أسباب التخلف الاقتصادي

peshwazarabic12 يناير، 20110

لم تعرف الحضارات الشرق أوسطيه الفكر الفلسفي كما عرفته أوربا منذ الحضارة اليونانية القديمة (حوالي 400 قبل الميلاد)، حيث كان الرواد الأوائل سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس، راسمي خط النشاط الفكري المتسائل.

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

وسط الأحداث المتلاحقة ثمة مفارقات يستعصى فهمها دون التخلي عن حسن الظن في أبطالها. بعض هذه المفارقات كانت مادة للحوار بين حشد من البشر أمام أحد منافذ توزيع الخبز المدعوم عندما تساءل شيخ وقور -والعرق يتصبب من جبينه: حتى متى يضطر الضحايا تسديد ضريبة صمت الرقباء على تجاوزات المخربين؟!
كان الطابور طويلا، وقد مل الناس من الانتظار.. وكعادة المصريين، يلجأون في مثل هذه الظروف لتزجية الأوقات الضائعة رغما عنهم بتجاذب أطراف الحديث حول أحداث الساعة وأحوال المعيشة، جاء الكلام في معظمه عفويا وسطحيا لمجرد تخفيف وطأة الانتظار، فقد تحدث الواقفون في كل شيء من جنون الأسعار وسرطان الفساد وتشفير كأس العالم إلى جلسات البرلمان ومظاهر الحراك السياسي، وكانوا يتكلمون بود واضح وحميمية ظاهرة وكأنهم أصدقاء – أو على الأقل زملاء – منذ زمن بعيد. ومع كثرة موضوعات الحوار وتداخل أصوات المتحدثين استوقفني ذلك السؤال نظرا لكثافته اللغوية الواضحة، وعلى الفور دارت في الذهن أسئلة أخرى: وهل بعد التخريب من تجاوز؟، ولماذا يسكت الرقباء على تصرفات المخطئين؟، مع أنهم مكلفون بالتصدي لهذه المخالفات، وكيف يسدد الضحايا تكاليف الاعتداء عليهم؟!
للوهلة الأولى توقعت أن الرجل يفلسف مشكلة تسرب الدقيق المدعوم إلى السوق السوداء تحت سمع وبصر مفتشي التموين، فقلت لصاحب السؤال “الفزورة”: “البشر خطاءون بطبعهم وصاحب المخبز لا يعنيه رضا المستهلك عن الرغيف، وكذلك الرقيب المعين من قبل الحكومة، ولهذا تتغلب المصالح الخاصة على القيم والمبادئ والأصول والأعراف نظرا لانعدام الرقابة الشعبية، وبالتالي فإن الضحية مشارك في الجريمة وعندما يدفع ضريبة صمت الرقباء فهو يدفع في الوقت نفسه ضريبة صمته هو أيضا. قال الرجل الطيب وهو يبتسم: المسألة أكبر من ذلك بكثير فأنا أتحدث عن صمن الرقيب الذي انتخبه الجمهور في مواجهة الفساد الكبير والتخريب المنظم، ألم تسمع بما حدث مؤخرا في مجلس الشعب من احتدام الزعيق والصياح حتى دخل الحذاء ضمن مفردات التفاهم؟ ثم فجأة أطبق السكون على الجميع وكأن شيئا لم يكن وأن صاحب الهجوم الخطير حامل الحصانة والاسم الشهير قد رضي من الغنيمة بثمن السكوت؟، وهو مبلغ يحتاج تدوينه لأكثر من ست خانات، وأن تعويض هذا المبلغ على دافعه أسهل من السهولة فلن يكلف نفسه سوى إضافة جنيهات قليلة إلى سعر سلعته الضرورية التي يتحكم فيها بمفرده، وبالتالي فسوف يضطر كل من يحتاج مسكنا يؤويه إلى تسديد ثمن صمت النائب الموقر على تجاوزات المحتكر الشهير – قلت ربما اندفع النائب في غمرة الحماس، ثم بعد الهدوء اكتشف براءة زميله في المجلس فآثر العودة إلى الحق– رد الرجل وقد ارتسمت على وجهه علامات الاستغراب: لو كان ذلك صحيحا لما تنازل الملياردير المطعون في أمانته عن حقه في إقامة دعوى سب وقذف حفاظا على سمعته لكنه اضطر هو الآخر إلى السكوت.
كان الناس من حولنا قد انتقلوا إلى موضوع تشفير كأس العالم وكيف أن الحزب الحاكم لم يقبل بحرمان الناس من مشاهدة مباريات المونديال، فخصص عشرات الساحات ووفر فيها شاشات عملاقة ليتمكن محدودو الدخل من الاستمتاع بهذا العرس الكروي العالمي، وشبَّه أحد الواقفين هذه الساحات بالأماكن التي تخصصها الحكومة لصلاة العيدين في العراء، وأثنى البعض على موقف الحزب الحاكم وعلى شعوره المرهف بمعاناة الجماهير ومحاولته التخفيف من أعبائهم بينما أصر آخرون على اتهام الجهات المعنية بالتقصير في بذل المساعي المطلوبة لنقل مباريات كأس العالم على القنوات الأرضية.
وبقي الشيخ الحكيم صامتا حتى فرغ الجميع من هذا الموضوع وكادوا ينتقلون إلى غيره من الهموم المعيشية، فإذا به يجتذب طرف الحديث ويسأل الناس من جديد: إذا كان الحزب الوطني قد فعل ما فعل انطلاقا من حرصه على مشاعر الجماهير ورغبته في تخفيف معاناتهم، فلماذا لم يتدخل جهابذته لحل مشكلة توريد القمح الوطني من الفلاحين “المصريين” الذين يلفون على الصوامع والمستودعات والمطاحن والشون ولا يجدون من يتسلم منهم محصولهم الوفير؟!
كانت هذه الموضوعات كفيلة بأن تنسي الواقفين لهيب الشمس وارتفاع نسبة الرطوبة، وضجيج السيارات العابرة من حولهم وما تثيره من غبار وتنسيهم أيضا كميات الخبز التي يحملها صبية المطاعم جهارا نهارا أمام أعين المنتظرين في الطابور الطويل، إلى أن وجدت نفسي وجها لوجه أمام موزع الخبز بعد أن سبقني الشيخ وقد حصل على حاجته وانصرف إلى سبيله دون أن يكمل الحوار، وحصلت أنا الآخر على حاجتي وانصرفت، ولكن ما زالت تلك الفوازير تحيرني وقد أعيتني الحيل وخارت قواي العقلية في البحث عن حل منطقي لها أو تفسير مقبول أو معقول.
© منبر الحرية،2 سبتمبر 2010

نبيل علي صالح10 نوفمبر، 20100

درج استخدام مفهوم التنمية بصورة مكثفة منذ عدة عقود، ويقصد به –على نحو الإجمال لا التخصيص- رفع مستوى الدخل القومي بزيادة متوسط إنتاج الفرد من خلال تهيئة وبناء مختلف قطاعات الدولة لخدمة وإنجاز ذلك الهدف.
وبما أن الفرد السليم والمعافى هو الأساس في عملية البناء الوطني، وزيادة الدخل القومي للدول، فلا بد إذاً من البدء بتنمية قدرات وإمكانات هذا الفرد الذاتية والتوجه العلمي الصريح والواضح لتهيئته نفسياً وعقلانياً وعملياً (على مستوى العلم والمهارات التطبيقية).
وحتى تنمو مواهب الأفراد وتنمو مقدراتهم وقابلياتهم الذاتية، لابد من وجود مناخ اجتماعي وثقافي وسياسي مناسب يشكل حاضنة ملائمة لنمو وبروز واستثمار تلك الاستعدادات والقابليات الفردية، وهذا بدوره يحتم توفر فضاء سياسي قانوني دستوري يمارس الناس فيه حقوقهم في التعبير عن معتقداتهم وآرائهم وقناعاتهم السياسية والثقافية والمعتقدية بصورة صحية وسلمية تداولية، يكون فيها المشترك العام هو خدمة الناس والأفراد تحت سقف القانون والنظام العام الذي يتفق عليه كل أفراد المجتمع ضمن آليات ديمقراطية سلمية بعيداً عن توسل واستخدام أدوات العنف الرمزي والمادي.
وحتى يحدث في أي مجتمع نوع من التشارك والاندفاع الجماعي الحقيقي المؤثر في اتجاه خدمة عملية التنمية الهادفة إلى تطوير واقع الفرد والمجتمع على مستوى بناء أسس ومعايير اقتصادية صحيحة تساهم في زيادة الإنتاج والدخل الفردي والوطني، لابد من تعميم ثقافة التنمية بين جميع مكونات المجتمع، وعلى مختلف المستويات، بدءاً من أصحاب القرار، إلى مختلف البنى الاجتماعية والاقتصادية البشرية، حيث أن التنمية المنظمة والشاملة، التي تشارك فيها كل المؤسسات والهياكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويساهم فيها الجميع طوعياً لا قسرياً هي الشرط اللازم الحقيقي للنهوض الذي لا يمكن أن يتحقق فجأة، وإنما عبر سلوك طريق طويل منظم من العمل والتعب والجهد والمثابرة والكدح والإيمان بأن الوطن لا يقوم إلا بمحبة كافة أبنائه له، وبمشاركتهم الفاعلة والمنتجة في العمل الميداني المسؤول.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أن عملية التنمية باتت حالياً ثقافة عمومية ومسؤولية عامة، لا تختص بفئة أو شريحة معينة، كما أنها لم تعد حصراً وحكراً على نخب اقتصادية أو غير اقتصادية بذاتها، لأنه إذا كان مطلوباً رفع وزيادة دخل الفرد، فلابد من رفع إنتاجيته وفاعليته عبر توفير المناخ السياسي والاجتماعي الأنسب والأفضل لتبلور طاقاته ومواهبه كما ذكرنا، وهذا المناخ الصحي التداولي التشاركي هو الذي يمكن أن يسمح للفرد ذاته بالمشاركة المبدعة في عملية التنمية وعياً وثقافة وعملاً..
وفي اعتقادي أن أحد أهم أسباب الفشل الذريع الذي لحق بكل مشاريع التنمية في عالمنا العربي حتى الآن، يكمن في ابتعاد الفرد وتغييبه قسرياً –بالرغم من كونه أساس ولب وجوهر عملية التنمية- عن المشاركة الواعية والفاعلة في العملية التنموية الفردية والمجتمعية.
من هنا نعتقد بضرورة تهيئة الأجواء الثقافية والإعلامية والاجتماعية المناسبة لإطلاق المبادرات الجادة الهادفة إلى دفع الفرد باتجاه الانخراط الجدي والحقيقي في مختلف مشروعات التنمية، وذلك عبر التوجيه الصحيح الدائم، والاستمرارية في العمل الدؤوب والصادق. لأن الواقع العربي العام صعب ومعقد وينذر كوارث حتمية أكثر مما هو قائم حالياً على مستوى السياسة من خلال سيطرة الاستبداد ونزع ممارسة السياسة –وما ينتج عنها من حقوق وواجبات وحريات فردية وعامة مسؤولة- من المجتمع، وعلى مستوى الاقتصاد من خلال وجود ما يزيد على 140 مليون مواطن عربي يعيشون تحت خط الفقر المدقع، ارتفاع معدلات البطالة حيث تصل نسبة الشباب العاطل عن العمل إلى ما يزيد على 50% من السكان بالنسبة لمعظم الدول العربية مما يجعل معدل البطالة بين الشباب في الدول العربية الأعلى في العالم كله. وهنا يتمثل التحدي العربي الأكبر –كما تؤكده كل تقارير التنمية- في ضرورة توفير 51 مليون فرصة عمل جديدة خلال السنوات العشر القادمة أي بحلول عام 2020م.
© منبر الحرية،26 تموز/يوليو  2010

