الديمقراطية والإصلاح السياسي

عزمي عاشور15 نوفمبر، 20100

لم تكن الخبرة العربية الإسلامية غائبة عن تدشين أحد أشكال الحكم المتمثل في حكم الأسر على مدار تاريخها الطويل، وبالأخص بعد عصر الخلفاء الراشدين،  للدرجة  التي باتت تسمية الدولة تشتق من لقب العائلة بدءا من الخلافة  الأموية (662_750 م)  نسبة إلى معاوية بن أبي سفيان ومرورا بالخلافة العباسية (750_1258م)  نسبة إلى عبد الله بن على بن عباس،  ثم  أخيرا الخلافة  العثمانية ( 1299_1924م  ) التي استمدت تسميتها من اسم مؤسسها  عثمان بن أرطغل. ولم يقتصر هذا الشكل من الحكم على مستوى الخلافة  وإنما امتد إلى الأمصار والولايات الأخرى، فمصر على سبيل المثال حكمت من قبل الأسر الحاكمة، فنجد الخليفة  احمد بن طولون كان أول من  استخلف الحكم في ابنه الثاني خومارويه في مصر منذ الفتح الإسلامي لها على يد عمر بن العاص في عام 639 ميلادية. وظلت ظاهرة الاستخلاف هذه داخل الأسرة الحاكمة متسيدة الساحة السياسية ليس في الخبرة العربية الإسلامية فقط وإنما أيضا في مناطق كثيرة  على مدار  القرون  السابقة للعصر الحديث والذي بدأ مع النهضة الأوروبية الحديثة. حيث قد حدثت نقلة في  العلوم الطبيعية وتطبيقاتها بجانب العلوم الاجتماعية والفلسفية والتي جاءت معظمها كرد فعل  لتحرير العقل الأوربي تدريجيا من هيمنة الكنيسة بإعادة اكتشاف الإنسان لنفسه و النظر مرة ثانية إلى الأفكار والقيم التي تعيد الاعتبار لكرامة الإنسان  كالحرية والعدالة والملكية والنسبية في المعرفة.
وبدأت الحياة، مع هذه التطورات، تأخذ شكلا جديدا حضاريا ومدنيا  وعلى مستوى الأفكار والتي  كانت  من نتيجتها أنها أعلت من قيمة الإنسان ووضعت من الأطر القانونية والمؤسسية التي تحفظ له كرامته وحقوقه التي كانت عرضة للانتهاك  بسبب عوامل كثيرة أبرزها أولا الهيمنة على العقل سواء بالدين أو بالتقاليد وثانيا هيمنة السلطة السياسية. بالنسبة للعامل الأول  فقد استطاعت أوروبا أن تنجح باقتدار عبر ما يزيد عن الأربعة قرون وان تزيل هذه  الغمامة بأفكار فلاسفة أعادوا للعقل مكانته الطبيعية، بالنسبة للثاني كان هناك تطورات على ارض الواقع تكثر احتكار السلطة السياسية بداية  بالماجنا كارتا في عام 1215 كأول وثيقة دستورية في التاريخ استطاعت أن  تمهد الطريق للتقليل من طغيان هذه السلطة  واستمر هذا الحال إلى أن حدث التحول المهم في أواخر القرن الثامن بتدشين وثيقة الحقوق الأمريكية  عقب انتهاء الحرب الأهلية التي شكلت العمود الفقري للدستور الأمريكي   مدشنة  الآلية المؤسسية والقانونية لتداول السلطة بشكل لا يجعل أحد يستأثر بها مدى الحياة .
ومن هنا  تتنوع العوامل والظروف التي  تقف وراء وجود ظاهرة الأسر الحاكمة  في النظم السياسية الحديثة، حيث قد تقود  طبيعة النظام السياسي  الديمقراطي إلى ظهور هذه الأسرة مثل عائلة كينيدى وآل بوش في الولايات المتحدة  أو حسب طبيعة النظام الديمقراطي بالإضافة إلى المورثات المجتمعية مثال عائلة غاندى في الهند، حيث الميراث التاريخي للأسرة يفرض على أفراد هذه الأسرة العمل في السياسة في ظل نظام  ديمقراطي، وهذا النمط شائع في  الثقافة الآسيوية. أما النمط الثالث فهو الذي ينبع من وجود نظام غير ديمقراطي  ومجتمع ضعيف. يتميز فيه الحكم بالهيمنة التي  تفرغ المجتمع من نخبته في سبيل التمهيد بتوريث الحكم للعائلة. وهذا النمط بدأت تظهر نماذج تطبيقية له سواء في العالم العربي أو في إفريقيا نتيجة فشل بناء الدولة الوطنية التي ظهرت ما بعد الاستقلال في النصف الثاني من القرن العشرين.
فالنظام الديمقراطي إذا كان قد سمح بوجود آليات في أن تكون هناك أكثر من فرصة لتولى أكثر من فرد من عائلة واحدة لمقاليد الحكم  على فترات متباعدة، فذلك لا يشكل ظاهرة في حد ذاته بقدر ما أن هذه العائلة توافرت فيها الإمكانيات الذاتية من وجود الأفراد ذوي الخبرة السياسية والإمكانيات المادية والكاريزمية الشعبية ليترشحوا على منصب الرئاسة شأنهم في ذلك شان أي مرشح آخر، وليس بالضرورة خبرة العائلة في الحكم تكون هي الدافع للفوز بالرئاسة مثل الولايات المتحدة الأمريكية. إلا أن هذا العامل المتعلق بالميراث العائلي يلعب دورا خطيرا في المجتمعات الشرقية وبالأخص الآسيوية  في كون ميراث العائلة يكون من بين العوامل التي تقف وراء فوز المرشح في الانتخابات  سواء كانت على منصب رئيس الدولة أو منصب رئيس الوزراء  مثلما هو حادث في الهند وباكستان. هذا في حالة تثبيت المتغير الثاني والمتعلق بوجود نظام ديمقراطي.  فالثقافة الأسيوية  تعمل لصالح ميراث الأسر الحاكمة.  ونلاحظ أن هذه الظاهرة باتت مألوفة ما دامت تتم في إطار من  انتخابات تتسم بالديمقراطية.
إلا أن الظاهرة باتت ملفتة للنظر وتستحق الدراسة عندما يتم انتقالها عبر آليات غير دستورية عبر الأسرة الواحدة مثلما حدث في سوريا سنة 2000. حيث أن النخبة الحاكمة تعمل بكافة السبل المشروع منها وغير المشروع بإعداد أفراد أسرتها لتولى مقاليد الحكم  بعدهم… حتى لو كان ذلك مخالفا للدستور والقوانين؟ إلا انه يبدو بالنسبة للنخب السلطوية طبيعيا؟ على اعتبار أن هذه النظم في قناعتها الذاتية كونت شرعيتها ليس على شرعية الانتخاب والديمقراطية بقدر ما تم بناؤها على شرعية القمع والسلطوية. هذا فضلا انه كان هناك تعمد في  تفريغ المجتمع من فاعليته  بأشكال مختلفة،  بان يتم خلق مجتمع مسلوب الإرادة بآليات مختلفة سواء بالتهميش للمؤسسات التي تقوي من دور المجتمع في مواجهة الفرد الحاكم من الأحزاب والقوى السياسية، أو بعملية تفريغ النخبة سواء بترعيبهم أو قتلهم أو سجنهم  وخلق مناخ يؤدى إلى أن هذه النخبة  تفر إلى الخارج  مهاجرة مثال  حالة العراق في عهد الرئيس صدام حسين. حيث لا صوت يعلو فوق صوت القائد السياسي الذي لا يقبل اختلاف وجهات النظر أو المعارضة أو وجود مجتمع قوي سياسيا. وهذا العامل تتباين فيه الدول العربية حسب طبيعة النظام والشرعية التي جاء فيها إلى الحكم. إلا انه ظهر بشكل كبير في العراق نظرا لدموية انتقال السلطة على مدار الخمسين سنة الماضية.
في إطار الحديث عن ظاهرة الأسر الحاكمة مع الإشارة إلى النموذجين  المرتبطين  بوجود الديمقراطية والانتخابات النزيهة سواء كان ذلك في الولايات المتحدة أو في الهند أو باكستان تصبح الظاهرة في حكم المشروع. أما في حالة غياب الديمقراطية والانتخابات النزيهة  فهذا يصبح نوع من  السطو وإعادة خلق لشرعية غير موجودة، بالأخص إذا كان يتم على حساب إضعاف المجتمع وقواه السياسية، نظرا لعدم الفصل ما بين  الحزب السياسي الحاكم والدولة بمؤسساتها المختلفة والذي يجعل الاثنين كيانين في الاسم  وهما في الواقع كيان واحد متوحد.  ومن هنا فتغييب وإضعاف القوى السياسية والنخبة التي يفترض فيها أن تكون ممثلة في المستقبل لتولى الأمور تصبح أولى أهداف القائمين على أمر الحزب الحاكم وأجهزة الدولة الخادمة له. الأمر الذي يصل إلى تشويه صورة من يتجرأ في المنافسة على  موقع الاستخلاف. والسؤال إذا كانت ملامح المجتمعات العربية في الكثير من نظمها الجمهورية (مصر ،اليمن ، ليبيا ) تشير إلى السير في  اتجاه حكم العائلات فان لذلك دلالات خطيرة أولها أن الدولة الوطنية التي كان من المفترض أن تقوم نخبة ما بعد الاستقلال ببنائها قد فشلت. الدلالة الثانية تحمل تناقضا غريبا أن هذه المجتمعات، وعلى عكس التطورات الإيجابية في مناطق متشابهة، تتراجع حضاريا ومجتمعيا بعدما بات من الضعف الذي يجعلها في بداية القرن الواحد والعشرين  بكل المميزات التي حملها من  نتائج التقدم المعرفي وبتطبيقاتها متخلفة، تتراجع للخلف ولا تستطيع أن تفرغ نخبة وطنية تتداول فيها السلطة. الدلالة الثالثة تؤكد انه القادم أسوا لو صارت الأمور بهذا الشكل الذي سوف يدشن ثقافة مبنية على عدم الشرعية وبالتالي كل ما هو  غير شرعي سوف يكون هو القاعدة  وتضيع الحقوق وسط هذه الثقافة التي تتحول إلي سلوك في تفاعلات الأفراد والمؤسسات في المجتمع.
© منبر الحرية،24  سبتمبر 2010

