الديمقراطية والإصلاح السياسي

نبيل علي صالح13 مارس، 20112

يبدو أن ما قامت به نظم الحكم العربية العتيقة العفنة، من ممارسات وسلوكيات القهر والظلم والفساد والاستبداد والاستبعاد السياسي وغيرها من ارتكابات غير إنسانية بحق شعوبها ومواطنيها لم تعد تجدي نفعاً مع شعوب خرجت كالمارد من القمقم، بل كانت تلك المآسي والمظالم والضغوطات السياسية والاقتصادية التي مورست عليها أكبر دافع ومحرض على سلوك طريق التغيير والثورة ومحاولة بناء دول عصرية مدنية مؤسساتية حديثة..
وبالفعل، فقد ملت ويئست هذه الشعوب -التي كان يقال عنها حتى وقت قريب بأنها شعوب مسترخية مستكينة نائمة راضية بالقهر والعذاب والاضطهاد السياسي- من تكرار واجترار تلك الصور والكليشيهات والأعلام والخطابات الطنانة والشعارات الفارغة ذاتها على مدى عقود وعقود، والتي لم تبنِ دولة قانون وعدل ومؤسسات حقيقية أكثر مما بنته من أجهزة إكراهية تمارس العنف المادي والعضوي والقهر والطغيان القائم على حكم فردي أوحد مطلق..
وعندما نستمع إلى بعض وليس (إلى كل) خطابات وأقوال وتحليلات هؤلاء الدمى الديكتاتورية المصابة بمرض جنون العظمة والسلطة والعز والجاه الفارغ، لا نستغرب أبداً ما فعلوه وارتكبوه بحق شعوبهم من أعمال وحشية وشنيعة على مدار أكثر من ستين سنة مضت من مناخات وأجواء القهر والفقر والظلم والاستبداد، منذ زوال عصر الانتدابات الخارجية عن بلداننا العربية في المشرق والمغرب وتحت مرأى ومسمع (وربما موافقة) الإدارات السياسية الغربية الرافعة دوماً لشعار حقوق الإنسان والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة..
فقد استلمت الحكم بعد ذلك مجموعة من النخب العسكرية المتريفة -القابضة بقوة على مفاصل المجتمع والدولة- بالاستناد إلى ما كان يسمى “بالمشروعية الثورية الانقلابية”، فنزل هؤلاء القادة العسكريون سحقاً ونهباً وكراهية بالإنسان والمدنية، وكانت نتيجة أعمالهم السابقة بناء دول تحديثية (غير حديثة!) لا تعترف بالفرد ولا بحقوقه ولا بإنسانية وجوده، بل كانت تريده –وهذا ما تحقق لها طيلة الفترة السابقة- مجرد آلة جامدة لا حس ولا وعي ولا عقل ولا كرامة له، ينفذ ولا يعترض، يطيع بنعم دائمة ولا يقول لا.. وإذا ما حاول إبداء أية ممانعة ولو فكرية ليعبر من خلالها عن بعض ما يجول في نفسه أو خاطره من أفكار واعتقادات لا تناسب النخبة الحاكمة، فإن العزل والسحق والسجن وربما القتل هو مصيره المحتوم الذي ينتظره.. هذا ما حدث في معظم إن لم يكن في كل الدول العربية..
والقذافي –كأحد هؤلاء الحكام المستبدين العرب، وكممثل وعميد حقيقي رائع لهم، ومعبر حي عنهم- لا يجد في مجمل قاموسه السياسي وميراثه الدولتي الطويل بعد 42 سنة متواصلة من حكمه الثوري الغاشم بحق ليبيا والليبيين –الذي لم ينمو ويخضر إلا دماءً وعنفاً وتسلطاً وتجبراً- أي كلام يخاطب به شعبه سوى كلام التهديد والوعيد، وتخيير شعبه بينه وبين الفوضى والدمار والحرب الأهلية.. فأية فاشية هذه، وأية عقلية بدائية لاإنسانية هذه.. ومن أية عجينة صنعت هذه الشخصية المعقدة وشديدة التركيب التي تعاني كما يتضح من جنون العظمة ومن نقص هائل في الصفات والأخلاق الإنسانية النبيلة..
وبعد استماعنا لخطاب هذا القذافي الدموي الذي طلب من جيشه ضرب شعبه ومقدرات ومنشآت بلده بالقنابل والطائرات والصواريخ فضلاً عن الرصاص الحي، مما جعل الناس هناك في ليبيا يترحمون على أيام الاستعمار الخارجي، تذكرنا أيضاً خطابات كثير من الزعامات الفرعونية والديكتاتورية العربية وغير العربية ممن أدمنت على الحب والهوس المجنون بالسلطة وعدم القدرة على تركها أو التحرر منها إلا بقوة النزع والضرب على الرأس من الأعلى، كما أنها تذكرنا بخطابات الفاشيين وملوك أيام زمان  ممن كانوا يصورون أنفسهم آلهة يجب التعبد في محرابها والتمسح بها ليلاً ونهاراً..
وهذا هو والي المدينة المنورة زمن معاوية حالم بلاد الشام، يوجه كلاماً قاسياً يستحقر من خلاله إرادة الناس في صلاة الجمعة قائلاً لهم بحضور معاوية وابنه يزيد وباقي أطقم الحكم والدولة: “أمير المؤمنين هذا (وأشار إلى معاوية)، ومن بعده هذا (مشيراً إلى يزيد)، ومن أبى فهذا (مشيراً إلى السيف الذي بيده)؟!!..
طبعاً هذه هي العقلية الاقصائية التسلطية التي مضى عليها زمن طويل منذ أن حول معاوية الدولة والإسلام ككل إلى ملك عضوض يعض عليه بالنواجذ، ويضحي في سبيله بالغالي والرخيص، حتى بالأولاد.. حتى أن هارون الرشيد قال ذات مرة لولده المأمون الذي كانت له منذ أيام والده رغبة جامحة بالسلطة والعرش: “والله لو نازعتني فيه (يعني بالملك) لأخذت الذي فيه عيناك”.!؟..
