لم تعرف الحضارات الشرق أوسطيه الفكر الفلسفي كما عرفته أوربا منذ الحضارة اليونانية القديمة (حوالي 400 قبل الميلاد)، حيث كان الرواد الأوائل سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس، راسمي خط النشاط الفكري المتسائل.
لم تعرف الحضارات الشرق أوسطيه الفكر الفلسفي كما عرفته أوربا منذ الحضارة اليونانية القديمة (حوالي 400 قبل الميلاد)، حيث كان الرواد الأوائل سقراط وأفلاطون وأرسطوطاليس، راسمي خط النشاط الفكري المتسائل.
قد يكون ظهور مصادر جديدة للاستثمار الأجنبي من الدول النامية ذا أهمية خاصة بالنسبة للبلدان النامية المضيفة لتلك الاستثمارات ذات الدخل المنخفض، وشركات اقتصادات الدول النامية هي الآن مستثمرة هامة في العديد من أقل البلدان نمواً.
كتب إدوين جيه. فيولنر (رئيس مؤسسة التراث واشنطن) في تقديمه لكتاب فريدريك هايك (الطريق إلى الرق) أن هذا الكتاب يعد أكبر من أي إسهام آخر في سيرة هايك. أما هايك نفسه فقد قال عنه أنه "واجب لم يكن علي التملص منه".
لا حاجة للحديث عن ضوابط للنزاهة ولا عن ضرورة توافر الشفافية لضمان خروج الانتخابات المصرية المرتقبة بدون تزوير، فالحد الأدنى لمتطلبات التغيير لم يتوافر بعد لذا ليس من المنطقي أن نطالب –الآن- باعتماد صناديق زجاجية لجمع الأصوات، وتسجيل عملية التصويت بـ "الصوت والصورة"، وبأن يجري فرز كل صندوق وإعلان نتيجته داخل لجنته وتجميع النتائج قبل نقل الصناديق من مكانها.
تعنى الشرعية السياسية أساساً بكيفية وصول الحكام إلى السلطة ومدد بقائهم وعلاقتهم بالمعارضة، ومدى تقبل المجتمع لوسائل حكمهم ولممارساتهم وانجازاتهم. وبينما نجد في معظم دول العالم أن هذه الشرعية تستند إلى صناديق الاقتراع إلا أنها في الدول العربية ليست كذلك.
يمثل الإعلان العالي لحقوق الإنسان، بوصفه أحد المصادر الرئيسية التي تنهض عليها النظرية العامة لحقوق الإنسان في عالمنا المعاصر، الخطوة الأولى المهمة التي خطاها المجتمع الدولي على طريق ترسيخ الاهتمام بحقوق الإنسان والحقوق الأساسية اللصيقة بالشخصية الإنسانية، والذي مهد إلى سن قواعد واتفاقيات جيدة ولاحقة تجاوزت خلو الإعلان العالمي من بعض الحقوق.
ساد العقل الأوربي الأمريكي في العالم بعد حقبة من السبات الطويل نحو ألف عام، امتدت من سقوط الإمبراطورية الرومانية، والتي أرّخ لها بحدث تاريخي هام هو سقوط مدينة روما عام 476م بيد البرابرة، وحتى العصر الحديث عصر النهضة والتنوير، الذي تبدأ انطلاقته كما هو متفق عليه نحو عام 1500م مع بعض الاختلافات في التحديد، ولتتصدر بالتالي الحضارة البشرية من حينها، وتستمر إلى يومنا هذا..
جاء تسيّد الغرب هذا بعد مخاض عسير، وسعي محموم من القوى المطاحة بها لتوقيف عقارب الزمن، وكأن التاريخ ينبغي أن يتوقف عندها، وهذا دأب القوى التي استنفدت فرص بقائها، وبالتالي تعـذرُ القدرة على التواصل والاستمرار في مفاصل التحولات الاجتماعية تاريخيا…
تجلت ديناميكية العقل الغربي (الأوربي الأمريكي) في ملاحظة أن العالم في تحرك وتغير دائمين، وبالتالي لا بد له من رصد هذا الواقع المتغير، برؤية ومنظور جديد، وهذا لا يكون بالاكتفاء بما قاله السلف، فجاء السعي للتوفيق بين العلوم العقلية والعلوم النقلية، أي إيلاء الاهتمام بالأولى، وغربلة الثانية، أي عرضها للنقد، لتجاوز ما يمكن تجاوزه، والبناء على ما يمكن الاستفادة منه..