عزيز مشواط15 نوفمبر، 20100

عشرات الكتب، ومئات المقالات، وعدد لا متناه من المحاضرات والمقابلات التلفزية والإذاعية، وتجربة تربوية في كبريات الجامعات العالمية كانت كفيلة بأن يسطع  نجم آخر من شمال إفريقيا في سماء الفلسفة العربية والإنسانية. إنه محمد أركون ابن منطقة القبائل الجزائرية الذي غادرنا أمس الثلاثاء عن سن يناهز 82 عاما بعد مرض عضال، كما يحلو لوسائل الإعلام أن تقول، مع وفاة كل قامة علمية شامخة.
محمد أركون الجزائري الولادة والفرنسي الجنسية انضاف أمس الثلاثاء  في العاصمة الفرنسية باريس  إلى قائمة التنويريين الذين غيبهم الموت في أقل من سنة. فبعد الخطيبي ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، هاهو مبدع المفاهيم الأصيلة يغادر ساحة الفكر العربي، ليقل ماء التنوير القليل أصلا. فعلا يستحق الراحل لقب مبدع المفاهيم الأصيلة. فمن الجهل المؤسس، إلى الجهل المقدس، وصولا إلى نقد العقل الشرعي والسياجات الدوغمائية، ظل أركون وفيا لآرائه غير المهادنة وهو يعيد قراءة التراث العربي الإسلامي.
وإذ كان انتماؤه إلى حقل الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية العربية قد شكل إضافة نوعية، فإن اجتراحه لمفاهيم جديدة بوأته مكانة خاصة ضمن صناع المفاهيم ومستحدثيها المبدعين، وتبقى دعوته لإعادة قراءة القرآن برؤية عصرية وتجريده من القداسة التي تعيق دراسته النقطة الفاصلة في مسار باحث لم يعرف المهادنة العلمية قط، وهو ما جعله عرضة لانتقادات التيارات الأصولية المتشدّدة.
لقد أعمل أركون معاول الهدم في بنية العقل العربي الإسلامي، مسلحا بمناهج علمية أمضى أكثر من أربعين سنة في اختبارها، جاعلا من حقل الإسلاميات حقل اشتغاله الأول، اشتغال جلب لأركون العديد من الأعداء على امتداد أكثر من أربعة عقود.
لقد تعرض لغارات الأصوليين بمختلف توجهاتهم الشرقية والغربية، فاتهمه أصوليو بني جلدته أنه مجرد صدى للمستشرقين، وأنه معادٍ في العمق للفكر الإسلامي بصورته المعروفة. وفي الجهة المقابلة هاجمه الغربيون بدعوى أنه مجرد مفكر إصلاحي لا أكثر، أو لنقل أنه مفكر وسطي، أو توفيقي يحاول التوفيق بين الدين والعقل، تماماً كما حاول الفلاسفة المسلمون من قبل.
يقول مترجمه خالد هاشم في هذا الصدد “بعد أن تركت محمد أركون رحت أفكر فـي حجم المعركة التي يخوضها بكل ملابساتها وتفاعلاتها، وهالني الأمر فكلما توهمت أن حدودها قد أصبحت واضحة محصورة، كلـما اكتشفت أنها متشابكة معقدة، شبه لا نهائية. هناك شيء واحد مؤكد على أي حال : هو أن محمد أركون يخوض المعركة على جبهتين جبهة الداخل، وجبهة الخارج، جبهة أًصوليي المسلمين، وجبهة أصوليي المستشرقين”
الأكيد أن لائحة الاتهامات التي تعرض لها أركون ثقيلة ومتعددة، لكن وبرغم كل ما قيل عنه وما سيقال سلباً أوإيجاباً سيبقى محمد أركون اسماً مرادفاً للقضايا التي أخذته إلى العالمية. وبعيدا عن تطرف أصوليي الداخل والخارج، رسم أركون لنفسه مسارا متميزا يتأسس على البحث المنهجي بأحدث ما وصلته العلوم الإنسانية من مناهج، ولم يقطع نهائيا مع الأسس الحداثية للتفكير، بل استخدم مقولاتها دون أن ينتهي إلى إقصاء الماضي. وبذلك ظل هدفه تنقية هذا الماضي من شوائب التخلف والأساطير والخرافة لملاءمته مع العصر دون تهميش نصوصه.
لقد أهله موقعه النقدي والعقلاني ليحتل موقعا هاما في تاريخ الفكر العربي إلى جانب الرواد الأوائل من قبيل محمد عبده وفرح أنطون وشبلي الشميل والأفغاني والكواكبي وطه حسين وصادق جلال العظم وعبدالكبير الخطيبي ومحمد عابد الحابري وناصر حامد أبو زيد.
إن إنسانية المذهب الذي انتمى إليه أركون، وعشقه للفلسفة وللفكر الإسلامي، جعلا منه مثيرا لزوابع فكرية صاخبة لن تهدأ طبعا بوفاته، مما جعله مؤهلا ليكون في مرمى سهام كل الأصوليين بمختلف مشاربهم الشرقية والغربية، غير أن هذه السهام انكسرت، بفعل استيعاب أركون للتراث بشكل استثنائي دون اغترابه عن الحضارات الحديثة.
صحيح أن الموت حتمية لابد منها، لكن بن القبائل على غرار كل المفكرين الكبار، لم يمض دون أن يترك أثره الواضح في الفكر العربي والإنساني المعاصر، بعد أن فرض على العالم إسما قادما من العالم الإسلامي، لكن بمرجعية علمية جعلته محترما في جميع الأوساط المستشرفة للمستقبل، احترام لم يصله جزافا، بل بالمكتبة الثرية من المؤلفات والكتب التي تركها.
إن أصالة الفقيد الحقيقية لا تكمن فقط في ثراء إنتاجه، وإنما تكمن أيضا في  قدرته على ابتكار مفاهيم ذات طبيعة إنسانية كونية، ولم يكن كتابه الأخير “الإنسانية والإسلام” سوى خاتمة رحلة إنتاجية جاوزت الأربعين سنة من الحفر في “ملامح الفكر الإسلامي” الكلاسيكي”، مرورا ب”دراسات الفكر الإسلامي”، ووصولا إلى” الإسلام أمس وغدا” ثم” من أجل نقد للعقل الإسلامي”، و”الإسلام أصالة وممارسة”، و”الفكر الإسلامي: قراءة علمية- الإسلام: الأخلاق والسياسة- الفكر الإسلامي: نقد وإجتهاد- العلمنة والدين: الإسلام، المسيحية، الغرب- من الإجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي- من فيصل التفرقة إلى فصل المقال: أين هو الفكر- الإسلامي المعاصر؟- الإسلام أوروبا الغرب، رهانات المعنى وإرادات الهيمنة.- نزعة الأنسنة في الفكر العربي- قضايا في نقد العقل الديني. كيف نفهم الإسلام اليوم؟- الفكر الأصولي واستحالة التأصيل. نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي- معارك من أجل الأنسنة في السياقات الإسلامية… وغيرها.
هكذا برحيل محمد أركون يكون الموت قد غيب رابع مرجع فكري عربي من القامات الشامخة في سماء الفكر الإنساني، في أقل من أربعة أشهر. كما يصدق وصف  سنة2010 بسنة اختطاف الموت لرموز التنوير العربي. فبعد الخطيبي ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد يرحل أركون ليترك تجويفا آخر في الفراغات الكبيرة للفكر العربي الإسلامي، لتنضاف إلى الفراغات الجوفاء المتعصبة الدينية والطائفية، ليس في العالم العربي فحسب بل في العالم بأسره، وهنا لا يمكن سوى التحسر على فقدان شخصية علمية فذة، وبخاصة إذا استحضرنا مقولة الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز الذي يقول  في عبارات لاذعة: “كلما توفي مفكر عظيم، إلا وارتاح الأغبياء”.
© منبر الحرية،16 شتنبر/سبتمبر 2010