ومن له تلك الأيام المجيدة في تاريخنا العربي (التليد!) الذي قام وشاع على ثقافة تاريخية اتباعية تقليدية تلغي العقل والتفكر والتحرر وتدعو وتمارس عبودية الشخصية وتمثل قيمها وسلوكيتها حتى لو كانت غير إنسانية، وهذه الثقافة ذاتها هي التي أنتجت وأنجبت، وقبل ذلك مهدت الأجواء لولادة شخصيات أمثال معاوية، ويزيد، وصدام حسين، وزين العابدين بن علي والقذافي، وغيرهم كثير من زعامات الحكم السياسي العربي قديماً وحديثاً.
وهذا ما أدى لاحقاً –كنتيجة طبيعية لهشاشة البنية الفكرية والنفسية المولدة للنمو والتطور والإبداع الحياتي والمجتمعي- إلى ضعف مجال الاجتماع السياسي والديني العربي والإسلامي على حساب تقوية وتضخم مواقع الحكم الفردي، وتعقيم الحياة السياسية الحقيقية في بلداننا العربية.. وهذا ما أدى أيضاً إلى تهشيم البنية المجتمعية المدنية في عالمنا العربية التي يمكن أن يلجأ إليها أفراد المجتمع للتعبير عن معتقداتهم وقناعاتهم وآرائهم وأفكارهم، لأن هناك حالة ضعف أو تضعيف للأحزاب السياسية، مع أن وجودها الحقيقي كان يجب أن يؤدي ويساهم في تفعيل وتزخيم وتطوير الحياة السياسية لأي مجتمع من المجتمعات خاصة مع دورها في مراقبة الحزب أو السلطة القائمة وطرح بدائل عنها وما يمكن أن يثيره ذلك الجو والمناخ السياسي السليم والسلمي من تعميق لحالة التنافس والسجال والحراك السياسي المتقدم والحقيقي.
طبعاً هذا كله ليس موجوداً في دنيا العرب والمسلمين إلا فيما ندر، يعني أن هناك حالة غياب وتغييب قسري للحريات المتعددة من الحرية الشخصية إلى الحرية السياسية في ظل هيمنة قوانين الاستثناء والطوارئ، وهناك الهيمنة المطلقة لأجهزة الدولة على المؤسسات والمواقع الإعلامية التي تزيف الحقائق وتمنع الناس والنخب من قولها.. وهناك حالة انتشار وتفشي واسع لثقافة الفساد والإفساد، وهناك أيضاً تفشي لثقافة الخوف والتخويف.. إضافة إلى انعدام فرص العمل وتفشي العطالة والبطالة والفقر والتخلف المجتمعي العام (120 مليون أمي عربي لا يقرؤون ولا يكتبون ولا يعرفون فك الحرف)..
تصوروا أننا على أعتاب العقد الثاني من الألفية الجديدة، ولا يوجد في جعبة نظمنا الحاكمة شيء إبداعي فوق العادة يمكن أن تفاخر به وتقدمه لشعوبها بالرغم من توفر قدرات ووجود إمكانيات وطاقات هائلة وموارد طبيعية كبيرة في تلك الدول لم تستطع تلك النظم أن تبني وتطور وتراكم سوى في مداخيلها وثرواتها الخاصة على حساب الشعب كله.. حيث رأينا كيف أنه في الوقت الذي كان فيه الشعب الليبي يجوع ويعرى، كانت الأموال والموارد والثروة النفطية تضيع في جيوب القذافي وجيوب زبانيته وأولاده وبطانته الفاسدة..
من هنا لاحظنا أن الناس ضاقت بها الحياة والسبل من رؤية هذه الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بينها وبين تلك النظم ومن يدور في فلكها، كما أنها لم تعد تطيق أن تشاهد وتسكت عن تلك الفوارق المادية والمستويات المعيشية والحياتية بينها وبين باقي الدول في الغرب أو في تركيا أو غيرهما من الدول المتطورة والخادمة لشعوبها.. ولهذا فقد انطلقت تلك الجماهير الغفيرة وبصورة شبه عفوية –وليست مدفوعة لا بأجندة خارجية ولا بغيرها سوى بأجندتها الداخلية الخاصة- لتعبر عن ظلامتها وعما يجول في خواطر وقناعات الناس من ضرورة التغيير الجذري والثورة ضد هؤلاء الطغاة، الذين وصلت بهم الحدود أن يتفننوا في ممارسة السلوكيات اللاأخلاقية بحق شعوبهم من شراء القصور الباذخة  في أوروبا وأمريكا وأفضل منتجعات العالم، وترك مجتمعاتهم نهباً للفقر والجهل والتخلف..
ويبدو أن قطار التغيير يسير بسرعات كبيرة، وهناك محطات عديدة ستتحرك ليصل إليها بعد فترات زمنية غير طويلة.. وما يحدث في هذه الأيام من انتفاضات وثورات إنسانية غير أيديولوجية ليس إلا تعبيراً عن طموح الناس في بلادنا العربية للعيش الكريم أسوة بباقي خلق الله الذين يعيشون بهدوء وطمأنينة وحياة مستقرة هانئة ورغيدة بكل وعي وحرية في باقي بلدان العالم.. إنها بالفعل صرخة هذا الإنسان المصري الذي عبر واختصر كل ثورة مصر بثلاث كلمات: “إحنا عايزين نعيش”.. أو ذاك التونسي الذي عبر عن أن طموح ثورة تونس عنده تجلى من خلال أنه بات باستطاعته أن “يصرخ بحرية”!!..
إنها –أخيراً- صرخة الحرية المدوية التي تزلزل عروش الطغاة في كل مكان.. وقبلها تزلزل وتهز قلوبهم الصدئة المليئة بالحقد الأسود والأعمى على شعوبهم التي استحملتهم كل تلك السنوات والعقود العجاف!!..
© منبر الحرية،14 مارس/آذار 2011