peshwazarabic10 نوفمبر، 20101

النشر العلمي هو واحد من مخرجات النشاط العلمي المختلفة. ويعتبر النشر العلمي مقياس للنشاط العلمي للفرد العالِم أو للمؤسسات العلمية. و له شروط وضوابط صارمة و هذا ما جعله في واحد من أعلى مراتب التقييم. على ذلك ليس كل ما ينشر يعد بحثا علميا، و ليست أية مطبوعة تنشر علما تعتبر مجلة علمية. كما انه ليس كل بحث ينشر يعد قفزة أو طفرة علمية.
كان لابد من هذه المقدمة البسيطة لتناول تقرير نشرته مؤسسة (Science-Metrix)  و بعنوان (“ثلاثون سنة في العلم) يهتم بدراسة العلاقة ما بين العوامل الجيوبولتيكية والنشاط العلمي وذلك من خلال دراسة النشر خلال الثلاثين سنة الأخيرة (1980-2009). إن هذه الفترة الزمنية تغطي أحداثا سياسية كبيرة وخطيرة مثل انهيار الاتحاد السوفيتي وما تبعه من تغيرات في أوربا الشرقية. أما في الشرق الأوسط فنجد الحرب العراقية الإيرانية واحتلال الكويت وتحرير الكويت وسقوط النظام العراقي السابق. ويشكل العراق الطرف المهم داخل هذه المشاكل الشرق أوسطية.
لقد استخدمت الدراسة مخرجات إحصائية من (Thomson Reuters, database) والخاصة بالنشر العلمي لتلك الفترة. و فيما يلي خلاصة سريعة لما  بينته هذه الدراسة :
أولا: أن بعض الدول المنسلخة عن الاتحاد السوفيتي السابق عانت تراجعا في النشر. في حين أظهرت بولندا و ليثوانيا و استونيا نموا واضحا.
ثانيا: كان النمو واضحا في الشرق الأوسط (حوالي أربعة مرات أسرع من المستوى العالمي) و تصدرت إيران و تركيا قمة النشاط.
ثالثا: ظهرت إيران على أنها أسرع دولة في العالم في بناء مقدراتها العلمية خلال العشرين سنة الماضية. و يعزو التقرير هذا النمو إلى البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل.
رابعا: ساهمت قارة آسيا خلال الثلاثين سنة ب 155% من النشاط العالمي متجاوزة أمريكا الشمالية. أظهرت الصين نموا مذهلا حيث كان نموها أسرع بخمسة مرات من النمو الأمريكي. ولكن من جهة أخرى أظهرت الصين تباطأ في نمو العلوم الإنسانية و الاجتماعية مقارنة مع الولايات المتحدة.
خامسا: أدى احتلال الكويت إلى تراجع كبير في نشاطها العلمي واستطاعت الكويت استعادة نشاطها بعد التحرير إلا أنها لم تتمكن من الوصول إلى ما كانت عليه خلال عقد الثمانينات.
سادسا: أدت الحرب العراقية الإيرانية إلى تراجع النمو العراقي في نهاية الثمانينات ومن ثم انهيار النظام العلمي العراقي والذي استمر لغاية 2004 تقريبا.
سابعا: يعتقد التقرير بان هناك إعادة تشكيل عالمية للنشاط العلمي و يعطي لآسيا المكان المتقدم. حاليا تحاول أوربا الحفاظ على موقعها في حين أمريكا الشمالية تخسر موطئ قدمها لصالح آسيا و أمريكا اللاتينية.
مما يلاحظ أن التقرير كان قد ركز على النشر العلمي كمقياس للتقدم العلمي وهذا مقياس معتمد عالميا، إلا أن التقرير لم يبين مستوى النشريات العلمية و أنواعها التي تم اعتمادها في إحصاء البيانات و بذلك تكون مدخلات العملية الإحصائية غير واضحة. من جهة أخرى فإن مؤسسات النشر العلمي العالمي تتركز أساسا في أوربا و أمريكا و جنوب شرق آسيا و اليابان، و معظم النشاط العلمي العربي منشور في مجلات محلية غير معروفة عالميا.
على أية حال لقد لوحظ بعد منتصف القرن الماضي نوع من الانحسار في نشاط العلوم الصرفة لصالح النشاط التكنولوجي. و هذه الظاهرة نتيجة عوامل كثيرة لا مجال لتناولها الآن. و هذا ما قادني لافتراض توسيع نموذج أوكست كونت (المراحل الثلاث للتطور الفكري) ليكون على أربعة مراحل بدلا من ثلاث.
إن بروز النشاط الرابع (التكنولوجيا) لم يظهر إلا بعد وصول النشاط العلمي إلى نوع من الاستقرار في نموه. على ذلك نجد أن نمط النشاط العلمي التقليدي يكاد أن يكون مستقرا في أوربا و أمريكا التي عاشت نموا طبيعيا خلال القرون الخمس الماضية وهي الآن في قمة تربعها. إن الإبداع العلمي الذي و صفه الفيلسوف الأمريكي كون (Kohn) اخذ بالتباطئ و ربما كانت آخر ثورة علمية هي ثورة الخارطة الجينية في التسعينات من القرن الماضي. على ذلك نجد أن التجمعات الدولية المتقدمة والمترابطة علميا مثل الدول الغربية و حتى إسرائيل ذات نمو مستقر. يبلغ مؤشر النمو (Growth index) الأمريكي 0.73 في حين مؤشر النمو الإسرائيلي 0.94.
إن البحوث العلمية الصرفة أخذت تشهد انحسارا وقل إقبال الطلبة والباحثين عليها كما قل الدعم المالي المقدم لها. إن معظم حالات النمو العلمي المؤشرة ذات طبيعة تطبيقية و تمول بحثيا من شركات صناعية  أو مراكز بحوث تطبيقية، وهذه البحوث التطبيقية تعتمد على أساسيات العلوم الصرفة بمعنى آخر إن نتائج هذه البحوث ذات تطبيقات علمية متخصصة و ضيقة التطبيق، إنها تقود إلى ثورات تكنولوجية وليس ثورات علمية. و هذا ما يظهره التقرير في النمو الصيني.
أما بخصوص ظواهر النمو العلمي فقد اظهر التقرير أربعة أنواع من النمو:
نموا في بعض الدول التي تحررت من قيود الايدولوجيا (الشيوعية) و ذات بعد أوربي.
نمو في الدول التي تحاول النهوض مثل الدول العربية. وكان مؤشر النمو العربي مابين 0.47 للعراق و 3.29 لعمان.
نمو متسارع لإيران بلغ 11.07. و هذا نمو تحفيز مأدلج لأن مؤشرات التنمية البشرية التي أظهرتها الأمم المتحدة لم تبين نموا موازيا لهذا. و هذا ما يعني أن هناك تركيز مقصود على جانب معين من التنمية أكثر من الجوانب الأخرى. ويعرض التقرير مقدار التركيز على الكيمياء والهندسة – التكنولوجيا والفيزياء وحصلت فيزياء البلازما على أعلى مؤشر للنمو (95.8)، في حين حصلت الهندسة الميكانيكية على أوطأ مؤشر (12.5). لقد أظهرت الفيزياء حصولها على اهتمام عالي جدا في البحث العلمي الإيراني.
نمو علمي صناعي صيني مذهل. إن الثورة التقنية الصينية بدأت بعد انحسار الثورة الثقافية لماوتسيتونغ و زوال تأثيرها. أظهرت الصين نموا متسارعا في تخصصات تطبيقية مثل علم المواد و البوليمرات والمعادن والتعدين، وهذه التخصصات هي ذات طابق تقني.
بدأ النمو الإيراني نهاية الثمانينات في الوقت الذي بدء فيه التلاشي العلمي العراقي. استمر التلاشي العراقي إلى حدود عام 2004 حيث بدأ النمو من جديد و هو الآن في حالة تصاعد بطيء. رغم الأدلجة الدينية الإيرانية فإن إيران ذات قاعدة علمية علمانية تم تأسيسها في عهد الشاه السابق و بقت محافظة نوعا ما على البعض من التقاليد العلمانية السابقة. لقد ظلت العلوم الطبيعة التقليدية بعيدة نسبيا عن التسلط الأيديولوجي إلا أن العلوم الإنسانية والاجتماعية تراجعت كثيرا. لهذا بقى النشاط العلمي الإيراني على علاقاته العالمية بعد الثورة دون أن يتأثر كثيرا و استمرت البعثات الطلابية إلى الولايات المتحدة و الغرب عموما. و لا تختلف الثورة الإيرانية عن أي ثورة مؤدلجة في محاولة الاستثمار السياسي للعلوم في المجالات التي يهدف لها تطلعها الأيديولوجي.
التقدم الصيني الهائل الذي حدث بعد التخلص من الثورة الثقافية المؤدلجة لم يبنه التطبيل و الدعاية الجوفاء لتاريخهم المجيد، بل الذي بناه هو التخلص من الأدلجة المتزمتة و الانفتاح على العالم و السوق الحر. الباحث الصيني الآن لديه مختبرات وكتب و مؤسسات نشر صينية، ومؤسساته العلمية على صلة مستمرة بأشهر مؤسسات العلوم و التكنولوجيا في العالم، و هناك علاقة ما بين ما تنتجه البحوث و ما تتبناه التكنولوجيا. هناك أربعة عناصر مترابطة في النمو الصيني وهي النمو الصناعي والنمو العلمي و النمو الاقتصادي، إضافة لعامل مهم وهو القدرة البشرية الهائلة و قابلية الفرد على تقبل الأفكار الحديثة، حيث لا يوجد تعارض ما بين الموروث التقليدي و الحداثة. هذه العناصر تبين أن النمو الذي حققته الصين نموا حقيقيا مترابط العناصر و ليس نموا مؤدلجا أو بهدف ادعاء التحضر و المعاصرة.
النشاط العلمي يعتمد على عدة عناصر مثل توفر الدعم المادي والنمو الاقتصادي والحرية الفردية و الاجتماعية والقدرة على الخلق و الإبداع. بالإضافة للتأثيرات الفردية للحرية على الفكر الإنساني المبدع فان الحرية الاجتماعية تدعم الاندماج العلمي عالميا و تساعد على التكامل العلمي ما بين الدول. أما علاقة الحرية بالإبداع فإنها ضرورة ملحة و تطمح المجتمعات المعاصرة على تربية أجيالها على الإبداع وعدم التقليد .
إن الكثير من المجتمعات العربية تعتبر من أغنى المجتمعات ذات الثروة الطبيعية، ورغم أن الجانب الاقتصادي واحد من عناصر النمو العلمي إلا انه ليس كافيا لخلق بيئة علمية منتجة. قد يتمكن العرب من استجلاب المختبرات و الأساتذة الأجانب وإنشاء مراكز البحوث و..، ولكن لن يتمكنوا من خلق بيئة علمية منتجة بدون حرية فكرية وتربية مدرسية تربي روح الإبداع وتخلق مجتمعا منفتحا. إن طبيعة الموروث التقليدي للفرد ما تزال مناهضة للتحديث حتى لدى الكثير من العلميين. مثل هذه الظاهرة المحبطة غير موجودة في المجتمعات الصينية و اليابانية.
بالإضافة للأمثلة التي يمكن استخلاصها من التقرير فان ظاهرة الارتباط ما بين الحرية و التطور تم تشخيصها في تطور العلوم عند العرب خلال الفترة مابين 700م-1000م، و كذلك تطور العلوم في الغرب بعد عام 1400م تقريبا.  النمو العلمي العربي البسيط  الذي ذكره التقرير هو الآخر ناتج الحرية النسبية التي عاشها العرب بعد اندحار التسلط العثماني مطلع القرن العشرين وظهور المؤسسات الحديثة ولكن التأثيرات الفكرية لفترة الانغلاق العثمانية ما تزال ذات سلطة اجتماعية هائلة تعيق الفكر الحر حتى الآن. لقد تمكنت تركيا من الحد من تأثير الفكر العثماني المغلق، وهذا ما قادها إلى نمو قدرهُ التقرير ب5.47. رغم التقبل النسبي للمجتمعات العربية لهذه المؤسسات العلمية الغريبة عنها إلا أن هذه المجتمعات ما تزال غير قادرة على التعامل مع العلم ومؤسساته بكفاءة.
لقد جاء تسلسل النمو العلمي العربي في الشرق الأوسط خلال الثلاثين سنة الماضية كما يلي مع مؤشر النمو:
عمان 3.29
الإمارات العربية المتحدة 2.7 (هناك عدة مؤسسات حديثة لدعم البحوث العلمية)
لبنان 1.88
الأردن 1.7
سوريا 1.52
اليمن 1.31
قطر 1.22 (تأسست فيها عام 1995 مؤسسة قطر و هي مؤسسة راعية و داعمة للبحوث العلمية)
الكويت 1.06
مصر 1.0 (أقدم دولة عربية من مجال العمل العلمي)
البحرين 1.0
المملكة العربية السعودية 0.96
العراق 0.47 (تأثير الوضع السياسي).
إن معظم الناتج البحثي العربي هي عبارة عن أعمال أكاديمية يجريها طلبة البحوث لكون مؤسسات البحوث العربية تجربة حديثة في معظم الدول العربية. و مع زيادة الأكاديميات العربية تزداد البحوث. مثل هذا النمو البحثي و النمو في النشر العلمي لا يعني نموا مماثلا في الإنتاج الصناعي والتطبيقات لهذه البحوث. كما لم يصاحبه نموا اقتصاديا ملازم للتطبيقات. إن هذا النمو لا يعدو عن كونه نموا منفصلا لا تأثير اجتماعي له. الدول العربية عموما تعاني من انفصال كبير ما بين المؤسسات الأكاديمية و البحثية والصناعة لكون الصناعة مستوردة أساسا وليست ناتجا محليا. لذلك يبقى الانجاز البحثي دائما معزولا و أكاديميا فقط و من ثم لا قيمة محلية له.