حواس محمود15 نوفمبر، 20100

الثورة المعرفية الكبرى التي نشهدها الآن أفسحت المجال لتغيير آليات التبادل والتواصل والتفاعل، والتأثير في العديد من المجالات الحياتية الكبرى في العالم. ولم تعد الوسائل والأدوات الاتصالية والتأثيرية التقليدية تملك ذلك الزخم التفاعلي، لقد دخلت اللعبة التواصلية الجديدة ذات الوقع التأثيري الكبير إلى ميدان كل صغيرة وكبيرة في حياة الإنسان المعاصر.
ولكن وبالرغم من ضعف الاستعمال التكنولوجي في العالم العربي لأسباب مادية ودينية وسياسية، إلا أن السرعة الهائلة في وسائل الاتصال تتطلب من المثقف العربي أن لا يبقى في حدود الأساليب التقليدية للعملية الاتصالية، إذ مطلوب منه التفاعل والتواصل والمثابرة في استخدام التقنيات الحديثة بشكل نوعي ومتميز، والتي يجود بها العصر بين الفينة والأخرى ( مثل الكمبيوتر والموبايل والإعلام الفضائي وبرامجه التفاعلية  … والانترنيت  بجميع برامجها التفاعلية الماسينجر والبريد الالكتروني والسكايبي والتويتر والفايسبوك وغرف الدردشة والحاسوب والهاتف النقال … الخ )، ويستخدمها في تعاطيه اليومي المستمر مع حركة المعرفة حول ” الذات ” و” العصر والحضارة المعاصرة “، حيث تصبح سمة من أهم سماته وجزءا أساسيا من صلب حياته، ولعل هذا الإتقان وهذا النوع من الاستخدام هو بالتحديد ما يمكن المثقف العربي ” االتفاعلي  ” من وعي ” الذات ” و” المحيط ” و” العصر ” و”الآخر” وعيا موضوعيا سليما، كما يمكنه من إدراك ” البنية العميقة التي تحكم سلوك “الآخر” وتفكيره وإبداعه وطريقة حياته من حيث نقاط الضعف ونقاط القوة وجوانب التأثر والتأثير، وآليات التعاطي والتواصل المناسب. فضلا عن أن “كتابة الكاتب الالكترونية التفاعلية من شأنها أن  ترسّخ علاقة جديدة بين الكاتب والقارئ، بين المؤلّف والناقد. وهذه إحدى المميزات الأساسية لهذه الكتابة، وهي أنها غالبا ما تدخل في مسلسل التعليق والتعليق المضادّ بمجرد أن “تلعقها” الشبكة. هناك “سيولة نقدية” مخالفة لما كان معهودا في الكتابة الورقية. ذلك أنّ هذه الأخيرة، نظرا لما تعرفه من بطء النشر والانتشار تحتاج إلى كبير رويّة كي تُتلقّى وتُهضم حتى يتمّ انتقادها. أمّا الكتابة الالكترونية فهي تكاد تظهر مع حواشيها دفعة واحدة، بل غالبا ما يغدو حجم التعليقات والحواشي أضخم بكثير من النص ذاته. وهي تعليقات تتمتّع بقدر كبير من “الحرية”، خصوصا وأنّها معفيّة من الرقابات المتنوّعة التي يفترضها النشر الورقيّ عادة.
لعلّ ذلك هو ما يبرّر “غزارة” الإنتاج التي أخذنا نلحظها عند الكتّاب الذين ينشرون على الشبكة. فربّما كانت سهولة التلقّي وسرعة “الاستهلاك” والتعليق هي التي تجرّ الكاتب إلى أن يواصل حواره مع قرائه بمجرد أن يتلقّى ردودهم. لنقل بأنّ التفاعل بين الكاتب والناقد يغدو بفضل النشر الالكتروني أكثر اتساعا، وأكبر سرعة، وربما أشد إرغاما ” (عبد السلام بنعبد العالي )، ويمكننا القول بأن هذا النمط من المثقفين هو الأكثر قدرة على  تخليص الثقافة العربية من مشكلاتها الراهنة، والنهوض بأعباء المشروع الثقافي والحضاري العربي نهوضا حقيقيا عمليا بعيدا عن الكلام الفارغ والمهاترات الخلبية التي تسيء للثقافة العربية ومشروعها النهضوي المنشود، لاسيما وأن الأزمات السياسية العربية مستفحلة الآن وهنالك حاجة للمثقف التنويري الحداثي لكي يقوم بدوره التشخيصي النقدي، وأن يظهر كقوة إصلاحية قادرة على مخاطبة الجماهير بشكل مباشر ومتماس مع  همومه الفردية والمجتمعية والدولتية، وبالتالي السياسية الكبرى. ويكون هذا المثقف التفاعلي قادرا على نقد ومراجعة الحقبة الماضية بما تتضمنه من هزائم القيادات العربية المتلاحقة على الصعيد الخارجي من حرب حزيران – النكسة- وحتى احتلال العراق، وما يتلاحق مع هذا الشريط الزمني حاليا من نكسات وضربات قوية في الدول العربية بسبب هشاشة بنية الدولة العربية الراهنة القائمة. إما على زعامة الفرد الأوحد أو على نمط حزبي تقليدي جامد بعيدا عن التأثر بكل موجات الحداثة والتقانة، إن المثقف المأمول في القادم من الأيام هو المثقف الالكتروني التفاعلي المعبأ سياسيا والقادر على التأثير في أوسع  قطاع جماهيري، وبخاصة الشباب الذي يتواكب مع المبتكرات التكنولوجية التفاعلية والذي يستشف ويلحظ متغيرات العالم وينظر إلى واقعه المؤلم، ويكشف لا بل يصدم بالمفارقة الحضارية الكبرى بين بلده وبلدان العالم المتطورة، فتتكون لديه طاقة نفسية هائلة مستعدة لتلقي الطاقة التوعوية من المثقف بشكل سلس وبايجابية كبرى، وعندما يقوم المثقف بدوره التفاعلي الناجح يتعانق فكريا مع الشاب الطموح المصدوم من سوء الأحوال العامة في بلده والفجوة المعرفية الكبرى بين بلده وبلدان العالم المتقدمة الأخرى، وعندها تتحقق لحظة التواتر التأثيري الكبير.
إن الإرادة الثقافية الواعية للمثقف الجاد الذي يستطيع الخروج من شراء الضمائر الضعيفة من قبل السلطات الاستبدادية، أو الركون للخمول، أو الكسل الفكري، أو اليأس من التغيير تحت وقع سياط الشمولية والاستبدادية، أو مؤاثرة الهدوء والحياة ببطء موتي خافت ومهين،  هي  القادرة   على تشكيل وعي حداثي تنويري لدى جيل الشباب من شأنه التأسيس لمقدمات نهضة ثقافية وفكرية كبرى.
أهم المراجع:
1- فيصل سليمان حسن – حاجتنا الراهنة للمثقف الحضاري المقارن – صحيفة تشرين عدد 5 فبراير 2006   
2-غازي الذيبة – الرقمية والكتابة – مجلة عمان عدد يناير 2006
3- د. عبد السلام بنعبد العالي – الكتابة الالكترونية والكتابة الورقية –  الأوان 9-3-2010
© منبر الحرية،9   آب 2010

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

النظريات العامة التي تتحدث عن سبب اشتراك الناس في السياسة، تجعل الأحزاب السياسية بوصفها البؤر، التي تكمن فيها طاقة الوعي والفعل السياسيين، موضوعاً مركزياً لتحليلها. إن دراسة هذه الأحزاب، بنيتها الاجتماعية وطبيعتها الأيديولوجية، تتيح لنا إمكانية التنبؤ بالسلوك السياسي للمواطن إلى حدٍّ كبير، دوافعه ومقاصده. كما تتيح لنا إمكانية البحث عن البيئة السياسية- النموذجية للمشاركة السياسية.
هنالك نسق معرفي معتمد في الجامعات والمعاهد العالمية العليا، تحت اسم( علم الأحزاب السياسية المقارن) ينطلق الباحثون فيه من القناعة  بأن ازدياد حجم المشاركة السياسية وتطوير أساليبها من خلال  الأحزاب السياسية والجمعيات الأهلية والأطر المدنية، هو المدخل الصحيح اليوم إلى مواطنة صحيحة وإلى حياة وطنية أرقى وأشدّ تماسكاً. وخلاف ذلك يعني الحكم بالبؤس السياسي على المجتمع وتهميشه،  وتردّي الشعور بالانتماء والمسؤولية لدى المواطن.
تحقق الأحزاب في هذا السياق تواصلاً بين المواطن والعملية السياسية وممارساتها، وهي تمثل هنا إطاراً مرجعياً لقيم سياسية وأهداف عامة ومشتركة، ينبغي لها أن تستجيب لمصالح المجتمع الأكثر حيوية. هكذا تلعب هذه المؤسسات دوراً كبيراً في توجيه السلوك السياسي للمواطنين، فإذا كان غيابها الطبيعي مؤشراً على الجمود وبؤس الحراك السياسي، فإن حظرها ومنعها بقرار تعسفي من شأنه أن يخلق فراغاً سياسياً وأيديولوجياً يتعذر على الخطاب الأيديولوجي للنظام السياسي أن يشغله بمفرده. وعلينا ألا نقلل من مخاطر مثل هذا الموقف ، إذ يخبرنا التاريخ القريب أن النظم السياسية، التي صادرت أسس المشاركة السياسية الحرّة والديمقراطية  ووسائلها، وقاومت كل مساهمة، فردية أو جماعية، للمواطنين، مهدت بذلك الطريق لاكتساح أيديولوجيات في غاية التطرف سواء دينية كانت أو طائفية أو عرقية، ومن ثم عززت النزوع الارتدادي إلى انتماءات عصبوية متخلفة عمقت من تفكك المجتمع المدني، وأسست بالتالي للتناحر الداخلي بين مكوناته، بعد أن أتلفت كل فضاء تواصلي بينها.
الخلاصة، إن الانتقال من المساهمة السياسية الفردية إلى الشكل الحزبي الجماعي لها، هو الأسلوب العقلاني الحديث للممارسة السياسية، الذي يلازم تحرر الفرد من أشكال الانتماء المجتمعي السابقة وتراتبيتها، التي كانت تقيّد الفرد وتلزمه بمكانة اجتماعية ووظيفة تحول دون اكتسابه صفة العمومية، بوصفه مواطناً في مجتمع سياسي حديث .
إن ظهور المجتمع الحديث يعدّ مؤشراً نهائياً على تحرر الفرد– الإنسان من النظم الاجتماعية السابقة، وعلى ارتقائه وتحوله إلى كائن سياسي عمومي مساهم، لا يكتفي بتموضعه في أطر جزئية محددة، وإنما يلتقي مع غيره في أشكال أسمى من الانتماء. ويتخطى الحزب السياسي في بنيته، بوصفه هيئة منظمة وحديثة  ويتجاوزه في أهدافه ومقاصده العملية، إلى مستوى النشاط الجماعي الواعي القصدي للكل، الذي لا ينفي داخله كل اختلاف أو تعدد في الرؤى والانتماء .
لكن بالمقابل فإن أكبر تهديد مدمر للديمقراطية من جانب الأحزاب ينجم عن تسلطها. إذ يؤول بالمجتمع السياسي الفاعل إلى أوليغارشية متسلطة ومستقلة عن المجتمع المدني والدولة في آن. فلا تبقى لتلك الأحزاب المتسلطة من غاية سوى تكريس سلطتها الخاصة، إذ تنحرف عن أهدافها الأساسية المعلنة، وهي أن تكون في خدمة المصالح الاجتماعية العامة وتمثلها. وبدلاً من ذلك تتماهى مع المصالح الشخصية للطغمة السياسية، وهنا بالذات تكمن بؤرة الفساد السياسي الأوسع انتشاراً في ديمقراطيات عديدة مثل تركيا وإيطاليا، والذي يبدو مألوفاً وشائعاً جداً في ديمقراطيات غير أوروبية. ويلمح آلان تورين إلى أن الفساد  الأكثر خطورة على الديمقراطية هو ذاك الذي أتاح للأحزاب السياسية أن تكدس موارد على درجة من الضخامة والاستقلالية بمعزل عن مساهمة أعضائها الطوعية مما يمكنها من أن تختار المرشحين للانتخابات وتضمن نجاح عدد منهم، جاعلة من مبدأ الاختيار الحرّ للممثلين من قبل المحكومين موضع سخرية. هكذا تجرّد الديمقراطية من صفتها التمثيلية الحقيقية، لينشأ وضع من الفوضى، يتسم بهيمنة طغمة حزبية- اقتصادية، تمهّد لمجيء الدكتاتورية في المحصلة.
© منبر الحرية،10 تموز/يوليو  2010

