظيف الحكومي هو الخيار الوحيد أمامهم.
إنه من الجدير بالملاحظة بأن جزءاً كبيراً بشكل غير متكافئ من الناس الذين لهم صلة بالموضوع قد توجهوا بوضوح إلى الأقسام الاقتصادية الأكثر تنافسية—كالمشاريع الصغيرة، والتجارة، والزراعة—حيث أن السوق أقرب ما يكون إلى السوق الحرة المثالية. فلا أحد يشتري الخبز وهو يعلم فيما إذا كان القمح الذي صنع منه قد تم زراعته من قبل شيوعي أو جمهوري، أو دستوري أو فاشي، أو—بقدر ما قد يكون له علاقة بالموضوع—من قبل زنجي أو شخص أبيض. ويوضح هذا كيف يفصل السوق بطريقة موضوعية النشاطات الاقتصادية عن الآراء السياسية ويحمي الأفراد من التمييز الجائر بينهم في نشاطاتهم الاقتصادية لأسباب لا علاقة لها بإنتاجيتهم، سواء كانت هذه الأسباب متعلقة بآرائهم أو لونهم.
وكما يقترحه هذا المثال، فإن أكثر الجماعات في مجتمعنا التي يُراهن عليها في حماية وتعزيز الرأسمالية التنافسية هي تلك الجماعات الصغيرة التي قد تصبح بسهولة هدفاً للريبة والعداوة من قبل الأكثرية: كالزنوج، واليهود، والأجانب، في ذكر الحالات الأكثر وضوحاً فقط. ومع ذلك؛ وبشكل غريب، فإن خصوم السوق الحرة—الشيوعيين والاشتراكيين—قد تم تجنيدهم بطريقة غير متكافئة من بين تلك الجماعات؛ فبدلاً من إدراكهم بأن وجود السوق الحرة قد قام بحمايتهم من مواقف الآخرين من أبناء بلدهم، إنهم ينسبون هذا التمييز المتخلف للسوق ذاتها.
© معهد كيتو، مصباح الحرية، 13 أيار 2006.

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018