الديمقراطية والإصلاح السياسي

peshwazarabic20 ديسمبر، 20100

لا حاجة للحديث عن ضوابط للنزاهة ولا عن ضرورة توافر الشفافية لضمان خروج الانتخابات المصرية المرتقبة بدون تزوير، فالحد الأدنى لمتطلبات التغيير لم يتوافر بعد لذا ليس من المنطقي أن نطالب –الآن- باعتماد صناديق زجاجية لجمع الأصوات، وتسجيل عملية التصويت بـ "الصوت والصورة"، وبأن يجري فرز كل صندوق وإعلان نتيجته داخل لجنته وتجميع النتائج قبل نقل الصناديق من مكانها.

peshwazarabic13 ديسمبر، 20100

يمثل الإعلان العالي لحقوق الإنسان، بوصفه أحد المصادر الرئيسية التي تنهض عليها النظرية العامة لحقوق الإنسان في عالمنا المعاصر، الخطوة الأولى المهمة التي خطاها المجتمع الدولي على طريق ترسيخ الاهتمام بحقوق الإنسان والحقوق الأساسية اللصيقة بالشخصية الإنسانية، والذي مهد إلى سن قواعد واتفاقيات جيدة ولاحقة تجاوزت خلو الإعلان العالمي من بعض الحقوق.

peshwazarabic13 ديسمبر، 20100

ساد العقل الأوربي الأمريكي في العالم بعد حقبة من السبات الطويل نحو ألف عام، امتدت من سقوط الإمبراطورية الرومانية، والتي أرّخ لها بحدث تاريخي هام هو سقوط مدينة روما عام 476م  بيد البرابرة، وحتى العصر الحديث عصر النهضة والتنوير، الذي تبدأ انطلاقته كما هو متفق عليه نحو عام 1500م مع بعض الاختلافات في التحديد، ولتتصدر بالتالي الحضارة البشرية من حينها، وتستمر إلى يومنا هذا..
جاء تسيّد الغرب هذا بعد مخاض عسير، وسعي محموم من القوى المطاحة بها لتوقيف عقارب الزمن، وكأن التاريخ ينبغي أن يتوقف عندها، وهذا دأب القوى التي استنفدت فرص بقائها، وبالتالي تعـذرُ القدرة على التواصل والاستمرار في مفاصل التحولات الاجتماعية تاريخيا…
تجلت ديناميكية العقل الغربي (الأوربي الأمريكي) في ملاحظة أن العالم في تحرك وتغير دائمين، وبالتالي لا بد له من رصد هذا الواقع المتغير، برؤية ومنظور جديد، وهذا لا يكون بالاكتفاء بما قاله السلف، فجاء السعي للتوفيق بين العلوم العقلية والعلوم النقلية، أي إيلاء الاهتمام بالأولى، وغربلة الثانية، أي عرضها للنقد، لتجاوز ما يمكن تجاوزه، والبناء على ما يمكن الاستفادة منه..
إن أيّ واقع جديد ينبغي مواجهته بأسلحة جديدة، وقبل أيّ شيء لا بد من قراءة الواقع، ودراسته، ومن ثم البحث عن طرق معالجته، والغرب في العصر الحديث دشـّن ثورته على الواقع في البدء بتحطيم سطوة الثنائي الإقطاع والكنيسة، وبالتالي الفصل بين الدين والدولة، (ما لله لله وما لقيصر لقيصر)..
كما توجه الغرب باتجاه رصد الطبيعة والمجتمع والإنسان الفرد، بعد اغتنام  تركة واسعة من الثقافة ورثوها عن الإغريق والرومان، فدعوا لبناء جنة لهم على الأرض على شاكلة جنة السماء، فرأوا ذلك لا يتحقق إلا عبر التقدم المطرد، في حقول التنمية البشرية والاقتصادية والثقافة، والنهل من العلوم الحديثة، فجاء الحث على انتشار حركة العلمانية، وبهذا تم اختفاء كثير من القيم طواها الزمن مع استهلال العصر الحديث، لتنفتح الطريق أمام إرساء قيم جديدة، فقد تمت مواجهة القديم بنزع إهاب القداسة عنه، وجلال الخضوع له، والتشديد والتأكيد على قيمة الإنسان، ومحوريته في الحياة، ووجوب تحريره من طلاسم السلف، وسلطان رجال الكنيسة، وترك المجال له بحرية في إطار علاقته بربه، بعيدا عن التعصب، والانقياد الأعمى، وما يسبب ذلك بالتالي من شلل فكري..
كان لا بد في هذا التوجه، من القضاء على سلطة النبلاء، والثورة ضد العبودية واسترقاق الإنسان، والحد بداية من سلطة الكنيسة..
منذ القرن السادس عشر أي بداية العصر الحديث، ناسب الغرب العقل والعلم، باعتبارهما سلاحا ذا قيمة لا يضاهيه أي سلاح، فبهما يمكن للغرب من تخطي الحاضر المثقل بأغلال الماضي، ومواكبة ركب التقدم الحضاري، فإذا ما اعترضهم إشكال ما، مثلا معضلة اجتماعية أو اقتصادية، فسرعان ما تلتئم مؤسساتهم بمختلف مناهلها الفكرية والسياسية، للكشف عنها، والخروج بمعالجة مناسبة..
كما أعار الغرب أهمية كبيرة للأفكار، فرأى فيها قوة حافزة تهيئ الفرد والجماعة في كيفية مواجهة الواقع، وإيجاد حلول لمشكلاته، رغم ما أشيع عن بعض المفكرين، أن لا تأثير للأفكار في حفز الناس ودفعهم نحو المطالبة بحقوقهم، أو دفعا لعدوان، ونقول هنا، إذا كانت المظالم دفعت الفرنسيين باتجاه ثورة 1789 فإن أمثال فولتير وجان جاك روسو قـد بينوا، ومهدوا بفكرهم، ورصدهم للواقع الفرنسي آنذاك، كيفية مواجهتها، فلا يمكن فصل الفكر عن الواقع، ولا قراءة الواقع دون خلفية فكرية، فكلاهما الفكر والواقع متلازمان، وأيضا فالمظالم تحفز الناس نحو التمرد والثورة، وهنا يأتي الفكر كرداء مناسب للثورة..
ثم ما الذي حدا لويس السادس عشر في سجنه وهو ينتظر قضاء المقصلة قبل إعدامه، أن يقول بعد أن قرأ لفولتير وروسو :(هذان الرجلان هما اللذان دمرا فرنسا) وكان يقصد تدمير النظام الملكي في فرنسا، ما كان ليقول ذلك لولا تأثير أفكارهما واستحواذها على عقول الناس وأفئدتهم..
في هذا المدار وتساوقا مع الفكر الغربي، ظهرت حركة فكرية في الغرب عرفت بالعقلانية أو الحركة العقلانية، وهي بمثابة مجموعة من الأفكار، تعين الإنسان لفهم واقع الحياة، وحقيقة الكائنات، وهذا البعد والغوص في التفكير أبعد المفكر العقلاني عن العقيدة المسيحية التقليدية، فهذه النزعة ترى أن بمقدور العقل معرفة جانب من تدبير الله في إدارة الكون، رغم هذا فقد برزت أشكال عديدة من الدعوات سعت للتوفيق بين العقلانية والمسيحية، لكن في الحقيقة أن العقلانية نبذت كل ما هو غيبي، أو خارق للعادة، فأبقى على ما هو قابل للفهم والتعليل، فإيمانهم بالعقل لا يحده شيء، الم يقل المعري قبل نحو ألف سنة..
(أيـّها الغــرُّ إن خصصتَ بعقل ****** فاتّبعه “فكل عقل نبي”)
وهذا مكيا فللي يشاطر العقلانيين رأيهم في رفضه عن وجود شيء خارق للطبيعة، وأن الله بمنأى من أن يتدخل في شؤون العباد..
أولى الغرب أيضا اهتماما كبيرا للعلوم الطبيعية، فأنشؤوا أكاديميات بهذه الغاية، كما وجدت جمعيات علمية للغرض نفسه، وعزا بعضهم هذا التقدم الهائل إلى العامل الاقتصادي، والأعمال التي يديرها الرأسمالي، فضلا عن ازدياد الثروة، لكن كل هذا كان مرتبطا بالعلم، فالعلوم الطبيعية تأتي انعكاسا للبيئة الاجتماعية وبالتماشي مع مستوى من تطورها، فقد أدرك الغرب حقيقة العلاقة بين العلوم الطبيعية، وبين درجة من تطور الفرد وحريته، فوجد بتوفر الحرية للأفراد والمؤسسات، يعني مزيدا من التقدم العلمي، ومن هنا جاء التركيز على خصلة الحرية، وفي خضم هذا الصراع ظهرت الليبرالية كمذهب جديد، ومن أهم سماتها في جانب العقيدة المسيحية دعوة الليبرالية إلى حرية المعتقدات بين من يؤمن ومن لا يؤمن، وأثرت عنها عبارة شاع انتشارها تقول: (كل حرٌّ في دينه) أي الليبرالية في الدين، وعنت الحرية في ممارسة المعتقدات الدينية، وأيضا الحرية بين الإيمان والإلحاد..
بمضي الزمن ازداد عدد المتعلمين، وتحقق كثير من التقدم، فتنبه الغرب لرسالة الإنسان في هذا الكون، وقدروها، وكيف أنها تناقض الجانب التقليدي في العقيدة المسيحية، ورأوا أن اضطراد التقدم، يقودهم حتما إلى الوفرة والسعادة، وزوال كثير من الرذائل والآثام، حيث طغت نظرة أخلاقية، هي أقرب بالجانب السمح في الديانات الثلاث اليهودية، المسيحية، الإسلام، وكان الهادي في كل هذا هو العقل، وعلى العموم حقق الغرب ما عملوا من أجله، من تقدم في مختلف الميادين، فضلا عن الوفرة، والسعادة، والحرية..
إن شعوب بلدان العالم الثالث تأثرت كثيرا بالعقل الغربي، وتفاعل مع منجزاته في شتى الميادين، في الحياة، والعلم، والسياسة، كما أبهر بسحر الدولار، ونمط الحياة في تلك الأصقاع البعيدة، فضلا عن الحرية في العلاقات الاجتماعية والممارسة السياسة، وانسحب التأثير على عقول الأجيال، عبر وسائط الاتصالات العديدة، من السينما،  فالتلفاز، والزيارات، وأخيرا الإنترنيت.. حيث أصبح العالم بمرأى أعين الجميع..
إننا في العالم العربي إذا فكرنا في نقل شعوبنا إلى مصاف الأمم المتقدمة، استذكرنا الماضي، وذرفنا الدموع لزوال تلك الأمجاد، فلم نزل نعيش في الماضي، الماضي الذي لن يعود، وهذا تعبير على عجزنا، أما أن نفكر بالمستقبل والأخذ بأسباب التقدم، فهذا غير متفق عليه، فمن جانب لا نولي العلم الأهمية اللازمة، ولا نحن بمعرض فك القيود عن حريات الناس، ولسنا بصدد إنشاء جمعيات أو مؤسسات البحث العلمي، فمازلنا نختلف في مسألة شرعية كالتيمم..
إن الإبداع لا يأتي في ظل الجوع والكبت وغياب الحرية، والمهاجرون من سكان العالم العربي الذين يعيشون في الغرب ربما يقدر ذلك.
‎© منبر الحرية،9 دجنبر/كانون الأول 2010