إن أيّ واقع جديد ينبغي مواجهته بأسلحة جديدة، وقبل أيّ شيء لا بد من قراءة الواقع، ودراسته، ومن ثم البحث عن طرق معالجته، والغرب في العصر الحديث دشـّن ثورته على الواقع في البدء بتحطيم سطوة الثنائي الإقطاع والكنيسة، وبالتالي الفصل بين الدين والدولة، (ما لله لله وما لقيصر لقيصر)..
كما توجه الغرب باتجاه رصد الطبيعة والمجتمع والإنسان الفرد، بعد اغتنام تركة واسعة من الثقافة ورثوها عن الإغريق والرومان، فدعوا لبناء جنة لهم على الأرض على شاكلة جنة السماء، فرأوا ذلك لا يتحقق إلا عبر التقدم المطرد، في حقول التنمية البشرية والاقتصادية والثقافة، والنهل من العلوم الحديثة، فجاء الحث على انتشار حركة العلمانية، وبهذا تم اختفاء كثير من القيم طواها الزمن مع استهلال العصر الحديث، لتنفتح الطريق أمام إرساء قيم جديدة، فقد تمت مواجهة القديم بنزع إهاب القداسة عنه، وجلال الخضوع له، والتشديد والتأكيد على قيمة الإنسان، ومحوريته في الحياة، ووجوب تحريره من طلاسم السلف، وسلطان رجال الكنيسة، وترك المجال له بحرية في إطار علاقته بربه، بعيدا عن التعصب، والانقياد الأعمى، وما يسبب ذلك بالتالي من شلل فكري..
كان لا بد في هذا التوجه، من القضاء على سلطة النبلاء، والثورة ضد العبودية واسترقاق الإنسان، والحد بداية من سلطة الكنيسة..
منذ القرن السادس عشر أي بداية العصر الحديث، ناسب الغرب العقل والعلم، باعتبارهما سلاحا ذا قيمة لا يضاهيه أي سلاح، فبهما يمكن للغرب من تخطي الحاضر المثقل بأغلال الماضي، ومواكبة ركب التقدم الحضاري، فإذا ما اعترضهم إشكال ما، مثلا معضلة اجتماعية أو اقتصادية، فسرعان ما تلتئم مؤسساتهم بمختلف مناهلها الفكرية والسياسية، للكشف عنها، والخروج بمعالجة مناسبة..
كما أعار الغرب أهمية كبيرة للأفكار، فرأى فيها قوة حافزة تهيئ الفرد والجماعة في كيفية مواجهة الواقع، وإيجاد حلول لمشكلاته، رغم ما أشيع عن بعض المفكرين، أن لا تأثير للأفكار في حفز الناس ودفعهم نحو المطالبة بحقوقهم، أو دفعا لعدوان، ونقول هنا، إذا كانت المظالم دفعت الفرنسيين باتجاه ثورة 1789 فإن أمثال فولتير وجان جاك روسو قـد بينوا، ومهدوا بفكرهم، ورصدهم للواقع الفرنسي آنذاك، كيفية مواجهتها، فلا يمكن فصل الفكر عن الواقع، ولا قراءة الواقع دون خلفية فكرية، فكلاهما الفكر والواقع متلازمان، وأيضا فالمظالم تحفز الناس نحو التمرد والثورة، وهنا يأتي الفكر كرداء مناسب للثورة..