نوح الهرموزي12 مارس، 20110

الواقع أن بناء الدولة وتأسيس شرعيتها في البحرين قام وفقا للأسس العائلية من خلال وجود أسرة حاكمة عملت على تقوية ذاتها وتماسكها الداخلي بالاعتماد على العصبية القبلية، وعلى سياسة توزيع الغنائم بأشكالها المختلفة مع الاحتفاظ بالقبائل الأخرى في حالة تنافس فيما بينها حتى لا تتزايد قوتها بشكل يهدد الوضع المهيمن للأسرة الحاكمة في إطار سياسة الصراع المتوازن.....

peshwazarabic3 مارس، 20110

هذه مرحلة تحول تاريخية لم يعرف شرقنا العربي مثلها منذ زمن الاستقلال عن الاستعمار. لهذا تمثل استقلالاً ثانياً يؤسس لحضارة عربية أكثر توقداً وأقل استكانة، أكثر تساؤلاً وأقل تبعية، أكثر ديمقراطية ورفضاً للظلم وأكثر تحرراً وتمسكاً بالكرامة الإنسانية.....

نوح الهرموزي3 مارس، 20110

لقد أثبتت الثورتان المجيدتان أن هذه الشعوب كانت تغلي فوق صفيح ساخن وتعيش مرحلة ما قبل العاصفة. العاصفة التي دمرت سفينة القبطان مبارك، وهناك سفن عربية أخرى تبدو كبيرة ومتعالية ولكن تسير بمحركات إما انتهت صلاحيتها أو تدور في هياكل غير مزيتة.....

peshwazarabic1 مارس، 20110

لا يستقيم مبدأ المشروعية لدى المحكمة إلا باعتبار الدولة التي يتوافر لكل مواطن في كنفها الضمانة الأولية لحماية حقوقه و حرياته، ولتنظيم السلطة و ممارستها في إطار من المشروعية، وان هذه الضمانة يدعمها القضاء من خلال استقلاله وحصانته لتصبح القاعدة القانونية محورا لكل تنظيم، وحدا لكل سلطة ورادعا ضد العدوان....

إدريس لكريني24 فبراير، 20110

إذا كانت النخب السياسية قد أسهمت بشكل ملموس في الدفع بعدد من المجتمعات نحو تحقيق الديمقراطية والتطور والتنمية، فإن الأوضاع السياسية داخل الأقطار العربية، تعكس الحالة المتردية التي تعيشها النخب السياسية في مختلف هذه الأقطار نتيجة لعجزها عن قيادة أي تغيير أو إصلاح....

peshwazarabic22 فبراير، 20110

بقدر ما أبكى نظام الرئيس السابق حسني مبارك الشعب المصري حزناً، نجده وقد أبكاهم فرحاً عندما حققوا انتصاراً فتح الباب أمام حريتهم وانعتاقهم التاريخي. الديكتاتورية والقمع والبطالة والفساد لا تحدّ من المقدرة الفطرية والذكاء الجماعي للشعوب عندما تكتشف نقاط ضعف النظام فتطرحه أرضاً في لحظة منازلة تاريخية. هذه قصة متكررة عبر التاريخ المديد للأمم والحضارات، فالأنظمة تنهار بفضل ذلك التناقض الذي يتطور عبر الزمن بين حاجات المجتمع وأحلامه، وبين سطحية الأنظمة وأفعالها ومحدودية رؤيتها واحتكارها للسلطة (وهو الأهم)، وبين عزل بقية قوى المجتمع. وبينما تجدد الأنظمة الذكية نفسها بواسطة تداول السلطة وحماية الحريات ومواجهة الفساد، نجد أن الانظمة التقليدية تتآكل من دون أن تشعر أنها سائرة نحو لحظة اشتعال. وفي لحظة الصدام الأهم، تتخلى الطبقة الطفيلية المستفيدة الملتصقة بالنظام الذي يحتكر السلطة عن رئيس البلاد والنظام الذي فتح لها أبواب الاستفادة غير المشروعة، فتتركه وحيداً. تبين في مصر أن النظام هشّ ومفكك، لأنه بني على قواعد شكلية وأسس قسرية لا تتماشى والطبيعة الانسانية التي تحركها العدالة. في التاريخ الانساني، هوت الأنظمة التي تحتكر السلطة السياسية عند كل امتحان مصيري. ستبقى في الحاضر صرخة العدالة والحرية والحقوق وتداول السلطة قادرة على قلب أكثر الانظمة قوة بين ليلة وضحاها.
وكم من اختلاف بين الماضي واليوم، بين لحظة جيلي في سبعينات القرن الماضي وبين لحظة الجيل الراهن ٢٠١١، ففي السبعينات لم يكن هناك «يوتيوب»، ولا انترنت ولا «فايسبوك» ولا هاتف نقال يصور الحدث، كما هو حاصل اليوم. قصص تصفية المدن وحرقها وقتل ألوف الناس وتصفية المعارضين في كل مكان وبدم بارد سادت القاموس العربي في السبعينات. تلك كانت الطريقة المتبعة لترويض الشعوب العربية، ففي الكثير من البلدان العربية قصص تقشعر لها الأبدان، كما حصل إبان انتفاضة فاس في المغرب عام ١٩٩١، وحوادث شبيهة في ليبيا والعراق والجزائر وسورية (حماه وحمص) واليمن، وبالطبع في الحرب الأهلية الأردنية الفلسطينية عام ١٩٧٠، وفي الحرب الأهلية اللبنانية، والأهلية الجزائرية… وغيرها.