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

لأول مرة تحل ذكرى نكبة 67 بعد بلوغي الستين عاما، ولم أكون متصورا بلوغها، واختبرت شعورا جديدا بأن العمر مجرد لحظات، وبدأ من حولي  يستغرب لدرجة الاستنكار، وقد يفغر فاه دهشة، ويتمنى لي طول العمر!؟، وكأني بلغت الستين فجأة، وبدون مقدمات. ونسوا بياض شعري وأنا في الثلاثين، وكان يزداد بياضا كلما اقتربت  من الستين! حتى لو فرضنا أننا تجاوزنا عمر الستين… فهل يعني هذا النجاة من الموت..؟ وهو الحقيقة المؤكدة للجميع. فالعمر مهما طال فهو قصير كما تقول الجملة الفلسفية.  ولدت في نفس العام الذي ولدت فيه إسرائيل، واحتلت فلسطين، وأعلنت فيه مبادئ حقوق الإنسان، وفي أعماق ذاكرتي خيالات عن نفسي وهى تحمل صورة عبد الناصر في شرفة منزل أسرتي  بالإسكندرية، كنت  طفلا لا يعي حين سمعت عبد الناصر في الأزهر معلنا الحرب، وأخذت اهتف مع الآخرين حنحارب! وكبرت مع صوته وصورته وأخباره التي أسمعها من أبى العامل البسيط الذي لا يقرأ أو يكتب، ولكنه مدرك للأحداث حوله، وعلى كورنيش الإسكندرية كان يحملني فوق كتفه لرؤية وتحية عبد الناصر في موكبه بمناسبة 26 يوليه، واشعر بدموع أبى تنساب على يدي، وادمع معه تحية لهذا القائد. كنت أنتظر خطبة وأحفظها، وأسمع مقال هيكل من الإذاعة كل أسبوع ليس بقصد الفهم لصغر سني، ولكنه بحكم الحماس الوطني الذي سيطر على الجميع في تلك الأيام، كم نحتاج هذا الحماس الآن لنلتف جميعا حول الوطن؟ وأستغرب الآن من الذين يشككون في نوايا هيكل نحو بلده، وفي الذين يحاولون تقليده بدون أن يملكوا قدراته معتمدين على كهف النفاق الذي يعيشون فيه.  وأبحث في أعماق ذاكرتي، فتحضرني صورة عبد الناصر وتيتو ونهرو في مؤتمر باندونج، وصورته وهو يفجر ويغير مجرى النيل استعدادا لبدء السد العالي وهو المشروع التنموي الوحيد الذي نجحت مصر في تحويله إلى معركة وطنية اجتمع عليها المصريين، وسمعت وقرأت ودرست وكبرت مع  تأميم القناة وقوانين الإصلاح الزراعي، ومجانية التعليم وإنشاء القاعدة الصناعية في مصر التي نبيعها الآن. وعاصرت شعارات القومية العربية والكرامة، والوحدة العربية، والإمبريالية والاستعمار، والدول الرجعية والدول المتقدمة وما إلى ذلك من مصطلحات  التي سادت تلك الفترة. وفي المرحلة الثانوية  بدأت أدرك أن لنا جنودا في اليمن، وان جيشنا لا يقهر، وسوف نلقي إسرائيل في البحر، وأننا صنعنا من الإبرة إلى الصاروخ الخ تلك الأوهام التي سيطرت على الناس وقتها.  وكان عام 64 هو نفس العام الذي مات فيه أبى وجدي وخالي، هو نفس العام الذي ماتت فيه معاني كثيرة في مصر انتهت بنكبة 67  التي قتلت الحلم المصري، كنت مراهقا في الثانوية العامة اسمع احمد سعيد في صوت العرب وهو يهلل بسقوط مئات الطائرات للعدو فأطير فرحا مع شباب الشارع. واكتشفت مع حالة الحرب  بنت الجيران  التي تبادلني الإشارات الضوئية  الغرامية مستغلين إظلام الغارات، وكأن مراهقتي  كانت انعكاس لمراهقة آلية اتخاذ القرارات في مصر، وبلغت ذروة المراهقة أثناء النكسة، وحصلت على الثانوية عام الانكسار، ودخلت الجامعة أثناء حرب الاستنزاف.  وبكيت وبكينا جميعا في البيت والشارع والمدينة، في مصر كلها، بكينا غير مصدقين الهزيمة التي لم نبك عليها بقدر بكاءنا على قرار تنحي عبد الناصر، فالهزيمة لا تهمنا بقدر ما يهمنا عبد الناصر، لأنه في اعتقادنا سوف يكون قادر على تعويض الهزيمة، كنت لا أتصور مصر بدون عبد الناصر. ومنذ تلك الفترة بدأت أدرك، وأقرأ شائعات عن مرضه، وسفره للاتحاد السوفيتي إلى أن توفي رحمة الله عليه، وكان وقتها يودع الملوك والرؤساء العرب في القاهرة. وعندما تخرجت من الجامعة، جندت في الجيش لسنوات طوال انتظارا لحرب أكتوبر 1973 التي اشتركت فيها وخرجت بعدها احمل أمال الشباب، وأغلقت على نفسي، وأكملت دراساتي العليا، وعينت مدرسا جامعيا 1982 حين قتل السادات، ومنذ هذا الوقت وصاحبنا الستيني يخزن أفكاره ويدون ما يراه من أحوال الوطن، وشعر انه لا مكان له في هذا الوطن، ولم يسع للهجرة أو العمل خارج مصر، بل جاءت دعوة ترشحه للعمل أستاذا جامعيا في أكبر جامعات الخليج، وهناك من رأى الوطن بعين أخرى، رأى الوطن وهو يهان، ولا يستطيع أحد شيئا، وكانت إهانة الوطن في تلك الدولة وغيرها من دول البترول اكبر كثيرا من إهانة الاستعمار والاحتلال، لأن في الثانية أفرزت قضية التحرير التي أجمعت مصر كلها على تحقيقها ونجحت في ذلك، أما في الأولى فان الوطن أصيب في صميم بنيانه القيمي بمرض الإذلال وأصبح ينهج سلوكيات العبيد، وهنا يحتاج الوطن إلى سبارتاكوس لكي يثور العبيد على أنفسهم أولا، لذلك قررت وأنا هناك مجرد عبد من العبيد أن اخرج من قوقعتي أو جحر الخوف والقرف، وقررت أن أصرخ وأصرخ حتى يسمعني الوطن.
وصاحبنا الستيني واحد من الذين أطلق عليهم السادات الأفندية، واحد من القلة المنحرفة والتي لها أغراض خاصة، وتثير القلاقل والفتنة، وتثير الناس، وتطلق الإشاعات، ويتكلمون بغوغائية، واحد من الذين يضخمون الأمور كما تقول الحكومة وتصف به دائما الذين لا يؤيدونها، إنني واحد من الأغلبية الصامتة التي إذا تكلمت سوف تقول نفس الكلام الذي أقوله ويمكن أكثر، أحيانا يصفون من يتكلم مثلي بأني عميل، يميني، ومفتوح ومقفول  وأحيانا شيوعي ورأسمالي وشمولي وليبرالي  في نفس الوقت  حسب مزاج  الحكومة – يعنى هي الديمقراطية -،  وفي اغلب الحالات تصفني الحكومة بأني يساري علماني كافر  اشتراكي مشاغب مهووس بل مهروش مجنون، وأحيانا إرهابي علماني  متطرف، من أعداء النجاح، حاقد ناقم  جاهل ينعق مثل البوم، له أهداف خاصة، وفي القلة النادرة توصف الحكومة من يقول نفس الكلام تهذيبا بأنه مثقف يبيع كلام أو مريض نفسيا، ومن الذين لا يعرفون الحقائق والمصالح العليا للوطن والحكومة نعذرهم لأننا كلنا مواطنين !
هل عرفتني الآن؟، أنا مواطن مهزوم، مهموم بالوطن مشغول به، اهمس مخاوفي بصوت عالي محبط ويأس ومتشائم من مستقبل الوطن، وجدت نفسي إما اكتب واخرج  من الجحر الأكاديمي، أو أصاب بالضغط الذي أصبت به فعلا وأصبح يهدد حياتي، واكتشفت أن معظم المواطنين مثلي، أصيبوا بالضغط. كنت اعتقد أنني انفخ في الهواء واكرر كلام الآخرين، وفوجئت أن هناك من يقرأ لي وهناك من يشجعني على التعبير عنهم، ويقرأ أفكاري ويشجعني عليها، وكانت فرحتي وأنا أستاذ الجامعة ولي طلبتي ومحاضراتي لا توصف لأن هناك من ينتظر أفكاري كل شهر  في الدوريات المطبوعة،  وقررت أن يسمع صرختي  الجميع، فأنا اصرخ، وهذا ليس عيبا لأني لا املك شيئا آخر إلا أن أصرخ بهموم الوطن بل يجب أن نصرخ جميعا حتى يسمعنا الحكام إذا سمعوا، فالمثقفين وظيفتهم تشجيع وتنظيم هذا الصراخ، فلا حل أمامنا إلا الصراخ. والصراخ بصوت واحد جميعا قد يسقط قوى الظلام والفساد والإفساد، بل يجب أن نصرخ، لأن الكلام العاقل الهادئ الرزين لا يصلح في حالتنا،  فالهدوء    والعقل  في عرض هموم الوطن ترف ما بعده ترف، لأننا  على وشك الموت والخروج من التاريخ، على وشك التنازل الكامل عن الكبرياء الوطني بعد أن ضاع معظمه في الخليج. يجب أن نصرخ حتى يعرف حكامنا ذلك وبعدها نستعمل الهدوء والعقل كما يقولون. قد أكون مجنونا فالمجانين في الوطن فاضت بهم الشوارع والمستشفيات، أنا كل ذلك، و إذا قرأت  كلامي ستجده نفس كلامك الذي تقوله في سرك ومع أصدقائك، ومتأكد انك سوف تصفني بأني وطني مهموم  مثلك بالوطن.
© منبر الحرية،06 تموز/يوليو  2010