ثم ما الذي حدا لويس السادس عشر في سجنه وهو ينتظر قضاء المقصلة قبل إعدامه، أن يقول بعد أن قرأ لفولتير وروسو :(هذان الرجلان هما اللذان دمرا فرنسا) وكان يقصد تدمير النظام الملكي في فرنسا، ما كان ليقول ذلك لولا تأثير أفكارهما واستحواذها على عقول الناس وأفئدتهم..
في هذا المدار وتساوقا مع الفكر الغربي، ظهرت حركة فكرية في الغرب عرفت بالعقلانية أو الحركة العقلانية، وهي بمثابة مجموعة من الأفكار، تعين الإنسان لفهم واقع الحياة، وحقيقة الكائنات، وهذا البعد والغوص في التفكير أبعد المفكر العقلاني عن العقيدة المسيحية التقليدية، فهذه النزعة ترى أن بمقدور العقل معرفة جانب من تدبير الله في إدارة الكون، رغم هذا فقد برزت أشكال عديدة من الدعوات سعت للتوفيق بين العقلانية والمسيحية، لكن في الحقيقة أن العقلانية نبذت كل ما هو غيبي، أو خارق للعادة، فأبقى على ما هو قابل للفهم والتعليل، فإيمانهم بالعقل لا يحده شيء، الم يقل المعري قبل نحو ألف سنة..
(أيـّها الغــرُّ إن خصصتَ بعقل ****** فاتّبعه “فكل عقل نبي”)
وهذا مكيا فللي يشاطر العقلانيين رأيهم في رفضه عن وجود شيء خارق للطبيعة، وأن الله بمنأى من أن يتدخل في شؤون العباد..
أولى الغرب أيضا اهتماما كبيرا للعلوم الطبيعية، فأنشؤوا أكاديميات بهذه الغاية، كما وجدت جمعيات علمية للغرض نفسه، وعزا بعضهم هذا التقدم الهائل إلى العامل الاقتصادي، والأعمال التي يديرها الرأسمالي، فضلا عن ازدياد الثروة، لكن كل هذا كان مرتبطا بالعلم، فالعلوم الطبيعية تأتي انعكاسا للبيئة الاجتماعية وبالتماشي مع مستوى من تطورها، فقد أدرك الغرب حقيقة العلاقة بين العلوم الطبيعية، وبين درجة من تطور الفرد وحريته، فوجد بتوفر الحرية للأفراد والمؤسسات، يعني مزيدا من التقدم العلمي، ومن هنا جاء التركيز على خصلة الحرية، وفي خضم هذا الصراع ظهرت الليبرالية كمذهب جديد، ومن أهم سماتها في جانب العقيدة المسيحية دعوة الليبرالية إلى حرية المعتقدات بين من يؤمن ومن لا يؤمن، وأثرت عنها عبارة شاع انتشارها تقول: (كل حرٌّ في دينه) أي الليبرالية في الدين، وعنت الحرية في ممارسة المعتقدات الدينية، وأيضا الحرية بين الإيمان والإلحاد..
بمضي الزمن ازداد عدد المتعلمين، وتحقق كثير من التقدم، فتنبه الغرب لرسالة الإنسان في هذا الكون، وقدروها، وكيف أنها تناقض الجانب التقليدي في العقيدة المسيحية، ورأوا أن اضطراد التقدم، يقودهم حتما إلى الوفرة والسعادة، وزوال كثير من الرذائل والآثام، حيث طغت نظرة أخلاقية، هي أقرب بالجانب السمح في الديانات الثلاث اليهودية، المسيحية، الإسلام، وكان الهادي في كل هذا هو العقل، وعلى العموم حقق الغرب ما عملوا من أجله، من تقدم في مختلف الميادين، فضلا عن الوفرة، والسعادة، والحرية..
إن شعوب بلدان العالم الثالث تأثرت كثيرا بالعقل الغربي، وتفاعل مع منجزاته في شتى الميادين، في الحياة، والعلم، والسياسة، كما أبهر بسحر الدولار، ونمط الحياة في تلك الأصقاع البعيدة، فضلا عن الحرية في العلاقات الاجتماعية والممارسة السياسة، وانسحب التأثير على عقول الأجيال، عبر وسائط الاتصالات العديدة، من السينما، فالتلفاز، والزيارات، وأخيرا الإنترنيت.. حيث أصبح العالم بمرأى أعين الجميع..