حواس محمود13 ديسمبر، 20100

دأب القول السياسي العربي  في صورة عامة منذ أكثر من خمسين عاما على الضرب على الوتر الخارجي: الامبريالية، الرجعية، الصهيونية، ومن ثم الاحتلال الأمريكي للعراق، العولمة، الهيمنة الغربية، صدام الحضارات ..الخ.
وتجاهل عن سابق إصرار وتصميم كل ما يتعلق بالداخل العربي من تنمية، إعلام، ثقافة، بحث علمي، بيئة، صحة، تكنولوجيا، وحريات التعبير، وحرية الصحافة، والأحزاب …الخ.
هذا هو المشهد الذي صيغت فيه التعابير والمقولات والشعارات التجييشية والتحريضية والشعبوية، ومن خلال إعلام إما رسمي لخدمة الأنظمة،  أو خاص مأجور ومدفوع الثمن من شركات ومقاولين وتجار يخدمون بشكل أو بآخر مصلحة الأنظمة العربية السائدة، وبخاصة تلك الأنظمة التي كانت تدعي الثورية والاشتراكية والتصدي والمجابهة والممانعة، إلى غيرها من التسميات الصارخة والفارغة كالطبل الأجوف في بحر من حراك وحركة عالمية تكنولوجية معرفية متسارعة الإيقاع.
بعد كل تطورات الحالة الإقليمية والعالمية، تأخذ الضرورة الموضوعية حاجتها إلى عملية فك الارتباط بين المتطلبات الديمقراطية الداخلية لكل دولة أو قطر في العالم العربي وشعارية التحديات الخارجية. بعد أن وصلت الدول العربية إلى حالة من الأزمة المتفاقمة المستعصية على الحل بفعل أن إفرازات الدكتاتورية هي التي أنتجت مرض الاستبداد المزمن، الذي وللأسف تشربت شعوب المنطقة من مياهها الآسنة فاستمرأت هذا الاستبداد وتحت وقعه الشديد ارتأت النوم العميق في سبات طويل طويل، بغض النظر عن التفكير في  أي نهضة أو نهوض أو مقاومة أو حركة أو تحرك أو هبة أو صعود.
ما نشهده الآن في بعض الدول العربية وما شهدناه في السنوات القليلة الماضية يؤشر بشكل واضح أزمة نظام الحكم العربي وأزمة الجماهير المستسلمة. نظام الحكم أزمته هي تأبيد الحكم وتوريثه، وأزمة الجماهير هي الرضوخ للأمر الواقع تحت ضغط القمع والفساد، ماذا حدث  في العراق، أليس الاستبداد الذي جاء بالاحتلال نقول ذلك بصورة مختصرة لنبتعد قليلا عن جدل الحدث العراقي وتشابكاته وتعقيداته الكثيرة، والسودان الذي وصل إلى درجة أن رئيس السودان نفسه يقر بأنه إذا صوت الجنوب السودانيون بالانفصال فإنه يكون أول المعترفين بالكيان الجديد، ماذا لو كانت السودان دولة ديمقراطية هل كان الجنوب السودانيون يفضلون الانفصال؟ لست ضد الاستقلال من حيث المبدأ، ولكنني أشير إلى غياب الديمقراطية التي تستوعب التنوع ضمن الوحدة، وفي اليمن لماذا الجنوبيون ينزعون للانفصال أليس الاستبداد نفسه الذي يدفعهم لذلك؟.
والبارحة عندما كان الكرد يطالبون بالحكم الذاتي والآن الفيدرالية، ماذا لو كانت العراق دولة ديمقراطية تحقق المساواة بين العرب والكرد، وتمنع الاستئثار بالقرار وتضطهد الأقليات والقوميات المتواجدة في العراق.
نحن نصل في النتيجة إلى الضرورة الموضوعية لفك الارتباط بين واقعية المتطلبات الداخلية بشتى المجالات، وشعارية التحديات الخارجية التي أضرت بالاستحقاق الداخلي وشوهت لوحة المجتمعات العربية وضربت البنى التحتية في دول العالم العربي، وجعلت العالم العربي يقف بامتياز في نهاية قاطرة التقدم والتطور في العالم.
© منبر الحرية،7 دجنبر/كانون الأول 2010