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

دائما عندما تطرح مشكلة الفساد في العالم العربي، تطرح كقضية جزئية قابلة للحل بفعل إجراءات إدارية بحتة تتمثل بمحاسبة موظفين، ووضع قوانين وتفعيل قضاء و..، أي أن موضوع الفساد  مازال يحارب بطريقة إدارية، بعيدا عن النظر إليه كمسألة سياسية تدخل ضمن إطار ما يمكن تسميته بناء الدولة الوطنية القادرة أو السير باتجاه بنائها على الأقل.
وجهة النظر السائدة عربيا في مقاربة الفساد تقول بأن الفساد مشكلة كغيرها من المشاكل الإدارية التي تهدد كيان الدولة والسلطة التي تسعى بصدق لمحاربته، ولكنها لا تمتلك الآليات اللازمة لذلك، بسبب عدم تبلور مفهوم واضح للدولة وبسبب غياب الوعي، وتصل وجهة النظر هذه إلى نتيجة مفادها أن السلطة خاصة في الأنظمة الشمولية تريد محاربة الفساد، ولكنها لا تستطيع وتقف عاجزة أمام تغوله وتمدده في كل شرايين الدولة التي اختزلت بمجرد سلطة بعض الأجهزة.
ولكن النظر إلى وجهة النظر السابقة من زاوية نقدية، ربما توضح لنا  أن وجهة النظر السابقة والإصرار على تعميمها شعبيا لتكون مقبولة ومغطاة معرفيا يجعل من وجهة النظر هذه – في أحد وجوهها –  نوع من أنواع الفساد المعرفي الذي تعممه السلطات وأركانها وأزلامها من أشباه المثقفين لإعطاء شرعية ما لأنظمة مستبدة تجعل من الفساد وتعميمه لعبتها المفضلة، في تدجين وتخريب وتركيع وتقطيع أوصال المجتمع الذي تحكمه ،ليغدو قطيعا بحق، فاقدا لكل مقومات النهوض والمقاومة تجاه من ينتهكوه ويسرقوا قوته هذا من جهة ، ومن جهة أخرى تعمل وجهة النظر السابقة عبر تعميمها وترويجها على أنها المقاربة الصحيحة للفساد على إخفاء وتغطية الفساد الحقيقي  مرتين، مرة عندما تغطيه معرفيا بعدم النظر إليه كما هو، أي تعميم الوعي الكاذب والواهم به على أنه هو الصحيح، ومرة عندما تحجب النظر عن الترابط القائم بين الفساد والأنظمة الشمولية، ترابطا يكاد يكون أبديا وفق عقد مقدس غير معلن، بحيث يمكن القول أن الاستبداد لا يستمر دون وجود أجهزة ترعى الفساد وتعممه، ترعاه وتستخدمه مرتين أيضا، مرة لتحقيق مصالح شخصية للأشخاص الممسكين بزمام الأمور( ثراء غير مشروع وجنس ومناصب) ومرة لتحقيق أمن النظام الشمولي، وهكذا يتداخل الفساد الشخصي مع الفساد العام في جدلية معقدة ومتراكبة على أكثر من مستوى، جدلية لا يمكن فهم آلياتها وتركيبتها بسهولة، جدلية لا تسمح لنظيف يد أن يستمر في سلطة أو منصب، لأنه يغدو معيقا لآلية عمل النظام نفسه.
ونظافة اليد هذه أكثر ما تربك النظام الشمولي وتحيره، فهو من جهة بحاجة إلى أشخاص نظيفي اليد ليكونوا واجهة تغطي استبداده وفساده ،  ومن جهة أخرى وهي الأهم أنه بحاجة لهم لإدارة اقتصاد أنهكه الفساد ووصل مرحلة الترنح، هكذا يجد نفسه مضطرا بحكم الحاجة إلى الاستعانة بهم، ولكن إلى حين فقط، لأن الإجراءات التي سيتخذها الخبراء النظيفي اليد، ستعمل في مرحلة أولى على كشف فساد بعض الرؤوس والإطاحة بها وليس للنظام الشمولي في هذا مشكلة أبدا، لأن مصلحته هي الأهم، ولكن بعدها ستمس هذه الإجراءات البنى والأسس التي يقوم عليها النظام ككل، وخاصة الأجهزة التي ترعى أمن النظام وتحميه(لأنها كما قلنا هي شريك أساسي في الفساد بشكل شخصي وبشكل عام)، وهنا يجد النظام نفسه محاصرا بين من يرعون أمنه و”فساده” ويخربون اقتصاده بذات الوقت، الأمر الذي يدفعه إلى إنهاء المرحلة واختزال محاربة الفساد بإطاحة بعض الرؤوس التي تكون كبش فداء المرحلة.
هكذا إذن يستخدم النظام الشمولي الفساد كأداة لإفساد المجتمع وتفتيته حتى يمكن السيطرة عليه وإخضاعه، والنظام يتمنى لو يستطيع أن يبقي بيدق الفساد بيده وحده، ولكن إحدى صفات الفساد أنه كالزئبق لا يمكن إمساكه، ينتشر في كل أنحاء المجتمع وينشر قيمه الخاصة به، لنجد بعد فترة أن الفئات الأكثر تضررا من الفساد هي من يدافع عنه ويشرعه، ويصبح الفساد قيمة مجتمعية كاملة، ويصبح الناس عبيدا له مرتهنين لقيمه باحثين عن الثراء السريع بأية وسيلة، لتغيب قيم العمل والجد وتحل محلها الوصولية واللصوصية المشروعة، وهذا يؤدي في النهاية إلى تدمير مؤسسات القطاع العام وخسارتها لأنها تصبح محكومة بإدارة فاشلة وناهبة يضاف لها عمال لا يعنيهم ربحت المؤسسة أم خسرت، مما يؤدي في نهاية المطاف إلى خلق دولة مشوهة ومعطوبة تعاني من أزمات وانسدادات بنيوية عميقة في كل مستوياتها.
ويمكن القول أيضا أن الفساد  كالماء يتسرب بين الشقوق، بما فيها شقوق النظام نفسه، فيملأها وينخرها إلى أن تحين لحظة الهتك الكبرى فيسقط كل شيء، لنجد أن الفساد حربة بيد النظام ولكنها أيضا حربة ضده على المدى الطويل، إذ يعمل خصوم الأنظمة الشمولية على استخدام هذا الفساد لتوجيه حربته نحو نحرها.
ربما يساعدنا ما سبق في فهم بعض أسباب فشل كل حملات الإصلاح التي تعلن بين حين وآخر، وبشكل خاص نفهم سبب فشل وجهة النظر القائلة بإصلاح الأنظمة الشمولية من داخلها، لأن الإصلاح الذي يطرح بشكل إداري بعيدا عن نقد المنظومة السياسية القائمة، وطبيعة الدولة، سيكون فاشلا، لأن الإصلاح لا يمكن أن يكون جزئيا، لا بد له أن يكون كليا، ينطلق من مقاربة أسباب العطب بشكل جوهري وواضح ، أي لابد من المعاينة بشكل كلي لا جزئي لأعطاب الأنظمة وهو غير ممكن في النظام الشمولي.
يمكن الخلوص إلى نتيجة مفادها أن الفساد يعمل في خدمة الاستبداد ويسعى إلى تمكينه من السيطرة على مجتمعه وخنق قواه الحرة عبر تجريدها من كل وسائل مقاومتها المدنية، ليغدو الفساد شرطا واجبا لاستمرار الاستبداد دون أن يكون الاستبداد شرطا واجبا لاستمرار الفساد لأن الفساد مرض ينتشر حتى في الدول التي تملك ديمقراطيات عريقة، ويتمثل الفارق بين الأنظمة الشمولية والديمقراطية في مقاربة الفساد، بأن الأولى لا يمكن مقاربة الفساد فيها إلا من وجهة نظر سياسية وكلية، بينما في الثانية يكتفى بالنظر إليها كمشكلة إدارية وجزئية.
© منبر الحرية ، 4تمّوز /يوليوز 2010

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

يقف العراق اليوم أمام منعطف جديد في تاريخه بعد إجراء الانتخابات النيابية الجارية والتي أعادت خلط أوراق الساحة العراقية داخليا، وتكوّنت استقطابات حادة لم يستطع أي فريق أن يحقق فيها نصرا حاسما يمكنه من تولي السلطة، كما أظهرت هذه الانتخابات موقع الخارج في تحديد الداخل والتأثير الحاسم في إعادة تكوين المعادلات العراقية الداخلية، بعد سبع سنوات من الاحتلال الأميركي، عانى فيها العراقيون الآلام الكثيرة وسقط فيها العديد من الضحايا، سواء خلال الغزو أو من جراء العمليات الانتحارية، ومن تهجير أكثر من مليونين من سكانه إلى الخارج، ومن دمار البنى التحتية وتخريب المنشآت، وصولا إلى ما هو اخطر من كل ذلك وهو المتعلق بتدمير بنى الدولة العراقية وانبعاث مقومات العصبيات وتفتت النسيج الاجتماعي العراقي. بعد هذه المدة غير القصيرة على الاحتلال، يمكن للمراقب تسجيل جملة محطات بارزة منها ما يتصل بالوضع الراهن، ومنها ما يؤشر إلى احتمالات المستقبل.
في حساب الأرباح والخسائر الأميركية أولا، يمكن رصد بعض المعطيات. على صعيد المكاسب، تجب رؤيتها بالعلاقة مع الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، والتي أملت على الولايات المتحدة الأميركية الإصرار على غزو العراق، رغم إدراكها بعدم وجود أسلحة دمار شامل تبرر الغزو. تقوم هذه الإستراتيجية على دعامتين مركزيتين، الأولى تتصل بالثروة النفطية في الخليج العربي وعلى الأخص منه العراق الذي يحوي مخزونا هائلا من الاحتياطي النفطي، وفي هذا المجال يأتي الإصرار على التواجد العسكري الأميركي المباشر لحماية هذا النفط، إنتاجا وتصديرا، بالنظر إلى انعدام الثقة الأميركية بقدرة الأنظمة القائمة على تأمين هذه الحماية بقواها الذاتية. وهو هدف أمكن النجاح في تكريسه واقعا. أما الدعامة الإستراتيجية الأميركية الثانية، فهي المتعلقة بحماية امن إسرائيل، وهو أمر يتحقق عبر الوجود الأميركي المباشر، والأهم عبر تفتيت الدول ذات الموقع الإقليمي المؤثر راهنا، أو الممكن تطوره لاحقا. بهذا المعنى يأتي تدمير الدولة العراقية، بوصفها إحدى القوى الإقليمية التي يمكن لها أن تهدد امن إسرائيل، من خلال ما تملكه من مقومات القوة والموارد المتعددة. هذان الهدفان أمكن للولايات المتحدة تحقيقهما، ولا يبدو في المستقبل القريب،على الأقل، أن هناك مخاطر تتهددهما، بالنظر إلى أن جميع القوى العراقية القائمة راهنا والمؤهلة لاستلام السلطة، تبدو مجمعة على العلاقة الجيدة مع الولايات المتحدة واستمرار علاقة إستراتيجية عسكرية معها.
في المقابل، لا يمكن سوى الاعتراف بفشل أميركي في ضبط الوضع الأمني وإيجاد استقرار وفق ما كان مرسوما في ذهنها عند الغزو، فلقد تكبدت القوات الأميركية خسائر فادحة في قواتها، جعلها تضع جدولا زمنيا لانسحاب هذه القوات في خلال عام. وإذا كانت الإدارة الأميركية تعبر اليوم عن خيبات أمل مما كانت تتوقعه، إلا أنها قادرة على تقديم منجزاتها إلى الأميركيين، وإقناعهم بان ما قامت به في العراق إنما يصب في خانة حماية الأمن القومي الأميركي، وأنها نجحت في ذلك.
على الصعيد العراقي الداخلي، لا شك أن وطأة نهاية حكم البعث وديكتاتورية صدام حسين تشكل لدى الغالبية الساحقة من العراقيين متنفسا وفسحة من الأمل. لكن السنوات السابقة قدمت أيضا للعراقيين أشكالا متعددة من العذاب والخوف والقلق على مصير بلدهم وعلى حياتهم الشخصية. صحيح أن الانتخابات التي جرت قبل خمسة أعوام، والتي جرت خلال هذا العام، تعبر عن انتقال فعلي إلى تداول ذي طابع ديمقراطي للسلطة، وهو أمر يجب تسجيله في خانة الايجابيات الفعلية، لكن العراق خلال هذه الفترة، شهد المزيد من التفكك البنيوي في مجتمعه وحياته السياسية يتمثل في الانقسامات الحادة الجارية اليوم في جميع ميادين حياته السياسية والاجتماعية، وكان تقويض بنى الدولة العراقية من اخطر نتائج الاحتلال على الإطلاق، تسبب إلغاء الجيش بانهيار مقومات الدولة، ونجم عن هذا الانهيار صعود العصبيات العشائرية والطائفية والقبلية والاثنية، وصولا إلى التعصب المذهبي داخل المجتمع. على رغم بشاعة الدولة المتسلطة وطريقة إدارة حكامها في كل مكان، لكنها تظل اقل شرورا من هيمنة الميليشيات المحلية التي تطبق قوانينها على المجتمع بطريقة استنسابية. وهو أمر يفتح البلد على صراعات أهلية وقبلية وحالات انتقام وثأر، خبرها العراق على امتداد السنوات السابقة، كما خبرتها بلدان أخرى مثال لبنان في فترة الحرب الأهلية في السبعينات وصولا إلى نهاية الثمانينات من القرن الماضي. مما يطرح اكبر التحديات على الحياة السياسية العراقية في إعادة توحيد الدولة وبنائها.
من التحديات الكبرى أيضا، الانفلات الأمني الواضح من خلال تواصل العمليات الانتحارية والتفجيرات التي تضرب المجتمع العراقي من دون تمييز بين عسكري ومدني. صحيح أن حدة العنف في العراق تراجعت إلى حد كبير خلال السنة الأخيرة، لكن حدتها ترتفع أحيانا من دون إنذار أو توقع، وتمعن في تصعيد عنف طائفي ومذهبي كبير. ومن دون قيام دولة فعلية وجيش قوي، يصعب تصور إمكان القضاء على هذا العنف أو الحد من انفلاته مستقبلا.
من التحديات التي تواجه العراق ما يتصل بعلاقاته الإقليمية وتدخلات القوى في حياته السياسية. تمثل الانتخابات الحالية، بنتائجها والقوى التي أفرزتها، احد النماذج في قراءة الخارج في علاقته بالداخل، حيث أظهرت صراعا إيرانيا من جهة، وسعوديا- سوريا من جهة أخرى، دار من خلال اللوائح التي تشكلت، وسعى فيها كل طرف إلى حفظ موقعه السياسي وحتى الأمني وملء الفراغ المتوقع حصوله بعد انسحاب الجيوش الأميركية من العراق.
لا يخفى على المراقب أن الانتخابات الأخيرة، موصولة بسنوات الاضطراب الماضية من الغزو، قد خلقت في العراق انقسامات حادة يمثلها اليوم “ملوك الطوائف وأمرائها” على غرار الحالة اللبنانية. لا يوحي هذا الاستقطاب والتبلّر الطائفي بالاطمئنان على المستقبل العراقي، فمثل هذا التذرر يقف موضوعيا في وجه قيام دولة مستقلة وقوية، لأنها بالتأكيد ستكون على حساب هؤلاء الملوك والأمراء والحد من نفوذهم وسلطتهم. يأمل المواطن العراقي أن تشكل الانتخابات النيابية الأخيرة مجالا لتكوّن مواطنية سياسية متجاوزة للانقسام الطائفي الحاد حاليا، وهو طموح مشروع، لأنه احد الممرات الرئيسية لبناء الدولة. فهل تنجح القوى السياسية الحاكمة في تحقيق هذا الحلم، وهل سيتمكن العراقيون من تجاوز انقساماتهم؟ وهل سيتمكن العراقيون من تشكيل حكم يضمن لكل الفئات المتنوعة موقعا في الحياة السياسية للبلد؟ انه سؤال يرسم مستقبل من الصعب التنبؤ بمدى نجاحه.
© منبر الحرية ، 26 يونيو / حزيران 2010