مع عام ٢٠١١، اختلف كل شيء، فالتنكيل يُنقل عبر العالم بالصورة والصوت عبر المحطات ومن خلال هواتف المواطنين. فضائح القتل تصل إلى بقية أبناء الشعب، بما فيه الجندي والضابط، مما يساهم في إسقاط الدعاية الرسمية بلحظة واحدة. في مصر مثلاً، فقد النظام نصف شرعيته عندما أرسل الجمال والقتلة والبلطجية ليضربوا المتظاهرين المسالمين، وفقد نصف شرعيته الآخر عندما رأى مزيداً من الناس ينضمون للثورة.
لقد دخل العرب في زمن الاستقلال الثاني. الاستقلال الأول كان في مواجهة الاستعمار، أما هذا الاستقلال، فهو تأكيد لمبدأ أن الشعب مصدر السلطات جميعاً وأساس الشرعية. أهداف هذا الاستقلال بسيطة: كل الناس يريدون الكرامة الإنسانية والمشاركة الحقة والحرية السياسية والشخصية وعملاً منتجاً وأماناً اقتصادياً وشعوراً بالمساواة والحقوق. وكل الناس يريدون القضاء على الفساد، لأنه يسرق عملهم وإنتاجهم، ويريدون قضاءا مستقلاً ويسعون لانتخاب مسؤوليهم وقادتهم، وكل الناس يريدون تغيير وزرائهم إن لم يحققوا لهم أهدافهم. المجتمعات العربية تبحث الآن عن زعماء يتصرفون بحرص على الناس. الشعارات القادمة في الحركة العربية بسيطة: حرية – عدالة اجتماعية – كرامة – حقوق – تداول السلطة… وفي بعض الحالات اسقاط النظام العاجز عن إصلاح حاله.
إن البلاد العربية في بداية طريق جديد تشكِّله مطالب شجاعة يحمل لواءها جيل شاب يسعى إلى فرض حالة تغيير شامل في بعض الأنظمة، بينما يسعى لإصلاح بعضها الآخر. الاصلاح يعني فرض تنازلات أساسية على النخب العربية الحاكمة تتنازل بموجبها عن احتكار السلطة. لكن رفض الاصلاح سوف يعني ثورات لا حد لطموحها، مما سيهوي بعدد من الأنظمة العربية. في المرحلة القادمة، سنعيش وسط عاصفة رملية عاتية، وبعد انتهاء العاصفة لن نكون نحن أنفسنا كما كنا قبلها، سنكون مختلفين روحاً وعقلاً.
عودة مصر إلى مصر هي بداية الطريق لعودة مصر إلى العرب. وهذا سيعني الكثير: فقد اكتشف المصريون، وقبلهم بأيام التونسيون، آليات التغيير، وأكدوا لبقية العرب أن هذه الآليات قابلة للتحقيق والتصدير. من تونس الى مصر وقع التصدير الأول للثورة، والآن سيقع التصدير الثاني من مصر الى ليبيا واليمن وغيرهما، فكل الثورات تصدِّر الثورة، وإن لم تصدر الثورة بصورة مباشرة ستفعل ذلك من خلال النموذج والأفكار والوسائل والطرق. سيصدَّر النموذج المصري والتونسي حتماً، إلاّ إذا قامت الأنظمة العربية بحماية نفسها من الثورة عبر القيام بإصلاحات كبيرة تغير المضمون وتطور الأوضاع وتسمع صوت الشارع. عودة مصر ستعني بروز كرة ثلج بألوان مختلفة من الأفكار والكتب والأبحاث والأفلام والمسلسلات والأدب والشعر والرواية والتعليم والمدارس. نحن على أعتاب ثورة ثقافية ستصاحب الثورة الشبابية وتمهد لعالم عربي ديموقراطي ومختلف.
لقد بدأ الشباب في العالم العربي بتجاوز نخبهم السياسية بكل أصنافها، وبتجاوز اللغة التقليدية للنخب. لقد قضى الكثير من الدول العربية على جميع الرموز والنخب الوسطية، وفَرَّغت الأحزاب المعارضة من قيمتها، وخلقت وضعاً يجعل الناس يتناقضون بعضهم مع بعض على أبسط المسائل الطائفية والعائلية والفئوية. هذه السياسات أقنعت المجتمعات بأنه لا بديل من النظم سوى الانهيار أو التطرف الاسلامي. الثورات الجديدة تقول لنا: هناك طريق ثالث سلمي ووسطي وديموقراطي، والخيار ليس بين النظام والتطرف الإسلامي والفئوية، بل بين النظام والقوى الشبابية والشعبية والديموقراطية.
ثقة جديدة تمتد الآن بين العرب من ليبيا ومن اليمن والبحرين الى سورية، ومن الأردن الى بقية الأقطار العربية، بما فيها إيران. لقد بدأت مرحلة تاريخية لها مميزاتها وخصائصها، ومعها ينبعث إنسان عربي تنتجه كرامة جيل. إننا نمر بعاصفة رملية كبيرة نسير وسطها، بينما نبحث عن طريقنا ونتأقلم مع تقلباتها ومفاجآتها. سنصل الى نهاية، وسنكون مختلفين، بعد انقشاع العاصفة وعودة النور الى بلادنا.
‎© منبر الحرية،18 فبراير/شباط 2011