حواس محمود15 نوفمبر، 20100

في  حين  تسير مجتمعات عديدة في العالم  باتجاه الارتقاء بمستويات التطور والتقدم في شتى مجالات الحياة المعاصرة، مستخدمة أحدث تقنيات التكنولوجيا والمعرفة والاتصالات ومستفيدة من أجواء الحريات العامة بما فيها حريات الابتكار والاختراع والحريات الأكاديمية. أقول في حين تسير هذه المجتمعات بهذا المنحى الصعودي باتجاه التقدم والتطور نجد أن المجتمعات العربية لا زالت تراوح في أماكنها بسبب الحالة السياسية الموجودة في هذه المجتمعات، والتي تكبل مستويات التطور والتقدم وتؤخر التنمية الثقافية وغير الثقافية بقيود وموانع وعراقيل عديد فتأتي النتائج سلبية عموما، ما عدا ايجابيات ببعض النقاط والجوانب في هذه الدولة العربية أو تلك.
يأتي قولنا هذا بمناسبة صدور التقرير الثاني للتنمية الثقافية العربية، والذي يصدره مؤسسة الفكر العربي، والذي يعده ويشرف عليه رهط من الخبراء والأساتذة والمثقفين العرب المختصين بمجالات التناول والبحث.
التقرير يتناول خمسة ملفات أساسية على صلة وثيقة بمؤشرات التنمية الثقافية في المجتمعات العربية ومستوى تطورها، والمحاور الأساسية في التقرير هي: المعلوماتية، الإعلام، التعليم، الإبداع، الحصاد السنوي.
في المحور الأول “المعلوماتية أفق بلا حدود للتنمية”: يشير التقرير إلى الفجوة الرقمية التي تعيشها  الدول العربية على مستوى البنية المعلوماتية وحجم الحضور العربي على الشبكة العنقودية، هنالك إشارة إلى تفوق الإمارات العربية المتحدة عربيا لجهة استخدام تقنيات المعلومات والاتصالات في المكاتب والمدارس والدوائر الحكومية وأعداد  المشتركين، واحتلت المركز الخامس عالميا طبقا للمؤشرات الخاصة بمستوى تقنيات المعلومات والاتصالات في قائمة أولويات الحكومات العربية،  كما أن التقرير أظهر أن الكويت هي الأولى عربيا و 37 عالميا في معدل براءات الاختراع وحرية الصحافة، في حين احتلت السعودية المركز الأول عربيا والسابع عالميا وفقا لمؤشر القدرة على الإبداع والابتكار، والمركز الأول عربيا والثامن عالميا في مؤشر الإنفاق على التعليم، وجاءت قطر الأولى عربيا وفي المركز 25 عالميا لجهة مدى توافر الخدمات الحكومية عبر الانترنت، وسورية الأخيرة عربيا وفي المركز 131 عالميا، وقطر الأولى عربيا وال16 عالميا في مؤشر جودة النظام التعليمي وقدرته على دعم احتياجات التنمية، واحتلت تونس المركز الأول عربيا وال28  عالميا في مؤشرات مدى إقبال الشركات والمؤسسات داخل الدولة على تمويل البحوث، أما مصر فجاءت الأولى عربيا وال36 عالميا لجهة استخدام الانترنت  تجاريا، ويشير التقرير إلى أن كل عشرة أشخاص من مائة شخص يستخدم الكمبيوتر وأن 55 مليون شخص يستخدم الانترنت بصورة أو بأخرى، كما يشير التقرير إلى ضعف المواقع العربية في مجال نشر الثقافة العربية والتراث العربي، والى ضعف مماثل في مواقع التعليم الالكتروني والمكتبات الرقمية والأدب والفلكلور والى ضعف آخر في محتوى مواقع البحث العلمي على شبكات الانترنت، ويلحظ الغياب الواضح لمعظم الصيغ التفاعلية مع المواقع الرسمية لوزارات الثقافية والجهات الرسمية، إذ أن الزائر إلى  العديد من  عناوين المتاحف عبر الانترنت يرى أنها تحولت إلى مواقع دعائية إعلانية لا علاقة لها بالمحتوى المتاح. ويخلص التقرير إلى التأكيد على عدم إمكانية إنتاج مجتمع إيجابي ومشارك في الشأن العام وهو يعاني فجوة معرفية ومعلوماتية، مؤكداً أن المجتمعات التي سجّلت تقدماً فعلياً على صعيد حرية الوصول إلى المعلومات وتداولها، هي نفسها التي سجّلت تقدماً في توظيف تقنية المعلومات كأداة من أدوات التنمية الثقافية. مشدداً على ضرورة تطوير المواقع الثقافية العربية وتطوير الخطاب الثقافي الرقمي، وتحفيز رأس المال العربي على الاستثمار في مشروعات التوظيف الثقافي لتقنية المعلومات وتقديم خدمات وبوابات ثقافية.
وختاما فإن التقرير هام جدا لجهة التأشير إلى مواضع الضعف ومكامن الخلل ومواقع العطب في المشهد التنموي الثقافي العربي، وهو حافز لدراسة الواقع الثقافي العربي ومحاولة الارتقاء به إلى مستويات متقدمة
‎© منبر الحرية،9 نونبر/تشرين الثاني 2010