peshwazarabic10 نوفمبر، 20102

لقد أثبتت حقائق التاريخ بأن الازدهار الحضاري لا يمكن أن يتم صدفة وإنما نتيجة ظروف معينة. إنه أشبه ما يكون بناتج تفاعل كيماوي يحتاج ظروف معينة و شروط خاصة لكي يتم. وقد عكف الكثير من الباحثين على دراسة هذه الظاهرة الحضارية في المجتمع البشري  . وأهم ما يمكن الإشارة إليه بالإضافة للعامل الاقتصادي هو دور الحرية الاجتماعية و عدم الأدلجة في بناء الحضارة.  تقدم سجلات التاريخ شواهد على ذلك فالمجتمع الإغريقي القديم لم يكن مقيد فكريا  وأطروحاتهم الفلسفية خير دليل. والحضارة العربية الإسلامية الغابرة كانت كذلك.  لقد كان العرب ما بين 700-1000  ميلادية أقرب للعلمانيين المعاصرين سواء كانوا في بغداد أو الأندلس أو القاهرة.  و هذا هو سر النهضة العربية الإسلامية اليتيمة. اندثرت هذه الحضارة و حتى يومنا هذا بسبب الأغطيات الإيديولوجية الدينية التي لم تكن موجودة بشكلها الصارم أيام النهضة اليتيمة. التنوع الفكري و الديني و القومي في تلك الحقبة الزاهرة مماثل لما هو عليه الآن في المجتمعات المتطورة المعاصرة .
كانت ملامح العلمانية الأولى أساس نهضة العرب الوحيدة، و العلمانية ذاتها أساس نهضة الغرب الآن، لذا على المجتمعات العربية الإسلامية أن لا تتوقع أية نهضة بعيدا عن المجتمع العلماني.  لم تتطور تركيا الحديثة إلا بعد اختيارها طريق العلمانية و لم تتطور ماليزيا  إلا بسبب نظامها العلماني.  لقد قادت العلمانية والحرية الغرب إلى التطور الحضاري و إلى سيطرته على الكثير من جوانب الحياة المعاصرة. الغرب ليس غبيا عندما يطمح لفتح مجتمعه ليكون متعدد الثقافات (Multi culture society). الغرب لا يريد أن يدمر مجتمعاته بالتعددية الفكرية و الدينية ، بل يدرك أن هذا التعدد و الاختلاف هو عنصر قوة لديمومة التحديث. التعدد الاجتماعي و الانفتاح على الآخر  والحرية الفكرية هي السر وراء بناء الحضارة ، لذا تطمح هذه المجتمعات إلى بناء الفرد المعاصر الذي يستطيع تقبل الآخر فردا كان أو فكرا. المجتمعات المغلقة فكريا لا تستطيع تقبل الآخر و لا تستطيع تقبل ما لا يسود اجتماعيا، مثل هذه المجتمعات لا يمكنها الاندماج عالميا ولا يمكنها بناء حضارة،  لذا فان سر البناء المعاصر هو الفرد الاجتماعي المعد إعدادا خاصا ليحيا زمنه الحالي و المعقد، و لكن كيف يُبنى الفرد المعاصر؟ إن علم الاجتماع يهتم بالشخص (Person  ) وليس الفردIndividual  وذلك أن الشخص هو الفرد الذي تفاعل اجتماعياً وأصبح كائناً اجتماعياً. وبذلك يكون التفاعل الاجتماعي مابين الأشخاص مجالاً أساسيا و مهما في علم الاجتماع. الشخص أو اللبنة الاجتماعية يمتلك حرية القيام بأفعاله ضمن الضوابط الاجتماعية، فهو يملك احتمالية كبيرة و واسعة لتحقيق الفعل. لكي يكون الفرد عضوا في المجتمع (شخصا) فإنه لابد وأن يخضع لعملية التأنيس (Socialization)  و بذلك يكون قادر على التفاعل الاجتماعي ( Social interaction ) . إن التأنيس يعني أن عضو المجتمع قادر على التفاعل مع الأعضاء الآخرين ويستجيب اجتماعيا وليس للدوافع  الذاتية فقط. عملية التأنيس تسير بشكل طبيعي للفرد من خلال نموه و تطوره اجتماعيا. حرية الإرادة ميزة مهمة يجب توفرها في اللبنة الاجتماعية و الحرية هنا هي المساحة المسموح  للفرد العضو التحرك فيها اجتماعيا. إن مفهوم الحرية الاجتماعية مفهوم نسبي ومهما تقلصت هذه الحرية فإنها تبقى موجودة و لا يمكن إلغائها مطلقا  (حتى مجتمع العبيد يتمتع أفراده بنسبة من الحرية المحدودة جدا) لكن حرية الإبداع لابد أن تكون من السعة بما يتجاوز حرية العبيد بكثير،  وهذه الحرية هي ما يكفلها المجتمع لأبنائه. حرية الإرادة هذه هي ما تظهر من خلاله فردية اللبنات الاجتماعية، وهي ما تشكل الحركة المتغيرة دائما في المجتمع. على أية حال إن الدول المتطورة تهتم كثيرا ببناء أفرادها و يمكن  بيان ملامح البناء فيما يلي:
خلق مواطن صالح للمعيشة في الظروف الاجتماعية المعاصرة بتغيراتها، أي خلق مواطن محلي معاصر. منذ مراحل التعليم الأولى يتعلم الطفل التعامل الاجتماعي وحدود حريته وطريقة التفكير والتعامل مع الآخرين وفهم الأديان الموجودة في مجتمعه وليس عقيدته الخاصة، لأن معظم المدارس ذات توجه تربوي عام. إن الإعداد هو إعداد تطبيقي و ليس نظري، و طريقة التعليم ليس طريقة الكتاتيب التي تعتمد الحفظ الأصم بل المناقشة و النقد. وحتى العلوم الطبيعية يدرسها الطالب الصغير من وجهة نظر دورها في مجتمعه مثل البيئة و الطاقة النظيفة و استهلاك الطاقة و هو بذلك يعرف فائدتها التطبيقية المباشرة. خلق مواطن يمكن أن ينتج و يعمل بالمواصفات التي يحتاجها مجتمعه، على المستوى المهني يسير الطالب في دراسته بالاتجاه الذي يختاره و الذي يمكن من خلاله أن يوفر له فرص أكبر في سوق العمل. سوق العمل يلعب دورا كبيرا في اختيارات الطالب و كذلك في توجيه المناهج الدراسية و البحوث، و سوق العمل مرتبط بمنظومة الحياة المعقدة وتلعب الصناعة و التكنولوجيا دورا كبيرا فيها.  إبعاد المدارس عن خلق جيل مؤدلج قوميا كان أو دينيا أو سياسيا. هذه الاتجاهات تترك للعائلة و الفرد، وبذلك يكون الجيل المنتًج غير مشحون ضد الآخر و ذي مرونة فكرية عالية في تقبل التحديث الذي هو الهم الأساسي لديمومة المجتمع و تطوره، والولاء الوحيد هو للوطن و كسب المواطنة لا يحتاج أدلجةَ فكرية صارمة. و لما كانت الظروف المحلية و العالمية دائمة التغير و التطور اجتماعيا و تكنولوجيا فإن منظومات التعليم تعيش نشاطا فاعلا دءوبا في تطوير مناهجها و أساليبها التعليمية وبصورة مستمرة.  من هذا يتضح الابتعاد عن أدلجة المجتمع و خلق أفراد ضيقي الأفق في مجتمعات ذات تنوعات عرقيه و دينيه مختلفة.
خلال القرن العشرين حصلت الدول العربية على استقلالها السياسي و طمحت في البناء.  و كان البناء الأول هو بناء مؤسسات دولة وليس بناء مجتمع،  لذا اتجهت الحكومات العربية إلى استنساخ ملامح المدينة الغربية المعاصرة. لاشك أن فجوة التخلف الحضاري هائلة أكثر من خمسة قرون لذا واجهت عملية البناء الاجتماعي التحديات التالية:
البناء الاجتماعي غير مؤهل لطفرة خارقة يتجاوز بها تراكمات كل تلك القرون، كما أن الإمكانيات المادية مهما كانت لا يمكنها أن  تساعد في تجاوز هذه الفجوة القاتلة .إضافة لعدم توفر المتخصصين في هذا المجال، حتى الغرب لم يكن ليألف التعامل مع حالة كهذه.
خلال القرن الماضي و الوقت الحاضر كان التركيز وما يزال على ظواهر التحديث الضرورية مثل مراكز البحوث و الجامعات لتوفير الكوادر المهنية و كذلك المستشفيات و المعامل …إلخ. لقد حاولت الدول العربية و الإسلامية أن تكسب مدنها و مجتمعاتها ملامح المعاصرة ، و لكنها خلال هذا الهم الكبير تركت ورائها بنائين مهمين هما:  البناء المعاصر للفرد ليكون شخصا اجتماعيا معاصر و ليس مجرد كادرا مهنيا.
بناء الفرد و نوعيته هو الذي سيعزز و يديم البناء الحضاري الأعلى مثل الجامعات و مراكز البحوث و المؤسسات التكنولوجية و الثقافية.
وليس مجرد تعليم القراءة و الكتابة كافيا لمحو الأمية. إن تعليم القراءة و الكتابة قد يساهم في زيادة الأمية الحضارية. مهارات القراءة والكتابة تساعد على دوام التواصل مع ما هو مكتوب و هنا قد يكون نوع المكتوب مشكلة أكبر من عدم القراءة و الكتابة! ، لذا فإن مفهوم الأمية في المجتمعات العربية لاشك مختلف عن مفهوم الأمية في المجتمعات الغربية، على ذلك يكون البناء التربوي المدروس للمناهج الدراسية و التوعية الثقافية مهم جدا بالإضافة لمهارتي القراءة و الكتابة. إذ لابد من تغيير الثقافة الاجتماعية البالية و المتخلفة.  عليه نجد أن البناء العربي يجب أن يكون باتجاهين، الأول بناء الإنسان و الثاني بناء المؤسسات العلمية المتقدمة، و لكن للأسف اهتمت الدول العربية و ما تزال بالبناء الفوقي أو المؤسساتي دون أن تهتم ببناء الإنسان، و القرى هي المصدر الكبير و الأساسي لهذا الإنسان و لكن الدولة العربية تركته للتربية الاجتماعية السائدة و الغير مناسبة لزمنه الحالي. هذا التناقض في بناء الفرد ما بين المؤسسة التعليمية المكتفية بالمعارف العامة (التي تعتمد المعاصرة) و التربية الاجتماعية البعيدة أساسا عن المعاصرة هو ما يخلق الكثير من الإشكالات الاجتماعية و السياسية. المجتمع العربي يعاني ليس من أمية الأبجدية فقط و لكن من أمية حضارية نتيجة الانقطاع الحضاري المستمر، و الذي مازال يلعب دورا كبيرا في القرى والأزقة العربية بشكل ظاهر و في المدن بصور متفاوتة. التعامل اليومي مع منظومات معاصرة مثل السيارة، الكهرباء، نظام المرور في الشارع، جهاز الدولة، منظومات التعليم  و البحوث، الأنظمة السياسية الأحزاب، البرلمانات، أجهزة الإعلام، المجتمع المتنوع الأعراق ، … الخ من الأنظمة المعاصرة يتطلب دراية و أسلوب تعامل خاص ودور خاص،  و لكن لم يتم تنشئة الأجيال العربية الحديثة عليه. نعم قد تكون هناك مدرسة تحاول أن تقدم شيئا، و لكن عموم المجتمعات العربية بعيدة عن التحديث حتى داخل المدن.  ينشأ الفرد العربي نشأة عشوائية و حسب الموروث الاجتماعي و الديني دون أن يكون له إعداد خاص ليعيش القرن الحادي و العشرين. لهذا السبب و للأسف نجد أن معظم محاولات التحديث العربية مجرد تحديث سطحي لم يصل للقعر و لم تنجز المجتمعات العربية خلال تعاملها بكل المنظومات المعاصرة المذكورة أعلاه أو التي لم تذكر أية كفاءة. إن أي جامعة عربية حديثة وذات أحدث المعدات لن تستطيع أن تعمل بنفس كفاءة جامعة غربية بسبب نوعية الفرد العامل على إدارتها و الطالب الذي يدرس بها، لذا سيبقى التحديث مجرد مظاهر مهزوزة سهلة التراجع و تبقى جهود التحديث بعيدة طالما بقي الفرد البسيط بعيدا عن التوجيه و التربية الحديثة، و هذا لا يتم إلا من خلال تقليص الفرق الحضاري بين المدينة و القرية أو الزقاق و تغيير مناهج التربية و التعليم للأطفال.
© منبر الحرية،11 ماي /أيار 2010