peshwazarabic22 فبراير، 20110

تكتسب القدرة على التكيف الخلاق مع الموجات التاريخية أهمية قصوى، باعتبارها إحدى المهارات الأساسية للثقافة السياسية، وخصوصاً في لحظات الانتقال السريعة في منطقتنا العربية الحالية، التي يغلب فيها على الحركة الدولية قدراً هائلاً من التغير والدينامكية. إذ تبدو أدق الحسابات السياسية عاجزة عن التواؤم الكامل مع هذه المتغيرات وحركتها الدافقة، بما يجعلها في حاجة دائمة لإعادة النظر من أجل التكيف المرن والخلاق معها. وهو ما يقاس بدقة الاستشعار وعمق القراءة ومن ثم حسن التوجه وسرعته أيضاً، وإزاء ما يعتبر موجات تاريخية أو تحولات سياسية، على النحو الذي يعظم من الفرص التي تتيحها هذه التحولات، ويقلص من مخاطرها لتأتي محصلة عوائدها وتكلفتها إيجابية.
فمن علامات أزمة النخب الحاكمة في بلادنا أن بعض التصورات والأفكار تتحول إلى ثوابت في الأذهان والأفعال وكأنها تحولت إلى قوالب مقدسة. ويظل الكثير من النخب والقادة ينتهجون ويلتزمون ذات الثوابت والتي لم تعد تواكب التطورات الحاصلة بأي شكل من الأشكال . وفي ظل هذا الوضع، تزدهر في سماء المنطقة الكثير من الخطابات السياسية التي لا تضمن التوصيفات المتعددة في العلوم السياسية القدرة على الإحاطة بها، من شعوبية جديدة ودوغمائية ما بعد عصر الحداثة. وسواها من تلك التوصيفات التي تم تخصيصها لوصف سلوكيات سياسية بدائية، سادت وانتشرت في أزمنة أولى من ممارسة السياسة. والتعاطي معها بوصفها ترويضاً للمجتمعات الإنسانية، وليس باعتبارها فن الممكن وفن إدارة الأزمات والمجتمعات، للوصول إلى أفضل النتائج التي تؤمن حياة البشر.
فممارسة ذلك النمط من السياسة هو ما يمكن أن يطلق عليه مفهوم السياسة السهلة، بمعنى السياسة التي تفتقد للخيال القادر على إيجاد الحلول الممكنة للمشكلات التي تعاني منها مجتمعاتنا. فضلاً عن الإرادة التي تحول هذا الخيال إلى مشاريع ورؤى وتصورات، وفق تعاطي منهجي مستمر. وصولاً إلى التكييف العملي والعلمي لتلك المناهج، مع واقع الإمكانات المتاحة وواقع البيئة المحلية والدولية .
والإشكالية، هي في التوظيف السياسي البشع للأحداث من قبل بعض الأنظمة التي تعرف تماماً أنها لا تخسر شيئاً من الامتيازات التي حصلت عليها في بلدانها، ولن تترتب عليها أي التزامات. تمهيداً للابتزاز السياسي في لعبة السلطة، ودائماً بتحريض وتشجيع من الخارج. وأيضاً من البديهي، أن يتم استخدام المال السياسي الخارجي الآتي باسم التنمية والإعمار في هذا المضمار. خصوصاً أن مقدميه هدفهم نصرة طرف على طرف آخر. بحيث يصبح المال السياسي الآتي تحت شعار التنمية والإعمار، سبباً لمزيد من الانقسامات التي تأخذ إلى الفتنة. حيث يستخدم المال السياسي لزيادة مساحة الشقاق بين مكونات المجتمع وتحديداً السياسية منها.
فيجب علينا معرفة هذا النسق الجديد في تحديد ووصف طبيعة العلاقات العربيّة الإستراتيجيّة الدّاخليّة والخارجيّة، وهو عبارة عن المظهر السّياسي، المراد منه تحويل الأنظار نحو تقسيم الدّول العربيّة من جهة فيما بينها ومن جهة أخرى في وضعها في حالة صراع مع قوى إقليمية. لكن الأهمّ من ذلك هو إدراكنا بالعمق لهذا الواقع، واستيعاب عمق التحدّي، والتحلي بالرّؤية الإستراتيجيّة الكفيلة بدرء المخاطر والتحدّيات عن أوطاننا والمجتمعات من نخب ثقافيّة، فكريّة، سياسيّة، اقتصاديّة واجتماعيّة. فمثلاً مشروع الشرق الأوسط الكبير سيكون لزمن غير قصير وسيبقى الخيار الثقافي الدّولي الذي ترغب الدّول الكبرى في جعله برنامج عمل وتنفيذ لدول المنطقة على الرغم من كل تلك التغيرات والثورات في المنطقة العربية. وهو المشروع الذي سيصبح ضرورة دوليّة، سياسيّة، ثقافيّة، اجتماعيّة، اقتصاديّة وأمنيّة بامتياز في المنطقة الأكثر اشتعالاً في العالم للالتفاف على التغيرات والثورات المجتمعية الايجابية سواء في تونس أو مصر وكل ما يليها مستقبلاً.
فمنبع التناقضات جميعاً، هو هذه الغرابة الجوهرية والجذرية في انساق قد يرغب في فرضها على روحية المجتمعات التي فرضت فيه وعليه غصباً، فلا تستطيع أن تكون آمنة. الأمر الذي يعمق غربتها ويعزز استحالة القبول بها، ولا يؤثر العنف الذي قد تتصف فيه يوما ما باللاتناسب إلا على أن اللاتناسب هو جوهر هذا النسق، وببساطة هذه الأنساق غير مناسبة ومتناسبة في المنطقة. هذا أمر غير قابل للتقادم ولا المحو، لا بالقوة ولا بمزيد من القوة لا بالجنون ولا بالعقل. لأن المفاهيم باتت مضطربة من فرط سوء استخدامها بلا تحديد ولا تدقيق، ووفق وظيفة تنتمي إلى التفخيم اللفظي أكثر مما تهجس بالمضمون. تهرباً ربما من الفراغ السياسي الذي يقف أمامه جميع الفاعلين إلى أي تيار انتموا، فتصبح في أفضل الأحوال أدوات لحاجة صماء، لذلك قد يكون تعبير “تاريخي” في وصف المنعطف الذي تقف أمامه يصبح محرجاً، ولكن النظر إلى المشهد برمته يفرض مثل هذا التوصيف.
‎© منبر الحرية،16 فبراير/شباط 2011