حواس محمود15 نوفمبر، 20100

عدد كبير  من الكلمات  والمصطلحات والمفاهيم تم استخدامها عربيا وعالميا في حقب ومراحل زمنية مختلفة، وهي كلمات مؤدلجة وتحمل شحنات عاطفية ترتبط بمستوى الوعي والأفكار والمشاعر السائدة في تلك الحقب والمراحل الزمنية، ولكن لنتساءل هل يمكن أن تبقى تلك الرؤى والأفكار والمشاعر ثابتة وقارة في الأذهان والعقول رغم تغير الظروف وتبدل الحالات وتحول الأزمان؟
من المفاهيم التي سادت في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات وحتى قبل نهاية العقد الأخير من القرن العشرين مفهوم النضال: النضال ضد الاستعمار، النضال ضد الرجعية، النضال ضد الصهيونية … الخ، لكن مع فشل الأنظمة العربية في معارك التحرير ومعارك التنمية وبناء الإنسان والأوطان، ومع تفاقم ظاهرة الاستبداد التي جاءت على كل شيء فحولته إلى حالة جامدة متصلبة عصية على التحول والتطور والنماء، فكانت خسارة هذه البلدان كبيرة وضخمة بحجم استفحال الاستبداد الذي نتيجته الفساد والقمع والسجون والتهجير، وكذلك الحروب والمنازعات الداخلية المدمرة،  والخارجية الكارثية والمأساوية. أقول مع تفاقم ظاهرة الاستبداد يمكن القول بأن شعار النضال قد فقد بريقه وفقد شحناته التحريضية للجماهير، وأضحى مادة للتندر والفكاهة، فلم تعد الناس تفاخر بالقول لبعضها: أخي المناضل، إخوتي المناضلين، ولم تعد البيانات الحزبية والإيديولوجية تدبج في مقدماتها بكلمة أيها الأخوة المناضلون، وذلك لأن هذه الكلمة/المفهوم قد فقدت بريقها  الأيديولوجي ومعناها الحقيقي الذي كان مقصودا بها، وتحول العديد من” المناضلين ” إلى أساطين وديناصورات  وعمالقة الفساد والخراب في هذه البلدان والأوطان.
ما نريد التركيز عليه هنا هو أن هذه الكلمة/المفهوم ،الشعار، لم تعد تستخدم لأغراضها الأساسية من مقاومة المستعمر أو الصهيونية أو الرجعية …الخ، وحل محلها – مع فشل التيار القوموي العربي – مفاهيم أخرى بديلة متأثرة بالموجة الدينية الجديدة كالجهاد، والمقاومة، وبشكل خجول على الصعيد القومي   الممانعة.
لقد أضحت كلمة النضال مهملة منسية مقصية مهمشة في دروج الشعاراتية والتشحينية والتحميسية والتهييجية العربية، ولذلك فإن كاتب السطور يرى طرح هذا المفهوم ” النضال” لغايات أخرى مناقضة ومتضادة ومتعاكسة للغايات الأساسية التي استخدمت لأجلها، وهذه الغايات الجديدة هي أن تعني الكثير ممن استخدموها شعاريا وذلك بتوجيه هذا المفهوم باتجاه ممن كان يستخدمها لأغراضه الخاصة، أن تستخدم من قبل القوى الديمقراطية والليبرالية ضد الأنظمة المستبدة والفاسدة والفاشلة وسحب البساط من تحتها نظريا بعدما تم سحب البساط منها  عمليا وواقعيا بإفلاسها وفشلها الذريعين، وذلك بأن نقول النضال ضد الاستبداد في الدولة الفلانية، ولم لا؟ طالما أن هذه الدولة الاستبدادية أضرت وتضر أكثر مما أضر الاستعمار، فهي قد أجهزت على الإنسان فدمرت كل مشاعره الحيوية الإنسانية  المتيقظة، وشلت قدراته الفكرية ونشاطاته الاجتماعية والاقتصادية، فتحول إلى جسد فاقد للروح من خلال ما مورس بحقه من ظلم واضطهاد وانتهاك.
نرى في مقالتنا هذه  أنه يجب أن يكتسب مفهوم “النضال” بعدا جديدا على الصعيد العربي والشرق أوسطي والعالمي، أن يكون النضال ضد الأنظمة القاهرة والمستبدة والمناهضة لتطلعات الشعوب بالتنمية والحرية والعدالة وبناء الإنسان، أن يكون النضال رافعة قوية في وجه من كان يستخدمها ولا يزال ضد أهداف أضحت أهدافا خيالية وميتافيزيقية وبعيدة عن الواقع العياني الملموس.
لقد طرح بعضهم أمرا غريبا وهو أن على الشعوب العربية أن تساند حكامها ضد القوى الخارجية فإذا انتصرت عليها عندها يمكن إسقاط الأنظمة التي تحكمها، هذا أمر خيالي طوباوي لا يقبله أي عاقل، كيف لشعب مكبل اليدين ومحروم من أبسط حقوق المواطنة والعيش الكريم  وفاقد لأبسط أسلحة المواجهة الكبرى أن يهزم قوى عالمية ضخمة تمتلك إمكانات تكنولوجية هائلة؟ وكيف له أن يساند قامعيه وظالميه وهو لا حول له ولا قوة؟ وكيف تحفر الأنظمة الاستبدادية قبرها – المزعوم- بيدها بمقارعة القوى الخارجية بالاستناد إلى شعبها المسحوق؟
إن هذا الإنسان الذي ينتمي لهذه البلدان لا يمكن له أن يتفرغ – وهو لم ينل حقوقه الأساسية– لمهام خارجية ليست بالضرورة  أن تكون ذات طبيعة عنفية وإنما يمكن أن تكون ذات طابع دبلوماسي وعقلاني.
إن مفهوم  النضال وشحناته المرافقة له يجب أن يتحول إلى ساحة أخرى هامة جدا باتجاه نيل استقلال آخر في هذه الأوطان والبلدان، يسميه المفكر والحقوقي التونسي المنصف المرزوقي ب ” الاستقلال الثاني ” !
‎© منبر الحرية،8 نونبر/تشرين الثاني 2010