إننا في العالم العربي إذا فكرنا في نقل شعوبنا إلى مصاف الأمم المتقدمة، استذكرنا الماضي، وذرفنا الدموع لزوال تلك الأمجاد، فلم نزل نعيش في الماضي، الماضي الذي لن يعود، وهذا تعبير على عجزنا، أما أن نفكر بالمستقبل والأخذ بأسباب التقدم، فهذا غير متفق عليه، فمن جانب لا نولي العلم الأهمية اللازمة، ولا نحن بمعرض فك القيود عن حريات الناس، ولسنا بصدد إنشاء جمعيات أو مؤسسات البحث العلمي، فمازلنا نختلف في مسألة شرعية كالتيمم..
إن الإبداع لا يأتي في ظل الجوع والكبت وغياب الحرية، والمهاجرون من سكان العالم العربي الذين يعيشون في الغرب ربما يقدر ذلك.
© منبر الحرية،9 دجنبر/كانون الأول 2010
دأب القول السياسي العربي في صورة عامة منذ أكثر من خمسين عاما على الضرب على الوتر الخارجي: الامبريالية، الرجعية، الصهيونية، ومن ثم الاحتلال الأمريكي للعراق، العولمة، الهيمنة الغربية، صدام الحضارات ..الخ.
وتجاهل عن سابق إصرار وتصميم كل ما يتعلق بالداخل العربي من تنمية، إعلام، ثقافة، بحث علمي، بيئة، صحة، تكنولوجيا، وحريات التعبير، وحرية الصحافة، والأحزاب …الخ.
هذا هو المشهد الذي صيغت فيه التعابير والمقولات والشعارات التجييشية والتحريضية والشعبوية، ومن خلال إعلام إما رسمي لخدمة الأنظمة، أو خاص مأجور ومدفوع الثمن من شركات ومقاولين وتجار يخدمون بشكل أو بآخر مصلحة الأنظمة العربية السائدة، وبخاصة تلك الأنظمة التي كانت تدعي الثورية والاشتراكية والتصدي والمجابهة والممانعة، إلى غيرها من التسميات الصارخة والفارغة كالطبل الأجوف في بحر من حراك وحركة عالمية تكنولوجية معرفية متسارعة الإيقاع.
بعد كل تطورات الحالة الإقليمية والعالمية، تأخذ الضرورة الموضوعية حاجتها إلى عملية فك الارتباط بين المتطلبات الديمقراطية الداخلية لكل دولة أو قطر في العالم العربي وشعارية التحديات الخارجية. بعد أن وصلت الدول العربية إلى حالة من الأزمة المتفاقمة المستعصية على الحل بفعل أن إفرازات الدكتاتورية هي التي أنتجت مرض الاستبداد المزمن، الذي وللأسف تشربت شعوب المنطقة من مياهها الآسنة فاستمرأت هذا الاستبداد وتحت وقعه الشديد ارتأت النوم العميق في سبات طويل طويل، بغض النظر عن التفكير في أي نهضة أو نهوض أو مقاومة أو حركة أو تحرك أو هبة أو صعود.
ما نشهده الآن في بعض الدول العربية وما شهدناه في السنوات القليلة الماضية يؤشر بشكل واضح أزمة نظام الحكم العربي وأزمة الجماهير المستسلمة. نظام الحكم أزمته هي تأبيد الحكم وتوريثه، وأزمة الجماهير هي الرضوخ للأمر الواقع تحت ضغط القمع والفساد، ماذا حدث في العراق، أليس الاستبداد الذي جاء بالاحتلال نقول ذلك بصورة مختصرة لنبتعد قليلا عن جدل الحدث العراقي وتشابكاته وتعقيداته الكثيرة، والسودان الذي وصل إلى درجة أن رئيس السودان نفسه يقر بأنه إذا صوت الجنوب السودانيون بالانفصال فإنه يكون أول المعترفين بالكيان الجديد، ماذا لو كانت السودان دولة ديمقراطية هل كان الجنوب السودانيون يفضلون الانفصال؟ لست ضد الاستقلال من حيث المبدأ، ولكنني أشير إلى غياب الديمقراطية التي تستوعب التنوع ضمن الوحدة، وفي اليمن لماذا الجنوبيون ينزعون للانفصال أليس الاستبداد نفسه الذي يدفعهم لذلك؟.