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

لابد من وقفة موضوعية جادة لرصد ظاهرة المراكز العلمية ومراجعة أدائها في دول الشرق الأوسط، وفي منطقة الخليج على نحو خاص، حيث راحت مثل هذه المراكز تنتشر كـ”الفطّر” على نحو ملفت للنظر في الجامعات والمؤسسات الحكومية ووسائل الإعلام، ولدى القطاع الخاص في حالات معينة.
المهم في هذا السياق هو الإعتراف بأن هذه الظاهرة صحية وواعدة بقدر تعلق الأمر بإعداد مثل هذه المراكز وبحقول تخصصاتها وتشعباتها التي تمتد لتحتضن مديات واسعة من الحقول العلمية: إبتداءً من دراسات السيرة والسنة النبوية الشريفة، مروراً بالبحوث الإستراتيجية والسياسية، وإنتهاءً بأبحاث التمور وألعاب الأطفال التراثية. ولكن مع هذا التوكيد على فوائد هذا النوع من النشاط، ينبغي رصد جدواه ومعطياته ومخرجاته الواقعية الملموسة تجنباً لتحول مثل هذه المراكز إلى مجرد ” تقليعة ” تعبر عن “حمى” لتأسيس مراكز غير مجدية أو مراكز بأسماء وأقنعة علمية مغرية يراد لها إخفاء الترهل والتغطية على قنوات صرف الأموال وإستحلابها من الرعاة بلا إنتاج حقيقي ملموس يرقى إلى المتوقع والمرجو.
ولكن قبل مباشرة مثل هذه الإستفهامات الحساسة، التي يمكن أن تستثير حفيظة البعض، يتوجب التسليم بحقيقة أن ظاهرة المراكز العلمية التخصصية إنما هي من إفرازات “محاكاة” المؤسسات العلمية الغربية، ذلك أن الأقاليم العربية لم تكن على معرفة وتجربة ملموسة بمثل هذه المراكز، اللهم بإستثناء تجربة قديمة ومنسية، وهي تجربة “بيت الحكمة” البغدادي الذي تاسس على عهد الخليفة العباسي المأمون لرصد وترجمة وأرشفة النتاجات العلمية للأمم الأعجمية، من أجل إفادة رأس الدولة والمختصين في الطب والفلسفة وسواهما من علوم ذلك العصر. بإستثناء هذه الحالة العتيقة والنادرة، لم تشهد حركة الثقافة والعلوم في البلدان العربية مراكزاً من هذا النوع، نظراً لعدم وجود الرعاية Sponsorship أو المؤسسات الأكاديمية والسياسية التي تحتاج إلى مثل هذه المراكز عبر العصور المظلمة بعد سقوط بغداد على أيدي هولاكو خان عام 1258م. لذا يمكن أن نخلص إلى أن هذه المراكز حديثة العهد في منطقتنا لأنها لم تكن سوى صدى للمراكز العلمية الغربية، صدى جاء إلينا بسبب الإحتكاك بالغرب ونتيجة لزيادة أعداد خريجي الجامعات الغربية في الأقطار العربية والإسلامية.
لذا فإن الظاهرة هي نوع من أنواع التشبث بالتقدم العلمي الذي أحرزه الغرب كي يتحقق مثله في الدول العربية. ويبدو أن الإنتشار السريع والواسع للظاهرة في مختلف دول الخليج يتصل بقوة بفوائض الموارد المالية الآتية مع تصدير البترول. لقد حضيت مقترحات تأسيس مثل هذه المراكز العلمية بالدعم والرعاية من قبل الممولين في المنطقة على نحو مشجع، وربما غير متوقع، الأمر الذي يفسر تسابق البعض إلى “إبتكار” الأفكار والموضوعات لتقديمها للرعاة كي تتم الموافقة عليها ويتم تأسيس المركز المطلوب على اسس مالية واعدة. وقد كانت الحكومات العربية (نظراً لإهتمامها التقليدي بالحقول التنموية والعلمية) وراء تمويل مثل هذه المراكز، الأمر الذي حدا (فيما بعد) بالمستثمرين والميسورين من الأفراد والشركات إلى تأسيس ودعم مراكز علمية من هذا القبيل، إما لخدمة مصالحهم وأهدافهم الحرفية الخاصة، وإما من أجل الصالح العام، حيث لاحظت في رصد إحصائي لمثل هذه المراكز ثمة ممولين أرادوا تخليد أسماءهم عبر تأسيس مثل هذه المراكز المختصة بالتراثيات والمأثورات أو بالدراسات الدينية، كنوع من أنواع “الأعمال الخيرية”. ومن ناحية أخرى، حاولت بعض الحكومات التعبير عن رعايتها لأصحاب الكفاءات من حملة الشهادات التخصصية العليا عن طريق تأسيس مثل هذه المراكز على أساس “ضرب عصفورين بحجر”، من خلال إجراء المكافآت والمرتبات السنوية لهؤلاء المتخصصين من ناحية، والإفادة من معارفهم وأبحاثهم على سبيل توظيفها في عملية صناعة القرار السياسي (كنشاط إستشاري)، من الناحية الثانية. أما الجامعات العربية، فقد إضطلعت بمشاريع من هذا النمط المؤسسي، بيد أنها بقيت أدنى مما كان مرسوم لها، ذلك أنها لم ترقَ قط إلى مستوى المراكز العلمية التخصصية ومراكز الدراسات الإقليمية في الجامعات الأميركية والأوربية الغربية عامة. ويرد سبب ذلك إلى إنهماك بعض الجامعات العربية بعمليات التخريج بالجملة، زد على ذلك ضعف التمويل الذي تحظى به مثل هذه المشاريع التي تعد “فرعية” في بعض الأقطار العربية. بل أن مثل هذه المراكز العلمية الجامعية وصلت حداً من التدني أنها صارت نوعاً من “المنفى” للتدريسيين من الجامعيين غير المرغوب بخدماتهم في قاعة المحاضرات، أما لأسباب فردية أو لأسباب سياسية أو لسواها من الأسباب. لذا لوحظ وجود مراكز علمية متخصصة بأسماء كبيرة ولكن بمخرجات مجهرية صغيرة في عدد من الجامعات العربية التي تفتقر أصلاً لما يكفي من الكوادر العلمية الرفيعة القادرة على الإبتكار والأصالة في البحث.
وفي مقابل هذه الحال، برزت ظاهرة الإندفاع الواسع الذي عبر عنه العديد من حملة الشهادات العليا والمتخصصين نحو الإنضمام أو الإلتحاق بمثل هذه المراكز العلمية (في الدول الغنية) نظراً لأنها تقدم المرتبات العالية والإيفادات العلمية المغرية دون الحاجة إلى العمل المثابر لساعات طوال وعلى نحو دوام رسمي، بإعتبار أن المنتمي إنما هو “باحث” لا يحتاج إلى مثل هذه التعقيدات الشكلية. وهكذا صارت بعض المراكز العلمية “لا علمية”، بل غدت نوعاً من أنواع البطالة المقنعة. ومن ناحية أخرى، شهدت وسائل الإعلام حالة من الإنجراف في تيار تأسيس المراكز والنوادي العلمية على  سبيل تجهيزها بالمواد الصالحة للنشر أوللضخ الإعلامي، الأمر الذي يبرر إعلانات الفضائيات العربية وبعض الصحف تاسيس مراكز من هذا النوع، ليس فقط من أجل تحقيق مثل هذه الأهداف، وإنما كذلك من أجل منح وسيلة الإعلام المذكورة مسحة من “الرصانة” العلمية وشيئاً من “الوجاهة” أو السمعة التي قد ترقى بها إلى مصاف (نيويورك تايمز) أو الـ(CNN). بيد أن الملاحظ هنا هو إساءة توظيف مثل هذه العناوين الكبيرة عبر نتاجات أدنى مستوى من المتوقع والمأمول. إن هذا، بطبيعة الحال، ليس بتعميم أعمى لأنه لا ينفي وجود مراكز بحث ودراسات إعلامية متخصصة بدرجة عالية من الجدوى و الفائدة الملموسة.
ولكن من منظور آخر، تبقى حالة هدر الأموال والتغطية على غياب الجدوى العلمية حالة مغرية لمتابع هذا الموضوع في بعض الدول العربية. والدليل هو تحول بعض هذه المراكز العلمية، بأسمائها المبهرجة والكبيرة، إلى مجرد “مكاتب” وسكرتيرات وحواسيب لجمع الغبار. بل أن بعض المراكز التي تعد نفسها أكثر نشاطاً هي تلك التي “تتوج” عملها العلمي بإصدار مجلة أو دورية متخصصة فصلية أو شهرية أحياناً من أجل أن تقدمها للجهة الراعية أو الممولة كتوكيد على نشاط المركز الذي يشبه نشاط وحيوية عمل النحل في بناء خلاياه. ولكن رصد المؤلفات والأبحاث المنشورة في مثل هذه الدوريات يبرهن على أن المركز لا يؤدي ماهو متوجب عليه من دراسات وأبحاث لأنه يستعين بأقلام باحثين من خارج المركز، من هؤلاء الذين يريدون نشر أبحاثهم في أي إناء علمي معتمد أكاديمياً. مثل هذه المراكز كثير للغاية: فعلى الرغم من فوائد أنشطة النشر من هذا النوع، على سبيل  تشجيع حركة النشر العلمي، تبقى المراكز “ستائر” لإخفاء البطالة المقنعة بداخلها.
هذا هو ما يسحبنا تلقائياً إلى ضرورات التمييز بين مراكز البحث العلمي من ناحية، وبين دور النشر من الناحية الثانية. وهذا مأزق طالما أرّق القياديين الأكاديميين الجادين الذين كانوا يريدون للمراكز العلمية التي يؤسسونها أن تكون مراكز بحث علمي بحق (بباحثين جادين ومثابرين، وبمكتبات كبيرة، وبمشاريع علمية مخططة ومدروسة مركزياًُ، بأهداف رصينة ومفيدة)، وليس دوراً للنشر تبحث عمن يضنيه البحث عن الناشر كي تنشر كتابه أو بحثه ضمن سلسلة أوراق أو أبحاث يصدرها المركز، مقابل مكافآت مالية. ومن أجل المقارنة والمقاربة، على المطلع أن يلاحظ أن مراكز البحث الرفيعة في الجامعات والمؤسسات الغربية تخصص أموالاً طائلة وربما أسطورية من أجل إضطلاع باحثيها بدراسات عالية ودقيقة التخصص، ليس من أجل النشر بحد ذاته، بل من أجل تقديمها للراعي (حكومة أو مؤسسة خاصة) على نحو سري أو محدود التداول. بيد أن هذه الظاهرة قلما تحدث في العديد من الدول العربية، نظراً لتباين المنظور (منظور الجهة الراعية) وبسبب تدني المستوى العلمي والدافعية البحثية في حالات عديدة منظورة. بل أنني قد لاحظت، عبر تجارب وزيارات شخصية عديدة أن بعض مراكز البحوث والدراسات “الإستراتيجية”، أن هذه المراكز إنما هي في جوهرها مجرد يافطات للإعلان، لأنها لا تزيد عن مكتب مستأجر في بناية، زائداً موظف او موظفة مع شيء من المرطبات الساخنة شتاءً، والباردة صيفاً.
هنا تكمن المعضلة الجوهرية في ظاهرة “محاكاة” الغرب شكلياً، ولكن بدون محاولة تحقيق ذات النتائج المرجوة من عمليات تأسيس المراكز العلمية المتخصصة لدينا في الأقطار العربية. إن هذه المراكز الموجودة، أو المزمع إقامتها، حيث نتلقى دعوات الإسهام بها هذه الأيام، هي بحاجة ماسة إلى المراجعة الشديدة والدقيقة من قبل الجهات الراعية والعاملين بها أنفسهم على سبيل تفعيلها وإحالتها من مراكز لجمع شحوم الترهل والتكاسل، إلى مراكز مجدية ونابضة بالحياة ترقى بصانع القرار السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي إلى مستوى المرجو من العطاء.
© منبر الحرية، 30 دجنبر/كانون الأول2009