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

إن المعارضة السياسية كمصطلح يقترن بالأحزاب السياسية، وقد تتمثل المعارضة بحزب واحد، أو مجموعة أحزاب، وهي ترتدي أشكالا متنوعة من النضال، فقد يكون نضالها مشروعا بقانون تشرّعه مؤسسات الدولة المعنية، وهذا ما تعترف به الدول التي تعتمد النظام الديمقراطي في إدارة الدولة، ومثل هذه النظم ضمنا تؤسس لمبدأ تداول السلطة، بالمقابل ثمة أنظمة ديكتاتورية تحظر على المعارضة النشاط السياسي كما حال كثير من بلدان العالم  ومن ضمنها الأقطار العربية، والمعارضة تتنوع أشكال نشاطها، فمنها من يمارس العمل السياسي السلمي، وأخرى قد تعتمد الكفاح المسلح، وقد تتطور الحالة سلبا أحيانا لتنتهي بحرب أهلية لا سيما في البلدان المقسمة عرقيا أو دينيا أو طائفيا، وحالة لبنان مازالت ماثلة أمامنا لا تغيب عن البال وقد ارتدت الطابع الديني، واليوم الصراع الطائفي مازال مرشحا  للانفجار، كما شهد العراق حالات مماثلة …
على العموم المعارضة السياسية تحمل عادة الطابع التنافسي، وتعني فيما تعنيه مخالفة الرأي السائد سلطويا، ومعارضة سياسة النظام، فلها هي أيضا رؤاها وتطلعاتها، وقد تطرح برنامجا سياسيا بديلا، ترسم فيه تصورها التنموي اجتماعيا واقتصاديا، فضلا عن تصورها لطبيعة وشكل الحكم وإدارة السلطة، وللحقيقة نقول: لا إصلاحات دون معارضة، ولا سياسة أصلا دون تعددية ومن التعددية  تنبثق المعارضة والتنافس، فحيوية المجتمعات تعود من بعض الجوانب، إلى التعددية السياسية، وإلى المعارضة  النشطة حيث تكون ندا للحكومة ومعارضا لها، وبديلا عنها..
إن محاولات عديدة اليوم تبذل للنيل من المعارضة والحط من شأنها ومكانتها ومن جدوى بقائها والإساءة إليها، وبأنها عاجزة عن فعل التغيير، فلا ضرورة لوجودها إذن، وبالتالي القبول منطقيا بما هو قائم مهما قسا وعتا الحاكمون، والحقيقة أن واقع المعارضة تختلف في النضال السياسي بين الأنظمة التي تعيش الحياة الديمقراطية في الحكم من جانب، وبين الأنظمة الاستبدادية التي تتفرد بالسلطة من جانب آخر، فالقول بأن المعارضة ستبقى مشلولة وعاجزة عن صنع التغيير في الأنظمة الاستبدادية، وليست بقادرة أن تلعب دورها إلا إذا وجدت في النظم التي تتبع النظام الديمقراطي في إدارة الحكومة، حيث يكون تداول السلطة متوفرا ومحققا، مثل هذا الحكم ضار لا يمكن الأخذ به وهو مناف للواقع في ظل التقانة المعلوماتية الحديثة، مثل هذه الأحكام المحبطة وهذا اليأس في التغيير قاله غرامشي أيضا في فترة صعود الفاشية في كل من ألمانيا وايطاليا، وبأن التغيير لا يتم إلا من الخارج..، هذا الكلام رغم وجاهته لا يمكن أن يعتد به ويؤخذ كمقياس صارم وأكيد، ففي النظم الديكتاتورية قد تأخذ المعارضة -جراء القمع- النشاط السري، وكثيرا ما تكون مشلولة، وقد تكون على شاكلة خلايا نائمة، لكن علينا أبد أن لا نستهين بها كأداة للتغيير، مهما عاشت من ظروف قاسية، فهي لها التأثير الأكيد، وإن السلطة، أية سلطة كانت، ستبقى متوجسة منها خيفة، وإلا فلماذا هذه الملاحقة والقمع القاسي، إذا لم تكن المعارضة ذات أثر وجدوى..!؟ بيد أن اليوم بفضل تكنولوجيا المعلومات، أصبحت عورة النظم مكشوفة أمام أنظار شعوبها والعالم قاطبة، لا تستطيع السلطة إغماض العين عن ذلك، فهي متابعة كما نلمس بهدف بيان شكل المواجهة عن قليل، وفي ضوء ما ينشره الناس من خلال وسائل الإعلام المختلفة..
إن ثورة يونيو1952 التي قادها الضباط الأحرار في مصر، حقيقة قضت على القوى الليبرالية، القوى السياسية الوحيدة آنذاك التي اقترن اسمها بالتنمية والإصلاحات والحريات، فشلّت إثر ذلك الحركة السياسية في مصر، ولم يعد لها نشاط يذكر، وتراجعت أيضا التيارات العلمانية، حيث شمل القمع الجميع، وكان على الشعب المصري الولاء للنظام الراديكالي  الجديد، حيث انحصر كل شيء فيه، وبالتالي إسكات أي صوت مخالف، لكن (حزب الإخوان المسلمون) رغم ما تعرض له من بطش وتنكيل، استطاع بحكم كونه حزبا ذا تاريخ وتغلغله في خلايا الشعب المصري، وبسبب ما تعرضت له القوى الليبرالية وأيضا العلمانية واليسار عموما من ضرب وإقصاء، استطاع الإخوان المسلمون مستغلا ما تتيح لهم دور العبادة من نشاط، استطاع أن يلملم صفوفه من جديد ليصبح أقوى حركة سياسية في مصر، وليفرض الحزب بالتالي نفسه كأقوى معارضة، فيدخل الإخوان البرلمان بحيث لا يمكن للنظام تجاهلهم أو القضاء عليهم مهما عتا وتجبر، والحالة المصرية يمكن اعتبارها شكلا من أشكال تكوّن المعارضات..
علينا أيضا أن نعي كثيرا أن النظم الاستبدادية  تحاول خداع الرأي العام على أنها تعيش حالة ديمقراطية، ويروج لها مختلف وسائل الإعلام بهذا الاتجاه، رغم الاعتقالات الكيفية والتعذيب الجسدي والتعدي على حقوق الإنسان كما هي الحال في تونس حيث يتم توجيه الإعلام المأجور في سوق وتزيين صورة النظام..
المعارضة السياسية عادة تحمل معنى المضمون التنافسي بين جماعات سياسية لها تصورها الخاص في كيفية سياسة المجتمع وإدارته للوصول إلى السلطة، وهي تعني بالأساس مخالفة الرأي السائد سلطويا، فلها أجندتها النضالية الخاصة بها، وهي تستغل التناقضات بين السلطة والشعب وحالة اللااستقرار والتذمر والاستياء، مما يحدو بالناس اتخاذ مواقف مناوئة للسلطة، ويكون المجتمع المدني والأحزاب السياسية خارج السلطة تنشط  للعمل لمجيء بديل عنه يحلّ محل الفئة الحاكمة، والمعارضة في هذه الحال طالما تتكئ على الشعب فينبغي عليها أن تكون صادقة معه، لا تكون اللعبة فقط هي وسيلة للوصول إلى السلطة فحسب، وليس لتغيير النهج، ويغدو الفريق الحاكم كالفريق السابق أي (حكومة قيصرية برداء بلشفي) بتعبير بليخانوف في حالة روسيا..، فالمعارضة يمكن لها المطالبة بتسويات عديدة متفق حولها، وينبغي ألا تكون السلطة هي الهدف، أما الهدف الأساس فهو التعددية السياسية، مبدأ تداول السلطة، حرية التعبير والإعلام، العمل على التنمية  الاجتماعية والاقتصادية، الشعب مصدر التشريعات، فصل السلطات (التنفيذية، التشريعية، القضائية) فمن يقبل بهذا يعني أنه ساوى نفسه بالآخرين، فلا يبقى حينئذ غير التنافس عبر صناديق الاقتراع، ليحدد من الحاكم ومن هو المحكوم، واللعبة الديمقراطية هذه لا بد أن تستمر..
علينا أن نتنبه أن التغيير قد يحصل بطرائق مختلفة، ربما يكون بسبب التدخل الخارجي، وقد تكون نتيجة تحولات في الساحة الدولية، وفي  حالات لا يتنبأ بها لا الحاكمون ولا المعارضون، وهذا ما جرى في أعقاب الحرب العالمية الأولى، وأيضا بعد انفضاض الحرب العالية الثانية، وما حصل من تغييرات كبيرة، حيث كان اختفاء نظم ولّى عهدها، وانبثاق نظم جديدة حلت مكانها..
هنا أريد أن أثير نقطتين تتعلقان بالموضوع ذاته، فمثلا أحدهم يقول أنه يتطير من لفظة المعارضة، وهو يطالب أن يحسّن النظام الحاكم أي نظام كان من أدائه، لكنه يرفض أن يقال عنه، (معارض) وكأن المعارضة جرم، فالمعارضة تعني في حقيقة الأمر المخالفة في الرأي وهذه ليست عارا ولا سبّة، ونقول لمثل هؤلاء هل أنكم ترفضون أن يكون لكم تمثيل في إدارة شؤون الدولة على مستوى قدراتكم..؟ في الوقت الذي تتبجحون أنكم تمثلون شريحة من المجتمع..، النقطة الثانية هي التي تقول من أي جهة تكتسب المعارضة شرعيتها، ليست هنا برأيي مسألة الشرعية أو اللاشرعية فالديمقراطيات هي التي تكسب أية قوى كانت الشرعية، وذلك من خلال صناديق الاقتراع وبيان بالتالي مدى قوتها وتمثيلها، ولاشك أن المعارضة تتكئ على شرائح اجتماعية وقد تعبر عن نفوذ طبقية، وحرية الاقتراع سوف تبين مدى قوتها ونفوذها، بالمقابل على المعارضة أن لا تستهين بمن تدعي تمثيلهم، وألا تتجاوزهم لأنهم سيخذلونه حتما في الجولات القادمة، كما أن المعارضة من طبيعتها أن تجدد نفسها، وتحسّن من آليتها، فتتنبه لنقاط ضعفها لتجاوزها، لكي تكون بالتالي منسجمة إلى حد كبير مع تطلعات وأماني من تمثلهم.
© منبر الحرية ، 20 يونيو / حزيران 2010