والبارحة عندما كان الكرد يطالبون بالحكم الذاتي والآن الفيدرالية، ماذا لو كانت العراق دولة ديمقراطية تحقق المساواة بين العرب والكرد، وتمنع الاستئثار بالقرار وتضطهد الأقليات والقوميات المتواجدة في العراق.
نحن نصل في النتيجة إلى الضرورة الموضوعية لفك الارتباط بين واقعية المتطلبات الداخلية بشتى المجالات، وشعارية التحديات الخارجية التي أضرت بالاستحقاق الداخلي وشوهت لوحة المجتمعات العربية وضربت البنى التحتية في دول العالم العربي، وجعلت العالم العربي يقف بامتياز في نهاية قاطرة التقدم والتطور في العالم.
© منبر الحرية،7 دجنبر/كانون الأول 2010
إن المعضلة التي تشغل مصر ومعها العالم الخارجي هو الظاهرة الإسلامية، فقد عرفت مصر خلال الثلاث عقود الماضية الظهور الكبير لجماعات سياسية تسعى – بطريقة عنيفة أحيانا – لتطبيق الشريعة الإسلامية، وارتفع شأن الإسلام كأيديولوجية، وكقوة سياسية وكجزء من المجتمع المدني. ورغم ما يبدو من تماسك تلك الظاهرة ، فإنها – تحت الرداء الفضفاض لكلمة الإسلام أكثر تعقيدا وتعددية.
هناك خمسة مستويات داخل هذه الظاهرة :
أولا، إن الشعب المصري بمجمله قد ازداد تدينا( بمسلميه وأقباطه ) ومحافظة، فأصبح المصريون يصلون ويصومون ويذهبون إلى الحج بأكثر مما كان الأمر في السابق، وأصبح الملبس الإسلامي للرجال والنساء أكثر شيوعا، وحتى أجهزة الدولة والنقابات والأحزاب السياسية ( بما فيها العلمانية ) تحتفل بالمناسبات الدينية وتقوم بتجهيز رحلات حج مدعمة .
ثانيا، إن مؤسسة الأزهر الدينية التقليدية قد استعادت قدرا كبيرا من قوتها داخل المجتمع نتيجة وسائل الاتصال الحديثة من راديو وتليفزيون وفضائيات وصحافة . وهذا الدور تشرف عليه الحكومة وتوجهه ، فعلماء الدين في مصر- على عكس الحال في إيران- هم موظفون في” القطاع العام ” الديني .
ثالثا، إن الإخوان المسلمين الذين يمثلون القطاع القائد في الحركة الإسلامية المصرية قد أصبح لهم مكانة مرموقة في الساحة السياسية المصرية، فرغم أنهم لا يشكلون حزبا معترفا به، إلا أنهم نجحوا في الاندماج داخل العمل الشرعي السياسي فحصلوا على 88 مقعدا في انتخابات عام 2005 مما جعلهم يشكلون أكبر مجموعة برلمانية بعد الحزب الوطني الحاكم، كما أن نفوذهم تزايد بشدة داخل النقابات المهنية. المهم هنا أن لديهم ميلا متزايدا للاعتدال وقبول للديمقراطية والشرعية وبتطبيق الشريعة تدريجيا وخطوة بخطوة وليس تغييرها كلية، وهذا الاعتدال المتزايد للإخوان المسلمين خلق فجوة كبرى بينهم وبين الجماعات الراديكالية العنيفة.