يوسف محمد بناصر19 فبراير، 20110

استمرت لحظات انتفاض الشعب التونسي في تصاعد غير مسبوق وبنفس غير متوقع إلى أن أطاحت برأس النظام المستبد بالسلطة زين العابدين بن علي، فر الرئيس هاربا تاركا كل شيء خلفه في مهب الريح، بعدما فقد السيطرة على زمام ما كان يظن ،إلى وقت قريب، أنه تحت عينه وسلطته التي لا تقهر. إنه “الشعب المنتفض”، لتصبح تلك اللحظة التي أذيع فيها الخبر تاريخية بامتياز، نعم فتونس تحركت كبقعة زيت متوهجة أوقد نارها ونورها “المرحوم البوعزيزي”، ثورة عصفت بالسنين العجاف التي أحاطت جمهورية الزيتونة بقبضة من كهنوت سياسي وبوليسي مترع بالفساد المالي، فانهارت شعارات التنمية الاجتماعية والاقتصادية مع صرخات الجسد المحترق، لقد وصلت درجة اختناق الحرية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية في ظل النظام التونسي حتى صار مضرب الأمثال وسنة للاقتداء العربي، لقد اختنقت أنفاس الشباب الذين خرجوا يرددون “لاءات” كثيرة ولكنها عميقة، لا للاستعباد، لا للقمع ، لا تكميم الأفواه، ولا للنهب والاختلاس، نعم للحريات نعم للتعددية، بكل عفوية انتفضوا على ثقافة الانبطاح والاستبداد والخوف، لقد احترقت شرعية النظام التونسي في رمشة عين كما ستحترق غيرها من الأنظمة، صارت لحظة الثورة ناضجة بعد طول انتظار، وحان موسم عربي جديد، انطلق من بلاد الزيتونة، تجتث فيه أشجار علقمية المذاق ثمارها قهر واستبداد لتنفى بعيدا وتستبدل بأشجار تثمر في موسم ربيعي نظام الحريات والتعددية والكرامة ودولة الالتزام بالقانون والحقوق والمساواة.
اعتمد النظام التونسي البائد على تسويق صورة مزيفة عن نفسه وعن نموذجه القوي، القادر على التحكم والرقابة، فقد خرب الأحزاب – يسارية كانت أو إسلامية- وجعلها غير قادرة على الحركة والعمل السياسي، وحاصر حراك المجتمع المدني، واعتمد بسط السيطرة بشكل شمولي على كل القطاعات الحيوية، اقتصادية ومالية وإعلامية وسياسية، دجن بعض المثقفين، كما صنع نخبا أخرى لتدور في فلكه وتلمع نموذجه المتقدم زورا، وعذب وسجن المعارضين أو طرد أغلبهم خارج البلاد، ثم خلق اقتصاد الريع ليستفيد أزلامه ليكونوا حماة النظام أو ليتحكم في بقايا المحرومين من الذين قد يحقدون على الوضع أو ينفلتون في لحظة غضب، فيخربون وينهبون ويقتلون ببشاعة كما قد يحصل عند سقوط أي مستبد.
عندما أحكم النظام التونسي الخناق على ميادين التنفيس الشعبي وعلى المنظمات والأحزاب والهيئات ونمطها لصالحه، فقد في ذات الوقت السيطرة على الحراك الطبقي والاجتماعي، لتتوسع الطبقة الوسطى المثقفة، كما ترسخ الوعي السياسي فيها مع ارتفاع نسبة التمدرس وتوسع خريجي التعليم العالي، ليكون هذا التحول البنيوي الدقيق هو النقطة التي ستفيض الكأس، لأنها ساهمت في تسريع خطى انهيار النموذج البوليسي المترهل، فانتفض الشعب في لحظة حاسمة تحدوه الحماسة لصنع نموذج ديمقراطي صاعد، يتناسق مع طموحاته ويستجيب لحاجاته الاجتماعية والسياسية والإيديولوجية.
إن الشعب التونسي اليوم بانتفاضته الشعبية الشبابية يعد مثالا صادما للمجتمعات التي تعيش في نفس الوضعية لزمن ممتد، لذلك فأمواج الانتفاض ستكون متلاحقة شيئا فشيئا لتعم غالبية الأنظمة الشمولية، التي رزحت بتخلفها الفكري والسياسي على الشعوب، وكل المؤشرات تشير إلى النظام المصري المتهالك الذي أمسى هو التالي في قائمة الأنظمة العربية التي سيخضعها موج “تسونامي التفكيك الشعبي” لقانونه.