نبيل علي صالح10 نوفمبر، 20100

أجريت منذ حوالي عشر سنوات تحقيقاً صحفياً ميدانياً عن “البحث العلمي في سوريا-جامعة تشرين نموذجاً” لصالح صحيفة الثورة السورية التي نشرته في حينه مع ما تضمنه من أرقام وإحصائيات وشواهد وقرائن ولقاءات دلت بمجملها على الحالة المأساوية التي بلغها واقع العلم في مجتمعاتنا العربية، وحجم الخطورة الكبيرة لما يمكن تسميته تجاوزاً “بحث علمي عربي”.. ويومها طرحنا السؤال التالي باستنكار واستهجان شديدين: هل هناك بحث علمي حقيقي في بلداننا العربية؟!..
وقد عدت منذ فترة قصيرة -وعلى نطاق أوسع- لمتابعة واستكمال بعض الأسئلة والمضامين العملية التي طرحناها في سياق إعدادنا لهذا التحقيق، وذلك عندما اطلعت على بعض الأرقام والإحصائيات العربية والدولية التي تحدثت عن أنه ومن أصل حوالي 400 جامعة مرموقة ورفيعة المستوى ومعروفة دولياً لا يوجد اسم لأي جامعة عربية على الإطلاق في مقابل وجود أكثر من جامعة إسرائيلية ضمن التصنيف ذاته.. وهذا ما يجعلنا نستنتج بأن إسرائيل تقوم على العلم والمنطق البحثي العلمي، وليس على الجهل والتخلف، أي أنه ينطبق عليها وصف مجتمع المعرفة بامتياز، بقطع النظر عن توجهات أفرادها ومعتقداتهم المتعصبة وقناعاتهم الأسطورية ، وبصرف النظر عن سياساتها ضد العرب والمسلمين غير المبررة بأي منطق أخلاقي أو علمي أو إنساني..
ونعني هنا بمجتمع المعرفة امتلاك المقدرة الفكرية والعملية على استعمال واستثمار قيم العلم والمعرفة العلمية من أجل إدارة مختلف شؤون وموارد وطاقات المجتمع، واتخاذ القرارات السليمة والرشيدة لتنمية معارف ومهارات الأفراد كقاعدة لعملية التنمية الإنسانية الشاملة، وذلك بالاستفادة من منظومات وحقائق ونظريات العلم المتعددة، ومنها عملية إنتاج المعلومة لمعرفة خلفيات وأبعاد الأمور بمختلف أنواعها.
وقد دفعني ذلك كله إلى توسيع مضمون تحقيقي الصحفي السابق، ومحاولة التقصي عن طبيعة المعرفة البحثية العلمية العربية، وتقديم دراسة فكرية حول واقع البحث العلمي العربي..
ولا بد في البداية من الإشارة إلى أن موضوع مجتمع المعرفة والبحث العلمي ترتبط بالنسبة إلينا –كعالم عربي يقف أمام متغيرات وتحولات سياسية واقتصادية ومعرفية هائلة على بداية القرن الواحد والعشرين- ارتباطاً وثيقاً بتقديم رؤية إجمالية موضوعية عامة عن طبيعة الوضع العربي والدولي وظروفه ومستجداته المتعددة في الحقبة الراهنة التي أصبحنا نتعامل معها من منظور مصطلحات فكرية وعملية جديدة فرضت نفسها على واقعنا بقوة ومن دون استئذان.. الأمر الذي يلزمنا -كنخب مثقفة تبحث عن أيسر وأنجع السبل للبدء بتطبيق مشروع النهوض الفكري والعلمي في عالمنا العربي- بضرورة تحليل ودراسة الاستجابات وردود الأفعال “السياسية-المجتمعية” العربية المتحركة في سياق تكتيكات واستراتيجيات مختلفة تحاول بلورة مواقف وفتح إمكانات عملية متعددة للرد العملي المتوازن والمدروس على تلك المتغيرات والتحديات الخطيرة التي تثيرها تلك الأوضاع والمتغيرات, وذلك بهدف تأمين موقع آمن ومأمون، وبلورة دور فاعل للعرب في المعادلة الكونية والدولية المستجدة والسائدة في عالم اليوم، أو تلك التي يمكن أن تقوم في عالم الغد..
ومن الواضح هنا أننا عندما نتحدث عن قضية الاستجابة أو رد الفعل الجماعي تجاه متغيرات العصر, فإننا نقصد بها -تحديداً- حركية الفعل السياسي العملي.. أي مجموعة السياسات التطبيقية المختصة بإيجاد أنساق ومجالات عمل, وبلورة مواقف مجتمعية وتعزيزها وتطويرها من خلال خلق واستحداث آليات جديدة للعمل تؤمن إرادة جمعية عامة يمكن أن تعمل -في إطار تفعيل تلك الاستجابات- على تقدم المجتمع العربي نحو أهدافه وتطلعاته ومستلزمات وجوده الأساسية في الحياة.
من هذا المنطلق نجد ضرورة ملحة في ترسيم حدود حقيقية وواقعية للوضع العربي المستجد, ودراسة طبيعة التقلبات السائدة على الساحة العالمية كلها بعيداً طبعاً عن المجاملات والرغبويات والظنيات.. على اعتبار أن الانطلاق الفاعل نحو بناء المستقبل والتحكم ببعض مساراته مرهون -إلى حد كبير- بدراسة ظروف وملابسات الواقع الراهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وبالنظر إلى الحجم الهائل لهذا العمل الفكري، وتعدد عناوينه الثقافية والاجتماعية، وتنوع مواضيعه المعرفية ومساراته العملية، وسعة الأفكار والطروحات المتشعبة التي يمكن معالجتها في سياق طرح مفاهيمي ناقد حر يأخذ فقط بالرقم والقرينة والإحصائية ليبني عليها رأياً وموقفاً نقدياً, فإننا سنكتفي بدراسة الجانب العلمي التخصصي من هذه المسألة المعرفية الواسعة أي من زاوية (البحث العلمي والتقني العربي الحالي)، وذلك من خلال إجراء مراجعة بسيطة لبعض الأرقام والإحصائيات القائمة في بعض مؤسسات ومراكز البحث العلمي العربي التي يمكن أن تعطينا رؤية واقعية عن طبيعة هذا البحث السائد في بلداننا.. ومن ثم سنحاول تحليل تلك الأرقام، واستخلاص العبر والدروس من خلالها, على ضوء مستجداتنا المعاصرة.. لنصل في النهاية إلى التساؤلات الاستنتاجية التالية, ومحاولة الإجابة عليها وفق الإمكانات والمقدمات العملية المتاحة أمامنا.
ونبدأ بطرح الأسئلة المحورية التالية:
–    هل تتوافر لدينا الإمكانيات المادية والمعنوية الواسعة والقواعد العملية والمنهجية المحددة التي يمكن أن نرتكز عليها، ونتحرك على طريقها باتجاه بناء حاضر صاعد ومستقبل واعد.. قبل أن ندرس كيفية تشييد وبناء (هذا المستقبل) والإمساك بناصيته؟!..
–    ثم كيف يمكن أن تعمل أمة من الأمم على امتلاك المستقبل إذا لم تستطع أن تنهض بأعباء ومتطلبات الحاضر الذي يجب أن يشكل -بحد ذاته- قاعدة أساسية لبناء ذلك المستقبل؟!
–    وما هي الاستراتيجيات التي وضعتها أمتنا في لحظتها الراهنة -بما تحمله في داخلها من عوامل الضعف والتخلف والتبعية العلمية- لمواجهة تحديات قيام حاضرها قبل أن تبدأ بالسيطرة على مستقبلها؟!..
– استراتيجية العرب العلمية:
يظهر للمتأمل في واقع الفعل “السياسي-المجتمعي” العربي الراهن, أن ردود فعل الدول العربية عموماً على مخاطر وتحديات العصر المتنوعة والمتسعة والمتحولة, تتسم بالإخفاق والفشل في فهم وإدراك حجم التطورات السياسية والاجتماعية العالمية.. وهذا ما يتجلى بصورة أكبر في فقدان الشعور العملي بضرورة الإسراع في تأمين استجابة الهياكل الوطنية المحلية في عالمنا العربي للحجم الواسع لمجمل تلك التطورات التي قد تظهر في الحاضر أو في المستقبل.. ولا تعني هذه النتيجة (أو هذا الحكم شبه المعياري) أن الوطن العربي قد بقى خارج نطاق دائرة التأثر بتلك الأحداث الكونية الجسام، لكنه بدأ بالعمل, جدياً, على مستوى تطبيق سياسات جديدة في شتى ميادين العمل اليومي كله.. لكننا نجد أن معظم تلك السياسات -التي مثلتها مسيرة الإصلاح في معظم الدول العربية- مليئة بالتعثر والتخبط والتشتت, ولم تعط النتائج المطلوبة منها حتى الآن. فمثلاً على صعيد البحث العلمي والتقني (وهو موضوعنا الأساسي هنا) لاحظنا على الدوام –من خلال استقرائنا لمجموعة البيانات والاستبيانات المسجلة والمتوفرة حول هذا الموضوع- أن هناك أزمة علمية واضحة تظهر في غياب منظومة عربية متكاملة لنقل المعرفة والخبرات, واستغلالها في ميدان التنمية الفردية والاجتماعية وفي مجال التطوير التقني والتكنولوجي.
وعندما نراجع كل أدبيات العمل البحث العلمي العربي في الوقت الحاضر -الخاصة بدراسة مشاكل البحث العلمي وتحليل واقعه القائم حالياً- نلاحظ أن تلك الأدبيات تكاد تجمع في تقاريرها الخاصة والعامة على خمسة أمور أساسية، هي:
الأول: انخفاض عدد الباحثين العلميين الحقيقيين المشتغلين بالبحوث العلمية العربية بالمقارنة مع الدول المتقدمة ومع المعدل الوسطي العالمي نفسه.
الثاني: هشاشة وضعف البنية المؤسساتية والعلمية العربية بصورة عامة، وعدم قدرتها العملية على تحقيق أدنى معدلات الاستجابة الفاعلة والمؤثرة للتحديات التقنية الهائلة.
الثالث: ضعف المستويات الأكاديمية على صعيد قبول الطلاب في الجامعات, وضعف مستويات الترقية بالنسبة لأعضاء الهيئة التدريسية، وعدم موضوعيتها، وقلة المشاركة المنتجة في المؤتمرات الدولية من أجل الاستفادة وتبادل الخبرات والنتائج العلمية، وسرعة تطبيق الاستخلاصات والاستنتاجات والانتفاع بها.
الرابع: نقص مردودية الباحث العربي، وتخاذله عن البحث والعمل نظراً لقلة تعويضه وحافزه المادي والمعنوي، حيث أن الكثير من هؤلاء الباحثين –إن لم نقل كلهم- ينظرون إلى البحث العلمي من زاوية أنه فرصة لتحسين أحوالهم المعيشية وتأمين متطلباتهم الحياتية، وهذا من حقهم طبعاً، ولكن بشرط أن تكون لبحوثهم نتائج ميدانية عامة على صعيد خدمة مجتمعاتهم.
الخامس: سيطرة الشكليات والبيروقراطية، وانتشار الفساد في داخل الجسم العلمي العربي كنتيجة طبيعية للفساد العريض والشامل الذي يضرب أطنابه في داخل البنية السياسية والاقتصادية الحيوية لبلداننا العربية. ومن أبرز مظاهره الواضحة والصريحة هي في إيفاد كثير من الباحثين غير المؤهلين وممن لا تنطبق عليهم أدنى شروط الإيفاد العلمية إلى المؤتمرات والندوات وورشات العمل التي تنظمها كثير من الدول المتقدمة، ليس من أجل تقديم بحوث علمية جديدة، أو الاحتكاك بالتجارب العلمية الخارجية للاستفادة منها في الداخل، وإنما يكون الهدف من تلك الإيفادات الحصول على المخصصات المالية، والسياحة في بلدان جديدة على نفقة الدولة.
أرقام وإحصائيات:
قدر بعض الباحثين عدد العاملين في مؤسسات البحث العلمي العربية عام 1984 بـ(31118) باحثاً.. وإذا أضفنا إليهم عدد الباحثين من الجامعيين ويقدر عددهم بـ (10) بالمائة من عدد العاملين في سلك التعليم العالي, حصلنا على 81113 باحثاً وهو ما يعطي نسبة 2.7 باحث لكل عشرة آلاف من اليد العاملة. وهي نسبة ضئيلة إذا ما قوبلت بمثيلتها في الولايات المتحدة وهي 66% واليابان 58% وبريطانيا 36% وهي تمثل 44.6 عالماً لكل مليون نسمة من السكان.. ويبدو هذا الانخفاض في عدد الباحثين العلميين عندنا واضحاً إذا نظرنا إلى توزيع القوة البحثية العالمية.. فهي تتوزع على ميادين خمسة رئيسية: 36% للعلوم الطبية, 24% للعلوم الزراعية, 22% للعلوم الهندسية, 8% للاقتصاد والتجارة, ومن خلال هذه النسب نجد أن هناك غياباً كبيراً, ونقصاً واضحاً للعمل البحثي في ميادين العلوم الأخرى وبخاصة العلوم الاجتماعية والإنسانية (الأنثروبولوجية).
إننا نلاحظ في هذا المجال (فيما يتعلق بنوعية مؤسسات البحوث العلمية الموزعة في الجامعات العربية المختلفة) أنه على الرغم من المحاولات الجادة والخطوات الحثيثة التي قامت بها بعض البلدان العربية لدعم إنشاء وتوسيع وتطوير مراكز ومؤسسات التقنيات العلمية البحثية الحديثة, لا تزال تلك المؤسسات تعاني أشد المعاناة وتعصف بها الأزمات تلو الأزمات، وتواجه مشاكل وتعقيدات نظرية وتطبيقية كبيرة في شتى المواقع تتكدس بمجملها في وجه تقدم إنتاجيتها العلمية والاجتماعية, وتمنعها من الانطلاق المثمر والعمل المنتج والمؤثر على مستوى ضرورة وجود انعكاسات اجتماعية عملية للبحث العلمي تساهم بقوة في بناء المجتمع وتطوره وتقدمه نحو الأمام.
– معوقات البحث العلمي العربي:
بالنظر إلى ما تقدم من أرقام وتحليلات، نتساءل عن حجم تلك المشاكل والمعوقات التي تواجه مسيرة البحث العلمي العربي؟! وبالتالي ما هي مقومات ومستلزمات قيام بحث علمي عربي متكامل؟!..