رابعا، أن عودة الإخوان المسلمين قد ارتبطت بنمو” الاقتصاد الإسلامي ” الذي تمثل في البنوك الإسلامية والتي تأخذ إيداعات المصريين من أجل الاستثمار في مصر وفي أسواق المال العالمية، وهذه البنوك ذات طبيعة رأسمالية وذات صلات وثيقة بالنظام الاقتصادي العالمي، ويطالبون باقتصاد حر في مصر، مما يجعلهم مختلفين جذريا عن طبقة البازار في إيران، فبينما كانت هذه الأخيرة تسعى إلى فك الارتباط بين السوق الإيرانية والاقتصاد العالمي، فإن طبقة رجال الأعمال الإسلاميين يساهمون في تدعيم هذا الارتباط تحت رداء إسلامي.
خامسا، الجماعات الإسلامية الراديكالية والتي ظهرت في مصر منذ منتصف السبعينيات وارتكبت أعمالا عنيفة أبرزها اغتيال الرئيس السادات، فإنها حتى مع المراجعات التي قامت بها بعضها إلا أن التيار العام الذي يحكمها هو تيار العنف.
من هذا الوصف ” للظاهرة الإسلامية ” فإنها تبدو أكثر تعقيدا وتركيبا وتعددية مما تبدو على السطح، فرغم أن هناك فاعلا للعنف في المستوى الخامس، فان المستويات الأربع الأخرى تبقى داخل التقاليد المصرية المعقولة والمعتدلة، ومرتبطة بالظواهر العامة للتعددية واللامركزية المصرية التي نمت خلال السنوات الماضية . إلا أنه تبقى هنا معضلة التمثيل السياسي للتيارات الإسلامية، فالأصل في المفهوم الديمقراطي أن تكون الأحزاب تمثيلا للقوى الاجتماعية والتيارات السياسية الفاعلة في المجتمع، وكلما عبرت الأحزاب السياسية والمؤسسات السياسية عن تلك القوى والتيارات، ازداد التناسق بين البناء السياسي والبناء الاجتماعي وازدادت فرص تحقيق الاستمرار .
وتثور المشكلة بشأن السماح للتيارات السياسية الفوضوية أو العنصرية أو الشمولية، التي تقوم على ممارسة العنف ضد الآخرين بالتنظيم. ومبعث المشكلة هو أن الديمقراطية تنهض على أساس قبول الأطراف المختلفة بالدستور وبالقواعد التي حددها لكيفية الوصول إلى السلطة وتداولها. فهل يسمح النظام الديمقراطي بأن تستخدم آليات الديمقراطية وإجراءاتها لتقويض هذا النظام من أساسه، وهو ما حدث في جمهورية فيمار بألمانيا، عندما وصل الحزب الوطني الاشتراكي (النازي ) إلى السلطة من خلال الآليات الديمقراطية، ثم قام بإلغائها بعد وصوله إلى مقاعد الشرطة ومن ثم فإن المعضلة التي تواجهها مصر تتمثل في كيفية التوفيق بين توسيع دائرة التمثيل السياسي وفرصه من ناحية وضمان عدم استخدام آليات التحول الديمقراطي لوقف هذا التطور أصلا. مصر لم تحل تلك المشكلة مما يمثل إشكالية لابد من مواجهتها ووضع الحلول الإبداعية لها.