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

(الجزء الأول)
الديمقراطية في اصطلاحها العام ليست وليدة اليوم، إذ لها نسب فكري- نظري يمتد لأكثر من ألفين وخمسمائة عام، وقد اتخذت دلالات متنوعة تبعاً للسياقات التاريخية التي ظهرت فيها. وهي لم تزل إلى وقتنا الراهن موضع سجال مستمر، وقابلة للابتكار بصورة دائمة، بسبب زخمها السياسي الذي لا يستنفذ، وأيضاً بسبب النزوع المتنامي واللانهائي إلى المساواة لدى البشر. إن مسيرة الديمقراطية تتقدم من خلال التناقض بين مظهريها، بصفتها مثلاً أعلى وأيضاً كونها حقيقة واقعة. وقضيتها هي ليست الواقعية فحسب، وإنما أيضاً ما ينبغي أن يكون عليه عالم المساواة مستقبلاً. فهي لا تركن إلى ما هو قائم أصلاً، ولا تمنح موافقتها الدائمة لأي واقع قائم يفترض أنه الأمثل، أو ينبغي الاعتراف به على أنه الواقع الأكثر كمالاً. وبهذا أثبتت لحدّ الآن تفوقها وامتيازها بقدرتها على التغلب على تناقضاتها، و على تخطيمثالبها السياسية أكثر من أي نظام سياسي آخر. وبرهنت على أنها الشكل الأسمى لأيّ تنظيمسياسي/ مدني يعدّ  الإنسان مبدأ له، وسعادة الأكثرية غايته الرئيسة.
لقد حققت الديمقراطية في النصف الثاني من القرن العشرين حضوراً طاغياً، وفرضت ذاتها في كل مكان بصفتها الشكل السياسي الأكثر حداثة لحكم المجتمعات ولتنظيم الحياة في عصرنا. وواقع الحال أنه ليس ثمة مبدأ مركزي وحيد يختزل فيه تعريف الديمقراطية، كما ليس هنالك ديمقراطية منجزة تماماً يمكن عدّها النموذج الأشمل والأكمل لشكل الحكم أو لممارسته. ويشير الباحثون إلى أنماط رئيسة تحققت تاريخياً في دول مثل المملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا. وهي على التوالي،الديمقراطية الليبرالية، والديمقراطية الدستورية- المساواتية، والديمقراطية التمثيلية أو التنازعية.
ويمكن الملاحظة أن الأخيرة، وهي الأحدث لجهة تحققها التاريخي، تقوم على الإقرار بتعددية المصالح الاجتماعية والتوفيق بينها وبين المساواة القانونية للجميع. وتمكّن الفرد من المشاركة في الحكم، ومن الإسهام في تقرير خياراته السياسية عبر ضمان حقوقه الأساسية. بهذا المعنى فإن هذا المفهوم الأخير للديمقراطية لا يقوم على إخضاع السلطة لحرية طبيعية مفترضة أصلاً في الإنسان فحسب، أو تقييدها، وإنما أيضاً لاستخدام السلطة كوسيلة لخلق حرية جديدة وحقيقية. وهذا هو أحد أوجه الاختلاف بينها وبين الليبرالية. وينوّه آلان تورين بهذا الخصوص إلى أنه ليست ثمة ديمقراطية ليست ليبرالية، وإن كانت هنالك ليبراليات ليست ديمقراطية. ذلك أن الليبرالية تضحي بكل شيء في سبيل بعد واحد من أبعاد الديمقراطية، إنه تحديد السلطة.
الديمقراطية، إذن، لا تعني اليوم إزالة العوائق المادية والمعنوية أمام الأفراد وتحريرهم من القيود فقط، وإنما تعدّهم أيضاً ليكونوا صانعي تاريخهم، فاعلين ومساهمين في تقرير خياراتهم السياسية وإبداعها. والحال أنه ليس ثمة ديمقراطية دون حرية الاختيار، ودون تعددية سياسية تنافسية، ودون انفتاح وتواصل سياسيّ حرّ بين المختلفين. وتنبع الصفة التمثيلية للديمقراطية من هذا الواقع، واقع التعددية والتنوع في الرؤى السياسية والأفكار والمصالح وتنازعها. فلا يمكن تخيل الحاجة إلى ديمقراطية بوجود مجتمع متجانس ومتماه مع نفسه، دون تمايز أو اختلاف. وعليه فإن هذه الصفة التمثيلية تعكس اختلاف الذوات السياسية الفاعلة وتنوع العلاقات الاجتماعية التي تؤسس لأدوارهم. وبناءا عليه نستنتج أن السلطة المنتخبة، ذات الصفة التمثيلية، لن تكون ديمقراطية حتى ولو استحوذت على أغلبية الأصوات، مالم تكن تعددية في الوقت نفسه. ولا تعدو صفتها التمثيلية تلك أن تكون إلا شكلية ومجردة، ما لم تستغرق في ذاتها طيفاً واسعاً ومتنوعاً من الآراء والاتجاهات السياسية القائمة والمصالح الفعلية للبشر.
إن العديد من الأنظمة والشعوب صارت تأخذ اليوم مُثل التعددية  والديمقراطية السياسية على محملالجدّ، وباتت تراهن من خلالها على حياة  سياسية- إنسانية أرقى بكثير مما لو احتكر فرد أو حزب أو عرقأو طبقة الحياة في نفسه. وهذه النظرة أو الأسلوب غدا علامة صحيحة على تقدم المجتمعات سياسياً.فالحياة السياسية الأرقى هي تلك التي تنطوي على المقدار الأوسع من الحرية، وتضمن أكبر تنوع محتمل وتقر به. وكلما كان النظام السياسي ديمقراطياً وإنسانياً أكثر، عنى ذلك أن الذوات السياسية الفاعلة، التي تساهم في إنجاز القرار السياسي، سواء عبر المساهمة المباشرة أم غير المباشرة، على اختلافها هي الأكثر عدداً.
الأطروحة الشهيرة التي هيمنت على النظم السياسية في العالم العربي ودول العالم الثالث، ومنظومةالدول الاشتراكية في القرن العشرين على اختلاف أنماطها، كانت تقول: إن المصلحة الوطنية  الحقيقيةوسلامة النظام سياسياً واجتماعياً، تكمن في التماه بين الدولة والمجتمع وحزب وحيد يمنح نفسه احتكارالشرعية السياسية  والقانونية، وينطق باسم المجتمع وشرعيته، بعد أن استعار صوته ولغته. وقد شخصعالم الاجتماع الفرنسي ريمون آرون خمسة عناصر رئيسة مشتركة بين هذه الأنظمة:
1-                  احتكار النشاط السياسي ليقتصر على حزب واحد.
2-                   تحرك ذلك الحزب بفعل أيديولوجية تغدو الحقيقة الرسمية للدولة.
3-                  تمنح الدولة نفسها احتكار وسائل القوة  والإقناع.
4-                  معظم النشاطات الاقتصادية والمهنية مندمجة بالدولة وخاضعة للحقيقة الرسمية.
5-                  الخطيئة الاقتصادية أو المهنية تغدو خطيئة أيديولوجية، وعليه فينبغي أن تعاقب بإرهابأيديولوجي  وبوليسي في آن معاً.
وواقع الحال أن هذه النظم عمدت انطلاقا من هذه القناعة الأيديولوجية إلى تقويض الحياة السياسيةالحزبية داخلياً. وقلًصت الحراك الاجتماعي المدني إلى أدنى حدّ له، وحالت دون نشوء فاعلين سياسيين،وقضت على كل أشكال المشاركة أو المساهمة  السياسية.
إن أحد أبرز معايير ضعف هذه الدول ومجتمعاتها، كما كان يشير علماء الاجتماع السياسي، تتمثّل فيهبوط المساهمة السياسية، أو ما كان يسمونه بأزمة المشاركة السياسية. وقد عدّ في الوقت ذاته سبباًفي إحساس العديد من الأفراد في تلك المجتمعات أنهم هامشيون ومنبوذون في دول ومجتمعات لايشعرون بأنهم يساهمون فيها . كل ذلك دفعهم إلى الشعور المضاد للانتماء أي العزلة والاغترابالاجتماعي ومن ثم إلى التطرف السياسي وإلى الفوضى والعنف. وهنا تكمن إحدى البؤر المولّدة للعنفوالتطرف الأصولي، كما نلاحظ، في عالمنا.
© منبر الحرية ،يونيو / حزيران 2010