في الواقع يمكننا أن نتحدث عن أهم تلك المشاكل والتحديات في النقاط التالية:
1-    غياب سياسة علمية واضحة ومتوازنة ومتسقة يمكن أن تنظم عملية البحث العلمي لتركز الأولويات، وتوجه الموارد, وتستثمر الطاقات والقدرات المتاحة والمتوافرة حسب سلم الأولويات الموضوع.. إذ انه لا يكفي أن تخصص الدول العربية جزءاً محدداً من موارد إنفاقها الأساسي (في ميزانياتها السنوية التي تضعها في نهاية كل عام عن العام الذي يليه) للقيام باستثمارات علمية في ميدان البحث العلمي فقط، ولكن لابد من دراسة ومعرفة أفضل الأساليب وأنجع الطرق للاستفادة من هذه الاستثمارات في شروطنا ومناخاتنا السياسية والاجتماعية السائدة بين ظهرانينا.. وطبعاً نحن يجب أن نبحث باستمرار, لكن ذلك مرتبط بسؤال أساسي وجوهري هو : لماذا نبحث, ولمن نبحث, وما هي أسس وركائز هذا البحث؟! ويبدو واضحاً أمامنا هنا أن السياسات العلمية لمعظم الدول العربية غير قادرة -في كثير من الأحيان- على إعطاء إجابات مقنعة على ذلك السؤال أو تحديد أهداف وغايات واضحة ومجدية للبحث العلمي بشكل عام, وفي مختلف المجالات والميادين.. كما أنها (تلك الدول) لا تزال شبه عاجزة –بالرغم من كل التقدم الحاصل في هذا الملف الخطير- عن تحديد أساليب ووسائل وآليات عمل مناسبة لبناء الأداة والقاعدة البشرية والصناعية لتحقيق تلك الأهداف والطموحات الكبيرة (وفي مقدمتها بناء مستقبل وجيل علمي عربي قادر على تلبية احتياجات وجوده الحيوي، والإيفاء بمتطلبات الحياة المتسارعة والمتطورة).. لذلك من الطبيعي جداً -والحال هذه- أن يسود الوسط البحثي العلمي العربي جو انعدام الوزن والتخبط والفوضى, والتردد, والافتقار للتراكم والتقدم والتطور والوعي.
2-    ضحالة الموارد ونقص الإمكانيات المخصصة للقيام بالبحوث العلمية.. حيث تشير آخر الأرقام والإحصاءات المتوافرة في هذا المجال إلى أن حجم الإنفاق العربي العام على بحوث التطوير العلمي والتقني قد بلغ عام 1992 (800) مليون دولار, وهذا المبلغ لا يزيد على 0.016 من الناتج القومي الإجمالي, وهو أدنى المعدلات في العالم الثالث كله. وتبلغ هذه النسبة حوالي 1.05% في البلدان النامية عموماً و3.4% في البلدان التابعة لبعض المنظمات العالمية.. أما الولايات المتحدة, وبحسب تقرير المؤتمر القومي السابع, فإنها تخصص أكثر من 225 مليار دولار للبحث والتطوير.. أي نحو 300 ضعف ما تخصصه البلدان العربية مجتمعة على أساس نصيب الفرد الواحد. كما وتخصص إسرائيل ما مجموعه 6 مليارات دولار للبحث العلمي سنوياً في جامعاتها ومراكز بحوثها العلمية.
3-    وهن (و ضعف) استراتيجيات التحديث العربية, وعدم توازنها وعدم فاعليتها واتساقها.. لأن الأصل في التحديث والتطور العلمي أو الحداثة العلمية هو في بناء استراتيجية حقيقية ناجحة تعظم من الاستثمارات العلمية المفيدة في كل ميدان: (تكوين رأس المال الاقتصادي والعلمي والتقني والفكري والروحي والاجتماعي، وتحرير الشعوب والجماعات والأمة من الخوف والاستلاب والجمود والامعية والاقتداء والاستزلام والمحسوبية والشعور بالضعف والنقص والدونية).. وهذا الأمر يتناقض تماماً مع الواقع القائم في المجتمعات العربية حالياً.
ولا يخفى أن نشير هنا إلى أن سيطرة هذا المناخ السلبي المناقض لبديهيات شروط نمو ونشوء البحث العلمي, قد أدى -وسيؤدي في المستقبل أيضاً- إلى هدر وخسارة مبالغ طائلة وإساءة استخدام واستثمار الأموال العربية التي ازدادت في الآونة الأخيرة نتيجة زيادة أسعار النفط ووصوله إلى حدود قياسية.. فقد قدرت دراسة حجم الإنفاق المالي على الخدمات الاستشارية التي قدمتها المكاتب والشركات الأجنبية للدول العربية بنحو 23 مليار دولار في عام واحد هو 1979.. (راجع تقرير لجنة استراتيجية تطوير العلوم والثقافة في الوطن العربي) (ص 129-130)، وقد ازدادت هذه النسبة أخيراً بشكل كبير ملفت نتيجة الاعتماد الكلي على التقنيات والبحوث العلمية المستوردة من الدول الأخرى.
4-    انعدام الحريات الأكاديمية والفكرية العامة في المجتمعات العربية, وعدم توفر المناخ السياسي الملائم للإبداع والحداثة العلمية والاقتصادية بإطلاق حريات الأفراد وتوفير إمكانيات المشاركة الفعلية أمامهم سواء من النخب العلمية أو من مختلف قطاعات الشعب الأخرى, لان ملاحم التقدم والازدهار العلمي والتقدم التقني وامتلاك المستقبل ترتبط حلقاتها وتتسع -في كل التاريخ البشري- لجهود الجميع في مناخ من المساواة والحرية والعدل والأمان الجماعي والحس الوطني الواعي والهادف.
5-    عدم وجود سياسات تربوية علمية فعالة وناجحة تقوم بتنشئة الأجيال على مقدمات ومعطيات البحث والتدقيق والاهتمام.. لأن نشوء وقيام وازدهار بحث علمي حقيقي في مستقبل الأمة -أية أمة- مرتبط أشد الارتباط بطبيعة التنشئة الاجتماعية لأجيال تلك الأمة. وفي هذا الإطار يجب أن تؤدي الأسرة دوراً فاعلاً في تنشيط الطاقات الإبداعية والإنتاجية لدى أبنائها وتوجيهها الوجهة العلمية السليمة على صعيد الاهتمام الجدي المسؤول بروحية العلم والبحث العلمي ودوره الهام في الحياة الإنسانية. ولكن أين نحن من هذا الهدف الكبير طالما أن الأسر عندنا مهمومة ومشغولة بتأمين أدنى متطلبات وجودها الآدمي (من مأكل ومشرب وملبس ومسكن).
6-    ضعف وتفكك المجتمع العلمي والتقني العربي وفي أحيان كثيرة عزلته عن النشاط الوطني العام, وضعف مراكز المعلومات وخدمات التوثيق والمكتبات, وعدم توافر المناخ الملائم للعمل البحثي, وانتشار البيروقراطية, وقلة الحوافز المادية, والتبعية العلمية والتقنية للخارج, وضعف البنيات الأساسية للحراك الاجتماعي والاقتصادي العربي الذي يفترض أن يشكل -من حيث المبدأ- القاعدة الصلبة لقيام البحوث العلمية.
وهذا الواقع السيئ والمأساوي سيفضي لا محالة إلى استنكاف الباحثين عن العمل وبالتالي حدوث نقص كبير في الإنتاج العملي من حيث المردود النوعي والكمي معاًُ, حيث نلاحظ -في هذا المجال- أن إنتاج العلماء العرب يقف عند حد 0.4 بحث في العام.. أما فيما يتعلق بالإنتاجية العربية مقارنة مع الكيان الصهيوني (التي تبلغ ميزانية البحث العلمي لديها حوالي 6.5 مليار دولار سنوياً) والدول المتقدمة الأخرى, لا يزيد الناتج العربي على 0.9 بالمائة من الناتج الإسرائيلي، وأقل من ذلك -بالتأكيد- بالنسبة للدول المتقدمة الأخرى.
وتشير إحصائيات اليونيسكو إلى توفر حوالي تسعة  آلاف عالم وفني في ميدان البحوث والإنماء في الوطن العربي في عام 1973, وكان على هؤلاء أن ينشروا -إذا استخدمنا المقاييس الدولية للأداء- ما بين 4000 و8000 بحث سنوياً, بينما لم ينشر الباحثون العرب إلا 847 بحث أي بمعدل إنتاجية أقل من 10% من المعدل الدولي.. وهذا يعني أن هناك حاجة لعشرة باحثين عرباً في المتوسط لإنتاج ما ينتجه باحث واحد في المتوسط الدولي.
وبالنظر إلى ذلك فإننا نؤكد أن هناك هوة واسعة –تتزايد يوماً بعد يوم، حيث الآخر يتقدم بسرعة، ونحن نراوح مكاننا أو نتقدم أحياناً ببطء شديد- بين العمل الجدي الحقيقي المنتج والمطلوب وبين ما هو منتظر من الإمكانات والمواهب البشرية العاملة في ميدان البحث والتطوير من العلماء والأكاديميين الباحثين في المؤسسات العلمية العربية.
ولذلك إذا أرادت مجتمعاتنا العربية –والقيمين عليها من القادة والنخب- أن تفتح مسارات وطرقاً واسعة لها باتجاه امتلاك زمام المبادرة الحضارية في المستقبل        -وبالتالي المساهمة الفعالة في بناء وتطوير الحضارة الإنسانية- فعلى نخبها وقياداتها (من مفكرين وسياسيين وعلماء دين) أن تعيد الاعتبار مباشرةً للعمل المؤسساتي, ولدولة القانون والعدل.. دولة الموازنات والخطط التنموية الشاملة التي ترعى -بصدق ومسؤولية- العلم والعلماء، وتتيح عملية المشاركة في صنع القرار، وتقوم بتنمية الثروة بالإدارة العلمية الكفية, وتجعل من العلم والبحث العلمي المبدع رافعة للدولة والمجتمع على أساس أولوية العلم على المال، والوعي على تكديس المال والثروة, وذلك باعتبار أن هناك طاقة وقيمة حضارية مختزنة في ذات العلم تضع المال والثروة في خدمة هذا العلم الذي يخطط بطاقته, ثروة ومال الأمة.
إن التحديات والأخطار القائمة حالياً كبيرة جداً, وهي ستزداد في مقبل الأيام، ولا سبيل إلى فهمها ومواجهتها –الآن وفي المستقبل- إلا بانتهاج طريق العلم والمعرفة العلمية المتوازنة التي يجب أن تدفعنا جميعاً -بحكم ضعفنا وانهيار مناعتنا الذاتية- إلى إعطاء القيمة الكبرى للعلم والبحث العلمي، وما يستحقه من عناية واهتمام، وبناء الإدارة العلمية الأخلاقية، وابتكار أساليب جديدة لتنشئة الأجيال العربية على عشق العلم الهادف، وتنمية حس المبادأة، وروح المبادرة والبحث والتنقيب والسؤال لديها.
إننا نعتقد أن البحث العلمي العربي المنشود هو أحد العناوين المشرقة التي يمكن أن تمنحنا -من خلال تفعيل أدائها ودعمها وفتح المجالات أمام خبراتها للانطلاق والمساهمة في بناء الإنسان وتنمية المجتمع- القدرة على المضي قدماً في عملية النهوض الحضاري لعالمنا العربي، وامتلاك المستقبل بالارتكاز إلى رؤية حضارية علمية تعتمد على إعادة النظر في تنظيم آليات الانبعاث, وأنماط الإيقاظ المستمرة لفكر الإنسان العربي, وتعميق إدراكه ووعيه بطبيعة التغيرات الكبيرة الحاصلة في العالم, وتهيئته لها نفسياً ومادياً, وهذا الأمر يتطلب التركيز الدائم على إجراء البحوث الاجتماعية الإنسانية نفسها, لأنها القادرة على كشف ذات الإنسان ومحتواه الداخلي وفهم تشكيلاته وأبنيته الاجتماعية, وبالتالي تربية الأجيال الشابة وإعدادها للمستقبل من خلال توفير مناهج علمية (تربط العلم بالأخلاق الإنسانية) وتأمين وسائل علمية متطورة.
والأمة التي تريد أن تنتج أو تبدع شيئاً جديداً أو تضيف عناصر جديدة مفيدة للحياة والإنسان، هي الأمة التي تحترم شعبها وجماهيرها وتقدر كفاءاتهم ومواهبهم وإبداعاتهم الفكرية والعلمية.. إنها الأمة التي تعي حقيقة مقدراتها وثرواتها الطبيعية والبشرية، وتقوم بتوجيهها الوجهة الصحيحة على صعيد العمل والممارسة الإبداعية وربط الأهداف بالنتائج المثمرة، وبما يخدم تطلعاتها وأهدافها العالية والطموحة في قيام الإنسان الذي هو أساس الحياة ومنطلق الوجود.
إنني أرى أن مستقبلنا هو رهن لفعلنا وعملنا في الحاضر.. إنه ثمرة أعمالنا وحصاد ما نزرعه في لحظتنا الراهنة التي يجب أن نعمل فيها على تغيير أوضاعنا من الداخل، وتحسين مواقعنا ومضاعفة جهودنا, وفهم دورنا في العالم, وتكثيف مساهمتنا في المسيرة الإنسانية العالمية, وانفتاحنا على الآخرين بوعي وثقة ليكون لنا موقع ودور في الحضارة الحديثة وذلك من خلال ضرورة الوقوف المتأمل أمام الثوابت الفكرية والمعرفية للأمة والاهتمام النقدي الصحيح بنسيجها وبنيانها التاريخي الحيوي.
ومن خلال ذلك يمكن أن تحدث عندنا يقظة حضارية أو انبعاث حضاري عربي حقيقي مثمر قد نمتلك عبره بعض معالم السيطرة على المستقبل. ولاشك أن ذلك يمر في طريق ممارسة النقد والمراجعة لكثير من حساباتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية كما ذكرنا, بحيث يؤهلنا -هذا النهوض أو الانبعاث الحضاري المستقبلي- أن نكون (كأمة تملك موارد ومواهب وطاقات وافرة) معادلة متوازنة ومتكاملة في وجودها مع المعادلات الأخرى.. ولاشك أن السبيل الوحيد إلى ذلك هو تغيير ما بالنفس كأساس لتغيير ما بالواقع.
© منبر الحرية، 13 دجنبر/كانون الأول2009