© منبر الحرية،1 دجنبر/كانون الأول 2010
يرتبط وجود الدولة ككيان جغرافي وبشري بمجموعة من الوظائف التي تبدو بديهية، إلا أن الفشل في أداءها أو القيام بها بالشكل الأمثل يكون كارثيا، يأتي في مرتبتها الأولى الوظيفة الإنمائية التي تتحدد ملامحها في قدرة الدولة على تهيئ الحرية، والإطار المؤسسي القادر على تحقيق نهضة تنموية بتعظيم وتوظيف القدرات والموارد الطبيعية والبشرية بمنهج وأسلوب عصري، يؤدى إلى الارتقاء المعيشي والتعليمي والثقافي لمواطني هذه الدولة والانتقال بهم من وضعية التخلف إلى وضعية التقدم. ثانيهما الوظيفة الأمنية سواء كان الأمن في شكل جيش قوى يحمى حدود هذا الوطن من الطامعين في أراضيه، أو في شكل جهاز أمن داخلي يستطيع أن يحافظ على أمن المواطنين معليا من قيمة القانون وتنفيذه على الجميع دون تفرقة أو محاباة لفرد أو فئة على حساب أخرى. هذا فضلا عن وظائف أخرى كثيرة تجسد مفهوم الدولة التنموية يأتي على قمتها وظيفة الاندماج القومي، والتي تكون من محصلتها أن يشعر أفراد الوطن بكيان الوطن الفوقي على الجميع والذي يترجم في عملية تفاعلية من البشر ومؤسساتها بحيث تعم فائدتها على الجميع دون تمييز .
فالملامح المحددة لشكل الدولة في العصر الحديث تظهر في مدى قدرتها على إعلاء قانونها ومؤسساتها على قوانين هذه الجماعات والإثنيات الفئوية بداخلها، بشكل لا يخلق تميزا لفئة على حساب أخرى، وإنما ينم عن العدالة وتحقيق المساواة أمام مبدأ المواطنة الذي يتساوى عنده الجميع. والدول التي يوجد بها مشاكل كثيرة متعلقة بقضايا الإثنيات والتنوع الديني كانت قدرتها على ترجمة هذا المتغير إلى منجي لها من كوارث قد تؤدى إلى مجازر أو إبادة جماعية يقوم بها البشر تجاه بعضهم البعض. والمثال الأوضح على تطبيق هذا المبدأ يظهر في دولة الهند التي استطاعت رغم كبر عدد السكان المتنوع اثنيا ودينيا والذي تجاوز المليار نسمة، يقع70 % منهم تحت خط الفقر، من إعلاء مفهوم المواطنة بترجمته في مؤسسات الدولة وقوانينها وخلق ما يشبه المواطن الهندي الواحد بصرف النظر عن إثنيته أو دينه .
والناظر إلى الكثير من المجتمعات العربية بات يلحظ مؤشرات كثيرة تنم على أن الدولة الوطنية لم تبن بعد، على الرغم من مرور كل هذه السنين من التجربة والممارسة للحكم الوطني، وهو الأمر الذي يطرح التساؤلات الكثيرة حول هذا التأخر. فبات هناك ما يشبه التراجع في مفهوم الدولة في مقابل نمو وازدياد قوة تنظيمات وجماعات قد تكون فئوية أو دينية، تأخذ شكل موازى ومضاد في الغالب للدولة وظائفها. وهي كلها مؤشرات إن دلت على شيء فهي تدل على خلل كبير مرتبط بأن الدولة كمفهوم وممارسة لم يقم تحقيقه على أرض الواقع والأمثلة كثيرة هنا، إلا أنه تبقى هناك أمثلة لنماذج أولها يمثل نماذج حرجة والأخرى يمثل مؤشر إلى أنه في حالة استمرار الأوضاع بهذا السوء سوف تتحول إلى هذه الحالة التي تفضي إلي انهيار الوطن.