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

اعتمدت معظم الأحزاب والتنظيمات اليسارية وخاصة الأحزاب التي اتبعت النهج “اللينيني” في الحياة الداخلية للأحزاب، ومن ثم الأحزاب القومية مبدأ “المركزية الديمقراطية” كنظام تدير وفقه تنظيماتها السياسية من الداخل. و”المركزية الديمقراطية” مبدأ قام لينين بوضعه خلال مراحل التطور التي مرت بها الحركة البلشفية التي نشأت في بدايات القرن الماضي وتم اعتماده كمبدأ في إدارة الحزب الشيوعي الروسي وتبنته لاحقاً مختلف الأحزاب العالمية التي دارت في فلك اليسار الماركسي اللينيني.
فقبل ثورة عام 1905 كان لينين يرفض تطعيم تنظيمه الثوري بأدنى فكرة ديمقراطية وكان يرى في الميل نحو تطبيق القواعد الديمقراطية ميولاً “طوبويا، بل ومسخرة أيضاً” فالمركزية المطلقة هي الفكرة الوحيدة التي ائتمن لينين إليها حزبه في تلك المرحلة.
ولم يتخلَ لينين تماماً عن فكرة المركزية، رغم ما أنتجته من أزمات داخل التنظيم، ليضطر لاحقاً لإخضاع مركزيته لبعض الأسس الديمقراطية وفي مقدمتها المبدأ الانتخابي الذي بدأ العمل به بعد عام 1905، ولم تغدُ العملية برمتها فيما بعد أكثر من كونها محاولة توفيقية لا تخلو من القسر، بين المركزية والديمقراطية، فبينما كانت المركزية تمثل الأساس في التنظيم اللينيني وتقع على عاتقها وحدها مسؤولية الأخطاء التنظيمية الناجمة نتيجة الحراك المستمر، فقد نجح لينين بذكاء في تبرير المركزية بإسنادها إلى الديمقراطية وجعل الديمقراطية أساساً نظريا، وعروة عملية شديدة التقييد، ارتكز إليها في إعادة إنتاجه للمركزية مجدداً ليصطلح فيما بعد صفة “المركزية الديمقراطية”.
إن الدكتاتورية، كمثال، خاصية ملازمة لأية ثورة حقيقية وإن لم توصف بها، كذلك الأمر بالنسبة للمركزية التي لا يمكن للثورة التخلي عنها وهذا ما يفسر لنا وصف لينين للديمقراطية بالـ”الطوبوية والمسخرة” لكن التحرج في موقف الثوار الشيوعيين، وهم يواجهون الامتدادات الديمقراطية للّيبراليات القومية الغربية في تلك المرحلة، تجلى من خلال المخارج التنظيرية الخالصة التي لجؤوا إليها.
فالحديث عن ديكتاتورية البروليتاريا ورفع شعار “دكتاتورية العمال والفلاحين الديمقراطية”! الذي اعتبره تروتسكي في كتابه الثورة الدائمة ذا معنى “رجعي”، كذلك وبالقدر ذاته مصطلح “المركزية الديمقراطية”، ومحاولة إضفاء الصفة الديمقراطية على كل فعل تنتجه الثورة، إنما يخلق لدي شعوراً بأن المسألة لا ترقى لأبعد من كونها محاولات جاهدة لاغتصاب “الديمقراطية” وليّ عنقها.
ولا تزال معظم الأحزاب السياسية في العالم الثالث والمجتمعات المتخلفة تعتمد “المركزية الديمقراطية” منهجاً وأسلوباً في إدارة تنظيماتها من الداخل، رغم أن معظمها لا يصرح بذلك علناً، ولا تكف عن زعم الديمقراطية في كل مناسبة ومن خلال الشعارات التي يتم إطلاقها.
من هنا فإن “المشتكين من نقص الديمقراطية” حسب تعبير تروتسكي، داخل هذه التنظيمات، يتزايدون ويرون في مرتكزات المركزية الديمقراطية داخل التنظيم مجرد قواعد قانونية تسهل عملية الاستبداد من قبل القادة والمسؤولين، وكون “من المتعذر تقديم صيغة واضحة عن المركزية الديمقراطية تزيل نهائياً كافة أشكال سوء الفهم والتأويل الخاطئ” باعتراف من تروتسكي، فمن الطبيعي أن يغدو توضيح وتحديد اعتراضات المشتكين من نقص الديمقراطية في ظل مبدأ المركزية الديمقراطية، أمراً صعباً أيضاً.
لكن أكثر ما هو واضح في كافة الأدبيات اليسارية، التي تحاول شرح وتحديد أسس المركزية الديمقراطية هما مرتكزان اثنان:
أولاً: كل هيئة حزبية تتخذ قراراتها بالتصويت وتخضع الأقلية لرأي الأكثرية.
ثانياً: وحدة الإرادة والعمل وخضوع الأقلية للأكثرية بحيث يمنع منعا باتاً أي تكتل داخل الحزب.
ويكشف هذا اللجوء إلى تسطيح فكرة التصويت وتلخيص نتائجها المتعلقة بالعمل التنظيمي، بخضوع طرف لآخر، جانباً مهماً من الاستبداد الذي يتم تبريره بالاتكاء إلى عملية تصويت قد لا تتكرر إلا مرة كل أربع سنوات في أحسن الأحوال، وأن يكفي تحقيق نسبة 50+1 لإخضاع نسبة 49% من الأعضاء الحزبيين واعتبارهم أقلية!.
والقضية ليست قضية استياء من انكشاف كون هؤلاء المشتكين “مجرد أقلية صغيرة” وبالتالي “ليس في الأمر انتهاكٌ للديمقراطية”، في محاولة تروتسكية لمعالجة المسألة، فالمشكلة تبدأ حين يتم التعامل مع ما نسبته 49% من القواعد الحزبية كمتلقين سلبيين تتاح لهم فرصة التعبير عن رأيهم مرة واحدة كل أربع سنوات من خلال المؤتمر العام أو الكونفرانسات المحلية، وليس أمامهم سوى الخضوع والتنازل التام والكامل عن حريتهم في التفكير والتعبير عن الرأي طالما أنهم قبلوا التأطر في إطار الحزب، عملاً بمبدأ “حرية المناقشة ووحدة العمل” هذا المبدأ الذي لا يتحقق شطره الأول إلا مرة واحدة كما سبق الذكر أو في نطاق ضيق من خلال الخلية الحزبية.
بينما يحق لهذه (الأقلية) الحزبية أياً كان حجمها في ظل الأنظمة الديمقراطية والليبرالية أن تمارس نشاطها بانضباط داخل التنظيم منطلقة من وجهة نظرها الخاصة لتروج لأفكارها، ساعية نحو تحقيق الأكثرية داخل الحزب، مع التزامها الطوعي والأدبي إن صح التعبير خارج إطار الحزب بما تم إقراراه في المؤتمر العام.
فالعلاقة بين المركزية والديمقراطية داخل الحزب لا تغدُ متكافئة، إذ ترجح كفة الديمقراطية مرة واحدة خلال السنين الفاصلة بين مؤتمر وآخر، وغالباً ما تكون ديمقراطية شكلية يتم إعدادها بوسائل غير سليمة بتخطيط من قبل المركز الأوحد الذي يقود الحزب بناءً على ما تمنحه إياه المركزية من صلاحيات تخوله بشكل مطلق ممارسة كافة الإجراءات التي من شأنها أن تسهل له تمرير مشاريعه أياً كانت، ومن ممارسات هذه الأحزاب الماركسية والقومية أنها تستسهل عملية طرد الأعضاء الحزبيين كممارسة داخلية حيث لا تكون حاكمة، وأنها تعتقل وتعدم معارضيها حيث تحكم، (إنها دون شك حالة طوارئ بالمعنى السياسي معلنة داخل الحزب)، ولم يتوان لينين في تعريف المركزية ودون تردد على أنها “حالة طوارئ ضد المصادر الكثيرة للتذبذبات السياسية” داخل الحزب.
إنه من الطبيعي، أمر نشوء تيارات وأجنحة داخل التنظيم الواحد، ومن الطبيعي أن تتنافس هذه الأجنحة داخل بيتها الحزبي بشكل ديمقراطي يتيح الفرصة أمام كل طرف ليحاول إقناع اكبر قدر من أعضاء الحزب بأطروحاته حول المسائل المختلفة، وهذا إن تحقق، فإنه أولاً يمكن القواعد الحزبية من المشاركة الفاعلة والتأثير المباشر في تحديد الخط السياسي للحزب من جهة وفي إعادة التأسيس المستمرة والمتجددة لأسلوب العمل السياسي والتنظيمي الذي يتطلب تغييراً مستمراً وفق المستجدات والمعطيات المحيطة بالحزب ودائرة نشاطه، ثانياً فإن هذا النهج ينقذ القرار السياسي من احتمالات احتكاره من قبل المركز، وثالثاً فمن شأن هذه العملية طرد ما بات يعرف بالسباتية في التنظيم من خلال تحريض القواعد بشكل مستمر للتدخل وفق آليات ديمقراطية في مختلف القضايا والقرارات.
كذلك فإن المركزية “الديمقراطية”، سبب أساسي في الانشقاقات التي تتعرض لها الأحزاب، حيث يمنع الظهور الطبيعي للأجنحة داخل الجسد الحزبي مما يؤدي إلى التصدعات التنظيمية، والحلول المبدئية تتلخص في توسيع الحياة الديمقراطية في مقابل المركزية الصارمة وإعطاء الدوائر الحزبية في مختلف المناطق مزيداً من الصلاحيات التنظيمية، وتقليص الفترة الفاصلة بين المؤتمرات العامة إلى سنتين كأقصى حد، ويفضل اعتماد مبدأ أغلبية الثلثين في عملية التصويت، والتأكيد على مبدأ التداول في قيادة الحزب، وكشف مداولات الحزب الداخلية أمام وسائل الإعلام أو إشراك أطراف أخرى حيادية، سياسية وثقافية، حسب ما تتيحه الظروف المحيطة، كي لا تتحول العملية إلى عملية انتظار صعود الدخان الأبيض أو الأسود كما هو معمول في كنيسة السيستين في الفاتيكان والتي تحيط عملية انتخاب البابا من بين 115 كاردينالاً بسرية وتكتم شديدين لكن ما ليس سراً أن العملية لا تتم إلا بموافقة غالبية الثلثين.
إن قبول هذه الإجراءات وحده سيضمن لأي حزب تطوره وتفاعله مع مراحل النضال الذي يبرر وجوده، وهذا وحده سيساعد الحزب في مواجهة التناقضات الداخلية والحؤول دون تحولها إلى أزمات وتعينه في نفس الوقت في التغلب على العقبات الخارجية التي تواجهه.
© منبر الحرية ، 24 ماي /أيار2010

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018