peshwazarabic10 نوفمبر، 20101

إن قصة المجاعة المألوفة تحدّق ثانية بشرق أفريقيا. ومرة أخرى، تتناول القمة العالمية للأمن الغذائي التي عُقدت قبل أيام أعراض هذه المجاعة، وتغفل أسبابها. فأحد هذه الأسباب هي السنوات المتعاقبة من الأمطار الشحيحة؛ فالقلة القليلة من المزارعين الأفارقة يمتلكون أنظمة للري. ففي أثيوبيا على سبيل المثال، تعتمد 90% من الزراعة على مياه الأمطار. ولكن كثيرا ما يتعرض المزارعون في أنحاء أخرى من العالم إلى موجات من الجفاف ومع ذلك فهم يتجنبون المجاعة.
قبل عام 1800، كانت المجاعة سببا رئيسا للموت في شتى أرجاء العالم. وكانت معظم الشعوب تعيش من الزراعة. فقد كانوا ينتجون ما يكفيهم من الغذاء وبعض الفائض عندما تكون الظروف ملائمة. أما إذا ما ساءت الأحوال، فيستهلكون ما ادخروه. وفي حال استمرار الأحوال السيئة كانوا يلقونَ حتفهم من الجوع.
لقد تغيّرت هذه الحلقة ببطء  في أوربا الغربية بعدما ازداد التمدن، وأصبح الأفراد يتخصصون في تصنيع بعض البضائع والمتاجرة بها مع أفراد آخرين متخصصين في مجالات أخرى. فازداد الإنتاج وأدت المنافسة إلى الابتكار وتضاعف المخرجات. فارتفع الإنتاج الزراعي بشكل كبير في المحصلة وانخفضت نسب المجاعة.
بيد أن مجاعة أيرلندة منذ عام 1845  إلى 1852، ومجاعة فنلندة منذ عام 1866 وحتى عام 1868 تشكلان استثناءا لتلاشي هذه الظاهرة في أوروبا في القرن 19. و تجد ومجاعتي فنلندة و أيرلندة  سببهما في الحكومات القمعية التي تقيد حقوق الأفراد في امتلاك الأراضي والتجارة.  فأدت الزراعات المعيشية المصحوبة بالمرض وسوء الأحوال الجوية إلى مقتل مئات الآلاف من الناس.
منذ عشرينيات القرن الماضي، سجّلت معدلات الوفيات العالمية الناجمة عن المجاعات المرتبطة بالجفاف تراجعا كبيرا بنسبة 99.9%. ما هو السبب؟ التخصص المتواصل والتجارة هما اللتان ضاعفتا كميات الطعام المنتج للفرد الواحد، ومكّنتا الناس في الأقاليم المعرّضة للجفاف من التنوّيع، ليصبحوا أقل عرضة للمجاعة. ولكن في أفريقيا، حيث تقوم الحكومات بمنع حرية حركة وانتقال البضائع والأفراد، وحيث حقوق ملكية الأرض مقيّدة جدا وغير مؤمنَّة، لم تبقى للأفراد سوى فرص ضئيلة لكسب قوت يومهم الهزيل. وأثيوبيا هي المثال الأبرز على ذلك: فالحكومة هي المسؤول الأول عن تكرار تلك الكوارث.
في عام 1975، قامت الدكتاتورية الاشتراكية بقيادة مينغيستو هايل مريم بتأميم كافة الأراضي الزراعية في أثيوبيا، معرقلة ً بذاك نظام الملكية المعقد والشائك، فضلا عن تقويض عملية تمليك الأراضي الناشئة. كان الهدف المعلن هو حيازة الأراضي من المالكين الإستغلايين، و منح الفلاحين حقوق استغلالها، وخلق تعاونيات زراعية لغرض إطعام الشعب، وإبقاء الناس خارج المدن.
ولكن هذه السياسة فشلت فشلا ذريعا. فقد تم استبدال الاستغلال بالقمع. ففي غياب الحوافز لتطوير الأرض، تراجع الناتج تراجعا حادّا، ناهيك عن منع التجارة وتجريمها. وفي ظل مينغيستو، لم يُسمح للمزارعين بتخزين المحاصيل وتوفيرها لأوقات الشدّة، ولا بتوفير المال المتأتي من مبيعاتهم. ولم يُسمح للمقاولين بنقل الغذاء وتوجيهه إلى المناطق التي هي في أمس الحاجة إليه. فقد اعتبرت جميع هذه الممارسات ممارسات رأسمالية مضادة للاشتراكية. وعندما ضرب الجفاف البلاد عام 1983، كما يفعل دوريا ، لم يكن بوسِع الملايين من الناس أن يجدوا كفافهم من الطعام، فلقي مئات الآلاف حتفهم جوعا.
فهل تعلّمت حكومة ميليس زيناوي، رئيس وزراء أثيوبيا منذ عام 1991 دروس عام 1983؟
لم تدخل حكومة ميليس تغييرا ملموسا على سياسة مينغيستو في ملكية الحكومة للأراضي. فبموجب دستور عام 1995 ضل للمزارعين الحق في استخدام الأرض دون الحق في امتلاكها. لذا لم يكن بمقدورهم رهن أراضيهم؛ أي أنهم لم يستطيعوا الحصول على قروض معقولة لأجل رفع إنتاجهم من المحاصيل (من خلال البذور الجيدة  والأسمدة والمبيدات والري، الخ)، مما جعل معدلات الفائدة المترتبة على القروض التي حصلوا عليها عالية جدا.
كما أنهم لا يستطيعون بيع أراضيهم والانتقال بحثا عن فرص اقتصادية أفضل. فليس أمام العائلات سوى أن تقسّم الأرض التي يستخدمونها إلى قطع أصغر فأصغر لتوزيعها على البالغين من الأبناء. وهذا بدوره أدى إلى مجموعة من العواقب الوخيمة: توجّب على العائلات استنفاذ مدّخراتها أو بيع ممتلكاتها الأخرى من أجل البقاء؛ كما أن التقسيم المتواصل أدى بصورة مباشرة إلى تدهور البيئة و انخفاض المحاصيل الزراعية مما فاقم مشكلة الجوع. وأخيرا، لم يكن مسموحا للمزارعين الأكفاء بالتملك وإنشاء مزارع أكبر وأكثر أنتاجا.
والأسوأ من ذلك هو الحد المتعمد من الهجرة إلى المدن من طرف الحكومة. لماذا؟ تدّعي الحكومة، من خلال الحد من الهجرة إلى المدن، أنها قلقة بشأن النمو الحضري “الفوضوي”. ولكنها تتخوّف في الحقيقة من تزايد الناس في العاصمة أديس أبابا الذي سيصعب عليها عملية إخماد الاحتجاجات وإسكاتها، والتشبث بالسلطة السياسية. فعندما يُمنع الناس من الانتقال إلى المدن، فهم بذلك يُمنعون من السعي وراء الفرص الاقتصادية واستخدام مواهبهم في إقامة المشاريع – وهو الشيء الذي يحتاجه الناس عندما لا يكون بمقدورهم إعالة أنفسهم وعائلاتهم من خلال الزراعة.
إن إجبار الناس على البقاء مجرد مزارعين صغار، وحرمانهم من استغلال الفرص المحتملة في المدن، وإجبارهم على الهجرة، وجعلهم يدمرون الأرض من خلال تقسيمها إلى حصص صغيرة، هي سياسات حكومية سيئة، وليست طقسا سيئا.
كان من الممكن تفادي مأساة العام الحالي عبر سياسات مختلفة، بتحويل ملكية الأرض التي تملكها الحكومة إلى الذين يحرثونها، وإزالة القيود المفروضة على التجارة والتنقل. لقد أن الأوان لتحسين وضع الفقراء لمنع المآسي المستقبلية.
* جوليان موريس هو المدير التنفيذي لشبكة السياسة الدولية، و كارول بودرو هي زميل أبحاث أقدم وباحثة قيادية في مشروع إنتربرايس أفريكا! في مركز ميركاتوس في جامعة جورج ميسون بأمريكا.
© منبر الحرية، 23 نوفمبر/تشرين الثاني2009