والإشكالية المطروحة الآن أن الشعوب ستتحرك بدون قيادات ملتزمة بمشروع إصلاحي أو أيديولوجي يحفظ القيم التي انتفض الناس من أجلها في برنامج عملي، ليصبح حراكهم عفويا تعبيريا وفي غالب الأحيان فوضويا، غير مؤطر بمنهجية سياسية واعية وفاعلة، وهذا ما سيتجلى في الانتفاضة المصرية إذا لم يتدارك الأمر في وقته، إنها حماسة الخروج من التيه السياسي العربي، حماسة اكتشاف الذات خارج سلطة القمع وخارج النظام المستبد، لقد تولدت لديهم الرغبة في التحدي، ولو تعلق الأمر باكتساح جحافلهم لشرطة القمع بصدر عار أو الوقوف بتحد أمام طلقات الرصاص، تلك الرغبة والتحدي لم تكن لتظهر لولا الإشباع الذي وصلته النفوس والضمائر من كرهها لثقافة الاستبداد والترهيب التي لا ينتهي لهيبها، فطربت النفوس بقوة لجاذبية التحرر وإرادة التخلص من الضيق الاقتصادي، فحان لزوما الوقت للانتفاض من أجل أن تؤسس ثقافة جديدة مبنية على هذه الحاجات، ولا منة لأحد من “الأحزاب السياسوية” المتخمة بالشعارات الجوفاء والموضوعة تحت تصرف قيادات الفكر القروسطوية أو التاريخ العجائبي، لا منة لأحد من هؤلاء ولا من أولئك على الشعبين التونسي ولا المصري إلى الآن، ولا منة لزعيم سياسي عليهم قد يتسمى مستقبلا بقائدهم الملهم أو الثوري، ولا منة لبرنامج أيديولوجي أو حركة ثورية أو تنظيم سري عليهم..، هم أنفسهم يمنون ويمتنون شبابا وشيبا، نساء ورجالا، على أن انتفاضتهم عملية سلمية شعبية لاعنفية شهد لها العالم ولا يزال، فهم أقاموها بعرق جبينهم وبأيديهم وبدمائهم وبعفويتهم السياسية، وقد جوبهت برصاص أنظمتهم المتمرس للقمع، لكن كانت إرادتهم أقوى وصدورهم أمتن وصفوفهم متراصة، فالعنف لا يولد إلا العنف والكراهية والانتقام، ولا أحد من مصلحته أن تتأجج مشاعر الانتقام، لأنها ستحرق في طريقها الأخضر واليابس، والشعب الذي يتبنى الفعل السلمي بشكل عفوي ذكي سياسيا وثقافيا، لأنه يرفض الوقوع في هفوة العنف والصراع المسلح أو على الأقل يؤجله كخيار صلب بعيد يمكن اللجوء إليه كآخر حل عند سقوط الحلول المرنة، وهو ما قد لا تفطن له بقية الشعوب وحتى الأنظمة التي تطمح لاستنساخ هذه التجربة أو تلك هنا أو هناك، فالظروف المختلفة والوضع الجيوسياسي والثقافي والإثني والديني كلها تحكم استعمال العنف عند الإنسان، وبطبيعة الحال فالعنف هو شيطان قابع في الجنس الإنساني يتقنه منذ حادثة ذبح هابيل مرورا بثقافة الحروب والانتصارات الدموية التاريخية التي كرست منطق الإلغاء والسيطرة، أفعال مستهترة بالأنفس والعقول كتبت على أنها بطولات وفضائل، لتمتد إلى الحاضر تخرس مواقف السلم وتربك مجتمعات التعايش لتجعلها محبة للدماء ومتعطشة للفوضى والانقسام، وأبرز مثال على ذلك العراق والسودان، والله أعلم من في القائمة أيضا.
إن تجربة الشعب المصري اليوم في انتفاضته لا تختلف كثيرا عن الانتفاضات التي ستقع في بلدان عربية كثيرة خصوصا ذات الأنظمة الجمهورية، فهذه الأخيرة، لم تعد لها أي شرعية تاريخية أو سياسية أو أخلاقية، خصوصا بعدما طالت سنوات حكم المستبدين بها فتأكد أنها ولدت ميتة بلا معنى، حتى ولو كانت أسماؤها تقدمية تنهل من ثقافة التنوير السياسي الأوربي زورا، فكثير من الأوصاف السلبية مشتركة بينها والتي منها انفراد الحزب الواحد بالمواقع والسلطات والقمع البوليسي للشعب والإبقاء على حالة الطوارئ التي لا تنتهي، وانفراد القائد بكرسي الرئاسة، وإصدار دستور مقدس يصب في مصلحة توالي سنوات حكم الحاكم المستبد أو لنقل ملكية الجمهورية والقصر الرئاسي لابن الحاكم أو زوجته بعد عمر برزخي.
سئمت الشعوب نفسها وسفهت أحلامها تحت حكام الجور والاستبداد، الذين انفرد العالم العربي لوحده بهم دون سائر البلدان، التي سارعت للتخلص مما علق بها من أيديولوجية الأنظمة الشمولية البائدة، والتي انهارت منذ أزيد من عقدين وبالأحرى توالى انهيارها منذ واقعة سقوط جدار برلين التاريخية، واليوم لم يعد من السهل إقناع الشعوب العربية بالعودة للخلف، فخطابات التبشير ولى زمانها، كما أن ترقيع ما بقي من الحياة السياسية والاقتصادية مرفوض تماما، و”منح” دساتير وحريات وحقوق صورية أو إطلاق إصلاحات مجتزأة وغير واضحة غير مقبول، لأن كل هذه الشعوب الآن امتزجت عندها مشاعر الإصرار على التغيير الجذري بمشاعر الوجود في الحياة، كأنها اللحظة فقط اكتشفت جمال الطريق السوي نحو عالم الديمقراطية ومتعة العيش في النور بعيدا عن الظل والظلام.
‎© منبر الحرية،9 فبراير/شباط 2011