فاروق حجّي مصطفى15 نوفمبر، 20100

قد كان محقاً عندما وصف عضو مجلس النواب العراقي عن كتلة ” التحالف الكردستاني” محمود عثمان ما يجري في العراق بأن “الدولة أصبحت دولة كتل وليست مؤسسات”، ولعل سبب ذلك يعود إلى أن ما تشهده الساحة السياسيّة العراقيّة هو التجاوز الذي طال  الدستور في مقابل الخضوع للتوافقات  بين الكتل السياسيّة الذي لم يزد إلا من حالة  التفاقم والتأزم  بين مكوناتها. والحق بالفعل أن الكتل السياسية وتعنتها لم يقف في حدود اللعبة السياسية إنما امتد لتشويه صورة الديمقراطية المنشودة أيضاً. وهذا ما عبّر عنه جلياً السيد عادل عبد المهدي  عندما أكد أن المشكلة في تأخير تشكيل الحكومة ليست في العهود والأوراق والعقود، بل في هل ننتقل إلى العمل المؤسساتي أم نبقى في إطار تفسير الفرد؟ وإذا كانت هناك مؤسسات فهي الفخامة لمنع الديكتاتورية. وما يجري اليوم هو تكالب على الدولة للسيطرة على مقوماتها واستغلالها وتكريسها لخدمة الذات وهوما يعاكس المفاهيم الديمقراطية.
وهذه الكتل التي ما تنفك تشوه صورة الديمقراطية التوافقية والتي تُظهر على أنها لم تتناسب مع المكونات السياسية العراقية، والتي عجزت عن لمّ شمل العراقيين بانفتاح بعضها  على البعض بسهولة وبيسر. ولعل هذا مرتبط بشكل مباشر بالثقافة السياسية والمعرفية لدى نخبة المكونات للفسيفساء العراقي. لذا من البديهي أن تبدو الأمور في كل دورة انتخابية  وكأن هذه المكونات في بداية مرحلة جديدة من البناء وكأنهم للتو يستعدون للخوض في غمار  الديمقراطية، وكأن السنين التي مرت ذهبت هباءاً منثوراً ولم تفعل فعلها في النحت على الخارطة السياسية للساسة العراقيين. وهذا ما نراه ونلمسه لدى الإخوة العراقيين الذين بشروا متابعيهم و مريديهم بأن الحكومة  العراقيّة الجديدة ستتشكل في يوم كذا وكذا، وهذه البشرى طبعاً تأتت حين تتم اللقاءات بين الكتلتين الفائزتين “العراقيّة” التي يرأسها إياد علاوي، و”دولة القانون” التي يرأسها نوري المالكي، وبالمقابل نجد أن تلكؤ تشكيل الحكومة سببه الأول والأخير  المزاج السياسي للكتلتين المتمسكتين بالمصالح الآنية حتى وإن كان الأمر على  حساب مصالح الشعب العراقي الذي ما انفك يعانى من  حالة  القلق والتوتر والتشتت الذهني والمصيري.
في كل الأحوال يبدو أن للعراقيين صبر  طويل وإلا لما انتظروا طويلا على جور نظام صدام حسين حتى أتت الولايات المتحدة من آلاف الأميال لتحررهم من النير الذي هد رقابهم وتستبدله بنير يلاءم العصر وربما هذا أضعف الإيمان. و لكن هذه المرة لن يكون الصبر مفتاحا للفرج كما يقول المثل، لربما هذه المرة جلب الصبر ويلات عدة  على رؤوس العراقيين وهم يراوحون في مكانهم بانتظار فك أزمة تشكيل حكومتهم بقدرة قادر، و مع أن تشكيل هذه الحكومة مثل عدمها لأن الأطراف التي  تخسر في الظفر  بكرسي رئاسة الوزراء ستعمل عاجلا أم آجلا على إفشال  الحكومة وهي ستتصرف على الأغلب بروح انتقامية وعدائية  أكثر من وقوفها إلى  جانب الحكومة في تأسيس أو تعزيز بنية الدولة حتى تستطيع هذه الدولة  الحفاظ على سيادتها وتحمي حدودها من التجاوزات الإقليمية سواء أكانت مصدر هذه التجاوزات إيرانية أو تركية.
من الملاحظ أن النخبة السياسية العراقية  عندما وضعت قوانين الحكم ودساتيرها لم يكن لهم من الصبر ليمعنوا فيها ويدققوا في حيثياتها، فأتت هذه القوانين بشكل ارتجالي ولازمت سجالاً عقيماً  لم يفض بالنهاية إلى حالة جنينية يمكن أن تلد في المستقبل مولوداً صحيحاً غير ذو عاهة،  لذا ساد الغمز واللمز بين الكتل وبدت الأزمة أزمة قوانين مازالت نيئة ولم تستو بعد على نار التجربة  وبان ذلك جليا من خلال عجز المؤسسات الدستورية عن القول إن الكتلة الفائزة هي كتلة ” العراقية”، وبالتالي من حق هذه الكتلة تشكيل  الحكومة ومباشرة  العمل بها خصوصا وأن هذا البلد أمام استحقاق وطني كبير. وهو ما العمل بعد جلاء القوات الأمريكية؟
وماذا ستفعل الحكومة بشأن دمج القوى الشعبية وغيرها من المؤسسات ضمن هيكل  الدولة لتأخذ صفة الشرعية والوصول إلى اتفاق مديد العمر بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان العراق حول النفط والبشمركة وتوزيع الصلاحيات؟ لا تبدو الكتل الفائزة بالانتخابات مؤمنة بشكل كبير بالديمقراطية، ولعل هذا جلي و بين من خلال جهة تشبثها بالسلطة. في  هذه الحالة يبدو أن لب الديمقراطية يفرغ من محتواها ولا يبدو  تداول السلطة سليماً.
بقي القول هو أنهم (العراقيين)  يظهرون بمظهر ديمقراطي ولا يستطيع أي طرف أن يقبل على نفسه أن يوضع في خانة المعارضة، والطرف الفائز وحده  يشكل الحكومة،  والواضح منذ الآن  أن لا ديمقراطية توافقية مناسبة في ظل الأميّة الثقافيّة بمفاهيم الديمقراطيّة.  ويبدو الكل غير  مهتم بمستقبل الشعب الذي تحدى الموت وذهب إلى صناديق الانتخابات متمنياً من وراء ذلك جلب الاستقرار والأمن وإعادة روح الدولة لا أن يساهم في إبراز وتضخيم  الصورة  الهشة الحقيقية للنخبة السياسية كما نراها اليوم.
‎© منبر الحرية،6 نونبر/تشرين الثاني 2010