أولا: النماذج الحرجة تتمثل في حالة العلاقة ما بين الدولة اللبنانية والتنظيمات والفصائل التي تعيش في داخلها، فهناك ما يشبه الفصائل الموازية للدولة ليس على مستوى المضمون وإنما في مستوى أداء الوظائف من القيام بالوظائف الأمنية، ليس في الداخل وإنما على الحدود أيضا في شكل ينم على عدم الاعتراف بشكل ما بمفهوم الدولة اللبنانية، هذا ناهيك عن حالات الانقسام الأخرى التي يزرعها بداخل المجتمع مثل هذا الوضع من تنميط الشعب اللبناني في شكل انتماءات دينية وإثنية تعلو أو تهدم بالأساس كل ما يتعلق بمفهوم الوطن بمؤسساته. يجسد هذه الحالة بشكل عملي حزب الله في لبنان الذي أصبحت ممارسته الموازية والمضادة بطبيعة الحال للدولة اللبنانية واضحة للعيان. لعل آخرها دعمه للأمين العام السابق للأمن العام اللبناني اللواء المتقاعد جميل السيد وتنسيقه لاستقبال رئيس الإيراني لزيارة لبنان ليس عن طريق البرتوكولات المتعارف عليها، وإنما على طريقة برتوكول اللادولة في أن يستقبل فصيل مناوئ داخل دولة رئيس دولة، وما يحمله ذلك من دلالات أبرزها هو عدم الاعتراف بالدولة ومؤسساتها وأنه فوقها …، وبروز مثل هذه النماذج في دولة ممثلة في لبنان من شأنها أن يجعلها دائما دولة في مهب الريح في سبيل أن تكون بؤرة لتنظيمات مسلحة تتقاتل فيما بينها، الأمر الذي قد يؤدى بها في النهاية إلى أن تصبح أحد الأحياء التابعة لدولة أخرى أكثر تنظيما في الجيش وقدرة على إدارة الحكم، ولتكن في ذلك إسرائيل التي حاولت مرارا احتلال لبنان في السابق.
ثانيا: النماذج التي من الممكن أن تتحول إلى حالة حرجة، ومعظم الدول العربية ليست ببعيدة عن هذه الحالة. فعلى سبيل المثال، الدولة المصرية على الرغم من كونها تتميز عن باقي الدول العربية في كونها استطاعت بعد فترة الاستقلال أن تخلق ما يشبه الاستمرارية في نخبتها حيث عمليات انتقال السلطة كانت تتم بشكل سلمى من نخبة سابقة رحلت إلى نخبة تالية، في حالة ندر أن وجدت في النظم الجمهورية العربية الأخرى التي كانت تنتقل فيها السلطة عن طريق انقلابات..، وهو الأمر الذي خلق بشكل ما قدر من المؤسساتية ظهرت تطبيقاتها في وجود مؤسسة قضائية كل يوم تصدر أحكاما قضائية لا تفرق فيها بين وزير وغفير على حد تعبير المصريين، وعلى الرغم من كل ذلك تستشعر الآن أن ثمة أمور تحدث قد تؤدى إلى أضرار جسيمة في المستقبل، وهي المتمثلة في بروز أيضا أدوار موازية لدور الدولة ليس بمثل الحالة اللبنانية، وإنما بشكل آخر ينم أنه ثمة مشكلة في حاجة إلى حل، أبرزها في هذه الحالة الوضع السياسي للكنيسة القبطية التي تحولت لأن تكون وطنا موازيا للدولة، فالفرد الذي ينتمي إليها دينيا باتت هي الملاذ له، وليست مؤسسات الدولة، عندما يقع عليه ظلم. تتعدد هنا الأسباب ربما أبرزها خفوت دور الدولة كمفهوم وممارسة للوطن وبروز أداور موازية أخرى قد تكون في الكنيسة أو في المسجد أو في عمليات الاحتقان الطائفي التي تغذيها رموز التطرف الديني لدى الجانبين، ومن ثم لا يلبث أن يتحول موضع تحول ديانة شخص إلى مشكلة تهز المجتمع أو تصريح يقال بشأن الآخر إلى موضوع تظهر فيه المظاهرات وتعلوا أصوات الغضب. يحدث هذا في ظل أولويات أخرى غائبة كان من الضروري البحث والتظاهر من أجلها، كل ذلك مؤشرات لا تعكس قوة للمجتمع ولا قوة للدولة الوطنية بقدر ما تعكس قوة للفئوية والطائفية على حساب الوطن والمجتمع الذي يشكل الحضن الآمن للجميع من عنف الداخل وتهديدات الخارج.
*كاتب ومدير تحرير مجلة الديمقراطية بمصر
© منبر الحرية،3 دجنبر/كانون الأول 2010