peshwazarabic9 فبراير، 20110

في العام الماضي ازددت معرفة بالفروقات المتزايدة بين أغنياء وفقراء مصر وبين طبقتها السياسية وبقية الفئات في المجتمع. جاء ذلك من خلال عدة رحلات ولقاءات مع أصدقاء في مصر، أذهب في المساء إلى أحد المطاعم الفاخرة فأرى عالماً ساحراً من البذخ والرفاهية. أسير في النهار وسط الناس فأشعر بالبؤس يطوق أزقة المدينة وشوارعها. في كل مرة أرى آثار الديكتاتورية على شعب عرف بطيبته وعظمة تاريخه. أتساءل بيني وبين نفسي: «هل أنا في إيران الشاه عشية قيام الثورة عام 1978؟».
أثناء إقامتي في القاهرة في كانون الثاني (يناير) الماضي تحدثت مع الكثير من الناس، أصدق الأحاديث كانت مع سائقي التاكسي. سمعت قصصاً كثيرة، وكادت كل قصة أن تكون متطابقة مع الأخرى حول سيطرة 4 في المائة من المصريين على اقتصاد 96 في المائة منهم وحول الفساد والرئيس والتوريث.
وفي آذار (مارس) الماضي التقيت في العاصمة الأميركية عدداً من المثقفين من أعضاء «الحزب الوطني» الحاكم أثناء مؤتمر في الولايات المتحدة، حملت إليهم أسئلتي ومخاوفي عمّا رأيت في مصر، ولكني فوجئت بالردود. أحدهم قال: «أنت لا تعرف الشعب المصري فهو هادئ بهدوء النيل». أما الثاني فأكد «إذا أردت أن تفهم مصر فالسلطة الحقيقية للجيش وليس للشعب». قلت لأصدقائي: «لكني أرى تغيراً في المزاج، الشعوب تتحرك في لحظة لا يعرف أحد موعدها. مصر في الطريق إلى شيء كبير إذا لم تبدأوا إصلاحاً حقيقياً، بل ربما فاتتكم اللحظة لهذا الإصلاح».
بعد الحديث أخذني أحد الشبان جانباً ممن سمعوا النقاش وتساؤلاتي. كان أصغر سناً من البقية ويمتهن الصحافة، نظر إلى اليمين واليسار والى الخلف، ونحن في العاصمة الأميركية ولسنا في مصر. قلت له: لماذا تنظر حولك فأوضح بسرعة: «لكي لا يسمعني أحد من أصدقائي، إذ أخشى من التمييز ضدي». ثم قال لي: «مصر في الطريق إلى انفجار، نحن نسير نحو المجهول».
حُكمت مصر منذ اغتيال الرئيس السادات عام 1981 بواسطة قانون الطوارئ وشهدت ضموراً كبيراً في دورها الإقليمي. ويلاحظ أن عدد رجال الأمن في مصر عند اغتيال الرئيس السادات لم يتجاوز مئتي ألف، بينما كان الجيش في أوج قوته مليوناً ونصف المليون. الآن عدد قوات الأمن مليون ونصف المليون بينما عدد قوات الجيش المصري مئتان وخمسون ألفاً. هذا دليل انه في ظل السلام مع إسرائيل برز عدو جديد: المعارضة والشعب.
وليبقى حزب أو رئيس ومجموعة صغيرة في الحكم لمدد خيالية (30 عاماً) لا بد من الكثير من القمع وحجز الحريات وتفتيت المجتمع وإضعاف المؤسسات، ولا بد أيضاً من تغيير القوانين لمصلحة احتكار السلطة، وهذا يعني إشعار الناس بالخوف من التغيير عبر تفتيت القوى الوسطية المستقلة، وجعل الأمر يبدو على انه معركة بين النظام والتطرف الإسلامي، بل وصلت الأوضاع إلى الحافة في مصر عندما وقعت انتخابات مجلس الشعب والشورى التي شابها الكثير من التزوير مؤخراً.
ويمكن القول إن قضية التوريث بالتحديد ساهمت في الغليان. ففكرة أن يعيش المصريون ثلاثين أو أربعين سنة أخرى مع حاكم لم يختاروه في ظل انتخابات مسيطر عليها هو الآخر لعب دوره في تفجير ثورتهم، فالتوريث تحرسه حراب الأمن ومنع الحريات وقمع المعارضة وغياب الإصلاح وسيطرة الفساد.
وعندما تقع الثورات الكبرى من شاكلة التونسية والآن المصرية، عبر هدير الملايين، يكون المجتمع كمن أصيب بالحمى ووصلت حرارته وتصبب العرق من جسده إلى حدها الأقصى. الثورات حالة تفاؤل ومقاومة للمرض تماماً كمريض الحمى الذي يقاوم بهدف استعادة صحته، والثورات لا تقع إلا في المجتمعات القوية ذات الاعتداد بالذات والطامحة للمستقبل. إن محاولة قمع الثورات بالقوة تساهم في اشتعالها، كما أن السعي لتمييع مطالبها يقوي الأجنحة الأكثر تطرفاً في الشارع.
إن التحولات الكبرى في التاريخ لا تهدأ إلا بعد أن تحقق تحولاً نوعياً كبيراً، فالتعيينات التي تمت في الأيام الأخيرة، بما فيها تعيين الرموز الأكثر نزاهة في النظام، كما حصل مع تعيين نائب الرئيس عمر سليمان، لا يغير من حدة الثورة وعمق التحولات التي تحدث في كل ساعة. إن تعيينات الساعات والأيام الأخيرة تذكر بتكليف الشاه لشهبور بختيار برئاسة الوزراء قبل السقوط الأخير.
إن إصرار المتظاهرين على تنحي الرئيس مبارك للبدء بالتحولات السياسية يحمل معان كثيرة حول طبيعة التغير الذي يقع في مصر، وبينما تبرز آراء وسطية بين القوى المعارضة، إلا أن الغلبة عادة في حركات كهذه هي للرأي القاطع، والسبب يعود لسقوط الثقة بالنظام القديم والشك في وعوده. إن لجوء النظام إلى ميليشيات وعصابات عنيفة ورجال أمن بلباس مدني للاعتداء على المتظاهرين المسالمين يمثل انتهاكا لحقوق المجتمع واعتداء صارخاً على المتظاهرين الشبان، كما يعبر ذلك عن ضعف كبير في النظام واستشراس في الحفاظ على ما تبقى من رموزه. وهناك شعور منتشر بين النشطاء خاصة بعد الهجمات العنيفة عليهم بأن التوقف قبل تحقيق المطالب الرئيسية بما فيها استقالة الرئيس سوف يعرضهم لانتقام النظام. لهذا بالتحديد باتت المواجهة في مصر معركة كسر عظم.
المعارضة المصرية والقوى الجديدة التي سيفرزها الشارع المصري ستتحاور مع المؤسسة العسكرية الوطنية التي يمثلها نائب رئيس الجمهورية، لكن الشارع لن يقبل بأقل من رحيل الرئيس في هذه المرحلة ثم العمل على إدارة مرحلة انتقالية يتشكل فيها دستور جديد ويُحل إبانها مجلس الشعب والشورى ويُرفع قانون الطوارئ، ولن يقبل المصريون بأقل من انتخابات رئاسية جديدة وحريات حقيقية وتداول شامل على السلطة. هذه لحظة الحقيقة في مصر، وهي لحظة جيل.
سيبقى الجيش أساسياً في حفظ وحدة مصر، لكنه لن يكون قادراً علي إيقاف عجلة التغيير، وهذا سيدفع الجيش للعب دور مختلف في المرحلة المقبلة. سيكون دور الجيش تمهيداً، ولو بعد حين، لخروج العسكريين من التدخل المباشر في السياسة، إلا إذا انتخب أحدهم في انتخابات حرة مفتوحة مرجعيتها الشعب وأصواته. ما يقع اليوم هو مجرد بداية لديموقراطية حقيقية، تتطور مع الوقت، في أكبر وأهم بلد عربي، ولهذا الأمر أبعاد ونتائج على مستقبل الدول العربية.
وسيكون هناك أيضاً خاسرون في منطقة الشرق الأوسط ممّا يقع في مصر. إسرائيل تعيش توتراً واضحاً من جراء ما هو حاصل. ستكون مصر القادمة أكثر استقلالية، وأكثر التزاماً بالقضايا العربية والفلسطينية، أما الولايات المتحدة فربما تعي لأول مرة أن الشعوب العربية ستعبر عن نفسها في المرحلة المقبلة وستحمل للسلطة تيارات لا تعاديها بالمطلق، ولكن لا تتبعها في الوقت نفسه. ستكون روح الاستقلالية العربية أساسية في التيارات القادمة لقيادة العالم العربي. قد يكون التغيير في مصر مقدمة لتغير في النظرة الأميركية إلى العالم العربي في الوقت نفسه.
رياح مصر العاتية ستهب على العالم العربي حاملة معها جيلاً عربياً جديداً يبحث عن المكانة والحياة الآمنة الحرة والمشاركة في بناء دول مدنية ديموقراطية. جيل «الفيسبوك» والانترنت والعولمة والحريات والمشاركة يدق على أبواب جميع الدول العربية. الحدث التونسي والآن المصري سيمهد للإصلاح الصادق والشامل من قبل الأجنحة المتنورة والأقل تورطاً في الفساد في الأنظمة الحاكمة العربية، وفشل الطريق الإصلاحي وفشل المتنورين في تحقيق نتائج سيمهد لثورات جديدة تطيح بأنظمة سياسية ترفض المشاركة وتداول السلطة، وسنجد أن بعض الأنظمة فقدت قدرتها الهيكلية على الإصلاح وأنها في الطريق إلى زوال بسبب ذلك، بين الحالتين الإصلاحية والثورية ستعيش الحالة العربية مع جيل أعلن التمرد.
المصدر: الحياة

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018

فايسبوك

القائمة البريدية

للتوصل بآخر منشوراتنا من مقالات وأبحاث وتقارير، والدعوات للفعاليات التي ننظمها، المرجو التسجيل في القائمة البريدية​

تواصل معنا

جميع الحقوق محفوظة لمنبر الحرية © 2018