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

يجد العرب في أيامهم هذه أنهم وسط مأزق يزداد عمقاً وينعكس على حياتهم السياسية وحرياتهم بكل أبعادها. فهم حققوا دولاً قبل وبعد أواسط القرن الماضي، ولكن ما لبث معظم هذه الدول أن تراجع عن برامج التنمية والسعي للاستثمار في المواطن ومستقبله. في العقود الماضية ساد الاعتقاد العربي بإمكان ردم الهوة مع الغرب، وإذا بالهوة تزداد مع الغرب والشرق الآسيوي في زمننا هذا. في العقود الماضية سعى العرب للانتصار في الصراع على إسرائيل، وإذا بإسرائيل تعود وتلتف على العالم العربي وتسبب لدوله تراجعات متتالية إلا من محاولات شعبية من قبل أطراف شعبية، كما حصل مع حركة «فتح» بعد عام ،١٩٦٧ وفي حرب ٢٠٠٦ مع «حزب الله»، وحرب غزة مع حركة «حماس» عام ٢٠٠٩.
في العقود الماضية سارت دول العالم نحو الديمقراطية وإذا بالدول العربية تتخلف في هذا المجال وتتراجع. وبينما سقطت الشيوعية منذ أكثر من عشرين عاماً إذا بالعرب يتمسكون بالبيروقراطية الضاغطة على الإنسان والمستنزفة للموارد. ومنذ عقود اعتقد العرب بأن الدين لم يعد أساسياً في تقرير شؤون الطوائف وخلافاتها وإذا به يعود متدخلاً في الحريات الشخصية ومثيراً للكراهية بين الفئات.
العقود الماضية كانت قاسية على العرب من خلال الحروب التي شنت عليهم في زمن الاستعمار أو من خلال حرب ١٩٤٨ حين قامت إسرائيل، أم من خلال الحروب التي شنوها على بعضهم من اليمن إلى لبنان إلى الجزائر إلى السودان إلى العراق والكويت والعراق وليبيا في التشاد والصومال. لقد حمل العرب أحلاماً لم يمارسوها، وسعوا إلى معارك يصعب الفوز بها نظراً لوسائل تنظيم ضعيفة وطرق تفكير تائهة، وركزوا على أولويات أقل أهمية وأهملوا قضايا كان يجب أن يثابروا عليها. مرت عقود والعرب منغمسون في قضايا تنقصها العصرية: إذ استمروا ضعفاء في التفكير العلمي والتنمية الثقافية وقوة الحضارة ومقدرة العلم والعمل الجماعي ودعم ازدهار الأفراد. ظلوا تائهين عن ضرورات العصر الأهم: الحرية وكرامة المواطن.
في حصيلة التطورات: تراجعنا، ضُربنا وضربنا أنفسنا. فشعار الوحدة والقومية هُزم على أنقاض الخلافات العربية العربية كما هُزم على يد إسرائيل، كما أن شعار تحرير فلسطين هو الآخر واجهته حقائق صعبة المرة تلو الأخرى، أما شعار «الإسلام هو الحل» بالصيغة التي طرحت في العقدين الماضيين فقد واجه تعثرات مرتبطة بطريقة التطبيق والتضييق على الناس في أبسط حرياتهم وخياراتهم.
إن كل جيل عربي ومنذ عقود طويلة انتهى إلى خيبات أمل متراكمة تجاه حكّامه ومؤسساته، وتجاه اقتصاده وحقوقه. لقد شعر العرب على الدوام بدوار التاريخ وبعقم الحقيقة وبحدة الهزائم. في هذا تولد بينهم منطق خاص ميّزهم عن غيرهم من الشعوب: اعتزاز كبير بالتاريخ، وتمسك حاد بكل ما كان في الماضي من تراث وقوة مصحوب بخوف كبير من المستقبل. وقد وصل هذا التناقض في الوضع العربي إلى حد أنه دفع العرب نحو استكانة كبيرة تجاه تغير أوضاعهم وتحسين أنظمتهم ومواجهة مسؤوليات عالمهم، أو دفعهم أيضا بنفس القوة والحدة نحو التطرف والسعي للانتقام من العالم كما هو حاصل في تعبيرات تنظيم «القاعدة».
لقد أصبح الاستضعاف جزءاً من الذاكرة التاريخية للعرب، فهل نحن «يهود العصر» نسبة إلى حالة التهميش والاضطهاد والتميز التي عرف بها يهود التاريخ؟ نحن العرب كنا جزءاً لا يتجزأ من الدولة العثمانية التي خسرت كل شيء في الحرب العالمية الأولى، وكنا أيضاً جزءاً من العالم الذي خضع للاستعمار بين الحربين الأولى والثانية. وما أن حلمنا بالاستقلال إلا وولدت قضية فلسطين ومعها قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ وذلك في ظل ملايين اللاجئين. وما أن تفاءلنا بإمكان هزيمة إسرائيل لاستعادة أراضينا التي احتلت وإعادة لاجئينا الذين طردوا من أراضيهم وبلادهم وتحقيق الوحدة العربية، إلا وهوت كل الأحلام بهزيمة العرب عام ١٩٦٧ وخسارة المزيد من الأراضي والحياة. وما أن شعرنا بإمكان تحقيق حلم النهضة أو حلم الأمة العربية ذات الرسالة الخالدة، إلا وتوالت خيبات الأمل الناتجة عن أنظمة عسكرية منعتنا من التعبير، وحدت حريتنا ودمرت كل فكرة جديدة وكل روح تسعى إلى التجديد. وما أن وقع هذا إلا ودخلت أكثر من دولة عربية في حروب أهلية صغيرة وسط حالة تدين وصحوات إسلامية مصحوبة بالشكليات والتعصب بينما خيم الجمود القاتل على معظم بقاع العرب.
والأغرب أننا أصبحنا أعداء أنفسنا: فالدعوة العربية من أجل فلسطين تناقضت دائماً مع التخلي عنها في مجالات شتى، كما تناقضت دعوات الأخوة والسلام بين العرب مع صراعات دائمة بين فئاتهم ومجتمعاتهم، وتناقضت الدعوات إلى نبذ الطائفية مع عمق المأزق الطائفي، وتناقضت الدعوة إلى الديمقراطية والمساواة مع تدن كبير في حقوق الإنسان العربي. كما تناقضت الدعوات إلى التضامن مع الشعب الفلسطيني ورفض التوطين في البلاد العربية مع اضطهاد الشعب الفلسطيني وانتهاك حقوقه الإنسانية في الحياة الكريمة والعمل في أكثر من دولة عربية. كما تناقضت حالة التدين الأكثر تطرفاً في عالم العرب مع هروب الأفراد من الدين، فكلما ازدادت الطقوس الدينية ازداد الهروب من الضغط الذي تسببه والحد من حريات الناس في التعبير والتفكير بحرية. حالة غريبة هذه: محبة ولا محبة، قبول ورفض، وحدة وتفكك، شعارات عظيمة وممارسات قبيحة. إن معظم عرب اليوم لم يتوقعوا أن نمر اليوم بنفس ما مر به من سبقنا من آباء وأجداد. بل يمكن القول أننا كررنا أخطاءهم وكررنا كل ما حذرونا من عدم تكراره.
إننا نعيش مأزقنا الحضاري الأكبر. نجد هذا واضحاً في تجاربنا الجديدة، فالشواهد نجدها في شوارع وعواصم بلادنا العربية وفي أرقام التنمية وأوضاع الجامعات وحالة المؤسسات وتعبيرات السياسة. ربما يكون الاعتراف بالفشل والتساؤل عن أسبابه بداية التعلم من الأخطاء والممارسات التي أدت إلى ما نحن فيه.
العرب مطالبون بالتساؤل عن الحال العربي. فكما تساءلوا عام ١٩٤٨ عن أسباب النكبة، وعام ١٩٦٧ عن أسباب النكسة، عليهم اليوم التساؤل الأعمق عن أسباب النكبات الجديدة التي تمر علينا وتفرض على بلادنا. فالتساؤلات السابقة عن الأوضاع العربية لم تشمل أسس تنظيم المجتمعات العربية وإصلاح تركيبتها القبلية والعشائرية، الطائفية والمدنية، السياسية والنفسية، كما لم تشمل طريقة التداخل بين الأخلاق والسياسة بما يعزز الأخلاق في السياسة، كما أنها لم تشمل الترابط بين الدين والسياسة بما يحمي الدين من السياسة، ويحمي السياسة من الغلواء الديني في وسائل الحكم العربية. ولم تشمل التساؤلات مناهج التعليم ومبادئ الديمقراطية وحرية التعبير وضرورات الإبداع لننجح في مواجهة المخاطر وليكون في بلادنا مجتمع ينمو لصالح أفراده وازدهارهم.
التساؤلات العربية السابقة لم تتعامل مع مسببات التراجع الذاتية ومسببات التراجع المحلية التي تؤدي إلى الهزائم الوطنية سواء في الحروب مع إسرائيل أم في معارك الجهاد الأكبر مع التنمية ومع الديمقراطية ومع الإدارة الحديثة. التساؤلات السابقة تجاهلت فوق كل شيء عناصر النهضة والازدهار والتجديد بصفتها عملاً تراكمياً يتطلب حشد قدرات الأمة وطاقاتها الإبداعية في ظل مناخ من الحرية والتقدير.
المصدر: الحياة
© منبر الحرية،31 أكتوبر/تشرين الأول 2010