نبيل علي صالح10 نوفمبر، 20100

لا أتصور أن الإشارة إلى حالة اهتراء واضحة في واقعنا، أو توصيف حالة سلبية قائمة في أي مكان أو زاوية من مواقع حياتنا بالأمر الصعب، ليس فقط بسبب كثرة السلبيات والمشاكل والتحديات المثارة هنا وهناك، وإنما أيضاً بسبب استمرار واستدامة وجودها، وعدم وجود إرادة حقيقية وسعي جدي حثيث لدى المسؤولين وأصحاب القرار وصناع السياسات العرب لتداركها ومحاولة احتواء نتائجها وتداعياتها ومخاطرها المستقبلية على أكثر من صعيد، ولذلك من الطبيعي جداً أن يعاد تسليط الضوء النقدي عليها بشكل وبآخر وبين الفينة والأخرى..
مناسبة هذا الحديث هو خبر تناقلته وكالات الأنباء حول إعلان جوائز نوبل للفيزياء والكيمياء الحيوية و الاقتصاد و غيرها ، والتي كانت نتائجها –كما درجت العادة- تصب في خانة وصالح الباحثين والعلماء والجامعات الغربية عموماً في كل من أمريكا وأوروبا..
والسؤال النقدي المطروح هنا، الذي قد يظنه البعض نوعاً من الجلد غير المبرر للذات الجماعية: لماذا هذا الغياب العربي الكامل عن المواقع العلمية الدولية؟!.. وأين يكمن جذر العطالة في تراجعنا وانكفائنا عن سيرورة التحولات البحثية العلمية الدولية؟.. هل السبب ثقافي عميق أم سياسي طارئ؟! أما أن السبب يكمن في سيطرة الثقافة المتعصبة على عقول أفرادنا ومجتمعاتنا ودفعها لهم باتجاه تبني خيارات أقصوية حادة فكراً وممارسةً؟!
إنها أسئلة إشكالية كبيرة تمس صلب معاناتنا ومشاكلنا اليومية العربية، وينبغي على الدوام إعادة طرحها والتأكيد عليها، ومحاولة تقصي جذورها الفكرية والميدانية، واستخلاص العبر والدروس.. ليس بسبب عدم حصول أسماء عربية (نشأةً وتعليماً) على أية جائزة دولية خاصة بالبحث العلمي من نوبل ومن غير نوبل (ونحن لا نعيش عقدة نوبل ولا عقدة غير نوبل، حيث سبق للعاِلم العربي أحمد زويل الذي دَرَسَ ودرّس في جامعات أمريكا منذ الستينات أن حاز على هذه الجائزة عن جدارة واستحقاق)، وإنما خطورة السؤال تنطلق من عدم وجود أجواء علم وبحث علمي صحيح في عالمنا العربي المثقل بالانكسارات والهزائم، ومن عدم وجود قاعدة بحثية أو تقاليد علمية عربية صلبة ومتماسكة حتى الآن، ومن عدم وجود تنسيق عربي علمي فعال حتى الآن، ومن عدم وجود إرادة علمية عربية جدية حتى الآن، ومن عدم وجود استراتيجية علمية عربية واضحة المعالم حتى الآن، ومن هشاشة وضعف البنية المؤسساتية والعلمية العربية، وعدم قدرتها العملية على تحقيق أدنى معدلات الاستجابة الفاعلة والمؤثرة للتحديات التقنية الهائلة، ومن نقص مردودية الباحث العربي، وتخاذله عن البحث والعمل العلمي الدقيق، نظراً لقلة تعويضه وحافزه المادي والمعنوي، وقلة المشاركة المنتجة في المؤتمرات الدولية من أجل الاستفادة وتبادل الخبرات والنتائج العلمية، وسرعة تطبيق الاستخلاصات والانتفاع بها.
فالكل عندنا –في عالمنا العربي، للأسف- يستهلك وقته في السياسة العربية الرثة والمتخلفة والبدائية بتياراتها وشجونها وتعقيداتها وإشكالاتها وتقلباتها وحرتقاتها التي لا تنتهي، وأما الآخر (غير العربي)  فتراه يفكر ويعمل ويتحرك وينطلق ويؤسس ويبني ويحقق نتائج ميدانية مفيدة ملموسة (سياسية وغير سياسية) تزيد من قدرة البشرية على تطوير وجودها النوعي العملي في هذه الحياة، حياة اليوم وحياة الغد.
من هنا اعتقادنا بأن ضخامة تلك السلبيات القائمة والمفضية إلى تدني الحالة العلمية العربية عموماً، بالرغم من وجود نتائج طيبة على أكثر من صعيد تظهر فقط عندما يذهب الباحث العربي ليدرس ويبحث في الجامعات الغربية، ليحقق حضوراً قوياً منتجاً.. أقول إن كثرة تلك السلبيات التي نحاول تناولها من زاوية النقد، والإشارة المباشرة إلى حجم الأخطاء التي يمكن أن تنتج عنها وتتفشى من خلالها في غير موقع من حياتنا الاجتماعية والعملية والفكرية، ينبغي ألا يجعلنا ندخل في دائرة الإحباط واليأس، بل من المهم دائماً لفت النظر إليها والتأكيد على أنه ليس لنا من غاية من طرحها سوى إظهار مدى خطورتها المستقبلية على حياتنا، والمساهمة –مع من هم في سدة القرار والمسؤولية العملية- في إيجاد حلول عملية واقعية لها.. فالتبرير ليس من شيمنا، كما أن جلد الذات ليس من أهدافنا.
© منبر الحرية، 28 أكتوبر/تشرين الأول2009

peshwazarabic10 نوفمبر، 20100

أكثر ما يحفل به حاضرنا العربي المعاصر ودون شك، هو حالتا التخوين والتكفير اللتان ترهقان الفضاء الفكري وتحدان من سلطة العقل وحقه في التفكير الحر الذي يفكك بنية الوعي المولّد للتكفير و التخوين إلا ما استند على دليل ظاهر.
ولكن المتفحص لحالات التخوين التي تتم في العالم العربي، والمدقق في مفردة خيانة واستخدامها الحالي ، لاشك سيلحظ اقتصار نمط التخوين على حالتين اثنتين : أولهما التعامل مع العدو بالنسبة لمن تعامل وعمل جاسوسا لصالح العدو بحق.
وثانيهما: اتهام السلطات للمعارضين لها بالتعامل مع الخارج وتلقي معونات خارجية. ويقابلها من الطرف اّلآخر اتهام المعارضين للمثقفين المستقلين ولمن يخالفوهم في الرأي بالعمالة لصالح السلطات.
لن نناقش في هذا المقال الدوافع التي تجبر السلطات والمعارضات العربية على اتهام المخالفين لهما بالخيانة، لأنها في جذرها تعود إلى غياب الأرضية الديمقراطية اللازمة.
ولكن سنناقش امتناع السلطات العربية وأبواقها الإعلامية قاطبة، والمعارضات على اختلاف أشكالها والمثقفين والشعوب نفسها على إطلاق عبارة الخيانة على حالات الفساد التي يتم كشفها، علما أن حجم الضرر التي يتسبب به هؤلاء الفاسدين يكون في أحيان كثيرة أفجع وأفدح وأكثر ضررا مما قد يسببه “الخونة” بالمعنى الأول.
أليس تخريب اقتصاد الوطن خيانة ؟
أليس سرقة أموال الوطن خيانة ؟
ألا يخون المؤتمن على أموال البلاد والعباد ثقة من أمنوه؟
خطر الفساد عندما يكون في مراكز حساسة لا يقل عن خطره عن حالات الخيانة والتجسس لصالح العدو، وخاصة عندما يصل الأمر إلى مرحلة الإفساد المتعمد، تحقيقا لمصالح شخصية ضيقة، وأحيانا ربما يكون الهدف الخفي هو تخريب واضح وممنهج للاقتصاد الوطني ، الأمر الذي يجعل من الحالة “خيانة وطنية بامتياز”!
ولكن رغم ذلك لا نجد من يطلق على الفاسدين، صفة الخيانة، لا من قبل السلطة التي تحاكم هؤلاء الفاسدين، ولا من قبل الإعلام الذي يسرد وبالتفصيل الممل فسادهم، ولا من قبل المعارضات التي تشنف أذاننا ببياناتها الصاخبة ضد الفساد والمفسدين، ولا من قبل المثقفين الذين يعتبرون “ضمير الأمة ورسلها”، ولا من قبل الشعب نفسه الذي يحصد نتيجة ما يزرع هؤلاء المفسدون.
السؤال المربك : هو لماذا لا يتهم هؤلاء بالخيانة؟ ما لسبب؟
للوهلة الأولى يبدو الأمر طبيعيا، وغير ذي أهمية، إذ يكفي القول أنهم مفسدون وهذا يفي بالغرض، ولكن تدقيقا ما في الحالة سيكشف ما هو أدهى وأعظم، لأن خلف الأكمة ما خلفها!
نبدأ من السلطات التي تحاكم هؤلاء الفاسدين، فهي لا تطلق عليهم صفة الخيانة، لأنها بإطلاقها الصفة المذكورة، يعني أنها تطلقها على نفسها، لأن الشخصيات التي تحاكم بتهم الفساد “دائما” هي شخصيات تربت في بيت السلطة وضربت بسيفها، و هي التي سمحت لها بالفساد والإفساد المتعمد من أجل تسهيل مهمتها في الحكم، ليصبح “الجميع مدانون تحت الطلب”، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن العديد من الشخصيات الموجودة في السلطات العربية وما تزال تمارس عملها، هي شخصيات معروفة بفسادها وإفسادها، وامتلاكها لأموال غير مشروعة، الأمر الذي يعني أن إرداف صفة الخيانة بمن يحاكم بتهمة فساد، هو توجيه التهمة نفسها وبطريقة غير مباشرة لمن مازال يمسك بزمام الأمور، الأمر الذي ينتزع من أيدي السلطات العربية، أهم سلاح تشهره في وجه معارضيها. هذا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن السلطات المذكورة لا تقدم على محاكمة أي شخصية من شخصياتها بتهم فساد لأنها تنوي مكافحة الفساد، إنما تحقيقا لهدف معين يخدم مصلحتها، وهو ما بيناه في مقال سابق منشور على هذا الموقع تحت عنوان : الفساد والسلطة والديمقراطية.
هنا نجد أن امتناع السلطات عن إرداف صفة “الخيانة” بمن تمت محاكمته بتهم الفساد، ليس عبثيا أو نتيجة غباء ما ، إنما هو أمر مدروس وممنهج، كي لا تطالها الخيانة، وتصبح كمن يشرب من سُمّا طبخه بنفسه!
ولكن المحيّر هو عدم انتباه المعارضات العربية في العالم العربي كله لهذا الأمر، إذ رغم اتهام السلطات لها دوما” بالعمالة والخيانة”، لم تسع يوما لأن تفكك ذلك المصطلح، وتعيد تركيبه بشكل فكري ممنهج لرد التهمة إلى أصحابها الحقيقيين، الأمر الذي يعكس أوجه قصور هذه المعارضات وعدم نضجها، وعدم قدرتها على الخروج من حالة “الأدلجة” التي حصرت نفسها بها، إذ تعكس أغلب بياناتها مراهقة فكرية تؤكد عجز هذه المعارضات عن تشكيل نموذج يمكن أن يشكل حالة تشي بأمل ما.. حيث مازال تفكيرها محصورا بنطاق السلطة والوصول إلى الحكم، دون أن تكلف نفسها العمل على قضايا المجتمع والفساد، أي مازالت تطفو على السطح، ولم تسع لتأسيس حالة شعبية عن طريق اهتمامها بالثقافة والفكر وقضايا الناس، إضافة إلى أن المعارضات نفسها تعيش فسادا معنويا من نوع آخر، وهو الفساد السياسي الذي يجعلها تناور”سياسيا” فقط دون أن تسعى لتشكيل جذر حقيقي معارض في المجتمع، أي تسعى مثلها مثل السلطات الحاكمة لأن تلعب على تناقضات المجتمع من أجل الوصول حتى لو أدى ذلك إلى خلخلة روابط المجتمع المفككة أصلا.
وهنا حال التصاق مفردة الفساد بالخيانة، سيجعل التهمة موجهة إلى المعارضة نفسها التي تتحاشى أن توسم بها، الأمر الذي يجعل من السلطة والمعارضة وجهان لعملة واحدة.
أما على الصعيد الشعبي، فيبدو الأمر معقدا جدا، حيث أضحى الشعب في أحيان كثيرة من خلال منظومته الفكرية التقليدية (التي تسعى السلطة وأعوانها إلى تكريسها) عاملا مساعدا على الفساد ، رغم أنه المتضرر الأكبر، حيث وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الفساد بنيويا، وأصبح الشعب نفسه يدافع عنه ويكرسه، حيث استطاعت السلطات أن تجعل من الجميع مشاركا ومساهما بشكل أو بآخر، الأمر الذي يعني وسم الفساد باسم الخيانة أمر غير مستحب لدى الشعوب السائدة بسبب الوعي المشوه الذي تم زرعه عبر عملية غسل دماغ مستمرة منذ عقود، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى، نلحظ أن ثقافتنا العربية عموما مبنية وقائمة على التخوين الذي فرضته الإيديولوجيات الشعبوية، والتكفير الذي فرضته الأصوليات الإسلامية، ومابين إيديولوجية التكفير وإيديولوجية التخوين يبدو الوعي العربي محاصرا بفخ يصعب الفكاك منه، حيث تعلم المواطن العربي أن التخوين يمكن إطلاقه على المخالف في الرأي وعلى المعارض وعلى كل من يسعى لخلخة البنى السائدة المكرسة للوعي المأزوم هذا.
الأمر الذي يعني أن الخيانة في الوعي المأزوم هذا تبدو ثقيلة جدا، لذا يتحاشى الوعي الشعبي إطلاقها على الفساد لأن الكل مشارك بهذا الفساد، الأمر الذي يعني أن هذا ينطبق عليه.
وهنا نلحظ ذلك الازدواج المرعب في الثقافة العربية، هذه الثقافة التي تتحاشى إطلاق صفة الخيانة عندما تمسها، وتطلقها بسهولة على من يختلف معها في الرأي، وهذا أصعب ما في الظاهرة وأعقدها، إذ يغدو الأمر مركبا، فالمتضرر من الفساد هو الذي يدافع عنه، ولا يكتفي بذلك بل يخترع”ايديولوجيا” تشرعه وتقدم له المسوغات اللازمة لنموه واستمراره.
من هنا لا يمكن فصل محاربة الفساد، عن توجيه النقد العنيف لكل البنية الثقافية المولدة لتلك الأنظمة (سلطة ومعارضة وإعلام ووعي شعبي زائف) التي استطاعت أن تلعب وتناور وتبني قلاعا داخل مدن خصومها، ليصبح المتضرر هو المدافع عما يسبب تضرره دون أن يدرك ذلك.
© منبر الحرية 16 يونيو/حزيران 2009

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018