peshwazarabic15 نوفمبر، 20100

المرتجى والمؤمل في صورة المشهد السياسي
احمد ناصر الفيلي*
ما تزال غيوم الخلاف والاختلاف تضلل صورة المشهد السياسي الذي بدا يغلي في مرجل تضارب التصريحات المتناقضة مع إيقاع حركة الأحداث واتجاهاتها، بدلا من تعميق مساراتها التفاوضية عبر مقاربات فكرية ورؤى واضحة موضوعية ترسم الشكل الأساس لمستقبل البلاد السياسي وفقاً لقواعده وأعرافه السياسية والديمقراطية الجديدة.
تناقض المواقف وضديتها تعكس ضعف البدائل المطروحة من جهة، وضياع شكل المرونة المطلوبة، فضلا عن غياب الرؤية المستقبلية الواعية التي تقفز فوق الرغبات والاتجاهات الواحدية، وتتخطى الحواجز الضيقة وهي إحدى المتطلبات الأساسية للمرحلة الراهنة، الغائبة عن قلب المسرح السياسي المتخم بأشكال الألاعيب السياسية المختلفة المفتقرة لأرضية رصينة يمكن أن تبنى عليها القواعد والمقبوليات والتراضي، فالتلويح بأوراق ضغط متنوعة ومتعاكسة سمة التباري السياسي الحالي وشكله الفضفاض. والحقيقة أن افتقار المسار السياسي إلى جملة مبادئ منطلقة من روحية البناء الديمقراطي ومصالح البلاد أدت إلى انهيارات جليدية على أكثر من صعيد وجبهة، فالمفروض أن تكرس القوى السياسية على اختلاف تلاوينها جل جهودها باتجاه بناء البلاد، وتعافيه من جروحه ألآمه وعديد أزماته المتفاقمة، إلى جانب إعادة البنية المجتمعية المنتهكة على أكثر من محور قيمي وأخلاقي واجتماعي ، ومده بأسباب التعافي القادرة خلق حوافز ذاتية لضمان مشاركته الفاعلة في حركة البناء والتغيير ومنحه مرونة التبادل بين الفرد والمحيط، بغية استيعاب طبيعة التحولات الممهدة للتفاعل الجدي والحقيقي بما ينعكس آثاره وتداعياته نحو خلق حركة نهضوية لانتشال البلاد من حضيض مستنقع الفقر والجهل والمرض والتخلف.
إن أخطبوط الأداء السياسي المتمرس خلف واجهات وشعارات شتى، قد مد أخاديده في زوايا المجتمع، لا لأجل تحفيز منطلقات الوعي الوطني ، وإنما لتكريس سياسات تهدف إلى مصالح جهوية ضيقة احتلت جزءً من تاريخ الأداء السياسي للماضي المفوت البغيض، والتي أدت تراكماتها الصدئة إلى جر البلاد نحو ويلات وكوارث ماحقة، أضاعت الثروات الطبيعية والبشرية، وزرعت تكسرات اجتماعية ستكلف عملية ترميم بناءها التاريخي،  وغسل أدرانها آماداً ليست بالقصيرة.
إن ظاهرة التوجه نحو الفئات، والطبقات، وأنماط التراتبية المجتمعية، ومحاولة تعبئتهم لأضيق الأهداف المصلحية وبالضد من التوجهات العامة وبما يخلق أجواء التوترات المقلقة المنذرة بسوء العواقب، ظاهرة سياسية قديمة- جديدة في التاريخ العراقي، وإذا ما استمر الساسة الجدد بلعبة العبث، لعبة  تجديد الموبقات السابقة، فستشكل عقبة صعبة ومعقدة على طريق التنمية السياسية المنشودة.
أن تبني أشكال السياسات المستندة على استراتيجيات مختلفة ومتنوعة، لكنها على درجة من الفهم الديناميكي القادر على اجتراح آليات خلاقة تطرح أكثر من معادلة جديدة تهتم بخلق شتى التجاذبات المجتمعية والنخبوية، مما ينبئ بالخروج من تجربة رصينة معززة بالخبرات، وبقدر ما يتم التوغل أفقياً وعمودياً في شكل هذه السياسات بقدر ما تطفو على السطح أولى الثمار الناضجة، بدلا من جر المجتمع وزجه في صراعات خلف أهداف انتهازية ونفعية وتضادية، في محاولة لمصادرة الأهداف العامة لصالح أهداف جزئية وفئوية لعينة، والتي تلعب دور البكتريا في الجسم المريض، وهي بكلية الأمر جزء من سياسات بالية ترجع بتاريخها إلى عهود الاستعمار الغابرة، ويبدو أن الساسة الجدد بات يزعجهم الاتعاظ من دروس الماضي، ولا يكلفون أنفسهم عناء قراءة التاريخ بوعي.
سبع سنوات عجاف مرت كسنين النبي يوسف في مصر، وما تزال البلاد في حقبة ما بعد الدكتاتورية غافية على شواطئ النسيان والإهمال، وتداعيات معدلات الفساد التي هبطت إلى أسفل درك، وعلى نحو مخجل أساء إلى توايخ نضالية لعديد القوى والأحزاب، والتي أفرغ الأداء السياسي والحكومي لها، الشيء الكثير من محتوى مضامينها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا شيء جديد سوى الدوران في حلقة الصراعات السياسية الجارفة والفارغة من أي محتوى، والمعبرة عن لغة الامتيازات، فامتيازات الصفوة أو النخبة هي شكل البيروقراطية الجديدة التي تجتاح البلاد من كل صنف ولون وحيث كل يبكي ليلاه على حساب الوطن.
ضياع البرامج الملتزمة وانعدام تحديد الأولويات هو التوصيف الأنسب لحركية الأحزاب والقوى السياسية المتصارعة التي تعودت أن تظهر عكس ما تبطن.
صراع السلطة، وتراخي لغة الاتفاق والبناء السياسي البناء، لحساب مشاريع سلطوية رخيصة تعكس أزمة بنيوية وسياسية حادة، وذهنية مفتقرة لمجموعة روابط سياسية قائمة على قواعد وطنية قادرة على لعب دور فعال في صياغة مشاريع وطنية سياسية وتنموية حاضنة لكل القوى السياسية، مع مقاربة لخطواتها وحركتها، مما يطلق شارة انطلاق عجلة الدوران الجديدة نحو فضاءات رحبة ترسم شكل المنافسة السياسية، بعيداً عن أنماط الصراعات التناقضية المتحولة بحتمية حركة التاريخ إلى صراع بقاء ووجود وفناء، لتهدد وتسحق أية حيوية نابضة في حركة المجتمع وقواه السياسية، إلى جانب تراكماتها وإرثها ذات التاريخ الموجع والسيئ في الذاكرة الجمعية.
الذاكرة والمذاكرة السياسية الجديدة بحاجة إلى شحن وطني جديد، يمنحها القوة والقدرة على التواصل مع أشكال الحياة الجديدة وترسم للمستقبل العراقي خطوطاً عابرة لأزماته ومعاناته، وتؤسس لثقافة وطنية متأصلة وأصيلة تمتلك مفاتيح  السؤال والجواب، لحزم الأسئلة المثيرة للدهشة والارتياب المانعة لشد اللحمة الوطنية ومد خيوط التعايش البناء وكفى الله المؤمنين شر القتال.
*كاتب وصحفي من العراق
‎© منبر الحرية،27 أكتوبر/تشرين الأول 2010

حواس محمود15 نوفمبر، 20100

الأقليات الدينية والإثنية واللغوية في العالم العربي قلما يتم تناولها من قبل النخبة الفكرية والسياسية العربية، وعندما يثير موضوعها أحد الكتاب المنتمين إلى هذه الأقليات أو غير المنتمين إليها، فإنه يواجه بسيل من الكتابات التشكيكية  والاتهامات والاستفهامات، وتصل هذه الكتابات إلى حد اتهام هذا الكاتب بالتواطؤ مع القوى الغربية و”الإمبريالية” وحتى الصهيونية !.
قضية الأقليات يتم تجاهلها وطمسها، بحيث لا تظهر كقضية ديمقراطية تحتاج للمعالجة والحل، وذلك بدوافع أن هذه الأقليات عليها أن تخضع لإرادة الأغلبية العربية والمسلمة، فالأقليات القومية يتم الالتفاف عليها بمقولة أن من تكلم اللغة العربية فهو عربي، وهذا بحد ذاته نوع من المراوغة والهروب من الواقع الحقيقي، فهل يمكن اعتبار كل فرنسي أو أمريكي أو روسي يتحدث العربية من العرب والقومية العربية، هذه نظرة تدخل في سياق صهر الأقليات القومية في البوتقة العربية، أما بالنسبة للأقليات الدينية فهي أيضا تطمس إذ تغيب عن المشاركة السياسية، وتغفل حقوقها الدينية والثقافية إلى حد كبير في العديد من الدول العربية والشرق أوسطية.
إن طريقة الحكم في الدول العربية بسيادة النمط الشمولي الاستبدادي والغياب الكبير لمناخات الديمقراطية والحريات ومفهوم المواطنة والعدالة الاجتماعية،  هو الذي أدى ويؤدي إلى طمس حقوق الأقليات سواء الإثنية أو الدينية أو اللغوية، هذا ولكي لا  نكون نظريين كثيرا علينا الاستشهاد بحالات واقعية ملموسة في العالم العربي، فالشعب الكردي في العراق الذي تعرض للظلم  والتشويه والإلغاء عبر العديد من أنظمة الحكم العراقية، أثر على مستقبل العراق وكبل العراق العديد من الخسائر والضحايا، ولو تم التعامل معه منذ البداية  بحكمة وعقلانية، لما كانت الأمور قد وصلت إلى ما وصلت إليه قبل أكثر من عقدين ونيف من مجازر وأنفالات وحلبجة ( القصف الكيماوي) وتدمير أكثر من (450)  قرية كردية، ناهيك عن خسارة  أرواح المئات  والألوف من أبناء الشعب العراقي بعربه وكرده وأقلياته الأخرى، وهذا ما حدث أيضا أو ما يشبهه بالجنوب السوداني (وفيما بعد في إقليم دارفور )، إذ كبدت الحرب بالجنوب السوداني الخسائر الهائلة للدولة السودانية وللشعب السوداني، ويتم تجاهل حقوق البربر في الجزائر ودول المغرب العربي الأخرى والأقباط في مصر.
إن إلغاء  القوميات والأقليات والإثنيات المتعايشة مع الشعب العربي، ليس من شأنه حل أي مشكلة بل يفاقم المشكلات الموجودة أساسا في البلدان العربية ويزيدها تعقيدا.
لقد أثبتت التجربة التاريخية عقم التعامل الصهروي / البوتقي – إن جاز التعبير- مع الأقليات، وضرورة حل مشكلة الأقليات بإفساح المجال أمامها لممارسة ثقافتها وحقوقها وخصوصيتها ضمن الدولة العربية، وكذلك المشاركة في الشأن العام للدولة والمجتمع. إن التعدد بحد ذاته إغناء وإثراء للوحة الديموغرافية في الدولة العربية، وليس عامل تنافر وحقد واقتتال وإلغاء بين القوميات أو الأديان المتعايشة ضمن هذه الدولة.
يخطئ  النظام العربي كثيرا ( أي نظام كان ) إذا اعتقد أنه بإلغاء الأقليات يساهم في حل مشكلتها، بل إنه يساهم في تآكل الدولة بالكامل عبر زيادة  الاحتقان الداخلي. لا نتلمس وجود للأقليات في العالم العربي لا في المتداول التربوي عبر مطبوعات وزارة التربية والتعليم ولا في المتداول الثقافي عبر منشورات وزارة الثقافة، ولا حتى في المتاح الإعلامي عبر وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، فرغم أن هذه الأقليات تختزن ثقافة وفلكلورا وطقوسا متمايزة وجميلة، إلا أنه يتم تجاهلها عن عمد بسبب النظر إليها كحالات سياسية وليس كحالات تعددية وثقافية وفلكلورية وتراثية ومناطقية، وهذا ما يؤدي إلى زيادة الاحتقان والرغبة في الخروج عن الطوق وضرورة إبراز المكبوت تحت السطح واختراق قشرة السطح بصورة قوية وشديدة ومفاجئة ( تحويل الجدران اللامرئية إلى جدران  مرئية بشكل واضح ).
إن المطلوب من النخبة العربية هو اتخاذ موضوع  الأقليات كمحور هام من محاور الانفتاح الديمقراطي  الداخلي، والمصالحة الداخلية بين فئات الشعب في المستوى  العمودي للخروج من أزمة الأقليات واستفحالها وخروجها عن السيطرة إلى مجال التدخل الخارجي قبل فوات الأوان.
‎© منبر الحرية،6 أكتوبر/تشرين الأول 2010

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018